تنويعات على معنى الأدب للمستشرق الفرنسي : شارل بلاّ

قليلة هي المناسبات التي خاض فيها المستشرق الفرنسيّ شارل بلاّ في مسائل الأدب وقضاياه و«شؤونه الدّاخليّة». ودراساته المفردة في هذا الباب تعدّ على رؤوس الأصابع قياسا إلى غيرها من الدّراسات التي ولّى فيها –كعامّة المستشرقين- وجهه قبلة التّأريخ -الأنتروبولوجي العامّ- لثقافة العرب وأحوالهم السياسية والاجتماعية دون عناية بتفاصيل الخطاب وقضاياه الآنيّة – synchronique- (الأسلوبية، الفنية، البلاغية..؛ والنّظريّة –نظرية الأدب-)، ودون خروج عن منطق تغليب الإيديولوجي (قضيّة الشّعوبيّة، مثلا، وهي من القضايا الأثيرة التي لا يخلو كتاب مستشرق من أصدائها وقضايا الصّراع الدّاخليّ على السّلطة…إلخ) ودون خروج –في القراءة- عن منطق التّأثير الأجنبيّ في الثّقافة العربيّة. وهو منطق أحاديّ يقنع فيه المستشرقون غالبا –بل دائما- بوضع ثقافة العرب في موضع المنفعل لا الفاعل، الآخذ لا المعطي… فكأنّما هي –خلافا لثقافات الدّنيا كلّها- ثقافة قاصرة، لا تملك حركة نفسها ولا تتطوّر ذاتيّا، من الدّاخل. فقدرها –كما هو شأنها اليوم- أن تظلّ تحت رحمة الآخر يصنع بمنتجها الثّقافيّ ومقولاتها ما يشاء، ونصيبها من الإبداع ما يجود به غيرها عليها !

مقدّمة المترجم :
 ومن الدّراسات المهمّة التي تذكر لـ«بلاّ» في حقل البحوث الأدبيّة الخالصة أو شبه الأدبيّة، فضلا عن هذه الدّراسة التي نعرضها معرّبة، دراسة «الأدب العربيّ وقضايا الأدب المقارن» (littérature arabe et problèmes de littérature comparée) وقد عرّبناها هي الأخرى وستنشر قريبا، ودراسة له أخرى في الجدّ والهزل (seriousness and humour in early Islam)وما عدا ذلك فآراؤه في ما اتّصل بالأدب العربيّ لا تخرج عن بعض السّياقات العارضة في تضاعيف كتبه ونخصّ منها كتابه المشهور : الوسط البصري ودوره في تكوين الجاحظ (Le milieu basrien et la formation de Gâhiz)… وأغلبها محاولات عامّة مجملة تكتفي بالإطلالة العابرة، والومضة السّريعة، والحكم الانطباعيّ الذّاتيّ المتسرّع أحيانا. فلا تشقيق ولا تحقيق. وقد انتبه المستشرق نفسه في ما يشبه القراءة الذّاتيّة إلى خصائص منهجه الغالب على الكتاب المذكور (الوسط البصريّ. . ) بـ«التّحليق» (survol). . ولم يفته أن يدعو المستشرقين من بعده إلى تجاوز هذا المنهج التّأريخي الزّماني (diachronique) تأسيسا لقراءة داخليّة في نصوص الجاحظ خاصّة –وهو موضوع كتابه ومدار أغلب بحوثه- وفي عامّة ما أنتجته الثّقافة العربيّة الإسلاميّة القديمة.
ونحسب أنّ هذه الدّراسة التي نقدّم اليوم للقارئ إنّما تستجيب، بمعنى ما من المعاني، إلى هذا المطلب وتنخرط في هذا المشروع المنشود.
وممّا دعانا إلى تعريبها، أمور: – موضوعها أوّلا، ومداره على مفهوم «الأدب» العربيّ متراوحا بين المفهوم الخاصّ (الأدب في مفهومه الجاحظيّ الأوّل) والمفهوم العامّ (الأدب بما هو فنّ قوليّ وصناعة لخطاب مخصوص مختلف ألوانه littérature). وما أحوجنا اليوم إلى مراجعة هذا «المفهوم» المشكل، وتدبّره، والوقوف على أسسه، ومنطلقاته، وفلسفته…تمهيدا للكشف عن نقاب «النّوع» –نوع الأدب- هذا الذي ظلّ مجهولا إلى أيّامنا؛ لا نملك من أسراره، والعلم بأغواره شيئا يذكر أو يُتذاكر ! فحاله كحال المأساة قبل مجيء أرسطو أو هو أهول. وإلاّ فهل من علم لنا اليوم بهذا الخطاب وخصائصه الفنّيّة الإنشائيّة (poétiques) ؟ وهل غادر الدّارسون فيه «من متردّم» ما جاء عن الجاحظ –أو بعض البعض منه- من جمل مقتضبة تسم الأدب بأنّه «الأخذ من كلّ شيء بطرف»؟ فهل علمنا منطق هذا الأخذ مثلا وطرائق تصريفه وإجرائه في الخطاب ؟ وهل عرفنا حدود هذه الأطراف المقصودة ؟ وهل بحثنا عمّا يقيّد هذا التّعريف الذي قتل بحثا –ولا بحث- أو يكمّله؟؟؟
لهذا الأسئلة بعض أطراف جواب في هذا الدّراسة. ومن هنا أهمّيتها. فلعلّها أن تكون بداية عوْد إلى دراسة معمّيات هذا المفهوم الغامض الذي لا يكاد يتنسّب، ولا نكاد نخرج فيه إلى اليوم عمّا سطّره المستشرق الإيطالي كارلو نلّينو وإليه يعود الفضل في زيارة هذا المبحث والنّبش عليه في مدافنه الألفيّة.
– الدّافع الثاني يمكن تنزيله في إطار «الميتا-نظري» (méta-théorique). ونعني بذلك ما تطرحه قراءة شارل بلاّ –المستشرق، المؤرّخ- في مفهوم الأدب من قضايا وإشكاليات. وليس من باب فضول القول أن أضفنا صفة المؤرّخ والمستشرق وأبرزناهما. فتوابع التّأريخ والاستشراق ماثلة حتّى في هذه الدّراسة التي كان يُفترض أن تكون نظريّة خالصة أو أقرب إلى النّظر، وهاجس الإيديولوجي حاضر دائما.
– وفي هذا المقال فرصة أخرى للاطّلاع على وجه آخر من فلسفة الاستشراق ومناهجه وطرائق اشتغاله في غير الحقول التي اعتاد أن يرتادها ويتحرّك في مسارحها، ونعني الحقل التّأريخي خاصّة. ولم تخل هذه الدّراسة من بعض أصدائه وهفواته أيضا.
– النّقطة الثّانية : تتّصل بالبحث في المصطلحات الفنّيّة عامّة وفي ما اتّصل منها بالأنواع الأدبيّة خاصّة. وهو مبحث لم يُقنّن إلى اليوم ولم يقعّد. وإنّما ظلّ يجري وفق السّانح والدّاعي. وفي هذا المقال عيّنة منهجيّة لابدّ من تدبّرها والوقوف على خصالها وأوجه تطويرها تأسيسا لمنهج علميّ في قراءة الأنواع الأدبيّة العربيّة القديمة : نشأتها، مصطلحها (وتأصيله)، أشكالها وإشكالياتها وطرائق تطوّرها….
ما نقدّمه هنا –منعا للإطالة- نصّ مهمّ، متعدّدة أوجه الإفادة منه والإضافة إليه. وهو ليس وحسب ترجمة لنصّ وإنّما هو أشبه بالتّحقيق. لأنّ النّصّ في أصله الأوّل محاضرة شفويّة دوّنت بالفرنسيّة. ولئن احتمل النّصّ الفرنسيّ المكتوب هنات المشافهة واستطاع أن يكيّفها ويلجم تنطّعها واستطاع أن يكيّفها فظلّ مع ذلك متناسقا مفهوما، فقد كان علينا أن نتدبّر الأمور ونحتال على اللّغة ونحبّرها ليظلّ النّصّ واضحا في العربيّة -يستوفي شروط الفهم والإفهام-، أمينا في الآن ذاته على مؤدّى اللّسان الأوّل وحافظا لحرمة الاصطلاحي من الألفاظ فيه. ومن هنا كانت بعض الزّيادات التي اقتضاها السّياق ودفع إليها الموضع ولوازمه. وفي المقال وقد حوضر به في جمهورٍ عالمِ، غربيّ، واتُّخذ له من المراكب المنهجيّة منهج التّنويع والأخذ من كلّ شيء بطرف –كمنهج الأدب، موضوع المحاضرة وقطب رحاها- عدد من العبارات اللاّتينيّة والإسبانيّة… وقد اجتهدنا في نقلها. وعسى أن نكون قد أفلحنا في ذلك وأسدينا خدمة إلى خدمة الأدب العربيّ القديم ومريديه والمنافحين عنه.
تنويعات على معنى الأدب (1)
عندما شرّفني أرمون آبال وودّني بدعوتي إلى المجيء وإلقاء هذه المحاضرة في بروكسل بدا لي كأنّه يرغب في [الحديث عن] موضوع من مواضيع الأدب العربيّ وعن سؤال الأدب على وجه الخصوص. وكان لي ذلك مناسبة لإدخال بعض النّظام على أفكار كانت لا تزال بعدُ ملتبسة في ذهني. فقبلت الدّعوة على عجل؛ على أنّي، ما في ذلك شكّ، لن أعرف في ساعة واحدة من الزّمن إلى رسم تاريخ هذا الأدب المتعدّد الأشكال سبيلا.
ولمّا كانت سبل البحث في هذه المسألة كثيرة لا تكاد تحصى، فسأختار منها ما يمكّنني، باتّباع مسلك لولبيّ يتناسب في جملته إلى حدّ ما مع منهج «الأدب»، من التّوجّه إلى صميم القضيّة حيث سنجد –بالطّبع- صاحبنا الجاحظ: القطب الذي عليه تدور في نهاية المطاف رحى الأدب كما تقول العرب.
من المفيد دائما في مجال بحثنا، بغية فهم المعنى العميق لمصطلح من المصطلحات الفنّيّة التي تعترضنا، أن نلجأ إلى فقه اللّغة منذ البداية وأن نستحضر علم الدّلالة على طول الطّريق : فهو علم غالبا ما كان هاديا، إذ يمكّن من محاصرة التّصوّرات الأساسيّة ويكشف في حالات كثيرة عن ملامح قد تكون غامضة تتعلّق بنفسيّة مستعملي اللّغة. وهذا ما كان قد أدركه المستشرق الإيطاليّ الشهير كارلو أ. نلّينو الذي خصّص -منذ تكليفه سنة 1910-1911 بإلقاء دروس في الأدب باللّغة العربيّة في جامعة القاهرة- دروسه الأولى للتّعريف بكلمة «أدب» التي كان قد اتخذها علماء العربيّة مصطلحا دالاّ على المادّة التي يدرّسون وتحليل دلالاتها. ورغم قِدم الفصل الذي مهّد به نلّينو لكتابه المدرسيّ، وقد نشر بالإيطاليّة ثمّ بالفرنسيّة(2)، فإنّه لا يزال يحتفظ بكلّ قيمته؛ ولا شيء فيه يستحقّ التنقيح البسيط إلاّ بعض النّقاط –وذلك إذا خيّرنا طبعا أن نكتفي بالتحليل الخارجيّ للمصطلح وأعرضنا عن التّأريخ لـ«النّوع».
سأُعرض إذن عن إعادة ما قاله هذا العلاّمة مكتفيا بإبراز مسألتين تفصيليّتين.
لقد أخذ نلّينو في غير مشقة، ودعا إلى الأخذ، بالتّشقيق الدّلاليّ الذي اقترحه فوليرس (Vollers) منذ عام 1906، وقد ذهب فيه إلى أنّ «أدب» مفرد أُبدل منذ حقبة ما قبل الإسلام إلى صيغة الجمع «آداب» العائدة بدورها إلى المفرد «دَأب» الوارد ذكره في القرآن(3) بمعنى العادة والسّنّة والمنزلة، ومثلُه ما نجده في الحديث النّبويّ : «فإنّه دأب الصّالحين قبلكم»(4). إلاّ أنّني أرى أنّ كلمة «دأب»، شأنها في ذلك شأن كلمة سنّة، كان لها في الأصل معنى مادّيّ هو معنى «السّبيل والمسلك» وأنّ زوجه الثّاني : «أدب»، لمجرد أن حاجة مّا -تكاد تكون غامضة- قد دفعت [العرب] إلى اختراعه، لابدّ أن يغطّي مفهوما أبعد في التّجريد. وأنت لا تجد هذه الكلمة في القرآن في حين تظهر في بعض الأحاديث(5) حيث يدلّ الفعل «أدّب»، المشتقّ من الاسم، على معنى التّعليم والتّلقين والفاعلُ : هو اللّه. وبعد ظهور الإسلام واصلت كلمة «دأْب» مشوارها إلى اليوم دون أن تتمحّض إلى اصطلاح فنّيّ مخصوص بينما اكتسبت كلمة «سنّة» قيمة دينيّة واكتسب «الأدب» معنى موازيا، هو معنى دنيويّ خالص. من جهة أخرى، يقابل المعجميّون بين «إرب» و«إرابة» و– خاصّة- «أريب»، من ناحية، و«أدب» و«أديب»، من ناحية ثانية. والأريب : الذّكيّ، دقيق الفهم، والبارع في كلّ صناعة. أمّا الأديب : فالجامع للخصال المكوّنة للأدب: أعني، على حدّ المدرك منها، جملة العوائد والأساليب وأنماط السّلوك التي تجمع بين صفتين : كونها محمودة، وموروثة عن السّلف الصّالح.
ويلاحظ نلّينو بعد ذلك أنّ كلمة «أدب»، في صيغة المفرد، قد تدققت ولطف معناها ما إن وصل العرب إلى درجة من الحضارة أرفع لتدلّ –من جهة- على القواعد المُسهمة في تكوين الأخلاق العمليّة ممّا لا تحويه التّعاليم القرآنيّة والتّقليديّة (الموروثة)، ومن جهة أخرى، على العوائد الحسنة مكتسبةً كانت أو فطريّة، وعلى جملة المبادئ التربوية اللاّزمة لمن يروم التّحلّي في سلوكه باللاّئق من أخلاق علية المجتمع -وهو ما يقرّبه الأستاذ غابرييلّي من معنى «السّلوك الحضاريّ» [في المصطلح اللاّتينيّ] -(urbanitas) ويدلّ أخيرا على جملة المعارف الدّنيويّة التي لابدّ لكلّ طبقة من الطّبقات أن تكتسبها التزاما بما يتناسب ووظائفها (مثل القضاة والمعلّمين وكتّاب الدّواوين. . ).
وبالانتقال من طور الرّواية الشّفويّة إلى طور التّواصل الكتابيّ، تولّد عن هذه المبادئ وأنماط السّلوك والموروثات التّقليديّة والتّعاليم المكوّنة للأدب ثلاثة أصناف من الكتب : يضمّ الصّنف الأوّل الكتابات ذات الصّبغة الأخلاقيّة، أو لنقل» أدب الخُلُق». (adab-parénèse) ويضمّ الثّاني الكتب الجامعة الموجّهة للخاصة (gens du monde) وتحتوي على مقطوعات من النّثر والشّعر والأخبار المتنوّعة والطّرف والنّوادر التي تحسن الإفادة منها في المجالس الرّفيعة؛ وهذا هو ما نسمّيه «الأدب-الثّقافة» (adab-culture) وبه يتّصل «الأدب-فنّ الحياة» (adab-savoir-vivre) ؛ ويضمّ الصّنف الثّالث كتبا تعليميّة موجّهة إلى العاملين في شتّى المشاغل الفكريّة، وأصنافا من الكتب الموجِّهة vade-mecum)(6) ؛ وهذا هو «الأدب-التّكوين المهنيّ» (adab-formation professionnelle).
ها أنا أفرغ من تلخيص عمل نلّينو الذي أراه، لاستناده إلى مدوّنات متميّزة وشروح معجميّة دقيقة، منطلقا مكينا [للبحث في قضيّة الأدب].
ومع ذلك، فعلى قدر ما لهذا التحليل الذي قدّمه من نفاسة، فإن مفهوم الأدب يظل مجانبًا للأصل، منفلتا (fuyante) عند الباحثين العرب ممّن سعوْا إلى تعريفه فاقترحوا مجموعة من التّقسيمات المصطنعة والخاطئة بالنّظر إلى حقيقة [الأدب] المتحولة. إذ لم ير هؤلاء النّقّاد أنّ الأدب في مفهومه الواسع كان واقعا على ثلاثة مستويات متوالج بعضها في البعض الآخر توالجا حميميّا –إن جازت هذه الصّورة: مستوى أخلاقيّ، ومستوى اجتماعيّ ومستوى فكريّ.
والحقّ أنه لا وجود لحدّ فاصل بين هذه الملامح المتعدّدة للأدب ذي المحتوى الجامع أساسا لقواعد السّلوك الموروثة عن السّلف سواء أكان من العرب أم الفرس أو حتّى من اليونان.
لقد كانت الغاية الحقيقيّة من وراء الأدب –باختصار- تكوين المسلم المتوسّط في الحقل الدّينيّ والأخلاقيّ والثّقافيّ بطرائق متنوعة سأسعى إلى تبيان بعض خطوطها الكبرى مركّزا في ذلك، وهل من شكّ، على الظّاهرة الجاحظيّة التي يبدو أنّ نلّينو لا يعرفها حقّ المعرفة.
في القرن الماضي، عندما اضطر علماء العربية، كما كان شأن الأتراك قبلهم، إلى تعريب مصطلحنا [الغربي] «littérature «، وقع اختيارهم في الحين على كلمة «أدب» لتدلّ على المقصود، وعلى الجمع «آداب» –الذي هو اليوم أوسع انتشارا من غيره- وحتّى على «أدبيّات» وهو اللّفظ الوحيد الذي اقترحه هـ. فيهر H. Wehr للدّلالة على مفهوم littérature محاكيا في ذلك، بلا شكّ، كلمة «أدبيّات» (edebiyet) التّركيّة.
كنت أفكّر إذن [كما قلت آنفا] في البحث في وعي علماء العربيّة العميق عمّا يمكن أن يعلّل اتخاذ هذه الكلمة لتعريب مصطلح (littérature)، ذلك أنّ أيّ مفكّر دنيويّ لا يملك بعد أن يسمع ما أنا بصدد قوله إلاّ أن يعجب لما بلغته [الكلمة] من توسّع دلاليّ (extension de sens) يبدو في ظاهره على قدر من الغلوّ كبير.
وإنّني لأعترف بتواضع أنّ كلّ جهودي قد ذهبت سدًى، وأنّه لابدّ للمرء من التّحلّي بقدر كبير من حسن النّيّة بل قل من السّذاجة لإجراء هذه الكلمة على مجموع الإنتاج الأدبيّ (littéraire في حين لم يكن «الأدب» يمثّل من هذا المجموعِ إلاّ قسما من أقسامه، وكان يقصي كلّ المؤلفات ذات التّوجّه الدّينيّ أو التّقنيّ وهي المؤلّفات التي تكوّن الأغلبيّة السّاحقة للكتابة النّثريّة، هذا من ناحية، كما يقصي من ناحية أخرى الشّعر كلّه بما هو شعر وإن كان هذا الشّعر لا يحتاج بما هو ديوان العرب، كما أشار عليّ مؤخّرا صديق لي تونسيّ، إلاّ إلى شيء من المكر والحيلة لإدخاله في دائرة الأدب.
وفي الجملة فإنّه من المحتمل أن لا يكون [الدّارسون] المعنيّون قد ذهبوا ليروا الأشياء عيانا ولم يشعروا بأنفسهم يوما – وذلك دأبهم غالبا منذ بدايات عصر النّهضة- معنيّين بالمعنى الاشتقاقيّ لكلمة «أدب»: هذا المعنى الذي غاب عن الأنظار منذ زمن بعيد.
أعرف جيّدا أنّنا لو أخضعنا كلمة ««litteratura اللاّتينيّة إلى معالجة مشابهة لاكتشفنا أنّها كانت تدلّ في العصر الكلاسيكيّ على الكتابة والنّحو أو العلم –وهي أمور لا تدخل في باب الأدب- إلاّ أنّ كلمة  «litterae»، في النّهاية، كانت تستعمل للدّلالة على مجموع الإنتاج الأدبيّ بما في ذلك التّاريخ أولم يكن سيسرون (Ciceron) يتذمّر لبعد التاّريخ عن الآداب ! (abst historia litteris nostris ) ؛ أما العربيّة، فلئن دخلت في أدبها بعض المؤلّفات التي يغالَى في نسبتها إلى التّاريخ مثل مروج الذّهب للمسعوديّ، فإنّ التّاريخ العلميّ (histoire technique) لا يندرج ضمن هذا الباب مطلقا.
تدلّ كلمة «بيان» [في المقابل] عند بعض الكتّاب، ونخصّ منهم ابن شُهيْد، الشّاعر والنّاثر الأندلسيّ، وهو من أبناء القرن 5هـ/11م. ، على الموهبة الأدبيّة بالمعنى العامّ. وقد كان بالإمكان اتّخاذ هذه الكلمة للدّلالة على معنى الأدب (littérature) على اختلاف أشكاله شرطَ أن يُـقصَى، في هذه الحالة، من تاريخ البيان العربيّ كلّ الإنتاج الشّعريّ والنّثريّ غير المتوفّر على خصال فنّيّة متميّزة. واللّه وحده يعلم إن كان عدد الآثار المتميّزة قليلاً!
إنَّ أمْدَحَ ما يُمدح به الأديبُ (homme de lettres)، عند ابن شُهيد هذا نفسِه، وسمُه بالشّاعر الخطيب لا بمعنى : «شاعر وخطيب»، بل بمعنى الكاتب ذي الطّبع الفريد الجاري على الوِزان نفسِه من اليسر والسّلاسة في كلتا الصّناعتيْن (الصّنعتين) أو في كِلا الفنَّيْن، الشّعر والنّثر، وهما المكوّنان الأصليّان للأدب.
وثمّة عبارة أخرى موازية وهي مختلفة عن الأولى تمام الاختلاف في صميمها وهي عبارة «الشّاعر الأديب» التي كثيرا ما نجدها عند المتقدّمين وتستحقّ أن نقف عندها بُرهة ما دمنا نروم التّعريف بالأديب.
«لا يغدو الإنسان شاعرا بل يولد شاعرا». كذا يقول الإسبان بارعين (el poeta nace y no se hace). وكذا تماما موقف المبرَّزين من نقّاد العرب الذين يُعلون في الأقدار من شأن الشّاعر المطبوع، «الشّاعر المولود شاعرًا»، وهو الذي لفرط غناه عن تعلّم الصّناعة، كأنّ الشّعر سجيّة فيه بل وكأنّه –إن أخذنا بالمعتقد القديم- يتكلّم على لسانه شيطان.
كان الخطيب القديم صِنو الشّاعر ثمّ حلّ محلّه بعد ذلك –على الأقلّ منذ القرن الرّابع هـ. / العاشر م. – لا النّاثر البسيط وإنما الكاتب المترسّل. وفي تحفة ابن شهيد الفنّيّة القصيرة الموسومة بـ «التّوابع والزّوابع»، لا يزال الخطيب هو الرّجلَ الملهم بينما هو في غيره من مؤلّفاته الكاتب الدّيوانيّ الذي يكتب الرّسائل الدّيوانيّة في نثر مسجوع ثمّ يسترسل ساعة الاشتغال بهواياته إلى بعض الرّياضات الأدبيّة كالوصف والمناظرات وغيرها من أنواع التّصنيف التي تضارعها في الصّنعة. أمّا عبارة «شاعر أديب» في المقابل فالكلمة الأولى فيها مزدوجة الدّلالة إذ تدلّ على الشّاعر المولود شاعرا والنّاظم الذي تعلّم الصّنعة تعلّما دون تمييز بينهما. بينما تشير الكلمة الثّانية إلى أمر آخر مغاير في الخطيب؛ إنها تشير ضمنيا لا إلى معنى العلم الباطنيّ، الموحى إيحاء، (science infuse) أو الموهبة الفطرية الخارقة بل إنما تشير على العكس من ذلك إلى معنى الاجتهاد يرمي [الشاعر من خلاله] إلى اكتساب المعارف الدّنيويّة –وإلاّ لكان عالما- التي يفترض أن تقوم مقام الأسّ والعماد لأيّ نشاط أدبيّ، نثريّ –بطبيعة الحال.
وبذا حين نقول عن رجل مّا إنّه «شاعر أديب» فهذا يعني -من جهة- أنّه ينظم شعرا وأنّه من المبرّزين في ذلك و-من جهة أخرى- أنّ له ثقافةً دنيويّة واسعة أي نصيبا ممّا نسميه بـ «الأدب-الثقافة العامة» (l’adab-culture générale) وهو بالضرورة أوسع مجالا من «الأدب- الثقافة الاجتماعية (المدنية)» (l’adab-culture mondaine) الذي سبق له أن أخذ منه وهو ضروريّ –إن رغب الأديب في تعاطيه- لاحتراف صنعة الأدباء وممارسة «الأدب-الفنّ الجميل» (l’adab-belles lettres) الذي يقابل على حدّ التقريب –إن لم أكن مخطئا في ذلك- ما كان يطلق عليه الرّومان تسمية humaniores litterae (الأدب الإنسانيّ).
هذا التّمشّي الدّلاليّ البسيط غاية البساطة الذي اعتمدته ما هو في نهاية المطاف إلاّ لعبة لأنّه يقدّم معنى واحدا لكلمة «أديب»، وهو المعنى الذي كنت أبغي استظهاره. ومن البديهيّ غاية البداهة أن يكون بالإمكان استخراج غيره من المعاني بالدّرجة نفسها من اليسر؛ وهاك مثالا :
إثر محاضرة كنت قد ألقيتها بالعربيّة في مدينة فاس، اعتلى شابّ مغربيّ المكان الذي كنت قد أودعت فيه وما كان أشبهه بأقفاص الأسود. وسمعت مغربيّا آخر يقول له بصوت خافت «كن أديبا» أي بمعنى «sois poli» [تعقّل / كن مهذّبا] لا بمعنى «كن مثقّفا».
لقد قابلت، رغبةً في السير على خطى جهابذة علم وظائف الأصوات (phonologie)، بين «أديب» و»خطيب»؛ وقد قدم الجاحظ نفسه في رسالة له سيكون لنا في شأنها حديث آخر مقابلة أخرى عميقة الدّلالة. وهاك ما يقول : «إنما اشتقّ اسم المعلّم من العلم، واسم المؤدّب من الأدب. وقد علمنا أنّ العلم هو الأصل والأدب هو الفرع. والأدب إمّا خلق أو رواية. . »(7)
إنّ الجاحظ –وهو الأديب بامتياز- لا يخشى تقديم العلم في الرّتبة. ذلك أنه عالم أيضا بمعنى مّا من المعاني.
والمهمّ في هذا الشّاهد أنّه يفرّع الأدب فرعين : «أدب خُلق» و»أدب رواية»، أو على الأصحّ الأدقّ : اكتساب المعارف في الحقل الدّنيويّ، وتحصيل المعرفة بل والتّبحّر فيها أيضا (érudition). وسنرى مع ذلك أنّ الأدب الجاحظي يعرض أمورا أخرى مغايرة، وأنّه ليس بالإمكان البتّة إدراجه إدراجا كاملا في هذين البابيْن.
لنذهبْ في بحثنا قدما : تقابل العلمَ، أي «العلم الدّينيّ»، أيضا، المعرفةُ، أي «المعرفة الدّنيويّة»؛ وهي مقابلة تغدو بمقتضاها المعرفة في نهاية المطاف مساوية للأدب (بمعنى «الرواية»). ولنا على ذلك دليل آخر إضافيّ –إن كان لنا به حاجة- وهو أنّ كتاب ابن قتيبة [ 213 هـ- 276 هـ] الموسوم بـ «كتاب المعارف»(8) إنّما هو كتاب أدب لا كتاب تاريخ كما يزعم بعضهم.
لقد كان الأديب، أو لنقل بلغتنا l’honnête homme، إذن، في القرن الثّالث هـ. /العاشر م. هو الرّجل الّذي له من التّكوين والمعرفة في الحقول الدّنيويّة ما يخوّل له أن يحظى بالقبول والترحيب في مجلس من المجالس (salon). بل ليتألّق في هذا المجلس ويسطع نجمه ويترك أثرا في تاريخ العمل الأدبيّ أيضا إمّا لما سيكون قد نقله من آثار إلى رواد مجالسه أو تلاميذه؛ وإمّا لِما سيكون قد احتال به –متخذا منهجا في التّصنيف غالبا ما تُجهل مبادئه- لحفظ هذه الآثار في مؤلّف سيكون بالطّبع داخلا في باب الأدب قائما على ثقافة عامّة متطورة.
ولمّا كانت كتب العلماء مُسْهبة بطبعها، منظّمة، صارمة، مملّة، محدّدة في موضوعها، موجّهة إلى جمهور من العلماء والمثقّفين، كان لِزاما على الأدباء أن يتّخذوا موقعا مقابلا [وتكون مؤلّفاتهم] ألطف مأخذا، وأكثر تنوّعا، وأقلّ تنظيما؛ وتكون موجّهة إلى جمهور أوسع –بالضّرورة. وهذا ما يجعل «القاسم المشترك» –كما نقول اليوم- بين الكتب ذات النّسب الصّحيح إلى الأدب بمعناه الأصيل يتلخّص في هذه القاعدة : «الأخذ من كلّ شيء بطرف» سعيا إلى تكوين في غير إملال وجريا على وعظ تستلطفه الأنفس. وأقرب المسالك لبلوغ هذه الغاية يقوم أوّلا على التّضحية بالعمق خدمةً للاِتساع، كما يقوم، ثانيا، لمن استطاع إلى ذلك سبيلا، على تخيّر ما خفّ على النّفس من النّصوص المتوفّرة، وعلى تحلية التّحليل الجادّ بالطّريف من النّوادر، والمتخيّر من الأشعار، بل حتّى بأن يقطع الأديب –كما هو شأن الجاحظ في البيان [والتّبيين] والحيوان- فصلا من فصول كتابه قطعا مفاجئا، مباغتا، قاصدا بذلك إلى أن يسلّي القارئ ساردا عليه نادرة من النّوادر يكون المقصود منها الإضحاك وإن بدت لا رابط يشدّها إلى السّياق.
إنّ التّسلية غالبا ما تنتهي إلى الإضحاك، ولطالما شدّ انتباهي تواتر خوض الجاحظ في تعليل الضّحك وبساطة الواقع الذي يبعث [في نوادره] على الضّحك. وإنّني لأحسب أنّ مأتى إلحاحه إنما هو –تحديدا- رغبته في التّصدّي إلى نزعة تعميم الجدّ. ومن الواضح الجليّ أنّ رغبته في تخفيف الملل الذي قد تفرزه المؤلفات العلميّة هي التي جعلته يبتكر أدبا هو في الآن نفسه تعليميّ، بل ووعظيّ، ولكنه مستساغ القراءة، لذيذ بفضل أسلوبه المرح وبفضل الفقر الهزليّة التي تتضمّنها نصوصه.
هذا الأسلوب الطّفوليّ (puéril) التبسيطيّ هو، للأسف، كلّ ما استبقاه العرب و[لأجله] اعتبروا الجاحظ مجرّد ضُحَكة (plaisantin) دون الوعي بـ[قيمة] ما كان يدرّه عليهم من فضل.
بعد الجاحظ، سيتكيّف الأدب بحسب الأذواق الشّخصيّة، وسيكون على قدر رحابة عقول الكتّاب الذين سيوسّع منهم من يوسّع من مختاراته ويضيّق من يضيّق –من ناحية-، والذين سينتهي بهم الأمر، في الأغلب الأعمّ، تحت طائلة «آفة العلم» : النّسيان –من ناحية أخرى. وفي كلّ الحالات تقريبا سيُنسى روح النّموذج الجاحظيّ. ولن يستبقى منه إلاّ الظّاهر. وسيصل الأمر إلى حدّ سيأخذ فيه بعضهم بالعلم [الخالص] والتعليم متناسين نصيب الهزل (أو التسلية)، ومن هنا سنحصل على أدب بالغ الجدّيّة، محدود المحتوى، متدبّر التّصنيف؛ في حين سينهمك غيرهم في التّسلية متناسين نصيب التّعليم والتّكوين وسيقدّمون لنا أدبا هزليّا، أو قل مسلّيا ببساطة، ستمثّله طائفة من مجامع النّوادر.
 وبما أنّ الجدّيين من علماء العربيّة لا يشيرون إلاّ قليلا إلى هذا المكوّن من مكوّنات الأدب، أراني ملزما بقول بعض الكلام فيه.
نعلم اليوم أن مدارس الموسيقى والغناء التي قامت بعد الإسلام في المدن المقدّسة –وهذا من المفارقات- قد شجّعت على تكوّن فكاهيّين (humoristes) حقيقيين هاجروا إلى العراق وكوّنوا [هناك] بدورهم مضحِّكين ذوي مواهب متنوّعة. وصار الظّرف -هذا الذي جعل منه صاحب الأغاني خصلة تفخر بها المدينة [المنوّرة]- ميزة كبرى لبلاطات العبّاسيّين ومجالسهم في القرن الثالث هـ./ التّاسع م. . ولنا في الكتيّب الموسوم بـ «الموشّى» [للوشّاء] خير شاهد على ذلك. فقد لعب الظّرفاء، وكانوا من سادة العصر، والقيان (الجواري المغنيّات) دورا مهمّا في تهذيب الأذواق وأثّروا في تطوّر الآداب. وفي هذه الأوساط انتشرت في ما يبدو أو وُلِّدت نوادر هزلية على درجة من الفحش (scabreux) نسبت بعد ذلك إلى مضحّك مشهور –رغم أنه لم يكن له من يد في خلقها- ولهذا السّبب لن يكون من الممكن التّعرف إلى أصلها على وجه اليقين. ولكنّ ذلك لا يمنع من أنها كانت موجودة ثم جمعت في مجامع وأننّا نجد نصيبا منها ذا بال في أقدم كتب الأدب بدءًا من كتب الجاحظ.
لقد كان المضحِّكون، إن جاز الاِحتكام في شأنهم إلى المعطيات التّاريخية التي تسلّيت بجمعها، يحظَوْن أحيانا بمنزلة لدى السّادة يُحسدون عليها. ويشهد بذلك أبو العنبس الصّيمري، القاضي والمنجم من أبناء القرن الثالث هـ. (التاسع م. )، الذي لم يبق من آثاره إلا مؤلف ضخم في علم التّنجيم. وكان قد كتب أيضا سلسلة من الكتب الهزليّة الماجنة (burlesques)، وهي أقرب ما تكون إلى الإباحيّة (pornographie) و«القَذاريّة» (scatologie) منها إلى [ما يعرف عندنا بـ] «الرّوح المونمارتريّ» (l’esprit montmartrois).
وفي عدم الاِحتفاظ بهذه الكتابات في كلّيّتها ما يدل دلالة واضحة على أن ميل طائفة من النّاس إلى هذا الضّرب من الهزل، الّذي أعترف بأنّه غالبا ما كان فاحشا، كان أبعد ما يكون عن أن يشاطره في العلن جميع المسلمين الّذين ظلّوا على غرار قاضي الجاحظ المشهور(9) يحتفظون في كلّ الظّروف بسلوك مصطنع مفتعل، وبوقار ثابت لا يني، وبانشغال تامّ عن كلّ ما من شأنه أن يكون موضع تعجب وبالتّالي موضوع بحث. وهذا هو عين «الحِلم». وإنّني لأزداد يقينا يوما بعد يوم بأنّه الفضيلة الأمّ عند العرب الأقحاح. (10)
ثمّة خصلة أخرى أساسيّة [تجدها] في بعض الكتب التي قد تنتسب صراحة إلى الآداب [في معناها الفنّيّ] دون أن تحتوي عناوينها على كلمة «أدب»، ومدارها على ما في هذه الكتب من بعض خيال واجتهاد شخصيّ محدود. [وهنا] يبدو فضل الكتّاب [حتّى] الأقلّ موهبة [منهم] واضحا في المقدّمات خاصّة، وفي الطّريقة التي يتّبعونها لتقديم المعطيات. أما المحتوى فمركّب من نصوص لنقُلْ متراسبة (documentation stratifiée) ؛ هي متخيّرات من تراث الأجيال المتعاقبة الغزير تأتي لتضاف إلى زاد [شخصيّ] كلما كان أقدم كان أجدر بالتّبجيل.
ولن يفوت المرءَ وهو يقرأ بعض الكتب الأدبيّة من قبيل عِقد ابن عبد ربّه [الفريد] أو بعض الموسوعات الصغرى كمويْسيعة الإبشيهي –المستطرف- أن يعجب لتواتر الاِستشهاد بالجاحظ فيها وابن قتيبة كما لو كان هذان النّموذجان -على تباينهما- قد أتيا فيما اختاراه وقدّماه [في كتبهما] على جميع ما تقرّر من المعطيات والنّصوص تقرّرا نهائيّا وإلى حدّ ما حصريّا؛ وكما لو كانا قد ضبطا بمعنى ما من المعاني حدود الثّقافة المتوسّطة.
إن السّلطان الحاكم هنا هو «مبدأ السّلطة» : هذا الاِحترام للسلف الذي يشير إليه المعنى الاشتقاقي لكلمة «أدب». وهذا ما يدعونا إلى طرح سؤال الخيال والتّفرّد (originalité) بما أنّ «الأدب» فنّ قوليّ (littérature) قبل كل شيء.
[وفي هذا الشأن] قال لي زميل لي تونسيّ في الأيام الأخيرة إنّ الكتّاب وحتىّ الشّعراء إنّما كانوا في نهاية المطاف عديمي الخيال؛ وهذه أطروحة يمكن الدّفاع عنها (والأخذ بها) ولكنّني لا أرى من حاجة للذّهاب إلى هذا الحدّ.
وأنا لا أشكّ مع ذلك في أنّ مفهوميْ «السّنّة» و»البدعة» اللّتيْن تغلبان على النّشاط الدّينيّ قد اكتسحا الحقل الدّنيويّ أيضا إلى حدّ زهد معه عامّة الكتّاب في إرخاء العنان لخيالهم والتّرقّي [بنصوصهمٍ] إلى مدارج الإبداع الأدبيّ الحقّ. وقد بلغ من صحّة ذلك أنّ أبخس نصّ وإن قلّ نصيب الإبداع فيه إنّما يأخذه أهل العربيّة [اليوم ؟] سريعا مأخذ التّحفة الفنّيّة الفريدة. إلى هذا الرّعب من البدعة، يمكن أن يضاف أيضا ضرب من الكسل –إذ ليس أيسر على المرْء، التزاما بمبدأِ «الأدب»، من الأخذ من كلّ شيء بطرف ورصف الجذاذات واحدة تلو الأخرى.
سيقال لي حتما : بل توجد في مجال الأدب كتب لا تتكوّن وحسب من شواهد ومنقولات. وسأكون ساعتها أوّلَ من يعترف بذلك بما أنّ الجاحظ نفسه قد كتب مقالات لم نعد لأمر مّا نجد لها من مثيل. وسيقال لي أيضا : إنّ النّثر يغدو إبداعيّا في بعض تجلّياته ما إن يأخذ من فنّيات الشعر. وسيكون ذلك القول مصيبا لأنّ مقامات الهمذاني وبعض المقامات المتأخّرة غيرها إنما كانت نتاج اجتهاد محمود في سبيل الخلاص من السّنّة واستلهام عناصر «الأدب» المثيرة (prégnants) لإثراء الكتابة الفنية (littérature) بنوع أدبيّ ذي خصوصيّات عربيّة، [نوع] ممتع وأصيل ويستوجب مع ذلك كلّه خيالا وموهبة. كذا شأن المقامة التي بشّرت بميلاد رواية الشّطّار. وإنني لأعتبر أن آخر تحفة أدبيّة عربيّة قديمة إنما هي حديث عيسى بن هشام للمويلحي الذي عرف كيف يستفيد من المراجع المتوفّرة (الموروثة) ليخلق أثرا حديثا.
حسبنا ههنا أن نأسف لاختزال الحريري ومن لفّ لفّه هذا النّوع الأدبيّ -الذي كان يليق به ما هو أفضل- في رياضات شكليّة خالصة.
لا يملك المرء من جهة أخرى إلاّ أن يعجب في تاريخ الفكر العربيّ [الأصيل]، لا فكر الفلاسفة المتأثّرين باليونان تأثّرا مباشرا، للمكانة التي يحتلّها «الأدب» الأخلاقيّ (l’adab-éthique) وامتداداته في آثار الفلاسفة من أمثال التّوحيدي ومسكويه.
وهذه الفكرة تذكّرني بما قاله دالمبير في خطبة موسوعته (l’Encyclopédie): «حين نتأمّل تطوّر الفكر البشريّ وما قطعه من مراحل منذ عصر النّهض، نتبيّن أنّه قد اتّبع المسالك الّتي كان عليه أن يتّبعها بصورة طبيعيّة. لقد بدأ الإنسان بالتّخصّص وواصل بالآداب وانتهي إلى الفلسفة». وإنّي لأحسب أنّه بالإمكان إلى حدّ مّا استخدام الأدب العربيّ للبرهنة على صحّة –أو ربّما لنقض- هذا الحكم الصّادر عن مؤلّف من القرن الثّامن عشر يرى أنّ تطوّر الفكر البشريّ قد عرف أوجه في الفلسفة، هذه التي يرى نفسه أفضل من يمثّلها.
قد لا تبدو مقارنة الحدث الإسلاميّ للوهلة الأولى ممكنة إطلاقا مع [حدث] النّهضة [الأوروبيّة] ومع ذلك فقد أدّى إلى مثل ما أدّت إليه من نتائج. ويمكن أن نقرّ في يسر بأنّ القرنيْن الأوّليْن للهجرة إنما يمثّلان مرحلة البحث السّطحيّ [= التّنقيب] في كلّ ميادين العمل الفكريّ، أمّا التّخصّص فلم يكن قد عُرف بعد.
لست في حاجة إلى إطالة الوقوف على نشأة –وتطوّر- العلوم الإسلاميّة التي ظلّ حقلها الإجرائيّ ينزع رغم كلِّ شيء إلى جعل الأمّة الإسلاميّة عالما منغلقا لا انفتاح له على العالم الخارجيّ، ولا أنا في حاجة إلى إطالة الحديث عن العلوم التّابعة للعلم الدّينيّ مثل علم اللّغة (=علم المعجم) والنّحو والتّاريخ- الّذي كان لا يزال بدائيّا بسيطا- وقد بدأت هذه العلوم تنشأ بفضل الاِستغلال المباشر للوثائق التي كان قد جمّعها فريق من الباحثين [الأوائل].
 لقد سارت الموادّ التي جمّعها هؤلاء العلماء بين حلقات المثقّفين في الكثير من العواصم. ومن هناك انتقل أصحاب الفكر العلميّ (الوضعيّ ؟) l’esprit positif) إلى الحقل الثاني [من حقول البحث] بأن دوّنوا [بأنفسهم] ثمرة أبحاثهم كتابةً أو انتدبوا لاستنساخها تلاميذهم. ولعلّه من العسير هنا غاية العسر أن نقدّر حقّ التّقدير دور رجال من طينة الأصمعيّ، أو أبي عبيدة، أو المدائنيّ، ممّن نعلم من خلال الفهرست [لابن النّديم] وغيره من الآثار أنهم تجشّموا مشاقّ إدخال النّظام على هذه الفوضى من الوثائق، وتجميع كلّ مادّة فيها تنتسب إلى موضوع بعينه في كتب مفردة (monographies) لا نعرف عنها اليوم في أغلب الأحيان إلا عناوينها. وسيكون أشدَّ من ذلك عسرا تقديرُ ما أسداه مثقّفو هذه الحواضر من أعمال لاستغلال الآداب واستثمارها. ذلك أنّ ما أُعْمِل من نظر في مادّة العلم (données de l’érudition) إنما كان، كما هو الشّأن في أوربا، عملا جماعيّا. ففي مجالس علية القوم كان المشاركون كثيرا ما ينتهزون فرصة لقائهم فيعبّرون عن آراء لهم فريدة حول خبر من الأخبار، أو يصوغون أحكاما نقديّة حول بيت من الأبيات، أو يتبادلون أفكارا ثم يزهدون بعد ذلك في تدوينها كتابة. أما نصوصهم، إن وجدت أصلا، فلم يصلنا منها شيء. ومع ذلك لم يذهب هذا النّشاط الفكريّ سدى، لأنه كان من بين أعوان هؤلاء «صيادو فراشات» (chasseurs de papillons). والجاحظ، لا شكّ، واحد منهم؛ حتّى تلميذه أبو حيان يعترف بأنه قد تعاطى هذه الرّياضة. أ ولم يكتب ابن الجوزيّ «صيد الخاطر» (La chasse aux idées)؟
من الأحكام المتواترة والمواضع المشتركة (lieu commun) القول بأنّ نشاط المتبحّرين في العلم إنمّا كان في قسم منه نتيجة لمواقف الشّعوبية التي كان لا بدّ من الرّدّ عليها بالإعلاء من شأن عناصر الثّقافة العربيّة الأصيلة. فلقد أغرق العراقَ منذ القرن الثاني هـ. / الثامن م. سيلٌ من التّرجمات عن الفهلوية كشفت للعرب عن وجود حضارة ألفيّة عريقة –في بلد كانوا قد غزوه-؛ [حضارة] بدت أمجادهم الخاصّة أمامها ذاوية لا تكاد تذكر. يغلب على هذه الكتب المترجمة عن الفهلوية، سواء أكانت من كتب الأخلاق أم من كتب التاريخ، الطابع الوعظيّ (الأخلاقيّ). وابن المقفع –وهو من أصل فارسيّ- هو على وجه التّحديد من تحمّل أعباء إدخال هذا العنصر الحاسم في الأدب [العربيّ] النّاشيء وخلق النّثر الأدبيّ في الوقت نفسه.
وجدير بالذّكر أن كتابات هذا الرّجل إنّما هي بالأحرى كتابة جادّة حازمة. وما هي من الأدب إلا بما تحويه من مبادئ أخلاق وقواعد سلوك، ولكن ثمة أيضا أماثيل (apologues) كليلة ودمنة. وقديما كتبتُ [في شأنها]: «لئن تلقّى العرب هذه التّرجمة مبجّلين فلأنهم وجدوا فيها، في شكلها الأدبيّ، ضربا من القصص الحيوانيّ كان جاريا معروفا عندهم». وقد ارتكبت هناك خطآ ستتيح لي هذه المحاضرة فرصة إصلاحه. إذ لم يكن للعرب من قصص حيوانيّ. ولم يثبت مطلقا أن المسلمين من أصل عربيّ -وكانوا في الجملة يمثلون أقلّيّة- قد تحمّسوا لتلقّي كليلة ودمنة كبير تحمّس. وثمّة مقطع في رسالة منسوبة إلى الجاحظ هي «ذم أخلاق الكتّاب» مفيد في هذا الصّدد. [يقول الجاحظ] : «…ثم النّاشيء فيهم [ويعني الكتّاب] إذا (…) روى لبُزُرْجمِهْر أمثاله، ولأردشير عَهْده، ولعبد الحميد رسائله، ولابن المقفَّع أدبه، وصيَّر كتاب مَزْدَك معدن علمه، ودفتر كليلة ودمنة كنْز حكمته ظنَّ أنَّه الفاروق الأكبر في التّدبير…إلخ»(11)
لقد ظلّ إدمان قراءة كتاب كليلة ودمنة في أواسط القرن الثّالث هـ. / التّاسع م. علامة مميزة للكتّاب الفرس. ولئن أثّرت أعمال ابن المقفع تأثيرا واسعا في الأدب اللاّحق –وفي ما جرى من الكتب مجرى الدّروس الأخلاقيّة السّلوكية على وجه الخصوص- فلا بدّ أن نلاحظ أنّ ما يوقف عليه في الأدب العربي من الحكايات المثليّة الحيوانيّة إنما يعود الفضل فيه، في أغلبه –بل بأكمله- إلى الفرس. وحسبي أن أذكر منهم سهل بن هارون صاحب كتاب النّمر والثّعلب الذي اكتشف أخيرا بعضُ قدماء طلبتنا –وهو السّيّد عبد القادر المهيري- قسما منه(12).
ألا ينبغي أن نعتبر العمل الجماعيّ الّذي تمّ في القرن الثّاني هـ/ الثّامن م. في الكتابات الإنسانيّة العربيّة لتأسيس روايات غراميّة نعرف بعض عناوينها من خلال الفهرست محاولة للتّصدّي لمفهوم الأدب ذي الأصول الفارسية والاِنتقال إلى مرحلة الآداب (belles lettres) [ذات الرّوح] العربيّة ؟
لقد ضاع هذا الأدب الرّوائيّ الغزير غاية الغزارة ولم يبق منه إلا بعض الآثار (المجنون وليلى مثلا) المبثوثة في تضاعيف كتب الأدب اللاّحقة وليس بالإمكان اليوم البتة تحديد نصيب الخيال الفرديّ في هذه الجماهر (compilations) الأصليّة أو الّتي تعدّ أصليّة. وبما أن هذه الروايات الغرامية ضرب من ضروب الإنتاج الأدبيّ يستجيب إلى مطلب ما، وينزع إلى إشباع أذواق القرّاء، وأحيانا إلى فرض نمط من الأنماط الفنّيّة عليهم قد يدوم عهده وقد لا يدوم، ففي انتشار نسخ منها ثم في اندثارها بعد القرن الرّابع / العاشر م. ما يبرهن على أنها بعد إذ كانت مستطابة طيلة فترة مّا من الزّمان قد أتى عليها النّسيان.
وما تأثير رجال الدّين المتنامي ببريء من هذه المجافاة العامّة لآثار كانت تعدّ لا شك مغاليةً في الخفّة غلوّا كثيرا، وطويلة في الوقت نفسه طولا زائدا وصل إلى حدٍّ تخلّى معه النّساخُ عنها، وقُطِّعت [عند غيرهم] إن جاز القول تقطيعا. ولقد جدّت فضلا عن ذلك أحداث مهمّة وجّهت الأدب وجهته النّهائية.
«لقد غزت فارس المغزوّة غالبها (أو غازيها)» (13)  («persia capta ferum victorem cepit») كذا قيل وتواتر القول.
ولكن مثل هذه الـغزوة التي كان بإمكانها أن تأتي على الإسلام، وتقوّض أركانه، لم تفض إلى نتائج وخيمة. والفضل يعود في ذلك إلى ما صنعه لإعادة الأمور إلى نصابها رجالٌ في القرن الثالث هـ. / التاسع م. تبيّنوا الخطر بوضوح، وانتدبوا أنفسهم مفلحين لإزاحته. أعني بذلك المعتزلة الّذين ألقى بهم في العتمة، بعد إذ سطع نجمهم في الآفاق، انتقامُ أهل السّنّة والجماعة. وذلك في زمن كانت كلّ الأخطار الداهمة –لحسن حظّ الإسلام دينًا- قد أزيحت؛ فوضعوا مشعل الثقافة و«الأدب» بين أيدي الشّيعة المعتدلة.
ومن المعلوم أن هؤلاء المعتزلة كانوا يزعمون أنه بالإمكان الاِحتكام إلى العقل في كل شاردة وواردة مستهدين في ذلك، داخل إطار الإسلام، بالفكر الإغريقيّ. وبذا أصبح الدواء لداء التأثير الفارسي واقعا، بصورة عجيبة ولكن منطقيّة، بيد اليونان، وإن كان لا بد أن نعترف هنا بأن الإرث اليوناني لم يؤثّر في نهاية المطاف إلا يسيرا في عقلية المسلم المتوسط، أي تلك العقلية التي كان يسعى «الأدب» تحديدا إلى تكوينها.
ولئن كانت إيران قد وفّرت للثّقافة العربيّة الإسلاميّة أمثالا أخلاقيّة ومبادئ سياسيّة و[أسّست لها]، بفضل ابن المقفّع، بداية أدب دنيويّ لم يكن له من رونق فنّيّ مخصوص- ومع ذلك خرج عن جدّيّة المؤلّفات العلميّة، فإنّ اليونان قد جاءت العرب بـ[أهمّ] منتجات فكرها : وهو المنطق، منهاج النّظر، ولكنّها لم تمدّهم بنصّ أدبيّ خالص واحد.
فهوميروس لم يكن معروفا إلا بالاِسم. وأحسب أن مردّ ذلك لا لإهمال كامل [مقصود]، وإنما للعسر الذي كان يعانيه المترجمون كلّما وجدوا أنفسهم في حضرة نصٍّ شعريّ. وهذا ما ذكره في الأيّام الأخيرة ج. فايت (G. Wiet) الذي عثر بعد لأي على مقطع يتضمن اعترافا [من بعضهم] بالعجز.
إنّ الفشل الجزئيّ لمحاولة أقلمة الفكر اليونانيّ تفسّره بلا شك غرابة (exotisme) هذا الفكر الّتي كثيرا ما كانت تتداخل ومفهوم البدعة.
وثمة فضلا عن ذلك عامل آخر لا يبدو لي أنّ أحدا قد أولاه ما يستحقّ من عناية : فممّا تجدر ملاحظته أن الأدب الإغريقيّ كان أقلّ حظّا من الآثار الفهلويّة. فقد استفادت هذه الأخيرة منذ البدء من إسهام مترجم في حجم ابن المقفع -هذا الكاتب الحقيقي الذي عرف كيف يقرّب إلى الأذهان العربية فكرا أجنبيا، هو في الحقيقة فكر بسيط نسبيا. ففي عدم تأخر كتاب كليلة ودمنة رغم صعوبات البداية عن أن يؤخذ مأخذ التحفة الأدبية ما يدل على أن العرب كانوا يجدونه أخفّ على نفوسهم وأروح لقلوبهم. وما من أثر يوناني –في المقابل- حظي بمثل تلك العناية من مترجمه. وإني لأتساءل كيف كان القرّاء، ممن هم على قدر من الفضول كاف لمحاولة قراءة نص مترجم، يتوصلون إلى فهم الترجمات [اليونانية] التي تعرض عليهم وتأويلها تأويلا صحيحا. فقد ظل كتاب فن الشعر (La Poétique) لأرسطو في نسخة متّى بن يونس مستغلقا، عصيّا. وذلك لاشك ما يفسر كونه لم يلهم النقاد العرب مطلقا. ثمة نصّ آخر موضوعه أيسر مدخلا من الأول وهو كتاب تعبير الرؤيا (La clé des songes) لأرتيميدور الإيفيزي (Artémédore d’Ephèse) ترجمه حنين بن إسحاق ونشره حديثا توفيق فهد(14). وهو كتاب لا يُفهم مع ذلك إلا بتصحيحات الناشر وزياداته.
هو ذا شأن الأدب النثري في بداية أمره، لا يبدو مدينا في شيء إلى اليونان بينما يبدو مدينا في كل شيء إلى فارس. وقد كان من الطبيعي أن يعمل أنصار السيادة العربية كلَّ ما في وسعهم للتخلص من هذا التأثير الخطير : بتمجيد التراث العربي وإثرائه في حذر سعيا إلى خلق أشكال جديدة من «الأدب». فبعد العمّال الذين كانوا قد جاءوا بما يلزم من موادّ للشروع في البناء، بل وشرعوا في تشييد الصّرح، وبعد الفنّان ابن المقفع الذي كان قد ختم على هندسته بخاتم فارسي، كان لابدّ أن يأتي فنّان آخر ميالٌ جبلَّةً إلى القول بتعدّديّة الثقافة، متمسكٌ في الوقت نفسه تمسّكا شديدا بأولويّة العروبة، فيشتغل على هذه الموادّ مجتمعة لإتمام البناء القائم. ولم يكن هذا الفنّان –حتما- إلا الجاحظ، الذي انتدب نفسه لا وحسب ليكسب هذه المواد شكلا أدبيّا وإنّما –و ربّما خاصّة- ليستخلص منها مذهبا للثّقافة والأدب.
 وإن كان لابدّ من تعريف إسهامه الشّخصيّ في كلمة، فيمكن أن أقول إنّه يقوم على برنامج ومنهاج.
 لقد تحولت العناصر الثّقافية العربيّة، والفارسيّة، والهنديّة، واليونانيّة، بعد أن جُمعت وأُضيفت إلى العلوم الإسلاميّة إلى كتلة هائلة لم تكن أكثرُ العقول موسوعيّةً بقادرة على امتلاكها في كلّيّتها. ولذا كان من اللائق، حسب الجاحظ، أن يُترك المسلمون الراغبون يتخصصون في بعض المعارف –وهنا نلاحظ أنه كان يثق في قدرة معاصريه- ولكن مع ترغيبهم في أمر آخر، ودفع أكبر عدد ممكن منهم نحو ما أسميته بـ «الأدب-الثقافة العامة» (adab culture générale). وكان لابد لأجل ذلك من تخيّر مسلك، وتحديد معيار، وتأصيل منهاج للعمل(15).
لعله ليس من الغلوّ في شيء القول بأن الجاحظ إنما كان يتوق إلى تكوين عقول أجود إنشاء بدل تكوين عقول أكثر امتلاء؛ وعلى ذلك تدورٍ كلمة أدب، التي رأي أنه من المناسب الاحتفاظ بها، لاتصالها في الآن نفسه بطريقة اكتساب المعرفة (العقلية) وبالمعرفة نفسها- وإن كنت لأتساءل هنا إن لم يقرأ محققو نصوص الجاحظ كلمة «أديب» –في بعض السياقات على الأقل- على أنها «أريب». أما عن قراءة كلمة «أدب»، أو الجمع «آداب»، فلا تثير –في المقابل- أي إشكال ولا يبدو أن الجاحظ كان يجد حرجا في توسيع الحقل الإجرائي لهذه الكلمة.
وليس البرنامج الذي ينادي به الجاحظ بذي صيغة ملزمة ولا آلية، وإلا لتناقض ذلك مع طباعه، وما دأب عليه، إذ كان هو نفسه بصدد البحث عن سبيل يتّبعه، وما كان عند نفسه إلا ناقلا –لنقل فوضويا (brouillon)- يترجم عن شواغل عصره. وقد بين [أبو عثمان] الخطوط الكبرى لهذا البرنامج بلمسات سريعة ومتفرقة لا تسعفنا رسالة المعلّمين –التي سبق أن تمثّلتُ منها بجملة- لفهمها. لأنها، من جهة، إنما كانت تتوجه إلى المعلمين دون سواهم، ولأن المُجَمهِر (anthologue) الذي احتفظ لنا ببعض مقاطعها لم ير لها من فائدة فاقتطعها استثقالا في أخطر مواضعها وأدلّها. وبحسب المقاطع المحفوظة، [يرى الجاحظ أنه] لا بد من الانطلاق من العلوم الدينية، وحفظ القرآن وطائفة صالحة من الأحاديث دون التعمق في علم الكلام الموقوف على المختصين. أما النحو، فينصح الجاحظ المعلمين بأن لا يعلموا منه إلا الحد الأدنى الذي لا غنى عنه لمنع الوقوع في اللحن. والرياضيات اختصاص عنده هي أيضا ولكنه لا يدعو منها إلا إلى تعليم «العقد» (comput digital) –ولعل في ذلك ما يثبت أن هذا الضرب من الحساب (dactylonomie) كان قد سُبقَ إلى اعتماده لإجراء عمليات حسابية بسيطة- مع تأجيل النظر في الأرتميطيقا الهندية والهندسة. ولا شك أنه قد قدم إشارات أخرى مخصوصة. ففي بقايا هذه الرسالة ما يكشف أنه كان يولي أهمية –في مستوى التكوين الأولي- إلى فن الخطابة (rhétorique)، أو فلنقل فن الكتابة والبلاغة (balâgha).
ولو اكتفينا، كما فعل العرب في ما يبدو، بظاهر السياقات التي أورد الجاحظ فيها أبياتا من الشعر أو مقاطع من النثر داعيا إلى حفظها لإعادة استخدامها في الوقت المناسب، لم يفض بنا ذلك إلا إلى إساءة فهم برنامجه الذي لا يمكن في الحقيقة فصله عن منهجه.
 إن القراءة المتبصرة لكتاب التربيع والتدوير مفيدة في هذا الباب غاية الإفادة. ففي هذا الكتيّب المهمل المنسيّ، يبحث الجاحظ بشكل ساخر هازل في كل القضايا التي كانت تُطرح على وعي رجل عقلاني مسلم في القرن الثالث هـ./ التاسع.م. ويعبر عما يسميه أندريه ميكال، في أطروحة له بصدد إعدادها حول الجغرافيا البشرية، «هموم العقل الأساسية». إنه يسلم زمام المبادرة دائما للإنسانيات العربية (humanités arabes) ولكنّه لا يحب أن يحتفظ منها إلا بما لا يتصادم والعقل. ويدفع إلى إسقاط كلِّ ما كان أسطوريا فيها بيّن الأسطوريّة أو خرافيّا. أمر واحد كان يكبح جماحه، على كره منه في ما يبدو، وهي المعطيات الآتيات من طريق الوحي [القرآني].
وليس لمن كان من القراء ذا صبر على الذهاب إلى تخوم كتاب التربيع أن يلحظ دون أن ينتابه شيء من العجب أنّ الجاحظ يصنع الأدب في هذا النص على منوال ابن المقفع القديم –وقد ذكر بالمناسبة مرة- وأنّ ما ينقله –مع ذلك- من الحِكم والأمثال إنما يكاد يكون يونانيا بأكمله ويتعلق –في ما عدا الجانب الأدبي (الأخلاقي) (éthique)، والأخلاقي العملي (morale pratique)- بمنهج من مناهج المعرفة. وللمرء أن يجد حتى [القولة السقراطية المشهورة] «كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئا».
أما المنهج المنشود فيقوم قبل كل شيء على الشّكّ المنهجي المؤدي –بمشيئة الله- إلى اليقين، وعلى التفسير العقلي للظواهر الفيزيائية، وردّ الخارق (merveilleux) إلى المعتاد والقابل للتفسير، والتخلص من الأساطير والخرافات التي لا توجب «الكتب» القبول بها. كما يقوم أيضا على الملاحظة الشخصية(16) والتحليل، والنظر في الأخبار، و-خاصة- في الخلق الذي يَعتبر كلّ مخلوق فيه ذا دور ومكانة، وفي الحيوان والإنسان –الحيوان العاقل-، وفي الروابط بين الإنسان ومحيطه، وفي آثار التربة…
ومبدأ البحث هذا لا يعطي القياد في شيء لمبدأ السلطة. ففي كتاب الحيوان مثلا، حيث يجتهد الجاحظ في الاستدلال على الخالق بالخلق، لا يستخدم المعطيات التقليدية -وهي كثيرة في الجملة- إلا لدعم استدلاله، أو لتسلية قرائه بين الفينة والأخرى؛ وهو لا يتقيد حتى بأحكام أرسطو التي لم يحرم نفسه من نقدها ذاهبا إلى حد الادّعاء (prétendre) (كذا)(17) بأن العرب كانوا يعرفون عن الحيوان قدر ما يعلمه فلاسفة اليونان.
وإنّي لإلى أحكام على هذا القدر من المجازفة (imprudente) (!) أردّ فقر علم الحيوان عند العرب وإن كان لا بد من البحث له كذلك يقينا عن أسباب أخرى.
وكتاب البيان والتبيين من نوع مغاير. إلا أن المنهج [الذي يقوم عليه] يظل هو هو. ومع ذلك فليس للشواهد التي تكوّن سداه المحكم من السّمات ما لغيرها في سائر مؤلفات الجاحظ الأخرى. إذ تبدو غاية كتاب البيان، وهو في الآن نفسه جمهرة من المنثور والمنظوم، ومقالات في فن الشعر والبلاغة، جامعة بين تكوين الذائقة وتعليم الأسلوب.
وسيعتني المتأخرون عن الجاحظ، مالم يتهموه بالعجز عن تعليم البيان، أي فن الكتابة، بالشواهد خاصة وسينظرون إليها على أنها نماذج [متبعة].
وسنرى أن أديبا قيروانيا عاش بين القرن الرابع والخامس هـ./ التاسع والعاشر م. ، وهو الحصري، يستلهم هذه الشواهد ليؤلف منها –مستعينا بغيرها أيضا من المراجع ولكن دون أن يضيف سطرا واحدا، أو يكاد، من عنديات نفسه- مجموعة أولى موسومة بـ «زهر الآداب» تحتوي على نصوص من الشعر والنثر قصيرة نسبيا ليتيسّر للمنشود من الأدباء عنده حفظها عن ظهر قلب، ومحاكاة أسلوبها. وسيكون لهذا الأديب نفسه كتاب مختارات آخر هو «جمع الجواهر» مخصص هذه المرة بأكمله للنوادر والنّكت الجياد، والطرف المتنوعة، ولكن دون الفاحش منها لأن للحصري ذوقا طيبا يميل به إلى الرغبة في تعليم آداب الكلام الطريف الظريف والمتميز الرّاقي في آن واحد. وإني لأعتبر الحصري ممثلا نموذجيا للـ»أدب» في نهاية القرن الرابع هـ./ العاشر م. ويمكن معه أن نقدِّر المسلك الذي قطعه «الأدب» على شفا الهاوية. ولحسن الحظ، استطاع العسكري أن يكشف المبدأ الذي كان قد تحكّم في تأليف البيان وجاء بفضل الجاحظ، وهو من أوائل دارسيه، بمساهمة حاسمة في النقد الأدبي بأن أحكم تنظيم [مواد]ه في ذكاء. ومما يؤسف له أنّه ما من أحد فكّر في انتداب نفسه للقيام بعمل مواز حول كتاب الحيوان وسائر المؤلفات التي لا تحتوي على مقالات نظرية [مجردة] وإنما [تكتفي بأن] تغري العقل بالبحث وتدعوه إلى التفكير.
لعلكم تذكرون أن الأدب عند الجاحظ هو «أدب خلق» كذلك («خُلُق» التي أرفض بالطبع قراءتها كـ «خَلْق» بما أن الخلق مقصور على الله)(18). فلقد استثمر هو بدوره هذا القسم من الأدب –ولكنه أبى إلا أن ينحرف [فيه] عن [مسلك] ابن المقفع. فبدلا من الاكتفاء بالعرض الجاف للمواعظ الأخلاقية، ذهب في كتاب البخلاء، وهو جمع من النوادر والقطع المتنوعة لم يبلغ بعد درجة التشاكل، مذهب النقد الساخر للطباع (il castigat ridendo mores)(19) كما أدخل [مبدأ] التفكير والبحث في «الأدب الوعظي» (adab parénèse) بما كتبه من مقالات في بعض العيوب والمقابح من قبيل الحسد والكذب والكبر وهي أمور نقلت [الأدب] من مجال الأخلاق إلى علم النفس.
ولئن كان تحليله لملامح الشّخصيات على درجة عالية من الدّقّة فإنّه ما من «نموذج»(20) وقع استخلاصه بعد، وإن كان في رسالة القيان ما يكشف أن الجاحظ كان قادرا على تجاوز الملاحظة الآنية ليرتقي إلى درجة التأليف. ولن يبتكر «نموذج» إلا في القرن التالي مع حكاية أبي المطهّر الأزدي- التي ستكون مدينة للجاحظ في أمور كثيرة- ومع مقامات الهمذاني. وسيظل هذان الكاتبان –ولا سيما الأول- يضعان نصب عيونهما التكوين الأخلاقي للجمهور (المتلقي) بينما سترتقي آثارهما بنوع «الأدب» –لفترة وجيزة جدّا، للأسف- إلى مصاف الكتابة الأدبية الفنية (littéraire) الأصفي صفاء والأشد تجردا (désintéressée).
وقد نقل الجاحظ أيضا إلى «الأدب» معارف لم يكن للمرء أن يتوقع وجودها فيه لا سيما الجغرافيا التي هي أقرب ما تكون في كتاباته إلى الإثنولوجيا والجغرافيا البشرية منها إلى وصف المسالك عند الجغرافيين التقليديين. وشدت انتباهه خاصة الروابط بين الإنسان ومحيطه، والبنية الاجتماعية، والسمات الفيزيائية والأخلاقية لسكان الحواضر الكبرى، وطباع الشعوب…إلخ. وبعيدا عن الاِكتفاء بدار الإسلام، امتد به الفضول إلى شعوب قصيّة كالهند مثلا. وقد سنحت لي منذ سنوات فرصة في دلهي للقيام بمداخلة حول الهند والهنود من منظور الجاحظ. ويجدر أن أقول هنا إن الحضور قد عجبوا لدقة تسجيلاته. والحق أنني كنت قد أرهقت نفسي كثيرا في تلقط هذه التسجيلات من كل آثاره. ويبقى أفق الجاحظ مع ذلك محدودا لأنه لم يسافر قطّ ولذلك لم يتمكن من تحصيل ملاحظات شخصية بينما أبى على نفسه الوثوق في أخبار البحريين الذين عدّهم رؤوس الكذب(21). إن رؤية العالم عنده، في مجملها، جزئية. فالأرض عنده يسكنها صنفان من الشعوب : شعوب متوحشة (من بينها أجدادنا نحن [الغربيين]) وأمم متحضرة يرى في وثنيتـها أمرا مفارقا (غير عادي)؛ ويحصي من هذه الأمم أربعا : العرب والفرس والهند واليونان. ولا يصح أن نتشدد معه لجهله بأمر الرومان بما أن ابن حزم في القرن الخامس هـ. / الحادي عشر م. لن يعرف عن وثنيتهم شيئا وذلك في زمن لم يكن الغرب فيه في المقابل يعرف اليونان أدنى المعرفة.
سأتجنب طبعا تصنيف الجاحظ بين الجغرافيين رغم أن تأثيره في الجغرافيا كان تأثيرا مباشرا. وقد تبين أندريه ميكال عن حقّ وهو يقارن بين نسختي [كتاب المسالك والممالك لـ[ابن خرّداذبة [ت 300هـ/912م] أن النسخة الثانية منهما تتنازل عن أمور كثيرة لصالح «الأدب» وتستشهد بصورة تكاد حرفية بالجاحظ الذي لم تمرّ عن وفاته إلا سنوات قليلة.
ولئن لم يخلّف الجاحظ كتابا واحدا في التاريخ فقد مدح في مناسبات كثيرة هذا العلم الذي يمكّن النّاس فيما هو يخبرهم عن الأمم الماضين من قياس درجة تقدم الإنسانية ويحثّ على استدامة كمالها. (22)
إنه يدرج بشكل طبيعي في مؤلفاته نصيبا من الأخبار والقصص بل ويكتب النقد التّاريخي في عدد من مقالاته ذات الطّابع السياسيّ-الدّينيّ. ولكنه لا يبدو على معرفة بالمنطق التّعاقبيّ (chronologie) أو هو على الأقل لا يظهر في كل موضع إلا بمظهر المعادي للنظام والنظامية. لنقل إذن لئن أُدخلت بعضُ المعطيات التاريخية في «الأدب» دعما لهذا الحكم من الأحكام أو ذاك فلا بدّ، ليُطبَّق منهجُ «الأدب» بذكاء في حقل التاريخ، من انتظار اليعقوبي والمسعودي، خاصة، هذا الذي كان له وللمذكور قبله الفضل في الكشف عما وراء حدود العالم الإسلامي ومحاولة ترغيب القراء في [الاطلاع على] تاريخ فرنسا. وهذان الكاتبان متشيّعان.
لا يمكنني أن أتوسع أكثر في أمر الجاحظ الذي لا تخفي عليّ هناته ولكنه يحظى عندي بكل تسامح. لأنه لئن لم يفلح دائما في كل أعماله، ولئن لم يتوصل إلى كبح جماح نفسه، ولئن أرخى القياد لمزاج الفنان فيه، فإنه لم يجمع في شخصه ما هو دون ذلك من الخصال اللازمة لتطوير العقل البشري بشكل كان يبشر حق التبشير بالمستقبل. وقد اعترف له [الأدباء] العرب الذين بدوْا عاجزين عن مجاراته ومماراته بأنه معلم العقل والأدب.(23) إنه مونتاني (Montaigne) العربي الذي لعله مع ذلك قد تكلم أمام مقاعد فارغة أو فلنقل مفرغة، أفرغها ابن قتيبة، الإمام الآخر للثقافة والأدب.
فبينما كان الجاحظ قد مجّد روح الفضول، وبدا منفتحا على المعارف الآتية من الخارج، مع الاِحتراز من حدود هذه الآفاق ومن الخطر الذي كانت تمثّله فارس، وطالب أبناء دينه بإيلاء عنايتهم بالنّظر خاصّة وبعدم الأخذ بشيء قبل تمحيصه، وأعطى للبحث وجهة متمكّنة في الحداثة، اعتبر الفقيه ابن قتيبة [في المقابل]، وكان يصغُر الجاحظ بأقلّ من نصف قرن، بشكل نهائيّ أن العرب هم وكلاء الحكمة، وأرباب البرهان النّاصع، وأنّ على كل ثقافة أن تدور، لذلك، في فلك ما جاءوا به أي : القرآن، واللّغة العربيّة، والشّعر. ومن اليسير أن يفضي ذلك [بالعرب] إلى اعتبار أنّ كلّ المشاكل قد حُلّت وينتهي بهم إلى التخلّي عن كلّ روح بحث وإلى [الشّروع في] إقامة جرد بالمعارف الواجب اكتسابها. وحتَّى لا أُتَّهمَ بالاِنحياز سأكتفي بسرد بعض الجمل من أطروحة ميكال :»لئن نجح ابن قتيبة في الظّهور بمظهر الرّجل الجدّيّ في مواجهة هذا البهلوان الكاريكاتوريّ [المقصود هنا هو الجاحظ طبعا] الذي أسهم [هو نفسه] في إقرار هذه الصورة له، فلأنه يقابل –في واقع الأمر- قلق البحث الجاحظيّ وهيجانه (nervosité) ببناء محكم النّظام يستجيب لقلق وعي إسلاميّ حيّرته أمارات الفشل الدّنيويّ الأولى ومشهد التّمزّق الرّوحي. وستجد أعمال ابن قتيبة بما هي برنامج دينيّ وسياسيّ وأخلاقيّ وثقافيّ في هذه الظّروف ما يمثّل لها ويعظّم من شأنها. ولا يرجع [نجاح] هذه الأعمال إلى ما للتّوسّع في المعرفة من لوازم وإكراهات كما تقرّ بذلك عادة راسخة بل يرجع على العكس من ذلك تقريبا إلى هذا البناء –والبناء مرادف الاِنسجام والإلزام- الذي غلّق ابن قتيبة فيه الأبواب دون الإنسان الجديد. »
الحق أنه «إنسان جديد» هو ذاك الذي سيكوّنه – ولقرون عديدة- أدب ابن قتيبة الذي سرعان ما ستثقل كاهله –رغم ذلك كلّه- رهون متخلدة (hypothèque imprescreptible) بذمة شعوره الدّّينيّّ المتهيّج والمشدود الوثاق مع ذلك إلى سنّة ملزمة.
إذا كان العقل البشريّ –في ما يقول فرنسوا بيكون- إن هو إلا ذاكرة وخيال وعقل، فقد كان في «أدب» الجاحظ ما يمثّله أبلغ تمثيل، وأسهبه، وأكمله بما أنه كان يستحضر الذاكرة، والعقل، ويدعو الخيال يستظهره في محكم الأسلوب. إن هذا الأدب، الذي كان يُفترض في نهاية المطاف أن يشجّع في آن واحد على تلقين المعرفة، وإثراء المعارف بالبحث العقلي المتبصر، وعلى الاِجتهاد من أجل تحقيق جمالية كانت قد بدأت تتبلور معالمها، سيقتصر دوره بعد ابن قتيبة على تكوين أحسن القضاة وكتاب الدواوين والسادة ؛ أي –باختصار- على تكوين المسلم الكامل دون استعانة بغير الذاكرة.
لنقل بلغة أخرى: إن أبواب الاجتهاد التي فتحها الجاحظ على مصراعيها سيعيد ابن قتيبة إغلاقها. ولن تفتح بعدها إلا في ظروف استثنائيّة تحت ضغط بعض العقول المتمرّدة على التّسوية المفروضة(24). وفي الجملة، ستظل الذّاكرة هي العنصرَ الأساسيّ في تكوين المسلم. أما الخيال فسيكفّ عن الظهور –في ما عدا النّصوص الصّوفية- إلا في ما اقتصر من النّصوص على المبحث الشّكلي الخالص. وهناك أيضا سيفسح هذا الجهد المجال سريعا للجمود. ولن تعود كنوز العقل مخصوصة إلا بنخبة قليل عديدها من المفكّرين المحظوظين الذين لن يكونوا بأكملهم من خلّص المسلمين.
هوامش :
1 – أصل الدّراسة : ( [تاريخ] الأدب العربي من البدايات إلى عصر الخلافة الأموية)
Charles Pellat, Variations sur le thème de l>adab, in : Etudes sur
l>histoire socio-culturelle de l>Islam (VIIè-Xvè s. ), VARIORUM REPRINTS, London, 1976.
2 NALLINO (Carlo-Alfonso). La Littérature arabe des origines à l>époque de la dynastie umayyade. Paris, G. P. Maisonneuve, 1950
والكتاب مجمع للدروس التي قدمها الأستاذ كارلو ألفونسو نلينو بالعربية في جامعة القاهرة من سنة 1910 إلى 1911. وقد ترجم هذا الكتاب إلى الفرنسية المستشرق الفرنسي شارل بلاّ نفسه باعتماد النسخة الإيطالية الّتي نشرها ماريو نالينو (Mario Nallino).
3 – في القرآن : (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ) يوسف-47
(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ. مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ) غافر 30-31. (المترجم).
4 – والحديث المقصود هو المعروف بحديث قيام اللّيل : عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الْإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ
 أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (المترجم).
5 – يعني شارل بلا خاصة الحديث النبوي المعروف «أدبني ربي فأحسن تأديبي». (المترجم).
6 – vade-mecum، أو «ما يحمله المرء معه» في حلّه وترحاله -وتلك صفة الكتاب أصالة- تعني في أصلها اللاتيني الأوّل : «تعال معي»، وهي في الاصطلاح : الدّليل، والكتاب المدرسيّ، والصّحيفة التي يحملها المرء معه للعودة إليها أنّى شاء واستفتائها في أمر من الأمور.
7 – رسائل الجاحظ، تح. عبد السّلام محمّد هارون، ط. جار الجيل – بيروت، د. ت (1979 ؟) ج. 3، ص. 34 (المترجم).
8 – للاطّلاع، انظر : ابن قتيبة، كتاب المعارف، تح. ثروت عكاشة، ط. 4، دار المعارف، سلسلة ذخائر العرب، د. ت. (المترجم).
9 – القاضي المقصود هو الذي تحدث عنه الجاحظ في قصة بديعة من القصص التي تؤثث كتاب الحيوان:
«كان لنا بالبَصرة قاض يقال له عبدُ اللّه بنُ سوَّار، لم يَرَ النَّاسُ حاكماً قطُّ ولا زِمِّيتاً ولا رَكيناً، ولا وقوراً حليماً، ضبط من نفسه، وملَك من حركته مثلَ الذي ضبَط وملَك، كان يصلّي الغداةَ في منزله، وهو قريب الدَّار من مسجده، فيأْتي مجلسَه فيحتبي ولا يتَّكئ، فلا يزالُ منتصباً ولا يتحرَّك له عضوٌ، ولا يلتفت، ولا يحلُّ حُبْوَته، ولا يحوِّل رِجلاً عن رجل، ولا يَعتمد على أحد شِقَّيه، حَتَّى كأنّه بناءٌ مبنيٌّ، أو صخرةٌ منصوبة…» (المترجم).
انظر : كـ. الحيوان، تح. عبد السلام هارون، ج. 3، ص. 343-345. (المترجم).
10 – الحكم مأخوذ –دون الإشارة إلى ذلك- من قول للجاحظ جاء فيه : «. . فالحلم هو الاسم الجامع لكل فضل وهو سلطان العقل القامع للهوى»الجاحظ، كتاب كتمان السر وحفظ اللسان، الرّسائل، تح عبد السلام هارون، ط. مكتبة الخانجي بالقاهرة، 1964، ج. 1، ص. 142(المترجم).
11 – النّصّ كاملا –وهو مهمّ- «…ثم الناشيء فيهم [ويعني الكتاب] إذا وطئ مقعد الرياسة، وتورَّك مشورة الخلافة، وحُجزت السَّلَّةُ دونه، وصارت الدواة أمامه، وحفظ من الكلام فتيقه، ومن العلم مُلحه، وروى لبُزرْجمهْر أمثاله، ولأردشير عَهْده، ولعبد الحميد رسائله، ولابن المقفَّع أدبه، وصيَّر كتاب مَزْدَك معدن علمه، ودفتر كليلة ودمنة كنْز حكمته ظنَّ أنَّه الفاروق الأكبر في التدبير، وابن عبّاسٍ في العلم بالتأويل، ومُعاذ بن جبلٍ في العلم بالحلال والحرام، وعليُّ بن أبي طالب في الجرأة على القضاء والأحكام، وأبو الهذيل العلاَّف في الجُزْء والطَّفرة، وإبراهيم بن سيار النظَّام في المكامنات والمجانسات، وحسينٌ النَّجَّار في العبارات والقول بالإثبات، والأصمعيُّ وأبو عبيدة في معرفة اللغات والعلم بالأنساب. فيكون أوّل بدْوه الطعن على القرآن في تأليفه، والقضاء عليه بتناقضه. ثم يُظهر ظرفه بتكذيب الأخبار، وتهجين من نقل الآثار. فإن استرجح أحدٌ عنده أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فتل عند ذكرهم شدقه، ولوى عند محاسنه كشحه. وإن ذُكر عنده شُريّح جرَّحه، وإن نُعت له الحسن استثقله، وإن وُصف له الشعبيُّ استحمقه، وإن قيل له ابن جُبير استجهله، وإن قدَّم عنده النَّخعيُّ استصغره…». الجاحظ، ذم أخلاق الكتّاب، الرّسائل تح. عبد السلام هارون، ج. 2، ص. 191-192 (المترجم).
12 – انظر : سهل بن هارون، كتاب النمر والثعلب، حققه وقدّم له وترجمه إلى الفرنسية عبد القادر المهيري، منشورات الجامعة التونسية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1973. (المترجم).
13 – المثل الأصليّ كاملا هو :
Graecia capta ferum victorem cepit, et artes intulit agresti Latio. (Horace)
ويعني : «غزت اليونان قاهرها وحملت الفنون إلى أعماق الريف اللاتيني».
وهو مثل مأثور عن هوراس تصرّف شارل بلاّ في أطرافه معتبرا أن ما صنعه الفرس بالعرب –ثقافيّا- من جنس ما صنع الإغريق باللاّتينية. (المترجم)
14 – FAHD (Toufic). Le «Livre des Songes» d>Artémidore d>Ephèse, traduit du grec en arabe par Hunayn b. Ishaq (m. en 260/873), édition critique avec introduction par Toufic Fahd.
Damas, 1964, in-8°, XXVII (en français) + 444 pages (en arabe), 3 planches. (المترجم)
15 – « faire un choix, opérer un dosage et inculquer une méthode de travail »
16 – هذا مايسميه الجاحظ بـ«العيان» ولطالما احتفل به في كتبه. (المترجم)
17 – نحسب أن هذه الملاحظة في غير محلّها تماما؛ أو هي (déplacé) كما يقول الفرنسيّون أنفسهم وقد انحرف فيها عن طريق الحقّ والموضوعيّة العلميّة ومال مع الهوى والعصبيّة. وأفضل ما يردّ به على أمثالها ما قاله في المناظرة المشهورة أبو سعيد السيرافي ردّا على متّى بن يونس حيث يقول في اليونان :
 «…ولكنهم من بين الأمم أصحاب عناية بالحكمة والبحث عن ظاهر هذا العالم وباطنه، وعن كل ما يتصل به وينفصل عنه، وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر وانتشر ما انتشر وفشا ما فشا ونشأ ما نشأ من أنواع العلم وأصناف الصنائع، ولم نجد هذا لغيرهم».
قال أبو سعيد: أخطأتَ وتعصّبت وملت مع الهوى، فإن علم العالم مبثوث في العالم بين جميع من في العالم، ولهذا قال القائل:
    «العلم في العالم مبثوث ونحوه العاقل محثوث»
وكذلك الصناعات مفضوضة على جميع من على جدد الأرض؛ ولهذا غلب علمٌ في مكان دون علم، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة؛ وهذا واضح والزيادة عليه مشغلة؛ ومع هذا فإنما كان يصح قولك وتسلم دعواك لو كانت يونان معروفةً من بين جميع الأمم بالعصمة الغالبة، والفطنة الظاهرة، والبنية المخالفة، وأنهم لو أرادوا أن يخطئوا لما قدروا، ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا وأن السكينة نزلت عليهم، والحق تكفل بهم، والخطأ تبرأ منهم؛ والفضائل لصقت بأصولهم وفروعهم، والرذائل بعدت من جواهرهم وعروقهم؛ وهذا جهلٌ ممن يظنه بهم، وعنادٌ ممن يدعيه لهم؛ بل كانوا كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء ويخطئون في أشياء، ويعلمون أشياء ويجهلون أشياء، ويصدقون في أمور ويكذبون في أمور، ويحسنون في أحوال ويسيئون في أحوال (…)
أبو حيان التوحيدي –الإمتاع والمؤانسة – الليلة الثامنة. (المترجم)
 ونحسب أنّ كلام بلاّ المذكور تعليق على كلام الجاحظ في الجزء الثالث من كتاب الحيوان وجاء فيه : «وقلَّ معنًى سَمِعناهُ في باب مَعْرفةِ الحيوان من الفلاسفة، وقرأناه في كتبِ الأطبَّاءِ والمتكلمين – إِلاَّ ونحنُ قد وجدناه أو قريباً منهُ في أشعار العَرب والأعراب، وَفي معرفةِ أهلِ لغَتنا ومِلّتنا، ولولا أنْ يطولَ الكتابُ لذكرتُ ذلك أجمعَ، وعلى أنِّي قد تركتُ تفسيرَ أشعارٍ كثيرة، وشواهد عديدة مما لا يعرفه إلاَّ الرَّاويةُ النِّحرير؛ مِنْ خوف التطويل». (الحيوان، 3/ 268)
والجاحظ أعلم بما يقول من شارل بلا ومنّا. أليس هو الذي كتب الحيوان واستند فيه إلى معارف الأعراب وآدابهم حتى غدا كتابا «عربيّا أعرابيّا» على حدّ تعبير الجاحظ نفسه، لكثرة ما أثّثه من نصوص أعرابيّة ؟!!
 أليس هو القائل في حيوانه مبرهنا على معرفة الأعراب بعالمهم الذي يحيون فيه وملحّا على أنّ معارفهم تلك ليست من جنس المعرفة العلميّة المؤسّسيّة وإنّما هي من الضّرب العمليّ ؟ :
«…وإنَّما أعتمد في مثل هذا على ما عند الأعراب، وإن كانوا لم يَعْرِفوا شكل ما احتِيجَ إليه منها من جهة العناية والفلاية، ولا من جهة التذاكر والتكسُّب، ولكن هذه الأجناس الكثيرة، ما كان منها سبعاً أو بهيمةً أو مشترك الخلْق، فإنّما هي مبثوثة في بلاد الوحْش: من صحراء، أو وادٍ، أو غائط، أو غيضة، أو رملةٍ، أو رأس جبل، وهي في منازلهم ومناشيءهم، فقد نزلوا كما ترى بينها، وأقاموا معها، وهم أيضاً من بين النّاس وحشٌ، أو أشباه الوحش.
وربَّما؛ بلْ كثيراً ما يُبتلون بالناب والمخلب، وباللدغ واللَّسع، والعضّ والأكل، فخرجتْ بهم الحاجة إلى تعرُّف حالِ الجاني والجارح والقاتل، وحال المجنيِّ عليه والمجروحِ والمقتول، وكيف الطَّلبُ والهرب، وكيف الداء والدواء، لطول الحاجة، ولطول وُقوع البصر، مع ما يتوارثون من المعرفة بالدَّاء والدواء، ومن هذه الجهة عرفوا الآثار في الأرض والرَّمل، وعرفوا الأنواءَ ونجوم الاهتداء، لأنَّ كلَّ من كان بالصَّحاصح الأماليس – حيث لا أمارة ولا هادي، مع حاجته إلى بعد الشَّقّة – مضطرٌّ إلى التماس ما ينجيه ويُؤْديه.
ولحاجته إلى الغيث، وفِراره من الجدْب، وضنِّه بالحياة، اضطرته الحاجة إلى تعرُّف شأنِ الغيث.
ولأنه في كلِّ حالٍ يرى السَّماء، وما يجري فيها من كوكب، ويرى التَّعاقب بينها، والنّجوم الثوابت فيها، وما يسير منها مجتمعاً وما يسير منها فارداً، وما يكون منها راجعاً ومستقيماً.
وسئلت أعرابيَّة فقيل لها: أتعرفين النجوم؟ قالت: سبحانَ اللّه أما أعرف أشباحاً وُقوفاً عليَّ كلَّ ليلة.
وقال اليقطريّ: وصف أعرابيٌّ لبعض أهل الحاضرة نجوم الأنواء، ونجوم الاهتداء، ونجوم ساعات اللّيل والسُّعودِ والنُّحوس، فقال قائلٌ لشيخ عباديٍّ كان حاضراً: أما ترى هذا الأعرابيَّ يعرف من النُّجوم ما لا نعرف قال: ويل أمِّك، منْ لا يعرف أجذاع بيته؟ قال: وقلت لشيخٍ من الأعراب قد خرِفَ، وكان من دُهاتهم: إني لا أراكَ عارفاً بالنُّجوم قال: أما إنّها لو كانت أكثر لكنتُ بشأنها أبصر، ولو كانت أقلَّ لكنت لها أذْكر.
وأكثرُ سببِ ذلك كلِّه – بعد فَرْط الحاجة، وطول المدارسة – دِقّةُ الأذهان، وجودة الحفظ، ولذلك قال مجنونٌ من الأعراب – لَمّا قال له أبو الأصْبَغِ بن رِبْعيّ: أما تعرِف النجوم؟ قال: وما لي أعرفُ من لا يعرفني؟ فلو كان لهذا الأعرابيِّ المجنون مثلُ عُقول أصحابه، لعرف مثل ما عرفوا… ». (حيوان/ ج6. ص. 29-31)
وهذا الكلام الذي نقلنا لا فخر فيه ولا مزايدة ولا عصبيّة، ولا «ادّعاء» وهي على خلاف ذلك من أنصع الصّفحات التي بلغ فيها التّفكير العلميّ الجاحظيّ منتهاه منهجا وفكرا ومصطلحا. ألا تراه قد أجمل وصف طبيعة العلم العربيّ القديم ؟ (علم تجريبيّ في منطلقه، عمليّ في منتهاه ) أولا تراه قد بيّن دور التّربة وعامل المكان فيه ؟؟ ألا ترى أنّه قد انطلق من النّصوص في حكمه ؟ وراعى هموم الذّات (sujet) في آرائه؟؟ إلخ
ولسنا ندري مرّة أخرى ماذا دهي بلاّ حتّى يذهب هذا المذهب ؟ وهل كان سيذكر الادّعاء لو جاء الجاحظ بعكس ما جاء به ؟
18 – ملاحظة بلا هذه لئن كانت صحيحة في ما يتعلّق بنصّ الجاحظ قابلة للنقاش ما عمّمناها. فكلمة «خلق» وما حف بها لم تكن حكرا على الإلهي في كلام العرب. حسبنا أن نذكر هنا أن مدار هذا الدال على الإنشاء والصناعة والوضع والتقدير وهذه أمور كما تتصل بالإلهي –لنقل على وجه الحقيقة- تتصل بالبشري –وإن بالمعنى المجازي. جدير بالملاحظة أيضا أن كل ما في هذا الأصل اللغوي (خ، ل، ق) من معان إنما يقربه من الحقل الأدبي ويغرسه فيه. أ فليس الأدب –منظومه ومنثوره- إلا خلقا وصناعة وتدبيرا ووضعا…؟
 انظر في هذا لسان العرب مثلا
والخَلْق: التقدير؛ وخلَق الأَدِيمَ يَخْلُقه خَلْقاً: قدَّره لما يريد قبل القطع وقاسه ليقطع منه مَزادةً أَو قِربة أَو خُفّاً؛ قال زهير يمدح رجلاً:
ولأَنتَ تَفْري ما خَلَقْتَ، وبعْـضُ القومِ يَخْلُقُ، ثم لا يَفْري
يقول: أَنت إذا قدَّرت أَمراً قطعته وأَمضيتَه وغيرُك يُقدِّر ما لا يَقطعه لأَنه ليس بماضي العَزْم، وأَنتَ مَضّاء على ما عزمت عليه؛ وقال الكميت:
أَرادُوا أَن تُزايِلَ خالِقاتٌ أَدِيمَهُمُ، يَقِسْنَ ويَفْتَرِينا
يصف ابني نِزار من مَعدّ، وهما رَبِيعةُ ومُضَر، أَراد أَن نسَبهم وأَدِيمهم واحد، فإِذا أَراد خالقاتُ الأَديم التفْرِيقَ بين نسَبهم تبيَّن لهن أَنه أَديم واحد لا يجوز خَلْقُه للقطع، وضرَب النساء الخالِقاتِ مثلاً للنسّابين الذين أَرادوا التفريق بين ابني نِزار، ويقال: زايَلْتُ بين الشيئين وزيَّلْتُ إذا فَرَّقْت. وفي حديث أُخت أُمَيَّةَ بن أَبي الصَّلْت قالت: فدخَلَ عليَّ وأَنا أَخلُقُ أَدِيماً أَي أُقَدِّره لأَقْطَعه.
وقال الحجاج: ما خَلَقْتُ إِلاَّ فَرَيْتُ، ولا وَعَدْتُ إِلاَّ وَفَيْتُ. والخَلِيقةُ: الحَفِيرة المَخْلوقة في الأَرض، وقيل: هي الأَرض، وقيل:هي البئر التي لا ماءَ فيها، وقيل: هي النُّقْرة في الجبل يَسْتَنقِع فيها الماء، وقيل: الخليقة البئر ساعة تُحْفَر. ابن الأَعرابي: الخُلُق الآبارُ الحَدِيثاتُ الحَفْر. قال أَبو منصور: رأَيت بِذِرْوة الصَّمّان قِلاتاً تُمْسِك ماءَ السماء في صَفاةٍ خَلَقها الله فيها تسميها العرب خَلائقَ، الواحدة خَلِيقةٌ، ورأَيت بالخَلْصاء من جبال الدَّهْناء دُحْلاناً خلقها الله في بطون الأَرض أَفواهُها ضَيِّقَةٌ، فإِذا دخلها الداخل وجدها تَضِيقُ مرة وتَتَّسِعُ أُخرى، ثم يُفْضي المَمَرُّ فيها إِلى قَرار للماء واسع لا يوقف على أقْصاه، والعرب إذا تَرَبَّعوا الدهناء ولم يقع ربيع بالأَرضِ يَمْلأُ الغُدْرانَ استَقَوْا لخيلهم وشفاههم من هذه الدُّحْلان.
والخَلْقُ: الكذب. وخلَق الكذبَ والإِفْكَ يخلُقه وتخَلَّقَه واخْتَلَقَه وافْتراه: ابتدَعه؛ ومنه قوله تعالى: وتخْلُقون إِفكاً. ويقال: هذه قصيدة مَخْلوقة أَي مَنْحولة إِلى غير قائلها؛ ومنه قوله تعالى: إِنْ هذا إِلا خَلْقُ الأَوَّلين، فمعناه كَذِبُ الأَولين، وخُلُق الأَوَّلين قيل: شِيمةُ الأَولين، وقيل: عادةُ الأَوَّلين؛ ومَن قرأَ خَلْق الأَوَّلين فمعناه افْتِراءُ الأَوَّلين؛ قال الفراء: من قرأَ خَلْقُ الأَوَّلين أَراد اختِلاقهم وكذبهم، ومن قرأَ خُلُق الأَولين، وهو أَحبُّ إِليَّ، الفراء: أَراد عادة الأَولين؛ قال: والعرب تقول حدَّثنا فلان بأَحاديث الخَلْق، وهي الخُرافات من الأَحاديث المُفْتَعَلةِ؛ وكذلك قوله: إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاق؛ وقيل في قوله تعالى إِن هذا إِلاَّ اختِلاق أَي تَخَرُّص. وفي حديث أَبي طالب: إِنْ هذا إِلا اختلاق أَي كذب، وهو افْتِعال من الخَلْق والإِبْداع كأَنَّ الكاذب تخلَّق قوله، وأَصل الخَلق التقدير قبل القطع.
الليث : رجل خالِقٌ أَي صانع، وهُنَّ الخالقاتُ للنساء. (المترجم).
19 – أصل هذه القولة المشهورة قصّة متوارثة جاء فيها :
مرّ على بعض الممثلين الكوميديين الإيطاليين (arlequin)، زمن ظل فيه يشتهي أن يكتب له الشاعر -سانتوي (Santeuil)- كلمة يعلقها على ستائر مسرحه. ولكن للشاعر ساعات يحضر فيها الإلهام أو يغيب. وقد غاب هذه المرة وطال غيابه. حتى نفد صبر الممثّل فتنكّر في بعض أزيائه المسرحية وحمل سيفا من الخشب وأخذ يطوف بحجرة الشاعر يشاكسه ويعابثه مؤديا في كل مرة دورا جديدا. فاحتال له الشاعر وانقضّ عليه فجأة وأخذ بتلابيبه يسأله : من أنت ؟ فأجاب الآخر: «أنا شاعر المسرح الإيطالي !». فردّ الأول –وقد عرف صاحبه من أدواره : «ومن أنا إذن ؟ لعلني بهلوان سان-فيكتور» !
بكلامه هذا ردّ الشاعر على سخف الممثل وحماقاته بالسخرية والتّهكّم فكال له بالمكيال نفسه.
وانتهي هذا المشهد بالرجلين يتعانقان. وكان ذلك مناسبة ظفر الممثّل فيها بمبتغاه ونال ما طلبه من الشاعر وكان جملة تعلّق اليوم على بعض المسارح : Castigat ridendo mores. .
أي تصلح الكوميديا الأخلاق بالضحك. وهذا ما نسميه نحن اليوم أحيانا بالنقد الساخر أو السخرية. (المترجم)
20 – لسنا ندري على وجه الدّقّة ما يعنيه بلاّ بـ «النّموذج» (type) :
 1. فإن كان المقصود النوع الأدبي. فكلام بلاّ غير دقيق ولا صحيح لأنّ الجاحظ ما كتب من كتاب في باب الأخلاق خالصا مخلّصا. فكلّ ما كتبه إنما كان مسكونا بهاجس فنّيّ أدبيّ. وكلّ ما جاء به –وهذا هو المهمّ- إنما أجراه في أجناس أدبية ونزّله في قوالب نوعيّة متميّزة بعضها معروف –وقد درست نماذج منه- كالنادرة – والبخلاء عيّنة منها متميّزة- وبعضها مجهول مغمور لم يدرس إلى اليوم كنوع المفاخرة والمناظرة والمحاسن والمساوي… وهي أنواع لم تخرج بعد عما يسميه تودوروف بالأنواع النظريّة (genres théoriques) لتدخل إلى جمهرة الأنواع التاريخية (genres historiques) ولم تنعتق لذلك من إسار واقعها الذي تحفّه المفارقات –أ فلا ترى أن هذه الأنواع موجودة معدومة في الآن نفسه أو قل هي موجودة بمعنى معدومة ؟! حالها اليوم كحال المأساة قبل أرسطو أو أسوء من ذلك ؟
ومع ذلك فقد كتبت دراسة حول أدب المحاسن والمساوي عنوانها :
 Un genre littéraire arabe : al-Mahâsin wa-l-masâwî, Ed. maisonneuve et larose, Paris, 1977.
وهي أطروحة دكتوراه لإبراهيم جرياس. وعلى أهميتها وما يبشّر به عنوانها من عناية بقضايا النّوع، فإنّها تظل –إجمالا- دراسة سطحيّة مدرسيّة يغلب عليها المنزع التّأريخي التّبسيطي ولا شيء فيها مما يتّصل بهذا الذي أسماه «نوعا أدبيّا عربيّا» إذ لا ذكر فيها لما يعنيه بالنوع ولا بخصائصه وعناصر خطابه ولا بمكوناته الإنشائية…
زد على ذلك كلّه، ولنبق في حدود هذا الذي أسماه شارل بلا «نموذجا»، أن «نموذج» الأدب نفسه وما يقوم عليه خطابه من فنّيّات وطرائق في الكتابة لم يدرس بعد… ولذلك لا نعرف إن كان هذا «الأدب» نوعا أدبيا أو أسلوبا فنّيّا أو فلسفة من فلسفات الكتابة أو منهجا أو غير ذلك… فكلّ ما نعرفه لا يتعدّى ما قاله الجاحظ عن صفة في صفاته وأنه «الأخذ من كل شيء بطرف»!
أمر آخر مهمّ، أن النماذج الذي عرضها بلا والأمثلة التي ضربها إنما اتكل أصحابها فيها على الجاحظ وأدبه. عد في ذلك إلى مقدّمة الرسالة البغدادية لأبي المطهّر الأزدي ومتنها وستجدك أمام كتاب مدين في كلّ شاردة فيه وواردة إلى مفهوم الحكاية عند أبي عثمان –فكأنها إخراج فنّيّ لهذا المفهوم- وإلى نوع المفاخرة والمنافرة ونوع المحاسن والمساوي… إلخ ولا يختلف الأمر كبير اختلاف مع الهمذاني في مقاماته… ولا تنس أن الهمذاني واحد من جواحظ زمانهم. وله من المقامات : المقامة الجاحظية… وهي ليست المقامة الجاحظية الوحيدة فيها. فكلّ لمقاماته جاحظية لو تتأمّل.
 2. هذا إن كان مقصد بلاّ بالنموذج : النوع الأدبي. أما إن كان مقصده «نماذج الشخصيات» فالأمر أبعد في الخطإ من الأول. لأنّ الجاحظ لم يكتف بالإجادة في صناعة الشخصيات وإبداعها كأحسن ما يكون في أدبه. . بل تعدّى ذلك إلى التنظير لصناعة الشخصيات (عد في ذلك على سبيل المثال إلى مقدمة البخلاء وإلى ك. البيان والحيوان…) بل لم يكفه ذلك حتى ذهب إلى وضع جداول تصنف فئات الناس ونماذجهم وطبقاتهم ويبحث لكلّ نموذج منها عن أوجه «نمطيته» حاليّةً كانت أم مقاليّة أم فعاليّة. وقد ترك لنا من ذلك في كتبه خزائن أثثها بما تعدّى من الخصائص المظهر المرئي للشخصيّات إلى مخبرها الخفيّ فرصد للناس أضربا من «النسك» متباينة وعينات من «الأماني» مختلفة وأصنافا من الحيل والمكائد والاحتجاجات متنوعة وأنماطا من الكلام واللهجات والبلاغات بل والرطانات …إلخ وعينات ذلك لا تحصى ولا تنس أن الجاحظ صاحب نظريّة في الطباع لا ولا تنس أن مفهوم الحكاية عنده إنما يتأسس على مفهوم النموذج النمطيّ…ولم يفهمه حق الفهم رجل كما فهمه أبو المطهّر الأزدي وهو تلميذه.
لسنا ندري بعد هذا الذي ذكرناه لك من أين جاء بلاّ بهذه الملاحظات وهو الذي عوّدنا بإسرافه وتزيّده في ادعاء معرفة أغوار الجاحظ وأطواره حتّى كأنّه هو الذي خلقه وكأنه الوريث الشّرعيّ لكتبه أو الوصيّ وكأنّه العارف الفرد الأوحد بأدبه (وفي هذه الدراسة بعض من ذاك الادّعاء).
على كلّ حال لنا إن شاء الله إلى هذا الموضوع عودة في غير هذه الصفحات. (المترجم).
21 – قال الجاحظ معللا عزوفه عن تخصيص «باب مجرد» في كتابه –الحيوان- «لما يسكن المِلحَ والعذوبة، والأنهارَ والأدوية، والمناقع والمياه الجارية، من السَّمَك وممَّا يخالف السَّمك ممَّا يعيش مع السمك» : «لأنِّي لم أجدْ في أكثره شِعراً يجمع الشّاهد ويُوثق منه بحسْنِ الوصف، وينشِّط بما فيه من غير ذلك للقراءة، ولم يكن الشّاهد عليه إلاّ أخبار البحْريِّين، وهم قومٌ لا يعدُّون القول في باب الفِعْل، وكلّما كان الخبرُ أغرب كانوا به أشدّ عُجْباً، مع عبارة غثَّة، ومخارج سَمِجة … «الجاحظ، الحيوان، ج. 6، ص16».
وهذا الكلام مما يمكن الاستدلال به على قيمة الأدبي، الجماليّ، البيانيّ في كتبه. فإنّه كما ترى لا يقبل من النّصوص ما استوفي الشّرط المعرفيّ، العلميّ المجرّد. إذ لابدّ للمعرفيّ أيضا من مقدار جماليّ ما. (المترجم)
22 -واضرب في هذا الباب مثلا مقولته الشهيرة : «وينبغي أن يكونَ سبيلُنا لمَن بعدَنا، كسبيلِ مَن كان قبلنا فينا، على أنَّا وقد وجدْنا من العبرة أكثرَ ممّا وجدوا، كما أنَّ مَن بعدَنا يجدُ من العِبرة أكثرَ ممّا وجدْنا» –الحيوان (المترجم)
23 – هذا الحكم من أشهر ما قيل في الجاحظ وأدبه وقد نقله ياقوت الحموي في الإرشاد. وقد غدا لشهرته كالمثل السائر فقد جاء في معجم ياقوت مصحوبا بقصّة كتلك القصص التي اعتاد العرب على قراءتها في كتب الأمثال. وهذه الجملة نفسها سيجعل منها شفيق جبري عنوان كتابه : الجاحظ معلم العقل والأدب.
أما عن القصة المعنية : «وحدث أبو القاسم السيرافي قال : حضرنا مجلس الأستاذ الرئيس أبي الفضل [بن العميد، وهو من «جواحظ زمانهم»] فقصر رجل بالجاحظ وأزرى عليه وحلم الأستاذ عنه. فلما خرج قلت له : سكتَّ أيها الأستاذ عن هذا الجاهل في قوله الذي قال مع عادتك بالرد على أمثاله. فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله، ولو واقفته وبينت له النظر في كتبه، صار إنساناً. يا أبا القاسم كتب الجاحظ تعلم العقل أولاً والأدب ثانياً.
 عن ياقوت الحموي – معجم الأدباء. (المترجم)
 24 – لعلّ المقصود بالتسوية هنا هو ذلك الحرص على تقدير الفروق بين المستويات الثلاثة : الذاكرة (النقل)، العقل، الخيال والإلحاح على ضرورة توازنها. (المترجم).
تعريب : رمــزي رمضــــاني
ناقد وأكاديمي من تونس

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …