أخبار عاجلة

تقاليد القراءة وأصولها في الأدب العربي

أولا : مطاهر معكرة للقراءة الأدبية في التراث العربي:

لقد كنا قضينا، في كتابات سابقة لنا، بحميمية العلاقة بين هذه القراءة، في أي صورة من صورها، أو في بعض صورها على الأقل، وبين الكتابة التي لا تعدو كونها في حقيقتها، قراءة لشيء ما في النفس،أو لأثر ما في القريحة، أو لهاجس ما في المخيلة. فالكتابة إنما هي كشف عما في طوايا النفس، وإبداء لشيء، مصور في صورة أدبية أنيقة، وصادقة، ومعبرة، ومتفردة ما أمكن، وجديدة ما أمكن، لم يك معروفا لدى المتلقي. فكأن الكتابة من هذه الوجهة تستحيل الى ضرب من قراءة الذات والكشف عما فيها. ولا يستطيع أي من الناس أن ينهض بهذا القراءة غير صاحبها الذي يحولها الى كتابة مسطورة على القرطاس.

ومن الواضح أن النقاد العرب الأقدمين عرفوا القراءة تحت أشكال مختلفة ابتداء من التعليق العابر، والملاحظة الانطباعية الى التحليل المنهجي الصارم لكن ذلك كان في حدود ما بلغه العلم على عهدهم.

وقد ألفينا قراءة العرب تستوي في ثلاثة مستويات : المستوى اللغوي، والمستوى النحوي، والمستوى الأسلوبي: بحيث كان القاريء، أو المحلل، (وكانوا يطلقون عليه الشارح) يعمد الى شرح الألفاظ الغريبة.وفك المعاني التي كان يردها مستغلقة في النص المطروح للتحليل (والنص هنا ينصرف غالبا الى البيت الشعري) حتى اذا تم له ذلك جاء ,الى  النص المطروح للقراءة فخرجه تخريجا نحويا: مقدرا ومعربا. وكان مثل هذا التخريج يكمل شرح الألفاظ، ويكشف عن البنية الأسلوبية للكتابة المقروءة، وببعض ذلك يقع التمهيد للتولج في المستوى الثالث الذي كان يعمد الى نثر البيت وتلخيصا في صورة أسلوبية غالبا ما كانت تكون متقاربة مع المستوى الأسلوبي للنص المحلل، ابتغاء منافسة النص نفسه إبداعيا، وحرصا على الازدلاف من مستوى نسجه.

وكانت النصوص المطروحة للتحليل في القرون الأول للهجرة لا تكاد تجاوز جنس الشعر الذي كان هو وحده الأدب بامتياز.

كما أننا لاحظنا أن معظم الذين تناولوا النصوص الشعرية القديمة بالتحليل، كانوا علماء لغة، وفقهاء وأصوليين وبلاغيين. وقل أن ألفينا رعيل هؤلاء المحللين وعما ليقهم من الأدباء الخلص، أو النقاد الخلص.

ولعل العلة في بعض ذلك أن أولئك اللغويين كانت لهم مقدرة،وذلك بحكم اختصاصهم، على استكناه معاني العربية، وتقصي أساليب التعبير فيها، فنقاد أمثال ابن سلام في "طبقات فحول الشعراء" وأبي عثمان الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين"، والآمدي في "الموازنة بين أبي تمام والبحتري" وابن قتيبة في "الشعر والشعراء" وقداسة بن جعفر في "نقد الشعر"، وابن رشيق في "العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده" والقرطاجني في "منهاج البلغاء" وسراج الأدباء.. وغيرهم كثير – لم يتناولوا النصوص الشعرية تناولا شموليا بالقراءة والتحليل : وإنما كانوا يعرضون لظواهر معينة، وموضوعات وقضايا، هي في جملتها مشكلات لكليات.

اذا كان كثير من هؤلاء أقاموا مناهجهم ونظرياتهم وأحكامهم على نصوص شعرية حقا؛ فإن ذلك لم يجاوز قط الوقفة المتعجلة، والرؤية المقتضبة – وعبدالقاهر الجرجاني مشمول فيهم – الى نص القصيدة بجذاميره، لا الى ديوان من الدواوين بحذافيره، وكأن أولئك النقاد كانوا يرون قراءة نص من النصوص بجذموره أمرا من امور اللغويين وحدهم لتمكنهم من الغريب، والمامهم بلغى الأعاريب، وبراعتهم في تخريج مسائل الأعراب.

وإننا لنندهش، حقا، أمام المقدرة الخارقة لأولئك اللغويين والنحاة على براعة التوغل في أعماق معاني اللغة والذهاب في قراءتها لا المذهب الواحد، ولكن المذهبين الاثنين، وربما المذاهب الثلاثة دون أن يعجزهم أي معجز عن أن يأتوا ذلك في بداعة وبراعة، وتذوق وتحسس وتلطف وتمكن (1).

ومن الآيات على سلامة ما ذهبنا إليه أن شراح نصوص "ديوان الحماسة" الذي جمعه أبوتمام، مثلا، ينتمون، في معظمهم الى اختصاص اللغة والنحو، لا الى اختصاص الأدب والنقد بمفهوميهما الصارمين إذ نلفي عشرين قارئا (شارحا) من بين زهاء ثلاثين هم لغويون أو نحويون أساسا أمثال أبي الحسن على بن سيده، وأبي الفتح عثمان بن جني، وأبي بكر محمد بن يحيى الصولي، وأبي علي المرزوقي، وأبي البقاء عبدالله بن الحسبين العكبري، وأبي عبدالله الخطيب الإسكافي.

والحق أن مسألة الاختصاص الأدبي، وفصلها عن الإختصاص اللغوي، حديثة النشأة كرستها الجامعة في القرن العشرين، وإلا فإن عامة المثقفين الكبار العرب كانوالغويين وأدباء في الوقت ذاته ؛ أي أنهم كانوا يعرفون، في معظمهم، دقائق العربية وأسرارها وكانوا، في الوقت ذاته، يكتبون بها إبداعا أو نقدا أمثال الجاحظ، والمعري، والخوارزمي دون أن ننفي أن منهم من استهواه مجال دون آخر فوقف نشاطه عليه،وأبدى تفوقه فيه.

ويمكن أن نضرب مثلا بالقافي أبي عبدالله الحسين بن أحمد الزوزني في "شرح المعلقات السبع "، وأبي علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي في "شرح ديوان الحماسة" الذي جمعه أبوتمام.. وأبي زكريا يحيى بن علي بن محمد التبريزي(421-502 هـ) في شرح "سقط الزند" لأبي العلاء المعري الذى تضافر على شرحه أيضا، بعد أبي العلاء نفسه ( 449هـ ): أبو محمد عبدالله بن محمد البطليوسي (444-521 هـ) وأبو الفضل قاسم بن حسين بن محمد الخوارزمي (555-617 هـ).

فمعظم هذه القراءات إنما تنهض على المنهج الثلاثي المستويات الذي كنا أومأنا إليه.

وعلى أن هناك قراءات نحوية خالصة مثل قراءة ابن جني الانتقائية التي شملت الأبيات المشكلة الإعراب وحوشيات اللغة وغرائبها في ديوان الحماسة، ومثل قراءة أبي البقاء عبدالله بن الحسين العكبري الذي عني، بصفة منهجية، بمسائل الإعراب وحدها في العمل الذي كتبه حول ديوان الحماسة أيضا.

على حين أننا نلفي القراءة الأدبية الخالصة ميزت بعض الأعمال مثل سعي أبي سعيد علي بن محمد الكاتب المتوفى سنة (414 هـ) الذي عمد فيه صاحبه الى نثر أبيات الحماسة (2): حماسة أبي تمام أطلق عليه : منثور البهائي وذلك على أساس أنه كتبه لبهاء الدولة بن بويه.

بيد أن هذه الاستثناءات كلها لا تزيد القاعدة إلا سلامة حيث إن الشروح المنهجية والتي تناولت كل النصوص التي رواها أبو تمام في ديوان الحماسة هي شروح تجري في إطار المنهج الثلاثي المستويات الذي وقفنا لديه.

وفي الحق، إن هذا الديدن نفسه يمكن أن يلاحظ في كثير من الأعمال التي شرح فيها أصاحيبها ديوان المتنبي وهم ينيفون على الخمسين في رأي (3)، وعلى الأربعين في رأي آخر (4)؛ ويبلغون بالتعداد اثنين وثلاثين شارحا في إحصائية الشيخ آل ياسين (5).
ثانيا : تقاليد قراءة القراءة

ابتدأت قراءة القراءة في سيرة الأدب العربي بسلوك منعزل كرد لتحليل بما يناقضه، أو كالذهاب في التعليق عليه بغير المذهب الأول فيه. ولو جئنا نحمي مثل هذا لما استطعنا إليه سبيلا لكثرته وشيوعه. ويمكن توسمه في اسقاط الكلام عبر الأمهات الأدبية هنا وهناك.

وقد ألفينا، مثلا ابن سيده الأندلسي كثيرا ما يتصدى في قراءته لـ "مشكل أبيات المتنبي " لقراءة من سبقوه فيدفعها دفعا لطيفا طورا، ودفعا عنيفا طورا آخر.

وقد كان تعدد القراءة، أو قل: تعدد قراءة القراءة ناشئا عن اختلاف في تخريج إعراب: لبيت الواحد تارة، وعن اختلاف في رواية حرف من اللغة فيه تارة أخرى. وقد يتمثل ذلك فيما يعلق به ابن سيده على قراءة من خطأ أبا الطيب في قوله :

ابعد! بعدت بياضا لا بياض له لأنت أسود في عيني من الظلم فيقول : (…) فأما قوله. أسود في عيني من الظلم فخطأه فيه قوم قالوا: إن فعل هذا على أكثر من ثلاثة أحرف وهو "أسود" فلا تقع المفاضلة فيه إلا بـ "أشد" و "أبين " وغيرهما من الأفعال الثلاثية التي تصاغ ليوصل بها الى التعجب من الأفعال التي على اكثر من ثلاثة.

وهذا منهم غلط ! ليست "أفعل" هنا للمفاضلة، ولا لـ "من" تعلق بـ "أسود" على حد تعلق من بـ "أفضل" في قولك. زيد أفضل من عمرو، وإنما هو كقولك : لأنت أسود معدود من الظلم في عيني. فـ "من " غير متعلق بـ "أسود" (…) وإنما هي في موضع رفع حالة محل "الظرف" (6).

والحق إن الشيخ يوميء، فيما يبدو الى الواحدي، ومن معه من الشراح الذين قرأوا "أسود" على أساس أنه اسم تفضيلى على لغة كوفية استمدوها من رجز لرؤبة بن العجاج، ومنه قوله. جارية في درعها الفضفاض أبيض من أخت بني أباض وقد ذهب المبرد الى أن "ليس البيت الشاذ بحجة على المجمع عليه "(7).

والحق إن قراءة ابن سيده، بمقدار ما تتسم به من براعة التخريج النحوي تنأى عن طبيعة الذوق العام ؛ وإنا لا نحسب أبا الطيب إلا كان يريد إظهار المامه بدقائق اللغة وتفاريق مذاهبها فاصطنع "أفعل" الدال على اللون كلما لو كان آتيا من ثلاثي على لغة فصحاء الأعراب، ومنهم رؤبة الذي كان رجزه يملأ نوادي أهل الأدب واللغة جميعا.

ونحن نعجب لرأي المبرد الذي يدفع بيت رؤبة ويراه شاذا لا يقاس عليه مع أن كثيرا من قواعد النحو العربي قامت على الاستشهادات من شعره وشعر أبيه. وإذن، فهل يعقل أن نقبل ببعض اللغة لدى، الفصحاء البادين، ونرفض بعضها الآخرة وهل يعني رفض المبرد لشعر رؤبة أنه كان يراه يلحن ؟!

وإنا أيضا لا ندري كيف تستقيم قراءة ابن سيده الذي ذهب فيها الى إنكار التباين الذي قام عليه بيت أبي الطيب، وهي سيرة تندرج في حميمية نسج شعره. فالشاعر بعد أن دعا على شيبه الأبيض الذي لا بياض له، أي لا خير فيه ولا محمدة من المحام؛ عاد فذمه بما هو له أهل فزعم أن بياض الشيب لديه لا يعني، بأي وجه، البياض الذي يتفاءل الناس به، ويجعلونه علما على النظافة والوضاءة والحلم، وانما يعني السواد الذي يرمز لكل مظاهر الشر والهم والخوف والقلق : فسواد هذا البياض ليس كمثله سواد؛ وبياض هذا السواد ليس كمثله سواد. فالصورة الشعرية هنا قائمة على الانزياح، لا على التخريج النحوي، فقد زيح الناص هنا في دلالة اللون فيغير من دلالتها الابتذالية فجعل البياض سوادا على أنه هنا يرمز للشر والمرض ودنو الأجل وذهاب الأمل أفكل لون أبيض إذن من هذا الضرب فهو أسود حالك السواد، وهو أسود من كل الظلمات.

وقد ألفيت المرزوقي يرد كثيرا من القراءات صراحة ويرفض مضمونها على الرغم من أنه لم يكن يكاد يذكر من يعترض عليهم بأسمائهم كقوله حول شرح أول بيت من الحماسة. (…) وإذا كان الأمر على هذا فمن الظاهر بطلان قول من يذهب الى أن هذا الشاعر هجا قومه ومدح بني مازن (8).

وربما كانت قراءة أبي عثمان الجاحظ للبيتين الاثنين اللذين كان أبو عمرو الشيباني أعجب بهما إعجابا شديدا تندرج ضمن هذا التوجه ة وقد رأى الجاحظ الشيباني لما استجاد قول القائل:

لاتحسبن الموت موت البلى    فإنما الموت سؤال الرجال

كلاهما موت ولكن ذا          أشدهن شاك لذل السؤال

"كلف رجلا حتى أحضره دواة وقرطاسا حتى كتبهما" (9).

ومن الواضح أن الجاحظ لم يشاطر الشيباني رأيه ولا ذوقه في قراءة هذين البيتين، ولا تذوقهما تذوقه ؛ بل جهر برداءتهما، وقضى بسخفهما ؛ فذهب في شيء من السخرية البادية الى أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا ( 10).

وقد علق عبد السلام هارون على تعليق الجاحظ الرافض لقراءة الشيباني وإعجابه الشديد بهذين البيتين الرديئين فقال :"ومن العجيب أن ينعى الجاحظ عن أبي عمرو استحسانه هنا،

ثم يقع هو فيما عابه على غيره فيجعل البيتين في مختارات لملا البيان والتبيين " (11).

ومهما يكن من أمر، فان الذي لاحظناه في القراءات الأدبية العربية الأولى أنها كانت تتعدد فبناقض أولها آخرها، دون أن تجاوز مستويات معينة في توجهها العام.

1 – كانت القراءة غالبا ما تنهض على شيء من أساس التخريج النحوي. ولما كانت أساليب الاستعمال في نسج الكلام الربي واسعة سعة تكاد تكون خارقة فقد نشأ عن ذلك : التقديم والتأخير والالتفات واللعب بالألفاظ، والمراوحة بين حروف الجر لجعلها تنوب عن بعضها البعض مما كان يجعل بعض من ليس له باع طويل في التخريج النحوي، والافتراض الإعرابي، أو ممن كان يقرأ البيت الشعري على عجلة من أمره ة قد يبادر الى تخطئة القراءة التي سبق إليها من الوجهتين النحوية أواللغوية، أو من الوجهتين جميعا: فيحكم إما بتخطئة الشاعر، وإما بقراءة البيت على غير ما أريد له أصلا فكان الأبرع والاذكى، والأمرس والألوى، يأتي من بعد ذلك ليزعم أنه يصحح القراءة الأولى بقراءة أخرى (12).

ونحن نعتقد أن ابن جني، وأبا علي الفارسي، وابن سيده قد يكونون أقسر النحاة العرب على قراءة الأبيات المشكلة الإعراب، والتوغل في تخريجاتها الإعرابية الى حدود المبالغة والتعسف. وقد رأينا ذلك في قراءة ابن سيده لبيت المتنبي، الذي ذكرناه آنفا، إذ التماسه للشطط، ولهاثه وراء التعسف، دفعاه الى أن يضئل من جمالية البيت من الواجهة الدلالية فيرفض أفعلية تفضيله ليجعله مجرد تقرير لصفة في نفسها، بدون مقارنتها بالصورة الخارجية التي إنما كان المناص يقيم نسجه عليها: فالشيء الذي يكون أشد سوادا من كل المظلمات هو أعمق معنى، وأكثف دلالة، من الشيء الذي يكون مجرد سواد من السواد: فالأول يحتمل معنيين اثنين، ويحتوي صورتين اثنتين : صورة حاضرة، وصورة غائبة ؟ فهو صورة شديدة التركيب ؟ على حين أن الآخر مجرد صورة تقريرية بسيطة رتيبة.

ولكن الذي حمل ابن سيده على الذهاب الى ما كان ذهب اليه هو إيلاعه بحكم طبيعة الاختصاص، بالذهاب في التخريجات النحوية مذاهب، في بعض الأطوار، تبلغ حد الشطط؛ فاذا دفاعه عن المتنبي أمام النحاة البصريين الذين لحنوه باصطناعه أفعل التفضيل مما له لون، من جنس لفظه، لم يكن، في نهاية الأمر إلا إساءة لجمالية النسج لدى شيخ الشعراء العرب ؟ فأفسد معنى البيت بذلك التخريج الإعرابي المتعسف الغريب !

2 –  والشكل الثاني للقراءة الأدبية في التراث العربي الإسلامي كان ينهض على تأويل معاني الألفاظ والاجتهاد في حصر دلالتها المعجمية لدى نحو معين: والى الحدود الدلالية والاستعمالية التي انتهت اليها لدى فصحاء الأعراب (وإن كنا نلاحظ أن النحاة كانوا يقعدون قواعدهم بناء على تلك النصوص الفصيحة التي كانوا يعترفون بنقاوتها اللغوية، وسليقتها اللسانية ؟ لكنهم كانوا ينزعجون أشد الانزعاج حين يعثرون على نص موثوق مما ينتمي، زمنيا الى العهد المعترف به للاستشهاد النحوي، فيزعمون أنه شاذ؟ وهنا وقع الانقسام بين البصريين والكوفيين : حيث كان البصريون يحتكمون الى المنطق النحوي الصارم فيخنقون العربية ويضيقون عليها النطاق في حيز لا تعدوه، من حيث كان الكوفيون أقرب الى الذوق العربي الذي يؤثر التنوع وحرية الابتداع…) لدى نحو معين من معانيها دون سواه. ونحن نعلم أن اللفظ الواحد في العربية، وفي غير العربية أيضا، قد ينصرف الى جملة معان كلفظ "سام" في العربية الذي يرد بمعاني رعى، وطلب وباع، وعذب، ومر، ومضى، معا (13).

وبما كان التفاوت في تخريجات القراءة الأدبية- بأدوات نحوية ولغوية أساسا – يقوم، غالبا على تفاوت في المقدرة على إدراك سياق النص أو مناسبته أو ملابسته أي محاولة ربط النص بمجتمعه وظروفه مكانيا وزمانيا.

لكن إغفال القراء اللغويين لمسألة التذوق جنت على تلك القراءات المبكرة ؛ ومن فضل الله على الأدب العربي أن قيض له رجالا ذواقين للجمال الفني أمثال أبي علي المرزوقي الذي كان يحاول أن تكون قراءته للشعر العربي إبداعا أدبيا آخر ولعله أول من استقام له ذلك في تاريخ الأدب العربي.

3 –  والشكل الآخر للقراءة الأدبية، القائمة على قراءة سابقة، كان ينهض على الذوق الخالص، وعلى المقدرة الذاتية على اختراع طاقات اللغة الكامنة، وعلى التحكم في نسجها، وعلى الذهاب في التماس عطائها كل مذهب. ولعل هذا الدافع النابع من لطف التذوق هو الذي كان يغري المتأخر بإعادة النظر في قراءة المتقدم.

فلولا الاختلاف في الذوق والتنوع في الثقافة، والتفاوت في العلم، لما فكر أحد في أن يقرأ ما كان قرأ الآخر من أجل التفوق عليه انطلاقا من التناص معه.

ثالثا : الغائب من قراءة  القراءة في الأدب العربي

كثيرا ما يقرأ المتأخر المتقدم فيكتب من حوله وتأسيسا على جهده الذي سبقه به اليه : ولكن هذا المتأخر لم يكن يعترف منهجيا، إلا نادرا، بأنه أفاد من الأول وتناص معه وأسس عليه، وحام حوله، بل كان عالة على كتابته.

وكان الأمر يبلغ في بعض الأطوار، بهذه السيرة الناشزة، درجة التداخل والتعاصر؛ ولكن التصريح بإفادة المتأخر من المتقدم كان في الغالب غائبا. خذ لذلك مثلا شروح سقط الزند لأبي العلاء المعري حيث إن شيخ المعرة نفسه كان قد شرح بعض شعره ذلك لبعض تلامذته ومريديه (14)؛ بيد ان ذلك ما كان ليحظر القراء – الشراح المحترفين من أن يعمدوا الى ذلك الشعر الحكمي فيقرأوه، على توجههم هم. وقد نبهنا الى أن ثلاثة متعاصرين تضافروا على قراءة سقط الزند :

– التبريري (421-502 هـ).

– البطليوسي (444- 521 هـ).

– أبا الفضل قاسم الخوارزمي (555 – 617هـ)

دون أن يصرح أحد منهم، فيما نعلم وبناء على المقدمات التي كتبوها لأعمالهم بأنه أفاد من جهد قراءة الأول ؛ مع أننا نلاحظ تشابها عجيبا، وتقاربا يبلغ في بعض أطواره درجة الاتحاد، بين قراءات هؤلاء الثلاثة. أفيعقل الا يكون البطليوسي قد أفاد من جهود التبريزي، وهو الذي كان له معاصرا، ولكنه كان أسن منه بثلاث وعشرين سنة ؟ أم أن التبريزي ابتلي بهذا البلاء بعد أن كان هو أيضا شن الغارات الشعواء على أبي علي المرزوقي، لدى قراءته أشعار حماسة أبي تمام، فلم يومي، بكلمة واحدة صريحة الى جهد أبي علي، وأنه أفاد منه منهجيا ولغويا ومعرفيا؟!

فكأن ميزة قراءة القراءة، في العهود القديمة، ولاسيما أشكال منها، أنها كانت تقوم على غياب التصريح بالإفادة منها، ما عدا البطليوسي الذي أومأ الى اطلاعه على شرح أبي العلاء المعري دون أن يومي، الى شرح التبريزي الجميل (15) الذي كان هو أيضا، ألم على شرح أبي العلاء الذي أنحى باللوائم على تقصير المستملي الذي استملي (معانى) بعض أبيات منه، وأهمل اكثر المشكلات (16).

ونعود الى التبريزي لنؤكد، مع عبدالسلام هارون وأحمد أمين، بأنه حين كتب شرح الحماسة أفاد، من جميع الأوجه من جهود المرزوقي: ذلك بأن الموازن بين الشرحين يدهشه التقارب الشديد بين عبارات التفسير واتجاهاته ؛ ثم لا يرتاب في أن التبريزي كان في جمهور شرحه عالة على المرزوقي (17).

وقد لاحظنا أن النحاة واللغويين كانوا أكثر منهجية من النقاد والبلاغيين والكتاب بعامة ؛ فالأوائل كانوا يعزون الأقاويل الى أصاحيبها ؟ والذي يعود الى معجم مثل السان العرب" يندهش أمام أمانة علماء اللغة وحفظهم ودقتهم في نسبة كل حرف الى العالم اللغوي الذي كان قد رواه أو سمعه من الأعراب البادين في القرنين الأول والثاني للهجرة خصوصا.. على حين أن الكتاب كأنما سبقوا الزمن بقرون طويلة، فكانوا ينظرون الى هذا السلوك المتمثل في عدم التصريح بالإفادات من الكتابات السابقة بأنه ضرب من القناص لا يرقى الى أن يصرح به في كل حال.

ونحن ننقم من هؤلاء الكتاب – القراء – عدم تصريحهم بهذه الإفادات في مقدمات كتبهم ؟ ولو جاءوا بعض ذلك لسقطت عنهم الملامة.

رابعا : قراءة القراءة الشاملة

كنا لاحظنا في مبتدأ هذه الفقرة أن الأصل في القراءة لدى الأقدمين، كان يتمخض للبيت الواحد السائر، والكلمة الطائرة بين الناس. ولكن بتطور الكتابة الاحترافية ابتداء من نهاية القرن الثاني للهجرة وازدهارها طوال القرون اللاحقة : بدأت القراءة تتسم بالشمولية بامتدادها على امتداد النص، بل على امتداد مدونة كاملة في كثير من الأطوار. ولعل المرزوقي، ولنكرر ذلك تارة أخرى، أن يكون من أشهر أوائل القراء الأدبيين الذين احترفوا مدارسة النص الأدبي وتذوقه، والذهاب في تأويله المذاهب العجيبة ؟ فيكون معظم الذين جاء وابعده لقراءة نصوص الحماسة، وسواء علينا أعانوا أدبيين أم لغويين نحويين، وقد عاجوا عليه، وأفادوا منه، وعكفوا على قراءته تلك يقرأونها ويتأملونها ثم يتمثلونها ويحاكونها – ولكن المقلد يظل أبدا مقصرا عن المبدع – وإن لم يصرح بذلك كثير منهم.

وواضح أن اللاحقين كانوا ربما تلطفوا في الاحتيال على عبارات السابقين فأخرجوها مخرجا جديدا، ونسجوها نسجا، يبدو لأول وهلة، قشيبا؟ وهو في حقيقته لم يعد كونه تليا وتقليدا.

وكأن ما نحن بصدد مناقشته يوقعنا في مسألة السرقات الأدبية التي أسال الأقدمون فيها كثيرا من الحبر دون أن يحسموها للطفها وتخفيها. لكن الشروح هي غير السطو على معنى البيت الواحد السابق وتضمينه، افتراضا، في شعر لاحق. فالشروح، أو القراءات، تنهض على حد أدنى من المعارف العامة كالتاريخ، والمنهج، والإجراء، واكتساب، أثناء ذلك شيء من الذوق الأدبي المؤسس على تحسس الجمال الفني. أي أن أي قاريء ("شارح" بالاصطلاح التراثي) لا يستطيع أن يكونه إلا بعد الإلمام بجهود من سبقوه، والنسج على منوالهم إما بوجه وإما بآخر. إذن، فمن المستحيل أن يزعم زاعم أن التبريزي، مثلا، لم يفد من قراءة المرزوقي الأنيقة الرشيقة.

ولعل الذي يعنينا، هنا والآن، أكثر هو أن القراءة المنهجية، الاحترافية، قد تكون انطلقت مع عمل أبي بكر محمد بن يحيى الصولي المتوفى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة للهجرة حول أشعار حماسة أبي تمام، مع جملة من محترفي الشروح الأدبية أثناء القرن الرابع للهجرة كالأماي (ت. 371هـ)، وابن جني (ت. 392 هـ)، وأبي هلال العسكري (ت. 395هـ)، وخصوصا المرزوقي (ت. 421هـ) الذي يبدو انه أفاد هو ايضا من قراءات بعض هؤلاء السابقين وإن سكت هو أيضا عن التصريح ببعض هذه الافادات منهم جاريا في هذا الصمت على دأب الأقدمين. وقد كان المرزوقي كأنه يستنكف من ذكر اسم علم شامخ مثل ابن جني كما لاحظ ذلك عليه التبريزي حين ذكر أنه "لم ينصفه  حيث لم يصنفه في كتابه" (18) مجتزئا باصطناع مثل عبارة : "قال بعضهم"، أو "وذكر بعض المتأخرين". وكان المرزوقي لا يكاد يذكر مثل، هذه العبارة إلا في مقام الاعتراض في أغلب الأمر (19).

لكن كثيرا ما كانت قراءة القراءة تسفر عن أثعبانها وتبدي عن نواجذها، فتصرح بتمحص هذه القراءة لأثر بعينه، من وجهة نظر بعينها، مثل ما جاء أبو نصر منصور بن المسلم بن علي الحلبي، والمعروف بابن الدميك، الذي كانت له تصانيف وردود على ابن جني منها تتمة ما قصر فيه ابن جني في شرح أبيات الحماسة (20). فواضح من عبارة ياقوت أن ابن الدميك كان في ذهنه، وهو يؤلف هذا الشرح، أن يعارض بقراءته هذه قراءة ابن جني لأشعار الحماسة، وإبداء ما قصر فيه ابن جني، مصححا وموسعا. فهو سعي يندرج ضمن ما نطلق عليه. "قراءة القراءة" صراحة.

كما قد يندرج سلوك أبي محمد الأعرابي في قراءته لشرح أبي عبدالله النمري في هذا التوجه (21) .

1 – القراءة الأدبية لدى الأقدمين

أ – نموذج من قراءة المرزوقي:

إن اختيارنا لقراءة أي بيت من حماسة أبي تمام لا ينبغي لأحد أن يعده انتقاء؛ ذلك بأن ما سنثبته يجب أن يتمثل في قراءة أي بيت في عمل المرزوقي، ولكن بدرجات متفاوتة، ومستويات متباينة. وإلا فقراءته، في معظم الأطوار، إن لم نقل في كلها، تنهض على ثلاثة مستويات : نثر معنى البيت، ثم التعرض لما قد يكون فيه مما يفتقر الى تخريج نحوي، يكمل المستوى السابق، ثم العمد الى شرح ألفاظه المظنونة بالغرابة لدى المتلقي.

ويمكن أن نتوقف لدى قراءته لبيت من مقطوعة للسموأل بن عاديا، وهو قوله :

شباب تسامى للعلا وكهول
   

وما قل من كانت بقاياه مثلنا

ا – المستوى الأسلوبي :

في هذا المستوى يجتهد المرزوقي في نثر البيت وجعله قريبا من الأفهام، وقد نثره على هذا النحو:

يقول : وما حصلت القلة في القدر والغناء، ولا لحقت الذلة في اللقاء والدفاع : لاسلاف أخلافهم نحن ؛ شبان وكهول يتسامون في اكتساب المعالي، ويترقون في درجات الفضل (22).

وقد يطول نفس هذا النثر اذا كان البيت أغرب، كما قد يقصر النفس إذا كان البيت المقروء أبسط وأوضح.

2- المستوىالنحوي :

قد يسبق المستوى النحوي اللغوي، كما قد يسلف المستوى اللغوي النحوي، ويقول المرزوقي حول تخريج سمات هذا البيت من الوجهة النحوية :

"الهاء من قوله : بقاياه : راجعة الى لفظ من ؛ لأن مهناه الكثرة. ولو رد عليه (أي رجع على المعنى) لقال : بقاياهم. و "شباب" مصدر في الأصل وصف به، ولذلك لا يثني ولا يجمع. يقال : شب الصبي يشب شبابا. وقوله : "تسامى"، أراد تتسامى، فحذف إحدى التاءين استثقالا للجمع بينهما. فإن قلت : هلا أدغمت كما أدغمت في "ادارك" والأصل "تدارك"؟ قلت : ليس هذا موضع إدغام، لأنه فعل مضارع، الا ترى أنه لو أدغم لاحتيج الى جلب ألف الوصل لسكون أوله : وألف الوصل لا يدخل على الفعل المضارع  (23).

3 – المستوىاللغوي:

يقول المرزوقي:

والكهل : الذي وخطه الشيب ؛ ومنه اكتهل النبت إذا شمله النور(24).

ب – نموذج من قراءة الزوزني :

من المعروف أن الزورني اشتهر بشرح المعلقات السبع ؛ فكل الناس إذن تتلمذ على هذا الشيخ، وفزع اليه في فك بعض الألفاظ المعمدة في هذه السبع الروائع وقد توفي الزورني أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن الحسين سنة ست وثمانين وأربعمائة ؛ من أجل ذلك جعلناه في الترتيب، بعد المرزوقي المتوفى سنة أحدى وعشرين وأربعمائة للهجرة. ولهذا الترتيب دلالة تتجسد في ميلنا الى أن الزورني هو ممن تأثر بمنهج المرزوقي الثلاثي المستويات ؛ إذ لا يختلف ذلك عن هذا إلا في قصر النفس، وفقهية الديباجة، فالمرزوقي نحوي بذوق أديب، والزورني لغوي بذوق فقيه قاض.

ونقترح قراءة البيت الخامس من معلقة أمريء القيس :

وقوفا بها صحبي على مطيهم        يقولون : لاتهلك أسى، وتجمل (25).

ا -المستوىالنحوي:

يقول الزورني :

"نصب وقوف" على الحال. يريد: قفا نبك في حال وقف اصحابي مطيهم علي. ونصب "أسى" لأنه مفعول له" (26)

2 – المستوىاللغوي:

يقول الزورني :

"والوقوف : جمع واقف، بمنزلة الشهود والركوع في جمع شاهد وراكع. والصحب : جمع صاحب، ويجمع الصاحب على الأصحاب، والصحب، والصحاب، والصحابة، والصحبة، والصحبان : ثم يجمع الأصحاب على الأصاحيب أيضا، ثم يخفف فيقال : الأصاحب، والمطي: المراكب، واحدتها مطية، وتجمع المطية على المطايا، والمطي، والمطيات ؟ وسميت مطية لأنه يركب مطاها: أي ظهرها. وقيل : بل هي مشتقة من المطو، وهو المد في السير ؛ يقال : مطاه يمطوه، فسميت به لأنها تمد في السير" (27).

3 – المستوى الأسلوبي :

وهو المستوى الذي ينثر فيه القاريء نص البيت ليقربه من الأفهام، ويوضحه في الأذهان بتبسيط صياغته وتمطيط نسجها، أي تجريدها من التكثيف الشعري. يقول الزورني: قد وقفوا علي، أي لأجلي، أو على رأسي، وأني قاعد عند رواحلهم ومراكبهم ؛ يقولون لي : لا تهلك من فرط الحزن، وشدة الجزع، وتجمل بالصبر. وتلخيص المعنى: إنهم وقفوا عليه رواحلهم ياأمرونه بالصبر، وينهونه عن الجزع  (28).

ج – نموذج من قراءة التبريزي  :

ونقترح قراءة البيت الثالث من القصيدة الأولى من "سقط الزند" لأبي العلاء:

الشمس بالبيداء تبر        ومثلك من تخيل ثم خالا  (29).

ا – المستوى الأسلوبي أو التحليلي ( نثرا لبيتته):

يقول التبريري :

"كما خلت النجوم درا فتكلفت السرى بالليلي ؛ كذلك خلت الشمس شارقة على البيداء ذهبا: فتجشمت التذويب بالنهار طمعا في حيازة الذي حكته الشمس بصفرتها؛ وحالك في الخيال باطل ! إنك تخيلت ثم خلت ؛ أي تكلفت الظن وتعرضت له، ومثلت الخيال في ذهنك، ثم حققت ذلك الظن، وصدقت تلك الخيلة، وأطعت الوهم الكاذب ".

وكذلك النفس خلقت مطيعة للأوهام وان كانت كاذبة ؛ لأنها ترى تشاكلا بين شيشين في بعض الأوصاف فتحكم بأنه هو (30).

2 – المستوى اللغوي :

يقول التبريري :

"ويقال : تخيل ثم خال، أي اجتلب الظن ثم أوقعه في صدره وصدق به نحو تجرأ فجرؤ، أي تعرض لذلك ثم وقع فيه، والمعنى: انها كما ظنت النجوم بالليل درا؟ كذلك ظنت الشمس بالنهار تبرا. والتبر: الذهب، أو هو المكسر منه. وقيل :

هو الذي يخرج من المعدن ولم يصغ بعد" (31).

3 – المستوى النحوي :

يقول التبريري :

"وقيل : الرواية : وقلت الشمس بالبيداء تبر. برفع الشمس على الابتداء، ورفع "تبر" على أنه خبر المبتدأ. ولا ريب في صحة هذه الرواية. وأنا أقول : لو جعلت "قلت" بمعنى ظننت، ونصبت "الشمس" و "التبر" لكان وجها؛ فإن العرب تجري القول مجرى الظن في الاستفهام، أي كما ظننت النجوم درا، كذلك ظننت الشمس تبرا" (32).

وإن رأيت اختلافا في الترتيب بين المرزوقي والزورني من وجهة، وبين المرزوقي والزورني والتبريزي من وجهة أخرى فإن ذلك لا يغير من الأمر شيئا طالما ظل الثلاثة يتناولون النص الشعري من هذه المستويات الثلاثة لا يحيدون عنها: وإنما قد يبادلون الواقع فيما بينها.
2 – القراءة الأدبية لدى المحدثين

لقد ظل المنهج المستوياتي الذي عرضنا له في الفقرة السابقة لدى المرزوقي والزوزني والتبريزي قائما ظاهرا الى ما بعيد منتصف القرن العشرين لدى القراء العرب حيث ألفيناهم يجترون إجراءات الأجداد: حذو النعل بالنعل : ولاسيما حين كانوا يعرضون لنصوص شعرية يقرأونها، كما كان الأقدمون جاءوا عليها قراءة تحت أشكال مختلفة، وبإجراءات متنوعة مثل شعر المتنبي الذي لم يترك الناس منه بيتا واحدا إلا توقفوا لديه، وبحثوا في شأنه وتساءلوا عن علة نسجه، وعما إذا كان ذا سبق في افتراع المعاني، وعن مدى سرقته، أو تناصه مع من سبقوه إن كان قام على التناص ؛ وعما إذا كان وفق في أسلبته، وعما اذا لم يكن أساء الى ضوابط النحو..

وربما كان قاريء منهم يتسرع فيخطئه، وينعى عليه بعض استعماله في النسج اللغوي، متوهما أنه أخطأ حقا؛ فيأتي قاريء بعده لينقض ما توهم، فينتصر له في أنه لم يخطي، ولم يلحن : وإنما القارىء الأول هو الذي قصر عن فهمه، كما كنا رأينا ذلك في إحالات سابقه (33).

أ – نموذج من قراءة البرقوقي :

قد يعد عبدالرحمن البرقوقي خاتم القراء الأدبيين على المنهج التقليدي حيث اجتهد في أن يحذو حذو الأقدمين في قراءة المتنبي بعد أن كان ألم على شروحهم كلها فلم تقنعه، ولم تملأ جحمتيه : فانبرى يقرأ هذا الشعر وهو يحاول ترجمة قراءته للمتلقين في صياغة تيسر إعادة قراءة شعر أبي الطيب.

وواضح أن البرقوقي أفاد من شروح الأقد مين الذين لهجوا بالكتابة عن شاعر سيف الدولة فلم يفته الإلمام بما كتب ابن جني، وعلي بن عبدالعزيز الجرجاني، والتوحيدي،والبطليوسي، والتبريزي، وابن سيده الأندلسي، والواحدي والعكبري، وسواء هؤلاء ممن جاوز عددهم الأربعين بين لغوي ونحوي وأديب.

وقد جئنا إلى شرح مشكل أبيات المتنبي لا بن سيده لنوازن بين ما كتب هذا عن تلك الأبيات المشتتة المظنونة بالغرابة والأشكال : وما كتب عنها البرقوقي في شرحه، فألفينا هذا يحوم من حوله، وينهل من منهله وقد توقفنا في هذه المقارنة خصوصا لدى رائعة أبي الطيب :

حمرا لحلي والمطايا والجلاليب(34)
   

من الجاذر في زي الأعاريب؟

فلاحظنا تشابها كبيرا بين ما كتب البرقوقي، وبين ما كتب ابن سيده، مثلا، ومن الآيات على ذلك أن الأبيات التي كان يطيل فيها ابن سيده فيمد لنفسه، ويفسح لغربه، ويمكن لقريحته مثل توقفه الطويل لدى قول أبى الطيب.

لاتجزني بضنى بي، بعدها بقر        تجزي دموعي: مسكوبا بمسكوب (35)

كان البرقوقي، هو أيضا، يطيل التوقف لديها. كما ألفيناه يقفو آثار ابن سيده في التخريجات النحوية الدقيقة، دون أن يحيل عليه على دأب الأقدمين أيضا. وفي الحق، ان قراءة البرقوقي على إمكان اندراجها في منهج القدماء في القراءة، وقيامها على المستويات الثلاثة التي كنا لاحظناها لدى المرزوقي والزوزني والتبريزي وسوائهم في الوقت نفسه تندرج في قراءة القراءة القائمة على التناص غير المعلن عنه ؛ فهي تجسد ما كنا أطلقنا عليه من قبل في سلوك الشراع الأقدمين : الغائب في قراءة القراءة.

يقول ابن سيده مثلا في تخريج عجز هذا البيت :"تجزي دموعي مسكوبا بمسكوب : جملة في موضع الصفة لـ "بقر"؛ والهاء في "بعدها" عندي للحالة أو المدة : وقد يكون راجعا الى النساء. واستجاز أن يقول : بعدها وإن عني النساء _وهو من النوع الناطق _ لأنهن قد سماهن بقرا. والبقر وغيرها من الأنواع غير الناطقة يخبر عنها كما يخبر عن الواحد المؤنث (…) ولو سوغه الوزن أن يقول : بعدهن كان أذهب في الحقيقة؟ لأنهن لسن جآذر وانما هن نساء (36).

ومما يقول البرقوقي حول هذا العجز:

"وقوله : تجزي دموعي الخ. : صفة لبقر"(37) ؛ بينما يقول ابن سيده: "وقوله : تجزي دموعي مسكوبا بمسكوب": جملة في موضع الصفة لـ "بقر" فعبارة ابن سيده، في الحقيقة أدق وأوضح وأنحى نحوا.

ومما يقول ابن سيده حول المصراع، الاول من هذا البيت، الذي طال حواله التحليل الذي أقامه على قراءتين اثنتين : "(…) فيكون لفظة (يريد الى "لا تجزني") على هذا، لفظ الدعاء ومعناه الخبر؛ كأنه قال في المعنى: ليس يجزينني" (38)؛ على حين أن البرقوقي يقول : "فقوله : لا تجزني: دعاء مجزوم بالدعاء، لأنه بلفظ النهي فحكمه في الجزم حكم النهي"(39).

وواضح أن البرقوقي لا يتحدث من الوجهة البلاغية، عن أن النسج في هذا المصراع يحيل على الدعاء فهو إنشائي، بينما هو في توجه القراءة الثانية لابن سيده يتمخض للخبر إذ يفتدي معناه : "ليس يجزيني"؛ على حين أن تأويل النسج الشعري، نحويا في قراءة ابن سيده الأولى : "فلا جزينني بضناي ونحولي ؛ أي: لا ضنين كما ضنيت، يدعو لهن " (40).

ويقول البرقوقي : أدلا جزينني مقابل الضني الذي حل بي بعد فراقهن ضني مثله  (41).

وعلى أنه يمكن العودة الى مصدر القراءة ومرجعها، أو الى القراءة، وقراءة القراءة، للموازنة بينهما؛ فهناك أمور أخرى لم نرد ذكرها.

والذي جعلنا نتوقف لدى هذه المسألة أمور منها :

1-  لنثبت أن عدوى انعدام الأمانة لدى العلماء آفة شريرة ظلت تسيء الى العلاقات العلمية فيما بين العلماء والأدباء: فكثيرا ما يشن الآخر على الأول الغارة ويقتحم عليه الدارة، ثم لا يفصح بذلك ولا يرى فيه عارا!

2-  ونتيجة لذلك، فإن هناك "قراءة قراءة" يمكن أن نلتمس فيها تغييب الأولى صراحة، وربما في صورة من العدوانية التي تسطو على ممتلكات الآخرين بدون التصريح بذلك، كما يتطلب أدنى المباديء المنهجية في التعامل مع أفكار العلماء، ومقرراتهم.

3- إن منهج القراءة لدى الأقدمين هو الذي ظل قائما في سلوك قراءة الشعر الى هذا القرن ؛ ولعل البرقوقي أن يكون أحد أكبر هؤلاء الذين حافظوا على تقاليد القراءة الأدبية لدى الأقدمين مع شي ء من القصور عنهم إذا قورن خصوصا بالمرزوقي والتبريري وابن سيده وسواهم من العماليق ؟ فهو يحذو حذوهم في شرح الألفاظ الغريبة، أو ما يتراءى له كذلك، ثم يعرض للتخريجات النحوية استيحاء من قراءات النحاة القدماء ومنهم ابن جني،وابن سيده والعكبري، والواحدي… ثم يحاول الكشف عن معنى البيت في نثر يدنيه مما يعتقد أنه المعنى الذي رمى اليه المتنبي. وربما ألفيناه يستشهد بالشواهد الشعرية على شرح لفظ غريب ؟ وهي شنشنة نلفيها في منهج القدماء من اللغويين والمعجميين.

واذا كان البرقوقي يحيل في بعض الأطوار على العكبري، وربما على سوائه أيضا، في مواطن من شرحه (42) ؛ فإن ذلك يظل كالعدم لأنه لا يحيل على الصفحة برقمها، ولا على المصدر بعنوانه؛ وانما تراه يحيل عليه كما يحيل على الفراء وأبي عبيد وسوائهما من قدماء اللغويين دون هداية المتلقي الى مصدر الإحالة فكأن الذي يقرأ شرح البرقوقي لشعر المتنبي لا يخرج من ظلام، إلا ليقع في ظلام آخر. وكأن تلك الشروح اللغوية من حر إملائه، وهو أمر مستحيل.

والحق اننا لسنا بصدد إصدار أحكام قاسية على البرقوقي، فما الى ذلك أردنا وما ذاك من أخلاقنا، وما كنا، اذن، لننتاط بهذا السلوك الذي لا يعني كبير شي ء: وإنما حاولنا وصف قراءته لشعر المتنبي،كما اجتهدنا في الكشف عن بعض مصادر هذه القراءة وإجراءاتها التي كان يقرأ بها هذا كل ما في الأمر.

ب – نموذج من قراءة طه حسين وابراهيم الأبياري:

يدرج إجراء طه حسين وإبراهيم الأبياري في قراءة شعر "لزوم ما لا يلزم" لأبي العلاء المعري ذلك المدرج القائم على التثليث : أي أنه يجري مجرى قراءة القدماء للنصوص الشعرية من عناية شديدة بشرح الألفاظ الغريبة في البيت، وتعريج على تخريجاته النحوية إن كان فيه شي ء من الأشكال، ثم تلخيص المعنى الذي يتضمنه البيت المطروح للقراءة في نثر يتوخى كونه عاكسا له على نحو ما من الأمانة.

واذا كنا نعتقد أن نثر البيت، أو الأبيات، في شرح "لزوم ما لا يلزم"، كان من إملاء طه حسين (نستخلص ذلك من طريقة الكتابة، وديباجة النسج)؛ فإن شرح الألفاظ اللغوية، وتخريج الإعراب، كانا من فعل إبراهيم الأبياري. ولكن ما نعيب على الأبياري أنه، مثل البرقوقي، لم يحل على المصادر التي كان يستقي منها شرح مفردات الأشعار اللز ومية؛ فقد كان الشيخ "يسلخ" ابن منظور سلخا، ويشن على "لسانه" الغارة، ويملأ عليه الحارة، دون أن يصرح بذلك لقارئه. ولنضرب لهذا مثلا بشرح قول أبي العلاء "أجدك" من قوله :

اجدك لا ترضى العباءه  ملبسا؟        ولو بان ما تسديه قيل : عباء (43)

يقول الأبياري:

"أجدك (بفتح الجيم وكسرها) ومعناهما؛: مالك ؟ أجدا منك ؟ ونصبهما على المصدر، ولا يتكلم به إلا مضافا. وقال الأصمعي : معناه: أبجدك هذا منك؟ ونصبهما بطرح الباء. وقال الليث : من قال أجدك، بكسر الجيم، فانه يستحلفه بجده وحقيقته، واذا فتح الجيم استحلفه بجده،وهو بخته، وقال ثعلب : ما أتاك في الشعر من قولك : أجدك، فهو بالكسر، فإذا أتاك بالوار فهو مفتوح(44).

ويقول ابن منظور حوال ترجمة هذا الحرف :

"أبو عمرو : أجدك، وأجدك : معناهما ما لك ؟ أجدا منك ؟ ونصبهما على المصدر: قال الجوهري: معناهما واحد،ولا يتكلم به إلا مضافا، الأصمعي: أجدك، معناه : أبجد هذا منك ؟ ونصبهما بطرح الباء؛ الليث : من قال : أجدك بكسر الجيم، فإنه يستحلفه بجده وحقيقته، وإذا فتح الجيم استحلفه بجده وهو بخته ؟ قال ثعلب : ما أتاك في الشعر من قولك : أجدك، فهو بالكسر، فاذا أتاك بالواو – وجدك فهو مفتوح (45).

ويقول الأبياري في شرح حرف "أسدي":

"وأسدى، وأولى، وأعطى،بمعنى. قال أبو عمرو: أزدى: إذا اصطنع معروفا؛ وأسدى: إذا أصلح بين اثنين، وأصدى إذا مات  (46).

ويقول ابن منظور حول ترجمة هذا اللفظ نفسه :

"أبو عمرو : أزدى: إذا اصطنع معروفا: وأسدى: إذا أصلح بين اثنين؛ وأصدى: إذا مات ؟ وأصدى إناءه إذا ملأه (…)؛ أسدى، وأولى، وأعطى، بمعنى. يقال : أسديت اليه معروفا أسدى إسداء (47).

فلا شيء، إذن، من الاختلاف بين النصين، أو الشرحين. وكل ما في الأمر أن نصي ابن منظور في الشرح أوفى وأوضح وأدق. ونحن لا ننعي على الأبياري لانه نقل من معجم ابن منظور، فذلك حق له، كما هو حق لنا، وللناس جميعا، وإنما ننعي عليه عدم احالته عليه : وإنا لا ندري كيف فات طه حسين أن ينبه الشيخ، لعله كان ينبه، الى ضرورة إعطاء ما لله لله، وما لقيصر لقيصر! وعلى أن هذا الشرح معزو صراحة الى الشيخين (طه حسين والأبياري) في المقدمة، وكأنما هو من حر إنشائهما،ومحض ابتكارهما إذ يقولان أو : إذ يقول : "وأقبلنا على كتاب "اللزوميات" نحقق نصه، و نشرح ألفاظه شرحا لغويا مفصلا تفصيلا ما، ثم نترجم هذا النص، بعد ذلك، أو نحلله الى النثر العربي المعاصر(48).

وما يمكن أن يستنتج من هذا الكلام :

1- ان هذا الشرح لم يفزع فيه الى المعاجم، وكأنه يشبه شروح اللغويين القدماء أمثال أبي عمرو، والأصمعي، وابن الأعرابي الذين كانوا يشرحون البيت بما أوتوا من إلمام عميق بغرائب اللغة وحوشياتها، بحكم الاختصاص. وكأننا بالأبياري وهو يشرح غرائب اللغة في "لزوم ما لا يلزم" الشريشي في شرح مقامات الحريري يملي ولا يحيل.

2- واذ فات الأبياري هنا الإيماء الى ذلك أفلم يدر بخلده أن يذكر بعض ذلك في مقدمة الكتاب ؟ أي ألم يكن أولى له أن يجتزيء بإشارة واحدة في صدور هذه الشروح أو إعجازها؟ لكنه آثر الصمت المطبق، فسلخ ولم يحل !

3- ان اللغة المعاصرة التي يتحدث عنها طه حسين أمر فيه شيء كثير من التجاوز؟ اذ اللغة المصطنعة في نثر الابيات ليست مما كان يشيع بين عامة القراء والمستنيرين ؛ فكان من الأولى، إذن اصطناع عبارة "النثر الأدبي" التي قد تعني لغة أدبية رفيعة النسج.

وأما فيما يعود الى نثر النص الشعري فإنه يسول لنا أنه ربما كان يجانف ما كان يبتغيه أبو العلاء.

وقد يعود ذلك الى أن الأبياري لم يكن يأتي على إيراد كل معاني المفردة المشروحة مثل لفظة "أسدى" التي تعني في العربية معاني كثيرة لم يورد منها هو إلا ما كان بمعاني : أولى، وأعطى، وأصلح بين اثنين.

بينما أهمل معنى آخر لهذه اللفظة في المعاجم العربية وهو "أهمل" (49) ومعنى اخر لها، ونظنه هو المراد في بيت أبي العلاء، وهو شائع في قولهم :"طلبت أمرا فأسديته، أي أصبته" (50).

والإصابة في اللغة العربية القديمة : يقترب معناها من الاغتنام الذي ينشأ عنه الامتلاك والاحتياز: فهو إذن بمعنى: حاز وغنم وملك.وإذن فنحن نقرأ قول أبي العلاء: "ما تسديه" لا على أنه "ما تعطيه "، وإنما على أنه "ما تحوزه في الحياة؛ اذ ليس هناك ما يثبت، ولا ما يوحي بوجود اشتباك معنيين اثنين متلازمين ناشيء أحدهما عن الآخر:

– ما تسدي.

– ما يسدى اليك.

وعلى ضوء بعض هذه القراءة التي نقترئها نحن للفظة أبي العلاء، لا يكون المعنى هو ما حلله الدكتور طه حسين في هذا النثر:

"أجدك لا يقنعك ما يتاح لك في هذه الدنيا من حظ! رفه عليك واقصد في اطماعك،ووازن بين ما تسدي وما يسدى اليك. فلو قد فعلت لتبينت أنك لا تسدي شيئا، وأن الذي يسدى اليك كثير" (51).

على حين أننا نزعم أن أبا العلاء كان يريد الى :

مالك لا ترضى بما تملك ؟ وما بالك تتأبى ارتداء العباءة وتستنكف منها ؟ فلو تكشف لك ما تملكه وفي حقيقة الأمر، لاغتدى شيئا حقيرا: بل ريثما أتهمت بالحماقة والثقل والعي!

ذلك بأن تحليل طه حسين يضيف الى النص شيئا لم يكن فيه، وهو: ما تسدي، وما يسدى اليك "على حين أنه ينقص منه شيئا آخر وهو إهمال ذكر الحمق الذي يرمي به أبو العلاء نفسه.. وإنا لا نحسب ما ورد في الجملة الأخيرة من كلام طه حسين قادرا على اشتمال معنى الحماقة الوارد في لفظة أبي العلاء: "عباء" حيث يرى لسان العرب انها ترد بمعنى "العبام" (52). والعباء والعبام يردان في العربيه  القديمة بمعاني الثقل، والحمق، والغلظ، والجبن والفقر، والعي، والفدامة جميعا  (53).

إن أبا العلاء اختار لفظة "عباء" لجملة من العلل، منها :

1- ليشاكل فيما بينها وبين لفظة العباءة، مشاكلة لفظية على دأب أصحاب البديع.

2- وهذه اللفظة بالإضافة الى أنها تشاكلت مع "العباءة"، فإنها لفظة جامعة لكثير من معاني الخسة والحقارة والحمق ؟ وذلك أنكأ لنفسه التي كان يقسو عليها أشد قسوة.

وآخر كلام طه حسين لا يوميء، بأي وجه، الى معنى هذا اللفظ (عباء) الذي نعده نحن مركزيا واذا أهملت الإيماءة فإن القراءة لا تستقيم.

ومهما يكن من شأن، فإن قراءة طه حسين والأبياري لعمل أبي العلاء (لزوم ما لا يلزم) يجب أن تنضوي تحت مصطلح "الشرح"، وهو ما صرح به الشيخان، في العنوان. وهو شرح ماض في إجراءته على سيرة القدماء من التزام ثلاثة مستويات : شرح اللغة، وتخريج الإعراب، ثم نثر البيت.
خامسا : القراءة لدى الحداثيين

لم نبتغ، من وراء إدراج هذا العنوان الفرعي، آخر هذه المقالة، أن نعالج القراءة الحداثية من حيث هي إشكالية متنامية التعقيد، بالغة التنوع، شاسعة التباين بين قاريء وآخر، داخل التيار الحداثي ذاته ؟ وانما ابتغينا مجرد التنبيه الى أهمية هذه القراءة وخطورتها في خضم التطور الذي عرفته الحركة الأدبية في الشرق والغرب معا؛ إذ لم تعد القراءة الحداثية قائمة على شرح الألفاظ، ولا على تخريج الإعراب، ولا تلخيص المعنى المراد في النص المطروح للقراءة ؟ وإنما اغتدت شبكة معقدة من المعطيات المتواشجة، المتداخلة، المتلازمة، المتعالقة، المتعانقة، المتفاعلة، المتناصة، التي يفضي بعضها الى بعض، ويتوقف بعضها على بعضها الآخر في تلاحم وتعانق وتصادم، أو تلاطف، واندماج..

ولعل أول ما تتميز به القراءة الحداثية أنها لم تعد تجزيء القصيدة الشعرية الى أبيات، شأن القراءة لدى الأجداد؟ وانما اغتدت تتخذ من النص الأدبي لحمة متلاحمة، وبنية متراصة، ولا ينفصم بعضها عن بعض. كما أنها اغتدت تشرئب الى معالجة النص معالجة كلية بحيث تحاول ربط الآخر بالأول، والأول بالآخر لتستخلص منه لوحة فنية بديعة، قشيبة، متماسكة متواشجة: تبلور ألوانها، وتجسد أشكالها، وتبحث فيما يشاكل بينها أو بياين، أو يشاكل وبياين في الوقت ذاته؛ وفيما يتخذه التصوير الفني فيها من زخرفة وزبرجة، وتلوين وتشكيل، وتكثيف وتعليق وإيحاء وإيماء.

وتسخر القراءة الحداثية وهي تقتريء النص الأدبي، كل ما يمكن تسخيره من معرفة،وفلسفة، وجمال، وذوق، وفن ولطف وتحسس وتحفز وتطلع وتعمق: فتعومها في حقول الأدب الشاسعة، ثم لا ترضى بذلك حتى تعوج على التاريخ، بل فلسفة التاريخ ؟ وعلى السياسة، بل على علوم السياسة : فتربطها بالسياق التاريخي طورا والسياق الاجتماعي طورا، وبهما معا طورا آخر. وربما رفضت السياق فأوغلت في اهتراء داخلي مغلق لا يحيل على الخارج ولا يدير وجهه اليه.. قراءة إذن نصانية لغوية لا تعترف بشيء غير هذه اللغة ونشاطها وهي تنتسج وتتحاور وتتصارع وتتآلف وتتواد وتنتسج في نظام لغوي تلقائي عادته اللغة وحدها، ومرجعيته الخيال وحده..

إن القراءة الحداثية، تشكل جهازا فنيا ومعرفيا شديد التعقيد، مفتوح الآفاق: داخليا وخارجيا: فإذا دخل أنساح، وإذا خرج ساح ؟ إذا دخل غبر وغاب، وإذا خرج كان ذهابه بلا إياب.

وعلى الرغم من قدرة هذا الجهاز التقني الفني معا، وعجبيته وعجائبيته معا، لا يزعم، مع ذلك بأي وجه من الوجوه، أنه يستطيع استكناه النص الأدبي، واستنفاد كل معطياته الفنية والجمالية، والإتيان على كل ما فيه من لطائف وخفايا، ومخبآت وطوايا، فتحول كلياته الى شظايا، كما تبلور معمياته فكأنك تشاهدها في مرايا..

وسيلا حظ القاريء الفروق الشاسعة بين قراءات المسدي وصمود والعذامي لقصائد ثلاث لأبي القاسم الشابي، وبين قراءات الأقدمين، والمحدثين التقليديين وهي القراءة التي كنا عرضنا لها في بعض هذه المقالة : الى درجة تجعل الموازنة بين قراءات اولاء واولئك امرا غير وارد  (54).

إحالات وتعليقات

ا – ابن جني، شرح مشكل أبيات المتنبي، ص 175.

2- أحمد امين، عبدالسلام هارون، شرح حماسة أبي تمام للمرزوقي (تحقيق، وتقد يم ) مقدمة 1-15.

3- عبد الرحمن البر قوقي، شرح ديوان المتنبي، ا- 6.

4 – حاجي خليفة، كشف الظنو ن، عن أسامي الكتب والفنون (ديوان المتنبي وشروحه) وانظر أيضا الشيخ محمد سن آل ياسين في: شرح مشكل أبيات المتنبي، لابن سيده (تحقيق)، ص 10.

5 – م "س"، ص 9-10

6- ابن سيده، م "م" "س"، ص52-53.

7-ابن منظور، لسان العرب (بيض).

8-المرزوقي، شرح حماسة ابي تمام، ا – 24.

9-أبو عثمان الجاحظ، الحيوان، 3-31.

10- م "س".

ا ا – م "س" (احالة رقم 5).

2ا – ابن سيده، م "م" "س"، ص52.

13- ابن منظور م "م" "س"، (سوم ).

14- شروح سقط الزند لأبي العلاء المعري، القسم الأول، ص (ج).

15- م "س"، ص 15

16- م ""، ص3 (مقدمة التبريزي).

17- أحمد أمين – عبد السلام هارون م "م" "س"، ا – 16.

18- م "س"، ص  1-17.

19- م "س"، احالة وتمرقم ا.

20- ياقوت الحموي، معجم الأدباء المعروف بإرشاد الأديب الى معرفة الأديب،  1-191.

21- يراجع: نزهة الألباء : 401-403؛ ومقدمة عبد السلام هارون وأحمد أمين م "م" "س" "أ" 13-14.

22- أبو على  المرزوقي م "م" "س"، أ. 112.

23- م. م.

24- م. س.

25- الزوزني، شرح المعلقات السبع ص  5.

26- م. س، ص5-6.

27- م. س.

28- م. س. ص6.

29- شروح سقط الزند، ص 31.

30- م. س.

31- م. س.

32- م. س 31-32.

33- ابن سيده م. م. س (ص52- 53) لدى شرح قول المتنبي :

ابعد: بعدت بياضا، لا بياض له!           لأنت أسود في عيني من الظلم

34- البرقوقي، شرح ديوان المتنبي 1- 288.

35- م. س.

36- ابن سيده م. م. س، ص 138-319. هذا ويجوز في العربية العالية معاملة جمع النسوة معاملة جمع ما لايعقل، قال الله تعالى : "ولهم فيها أزواج مطهرة"، البقرة، الآية 25؛ ولم يقل: أزواج مطهرات" وقد علق الزمخشري على هذه الصفة فقال : فإن قلت : فهلا جاءت الصفة مجموعة كما في الموصوف ؟ قلت : هما لغتان فصيحتان. يقال : النساء فعلن، وهن فاعلات وفواعل والنساء فعلت، وهي فاعلة. ومنه بيت الحماسة :

وإذا العذارى بالدخان تقنعت               واستعجلت نصب القدور فملت

يراجع الزمخشري في الكشاف، 1-109: وشرح حماسة ابي تمام للمرزوقي 2. ص 550- ا 55.

37- البرقوقي، م "م" "س"، 1-289.

38- ابن سيده، م "م" "س"، 319.

39- م "م" "س".

40- ابن سيده، م "م" "س"، ص 318

41- البرقوقي، م "م" "س".

42- م "س"، 1. 219

43- طه حسين – ابراهيم الأبياري، شرح لزوم ما لا يلزم، 1. ص 55.

44- م "س".

45- ابن منظور م "م" "س" (جدد).

46- طه حسين والأبياري، م.م س.، 1. 56.

47- ابن منظور، م "م" "س"، (سدا) والفيروزابادي، والقاموس المحيط (السدى).

48- طه حسين، م "م" "س"، ص (ط )ز

49- بن منظور، م "م" "س"؛ الجوهري الصحاح (سدا).

50- الفيروزابادي، م "م" "س".

51- طه حسين، م "م" "س"، 1- 56.

52- ابن منظور، م "م" "س"، (عبا).

53- م "س"، (عبم).

54- لقد تحدث كثير من المنظرين الغربيين، وبخاصة الفرنسيون، منهم رولان بارط، وطرد وروق، وجوليا كرستينا، وريكور، وقريماس، وسواء هؤلاء من منظري الأدب ومحللي النصوص.

وقد صدر أخيرا بباريس (ابريل 1994) كتاب ترجم من الإيطالية الى الفرنسية للناقد الإيطالي امبرتوإكو بعنوان : "حدود التأويل" أحدث ضجة في النوادي الأدبية، وننصح بقراءته لمن رام الإلمام بنظرته الى مفهوم القراءة التأويلية دى إكو.

أما نحن فقد كنا عقدنا فصلا مطولا ومركزا تناولنا فيه إشكالية القراءة الحداثية في كتابنا: من أجل نظرية للكتابة (تحت الطبع، م.و. ك، الجزائر) كنا أحلنا فيه، هناك على كثير من المراجع الجديرة لأن يرجع اليها في هذا الصدد. كما كتبنا فصلا نظريا في كتابنا ( أ-ى)، فليرجع اليه من شاء ذلك.

 
 
عبدالملك  مرتاض (باحث جزائري واستاذ في جامعة وهران)

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …