أخبار عاجلة

جارتي الصينية وبغداد ونائمات كاواباتا

فاروق يوسف *

أوحي إلى يدي لتكون يدا أخرى، أصابعها وهي تنظر إلي توحي إلي بمشهد أغصان يابسة لا تزال عالقة بالشجرة. هناك طنين قريب، ربما اختبأت نحلة تحت الجلد الوردي. يلتبس علي الأمر وأنا أنظر إلى خطوط يدي وافكر بالإرث العضوي. هناك حيث خزانة الحظ مفتوحة على المفاجآت. ما زلت أنتظر ما يمكن أن تجود به يدي علي. يد كريمة حين تلوح للغائبين. ما أن تعرفت على لوح الكتابة في الحاسوب حتى صارت لا تجيد التفكير حين تمسك بالقلم. لطالما سال عليها دم أزرق. بقلم الـ(باركر) السميك كانت ترسم مناديل في الهواء وخرائط لكواكب وهمية. الآن وهي المسافرة مثلي، المسكونة بما لم تفعل، الصلبة مثل قوقعة لا تزال أصوات الجنيات تنبعث من بين ثناياها، ليس هناك من أثر لذلك الحبر في محيط بركتها المشبعة بالتوتر. نسيت لهوها القديم. ركنت كاهناتها في زاوية من القبو وخرجت لتتنفس هواء مختلفا. هل تتنكر اليد لماضيها؟ تفعل ما تراه عونا لها لكي تفكر. تلك الأصابع تتسلى إذ تضرب على الأزرار ولكنها تطلق مفردات منسية من أسرها. تحرر اللغة من نومها وتشير إلى نور تخبئه الديكة بين أجنحتها.
اصابعي تنام لتحلم بما لم تكتبه. هي أفضل مني، فانا أحلم بما كتبتُه.
في الماضي كنت أنظر إلى الحبر العالق بأصابعي باعتباره حطام مفردات. قصائد كثيرة تهرب حين تمزج ماءها ببخار الألم. تعود إلى النبع، صافية قبل أن تفترسها اللغة. كان دافنشي ينظر إلى الجدران المتآكلة فيرى كائنات جاهزة للتصوير. وكنت في طفولتي أنظر إلى الغيوم باعتبارها حشدا من المخلوقات السماوية المحلقة. كنت أصنع من القطن خرافا وجمالا وأبقارا وكلابا وقططا وغزلانا وزرافات وأيضا فتيات لا يحرجهن ظهورهن عاريات على صفحة السماء. لن يكون العري خطيئة في عالم أبيض. عالم لا يُستعاد بل يتجدد في كل لحظة خلق. أغمض عيني على كائنات من اجل أن أقبض عليها في أحلامي ولكني حين أفتح عيني لا أرى تلك الكائنات. لقد حلت كائنات أخرى محلها. كائنات سأكون مستعدا للقبض عليها حتى لو كلفني ذلك حرمانا مضنيا من النوم. كانت السماء تمشي والأرض تدور وانا في مكاني. هل كانت أصابعي تتشبه بي وهي تمحو عن الورق بياضه لتثبت على سطوره الوهمية فكرتها عن بياض يخرج من جمرة سوداء؟ ما الذي نخسره لو تركنا البياض يحدث نفسه؟ سيكون علينا دائما أن نتساءل عن شرعية ما نفعل. عن حقنا في أن نكون على حق.
خيالنا له قدمان طريتان، غير أن الحقول شاسعة.
احلم فعلا في أن أتركها تأسر المفردات التي تنسبها إلى نفسها. أصابعي تفكر فيما عيني تتخيل. لكن عيني لا تقبض على شيء. ليست أمامي سوى شاشة مضيئة، حين أطفئها يختفي كل شيء. تقع الجزيرة تحت ضباب كثيف ويفقد القراصنة القدرة على النظر. هذيان على الساحل بين الأعشاب لا يمكنه أن ينجد غريقا. إلى أين تذهب الكلمات؟ “تنام مثلك” تقول أصابعي وهي تستسلم لنعومة المخدة تحت الرأس أو تتسلل إلى زخارف الغطاء القطني. “أنت نائم وأنا نائمة” وأفكر أنها تكذب. هناك أثاث لا يزال في إمكانها أن تتخيل سبلا لاستدراجه إلى كوخها، قيد البناء. اصعدي إلى المدخنة يا أصابعي في الكوخ عينه. هناك دخان كثير. سيكون ممتعا لو أنك تمحين عنه غموضه، وتستخرجين من بين لعثماته الكلمات التي تسحرك. “بالأسود؟” تحتجين. ولكنه السواد الذي يهب الهواء عطر الخشب المحترق. كل حرف هو جمرة ميتة. وهو قلب شجرة. الإنسان يفكر بالكلمات، من خلالها، تحتها وفوقها، وراءها وأمامها، غير أنه ينسى التفكير في مصدرها. لا بأس إذن. اصابعي لن تكون مدعوة إلى حفلة، كل المدعوين إليها هم من اليائسين من الرحمة. ولكنها تقف بالمرصاد للناجين.
هنالك رمل كثير في القوقعة. هناك جنيات أيضاً.
لا ماضي لأصابعي. أنا ماضيها وهي لا تنظر إلي. أقف في محطة قطار منتظرا من غير أن تكون لدي فكرة عن المدينة التي سيحملني إليها القطار القادم. تعرف أصابعي أن هنالك عبثاً كثيراً في ما أفعل، غير أنها لا تشعر بالقلق. هناك أمل كبير في أن أشفى. تعرف أنها ستكون مسافرة مثلي، غير أنها تعرف ايضا أنها ستكون في اجازة. ما من حرف سيكون في انتظارها، ذلك لأني لا أحمل حاسوبي في أسفاري. الشاشة ستظل معتمة. تنعم أصابعي بالنوم حين أسافر. ولن يكون نوما قلقا، ذلك لأنها تدرك أن كل ما تلمسه انما سيكون مصدر الهام لها في كل ما ستقوم به في أيامها القادمة. كنت في سالف أيامي وفي محاولة مني لتمثيل دور الناقد الفني أمد يدي إلى اللوحات وأتلمسها باهتمام جاد. كان هناك في أعماقي من يسخر مما أقوم به. كنت في الحقيقة أضع اصابعي على مواقع ليست لها. سلوك زائف كان جزءا من حياة ثقافية، سنعرف جميعا في ما بعد أنها لم تكن حقيقية. لقد تلوثت أصابعي بزيت اللوحات مرارا وأنا أشعر بالفخر في الوقت الذي كنت أسلب فيه تلك اللوحات شيئا من حياتها. كنت لصاً.
ستستقل الأصابع فيما بعد وتنسى أخطائي.
الخيانة تفشل في التعتيم على البراءة.
يوما ما سأحمل حاسوبي معي إلى الطائرة. متى يحدث ذلك؟ لا أدري. من المؤكد أن ذلك التصرف لن يسعد أصابعي. ذلك لأنها ستضطر إلى العمل فيما أنا أتلذذ بإجازتي. لن أكون في خدمتها وهي المستقلة عني. ستكتب أصابعي ما تراه مناسبا لغيظها وهي المضطرة لابتلاع الكلمات التي لم تقلها من قبل. لن أطلب منها التراجع عما تقرره. سأحزم أمتعتي لأعود إلى بيتي وأنا على يقين من أن هناك الكثير من المفاجآت في انتظاري. سيقال لي: “ولكنكم كنتم معا؟” فأجيب: “كل واحد منا كان يفعل ما يراه مناسبا”. هل تخونني أصابعي؟ ليتها تفعل فقد خنتها مرارا. لقد حاولت ذات مرة أن المس لوحة من جورج براك فصرخ الحارس قبل أن تصل أصابعي إلى اللوحة. حين عادت يدي أدركت أن ما كانت يدي تود أن تفعله هو جزء من خيالي المريض. الناقد الذي لن يشعر أحد بضرورته. كذبة نستهلكها من أجل أن نكون موجودين في الواجهة. إن ما يجب أن نعترف به أن حياة تقوم على الرأي المستبد لا يمكنها أن تنتج ثقافة نقدية. ولأن الثقافة المعاصرة قد انتقلت اليوم إلى مرحلة ما بعد النقد، يمكننا أن نقول “اننا لم نخسر شيئا”.
حاولنا أن ننقد لكننا فشلنا، سيكون فشلنا صنعة في أيامنا القادمة.
وقعت جارتي الحلوة فجأة مثل ورقة بيضاء، وردية تلمع يدها على الكأس، شف عنها الهواء. الخريف لا يزال بعيدا. الصمت يشق طريقه إليها وإلي. المكورة مثل كرزة. رآها الأطفال والتفوا حولها، مد أحدهم يده إلى عينيها وأزاح دمعتين عن أهدابهما. “ممنوع البكاء في هذا الوقت من النهار” قال الطفل الذي لم يره أحد سواي ضاحكا. ابنها الافتراضي. المخلوق الأخضر الهابط لتوه من النجمة التي انطفأت قبل قرون. لم تر الطفل حين غطاها نوره. هناك شهقتها ولها تفاحتان تحت الثوب. بدا لي أنني أفقدها. الجزيرة على مركب والقبطان يلوح بإسفنجة خضراء مبتلة. كنا التقينا في وقت ذهبي سابق. حين رأيتها وسرى في جسدي حفيف أجنحة سرية كانت قد أخفت وجهها بين دفتي كتاب ياباني.
“تقرأين اليابانية إذاً؟”
“أحاول”
فتاة نائمة أخرى من كاواباتا. سأخبرك الحكاية كما لو أني عشتها تماما. أنا الشيخ المدعو إلى حلم فتاة نائمة. سعد هادي وهو كاتب عراقي كان شاهدا على ذلك. أخبرتني أن حذاءها يضيق كلما جلست لتقرأ رواية. كانت الحكايات تصهرها. تلقي بها من قمة جبل. تمزج شقاءها الشخصي بصيحات أقربائها الغامضين من وراء النهر. “هناك نهر لا يعبره إلا الشعراء” لم تقل لي أين يقع ولا عادت إلى ذكره مرة أخرى. أغمضت عيني عليها. هناك دائما مكان شاغر في الشبكية. ربما ستحتفي بها البقعة الصفراء في نهاية الكرة البلورية. قلت: سأزيلها إن لم تنفع إلا كذكرى. شيء ما في الخزانة صار يحثني على أن استثمر قواي البصرية في أمور نافعة. كنت قد عزمت على أن أسخر من تلك النصيحة. فعلا أنا لا أرى إلا ما أريد رؤيته. تلقائيا تذهب المرئيات الفاشلة إلى عدمها. طائر دراج لا يزال يقفز على سياج الدار بعد أن خطف غصنا يابسا في حين اختفت مدن بآلاف المشاة العابرين. ولأني رأيتها وهي تقرأ كتابا يابانيا فقد كان علي أن أرفعها من مكانها لأجلسها على عرش لا يزال ظهره ساخنا.
“كمن قبض عليه بالجرم المشهود”
قالت لي بعد أيام. كنا في المقهى وكان جون لينون يردد “ميشيل”. أصدق أنها لم تكن تقرأ. كانت تحاول. لم تكذب، في اللغات مكر بصري يسبق الثعالب إلى أوجارها. كما لم أنم من قبل نمتُ وصرت أحلم باليابانية. لقد رأيت أناسا قليلين مثلها. غريبة عن لغتها تضع لسانها في السوق. تتذوق الأبصال وتشم رائحة الليمون وهو يعصر على مقربة من النار التي تشوي النقانق. سيكون من اللائق أن ألبسك الساري الهندي وأفرك الكشتبان ليخرج علينا جني الكاماسوترا. يشعر الأطفال أنهم وقعوا على كنز. “الدرة هناك” ترتبك عينك الخضراء.
في شرفتها تترك جارتي للعصافير خبزا تأكله الملائكة.
تبقى الرائحة الساخنة عالقة بالهواء مثل ثوب لم يجف بعد. أنا عندي حنين. “إلى أين نذهب؟” “إلى مطعم في الغابة” “ألا يكفي كل هذا الصمت؟” نظرت إلي بإشفاق. لم أهزمها حين جعلتها تشعر بالذنب. موهوبة جارتي في النظر برقة إلى الأسباب التي تدفع بي إلى الشعور بالإحباط. “لا بأس. هل لديك فكرة؟” أفكر في الهرب. تعرف أن القفص مفتوح. بابه موارب، لم يغلق تماما على الاقل. ولكنها تعرف أيضا ان الاقفاص الأخرى كلها مغلقة. إلى اين تهاجر الطيور؟ لا تزال هناك في القدمين بقية من خطوات أمشيها من أجل الحب. قفزة من قارة إلى أخرى لنصل إلى ظهر الحوت الضائع. تنبعث الكلمات المحطمة، آهات المشاغب الأخير، على شكل نافورة. التم الأطفال ليبخروا الجنية التي الهمت شقرتها الأشجار خيلاء الطواويس.
في المطعم جلس صينيون. أباطرة مهزومون غير أنهم لم يكفوا عن النظر إلى جهات الأرض كما لو أنها جزء من الاقتراح الخيالي الذي تجود به مخيلة كونفيشيوس. لن يأتي الوجع كاملا. قطرة قطرة لتتبخر المعرفة ولتنضج الزهرة. لغة من غير حروف هي عبارة عن جملة طويلة لن تقوى فأس على قطعها. لم يكن في المطعم سوى تلك المجموعة المتآمرة التي انفتحت على زمن سري. ولأن جارتي تسعدها الأصوات التي لا تحمل إلي معنى مباشرا فقد صارت تغني صينيا.
“عليك أن تصبر قليلا ليكون في إمكانك أن ترى المعاني النائمة”
ليت أمي لم تلدني. تذكرت كلمات عثمان الموصلي. فشل على فشل. لم ينفع الأرق المتنبي. كانت الرسالة قد اكتملت في وقت سابق. أخرج صيني منديلا وصار يدور به بين رفيقاته ورفاقه. وضع كل واحد منهم (كرونة) في ذلك المنديل. حين انتهى نظر إلينا بتردد. أومأت جارتي إليه أن اقترب ووضعت هي الأخرى كرونة في المنديل وصارا ينظران إلي. بحثت في جيبي فلم أجد أي أثر لنقد معدني هناك. دست جارتي كرونة في يدي وقالت: لا بأس سأكون شريكة في مصيرك. وقف الصيني مثل امبراطور منتصر وسط العيون المتعلقة به وقال جملة مثل ضربة طبل وخرج من المطعم. مسدت جارتي يدي. “سيدفنها في الحقل المجاور. قطعة نقدية واحدة ستختفي. صاحبها سيغدو مليونيرا” لن أكون أنا بالتأكيد ذلك المليونير. اطمئني يا صديقة روحي. لقد احترقت الطبخة الوحيدة التي حاولت أن أصنعها. تدخلت الملائكة يومها في انقاذ بيتي من الحريق. لم تكن إلا محاولة لسلق المعكرونة وقلي دجاجة بزيتها. أعدت النظر يومها في نظرية أفران الغاز. عليك أن تصدق يا فتى. التاريخ مجموعة من الخطوات المهرولة عبثا، بعضها فوق بعض، ركامها الرمادي يسد الشمس. لا تصدق، ما من ضوء في نهاية النفق. ولكن أين النفق؟
كان ماو رجلا له هيأة دب. بريجينف كان دبا قطبيا. نام على الخارطة فلم تتنفس مدن الامبراطورية النمساوية ـ الهنغارية. تبدو الصرة وقد دفنت في الحقل المجاور أشبه بالوصية التي تركت للأجيال المقبلة. صينيون مرحون عبثوا بخارطة المزاج الكوني لثوان سوف يرحلون غدا. “زوجة ماو كانت شريرة” يا الهي كلهن شريرات. لم اقلها خشية أن تتهمني بالسلبية إزاء الفكر النسوي وهي من الناشطات النسويات. طير لا توكر (تحط) أنصحك طير. إذاً علي أن أحلق. الصينيون على حق. كان ماو رجلا طيبا غير أن زوجته كانت شريرة. كانوا أربعة كما أذكر. لدينا أربعات كثيرة. أربعة مضروبة في ألف، في مليون. هناك تقنيات قلقة كان في إمكانها أن تنتج أجيالا جديدة من اللصوص. اللصات الملكات أيضا. “انت تبالغ. لم تكن ماري انطوانيت سوى مترفة. طفلة مدللة لا تفهم شيئا من شؤون الحكم” لا أريد أن أجرح براءتك. غزل حجاز لأنوثتك التي تعلم البلابل التغريد. ولكن الكوافيرة ليلى خرجت من مشروع الحكم بمليارات خضراء سوزان استولت على تبرعات المجتمع الدولي لمكتبة الاسكندرية. “علمين يا قلب تعتب علمين”*. الصينيون المرحون لم يتعرفوا على بنات القائد الضرورة في بلدي. ذوق بائس يذكر ببنات الريف. ملابس رثة مصنوعة من أغلى الأقمشة. بخل صامت ينعم بكفاءة الضغط المدروس على العيون. لقد ضاعت قلوبنا.
“الملائكة أناث، أليس كذلك؟”
“عون الغفة ونام. الأفندي عيوني الأفندي. الله يخلي صبري. صندوق أمين البصرة”**. كنت أود أن أبكي. جارتي تنظر إلي بإشفاق،. وهي النظرة التي تسلبني القدرة على الاقناع. أنا كائن مسلوب الارادة. حشرة حصرت في زاوية. الكون صار صغيرا. أقل من متر تحت القدمين. لا يزال في جسد الحقيقة قدر من الماء. يدي مفتوحة. أيا جارتي إنا غريبان ها هنا. لقد غفا الأطفال من حولك. الصينيون لديهم الطاو وأنا عيني على أحجار الساحات العامة. لقد عثر الشباب العرب على الصرة الصينية. هناك حيث يمكن العثور على صرح بلقيس وتاج نفرتيتي وابتسامة سمير أميس وسيف حمدان قرمط وقرطي العباسة أخت الرشيد، يا الهي أنت تسمعينني.
في ظهيرة شتائية وسط الغابة كنت على موعد معها. كان نقار الخشب قد أعد عدته على الشجرة من أجل بقايا النهار. قطرة مطر تسقط على ورقة هي تعلمها، تنزلق لتصنع حاجزا مائيا على عيني. أطبق جفني فتنمحي الأصوات. يتفتت الهواء وسط ضربات الطائر. ناعما وطازجا مثل ريشة تسقط بيضاء ببطء شديد يهبط أيقاع جسدي إلى قدمي. كنت قد وضعت رأسي بين كفي وصرت أنظر إلى نقطة بعينها على سطح البحيرة حين انبثق النبع. كانت تتشكل بقوة فيضها سنتيمترا بعد آخر. فضية ترتقي لهاثها اللامع من غير سلالم. خُيل إلي أن الشمس باردة قد شقت لها مجرى يقود إلى قلب البحيرة المتجمد، هناك حيث يرقد الطاووس وتنام الأميرة على سرير رفيع مثل إبرة وتزحف الغصون لتلتف حول الجذور ويصفر البحار الغريق وينفخ اسرافيل في بوقه. الواحدة بعد الظهر ولا نبأ عني، سوى الرجل المحاط بسلالات عمياء من الأفكار وسوى يديه المعلقتين بجسده مثل جرسين وسوى كرسيه الهزاز الذي يُطوى بيسر ليُركن في أقصى حديقة قطبية تخترع الفراشات فضاءها في لحظة خواء. لو أن شخصا ما أخبرني قبل سنوات أنني سأكون ذلك الرجل الوحيد لما صدقت نبوءته. ينشق سطح البحيرة عن قلعة رمادية أو كنيسة بيضاء أو امرأة لها عشرات الأذرع الراقصة. طائر السنونو الأبيض يلمس بجناحيه سطح الماء برقة فيصدر حفيف يسرع كالبرق ليرتطم بصدري. رمحك لا يزال ساخنا وعلى أسوارك تخفق رايتي. حذرني أحد نبلاء القرية المجاورة وقال: “تحت كل صخرة هناك جنية وبين كل عشبتين تتشمس أفعى”. “ولكنها لم تُر من قبل. لكنها لم تحتف بإنسي” قلت له ومشيت. ودعني ديكه على السياج ورمت بقرته على كتفي نظرة اشفاق. أودعُ خطواتي في خزانة وأحلق محفوفا بصيارفة مفلسين وشعراء مسلولين وفقهاء محدودبين وحراس ضجرين وحوريات منتفضات ويتامى صامتين. “جئت لأتجلى” قلت لمن لا يسمعني ولا يراني ولكنه يسمع ويرى. هي ذي النبوءة إذاً وما من شيء منها.
ذات يوم وضعت على عتبة الباب الوسطاني وردة اكلتها فقمة التقيتها بعد سنوات. “كان طعمها مرا” ومن يومها لم تعد الفقمات لتنظر إلي إلا باعتباري عدوا. كنت عدو الأيائل واليرقات والضفادع وباب الشيخ ومعسكر الحبانية وفرس النهر وجواد وادي والزهور البرية. ليتني أنقذت ذراعي من لسعات نحلها. لو أنني فكرت قليلا مثل تلميذ في قاعة امتحان لكان وجهي احتفظ بشيء من سمرته. لم يكن نزاعا متكافئا، خرجت منه أحمر مثل راية تروتسكي المهزومة. المكسيك بلد دافئ. يلذ لدييغو ريفيرا أن يجلس على العشب فيما كانت الاممية الرابعة تنحت من رمل الشاطئ زقورات. ربما وصل السومريون قبلي إلى هنا. أضع قدمي على أولى الدرجات فتضرب ظهري صيحة خروف أبيض: “تقدمت في السن ولما تزل ترعى هذيانات الهاربين إلى تطوان. ألا تصدق أن أندلسك صارت حصاة ابتلعها حوت تمرد على نوح فاختفى أثره” كان النبع لا يزال ينفث بركاته البصرية وكنت أنعم بالغنج الذي فاض على قدرتي على البقاء متماسكا. هي ذي ايها الملعونون تشق الجدار لتسمعني صوت أمي. البليغة مثل شاعر أموي، الفالتة من بين أوراق المصحف لتقول كلمة من الوحي. كنيستها على اليد ونايها بين الشفتين وقدمها ترفل بالأدعية. من حانة إلى تكية، من سوق إلى خان، من رمية نرد إلى نافورة ماء كانت الزخارف تحيطني بندم الميزان. كان جلال الحنفي مصرا على شرح وتبسيط عروض الفراهيدي وكان مصطفى جواد القادم من الخالص يلوح بعصاه ساخرا من اللغة المجاورة. سيكون الولد ولدا ولن تكون البنت إلا بنتا. يا سيدي كل هذا هراء استعماري. في ظهيرة باردة تتجلى لي تلك الجارية عارية كما لم يرها أحد من قبل.
“تكاد تحبها”
ليتنا عرفنا ما الحب. ليتنا أدركنا ما الجنون. على بعد مترين فقط. هناك تحت العرش. فيما الشمس تشق لها طريقا إلى قلب البحيرة كانت السلالم تلهم الاسماك التحليق مثل كائنات شاغال. لقد عاد العالم جميلا. خرج الصبي لتوه من بين أصابع الاله ليقول كلمته. هل كان المنصور يقف في شرفة قصره بالرصافة ليتأمل كل هذا الماضي؟ أعرفها شارعا شارعا. نافذة نافذة. فتاة فتاة. لقد أخطأت طريقك مرة أخرى يا صديقي. قدماك النابتتان في الثلج لن تتيحا لك المشي بأناقة الافندي العثماني في البتاويين وفي عقد النصارى وفي بارك السعدون. لن تدعوك السيدة المتيمة بيوسف عمر إلى منزلها. “سليمة مراد يهودية هل تقلدينها؟” تنظر إليك صامتة وقد ابتلت عيناها بالدمع “لقد جرحتني” فلا تدري إلى أي جناح تأوي. طعنة للشيخ وأخرى لشاب لم تعش حياته مثلما كنت تحلم. هي ذي بغداد إذاً تخرج من بين فخذي الجنية ولا تزال الأفعى تتشمس بين عشبتين. “ألا تحضرين من أجل تعذيبي؟” تضحك الفاتنة فيما الخصيان ينقلون المباخر بين قصور الحريم. أضرب الأرض ستطلع شجرة آس. لا تزال الرائحة في أنفي. يا زكريا. اللعنة على البيانو. هناك دفوف في رأس كل شارع. هناك النهر الذي لا يكف عن لفظ جثث الغرقى. ما مر يوم والعراق ليس فيه جوع. ومع ذلك فان الشمس أحلى. في تلك البلاد الشمس أحلى.
أضع رأسي بين كفي وأنظر إلى المدينة وهي تتشكل من رماد جمر جهنم. “أنت محظوظ. لقد أبقت لك العاصفة شيئا لتراه” تقول لي أمينة المتحف. وهي أمريكية من أصل عراقي. أنظر إلى قدميها وأهمس لنفسي “يلماشية بليل لهلج/ حولي عدنه الليلة/ بعيد الدرب شيوصلك/ والله المسافة طويلة”*** لم أقس المسافة بعد. بالنسبة لها فان المتحف هو الكون الذي يتسع لكل ما مضى. بالنسبة لي فان سنتيمترا من تلك المدينة لا يمكن أن تتسع له كل متاحف العالم. “انتظريني قليلا” ما لم ألمحه بعد سيأتي وإن اقتربت القيامة. خلقها الله لتكون أحد شهوده حين تعز اللغات. الطفلة تخرس الفقهاء. تنورتها تدغدغ الملائكة. يضحكون. حينها يفرغ الهواء حمولته. ما من شرط للجمال يسبق حضورها. تتلف كل ما مضى من عهود فتنتها لتخلص إلى تجليات جمالها المحتملة. تعالي وقفي إلى جانبي ليرانا العالم معا في صورة خالدة. بك أحارب نفسي على الأقل. لقد أهلكني انتظارك. تضحكين. على ساحة الطرف الأغر يمتد ظلك. من أنف البوشيين الأب والأبن تسحبين منديلك. تمحقين مراهقتي. “لن تكون عدما. أراك كما لو أنك تولد الآن. في المدينة التي اختارها الله بوصلة لتغيير الأحوال في العالم في الالفية الثالثة. بها بدأ الكون وبها سينتهي. من قال أن الميزان كان عادلا؟”
ألف سنة ليومك وأنت تظهرين. جلب الحطاب ديكه ليكون شاهدا على ساعة بعثك. هو ذا النبع يتبعك، يسجد من حولك، يفرش بين يديك سجادته ويقول لي: “لقد اوتيت حظا عظيما”. تنفس الطاووس أيتها البجعة. بغداد مريضة مثل ليلى. ليتني كنت الطبيب المداويا. بغداد تموت. ألهذا أحضرتني إيها القدر؟ منذ سنين وأنا أمشي. ظهري لا يرى. إلى الأمام أمشي فلا ترى أعضائي إلا ما تقترحه الغربة عليها من الغاز بصرية. الآن من قلب البحيرة ينبثق مثال الأنوثة كما لو أن الله قد ترك اصبعا من يده في فم تلك الحورية. سأتبعك مسحورا بهذيان حلاجك إلى الأبد.
فتاة الغيشا تسأل عن سر الموت. واحدة من نائمات كاواباتا الجميلات. تقفز من الكتاب لتجلس بين يدي مثل دمية. تنصت. تصلني حكمتها ويحرجني طيشي. “لا تكفي الصور” تقول وتضيف “هؤلاء قتلى وليسوا موتى”. أهدأ لكي استحق احترامها. جانبيا أنظر إليها. كل هذا العناء من أجل فكرة. وجهها قناع. المس وجهي بحذر. لم تعد الصور المحشورة بعناية بين الكتب تشبهني. لم أعد أتذكر ذلك الشخص الذي كنته يوما ما. الوجه الذي صرت أرتديه لا يتذكر هو الآخر. وجهه هو. وجه مَن؟ فتاة الغيشا تترك وجهها في البيت في كل مرة تذهب فيها إلى العمل. ولكنني لا أصدق أنها تستعيد ذلك الوجه نفسه حين تعود إلى البيت. لن يجلس الوجه مكتئبا في انتظارها حتى تعود. له أبخرته التي تعينه على التحليق. له نزواته التي تسمو به على القيام بدور الخادم الأسير. “لقد خذلتني” سيقولها مرة واحدة ثم يختفي إلى الأبد. ينزع الخادم قبعته السوداء ويلقيها على أقرب كرسي معلنا عن اعتزاله. “لتحل الآخرة. لا خوف” ما من طعام ليفسد. ما من زهرة لتذبل. النغم لا يصل. إنه يسعى بطيئا. “لا وقت لدينا” تضحك الفتاة ساخرة. “صحيح فنحن نقف خارج كل وقت”. ذرة الرمل الضائعة بين الأمواج. الهنيهة التي تفصل بين يدين. صيحة الديك الواقف على سياج هُدم منذ قرون. لن يشعر العثمانيون باليأس. كنا نسهر في خان مرجان ويخيل إلينا أننا نسمع صهيل الخيول العثمانية. بعد الطفل ستكون شابا. وبعد الشاب ستكون رجلا. وبعد الرجل ستكون لا شيء. أنت إذاً لا شيء. ستقول المرآة وهي تنظر إليك. المرآة هي الأخرى لا تتذكر. في المرآة مكيدة. لا تؤجل المرآة قراراتها. تفعل ما تراه صائبا لتقلع عين الحقيقة. “المرآة تكذب” تقع الجملة مثل ماء بارد. جملة نقولها في لحظة خواء. لمَ لا يكون الوجه هو الذي يكذب؟ فتاة الغيشا تنزع قناعها كلما عادت إلى البيت. تفكر بما لم ترتكبه من الآثام. تندس في فراشها لتحلم بالأجزاء التي لم تلمس من جسدها. بريئة كعود ثقاب لم يشتعل، الكذبة كاملة.
ليست القوة بريئة. الجمال قوي. قليل ولكنه قوي. ما لم نستعمله يخذلنا ويهزمنا. ولكن من يجرؤ على استعمال الجمال؟ الخوف من الجمال يسبب الشعور بالكرب. لن يقوى أحد على احتواء الجمال والاستيلاء عليه إلا عن طريق الخديعة. هل علينا أن نصدق ما يجري في عالم صناعة الأزياء والعطور والمستحضرات الجمالية؟ التصوير يحتال من أجل أن لا يقول الحقيقة كاملة. هناك صناعة. وهي صناعة لا تنفرد بالشكل وحده، بل تتجاوزه إلى الوعي الذي يسعى الى استلهام ذلك الشكل. نحن نقف إذاً في مواجهة جمال مجاور. جمال يفرض قيمته من خلال معادلات لا تزال غامضة. فما أن تسأل: “أين يقيم الجمال؟” حتى يُرد عليك بما يشبه الصفعة “ليس في مكان بعينه” وهو كلام صحيح غير أنه مخاتل. في كل سوق يعجز المرء عن تصفح مجلات الأزياء بعينيه لكثرتها، وهي تتغير كل صباح. هناك ماكنة هائلة تنتج كل لحظة فكرة مغايرة عن جمال لا يراه المرء ميسرا في حياته العادية. هناك جمال مفارق وهو كثير بعكس ما نعرفه عن قلته. هل صار الجمال كثيرا في عصرنا؟ هوس الاستهلاك لا يقول ذلك تماما. هناك من يهمس في آذاننا بما يشبه الدعوة للقبول بفكرة الجمال الناقص. بمعنى ان الحياة ينقصها الجمال، وما تخترعه دور الأزياء انما يعوض تلك الحاجة. هو جمال افتراضي يمكنه أن يسد فراغا. هناك طبعا من يدعي ان في إمكانه أن يعيد تعريف الجمال. جمال النساء على الأقل. وهي الفكرة التي لا يستطيع أحد مقاومتها. فكرة تقوم أصلا على غواية المستحيل. فالنساء ماكرات حسب المعتقدات الشعبية حول العالم، فما هي احوال من يفكر بإعادة انتاجهن؟ إننا نهوي ولكن إلى جنة متخيلة. “أحصل على امرأة تكون محط أحلامي وليتبدل الكون” يقول الرجل كما لو أن تلك الرغبة ستهبه امرأة أحلامه في اللحظة ذاتها. خيلاء المستهلك أنبتت اجنحة خرافية لكل من يدفع عربة في الأسواق. “هل رأيتني؟” يقول الرجل لزوجته وهو يشعر أن كل نساء السوق قد بهرتهن ربطة عنقه الجديدة. “على الموضة” يقول ويصحح: “ولكنها الموضة التي لم تصل بعد”. ألهذا لم تلتفت إليه امرأة واحدة؟
لا أحد يفكر في أن ينزع قناعه عن وجهه. فتاة الغيشا وحدها تبحث عن وجهها فلا تجده، هي أفضل منا. على الاقل انها تعرف أين تركته. أما نحن فنصر على الذهاب إلى أسرتنا كما لو أن شيئا لم يحدث. نعطل حواسنا المباشرة. فكأننا لم نر ولم نسمع ولم نشم ولم نلمس شيئا. لا غبار في الشارع، لا نفاق في الوظيفة، لا كذب في المقهى، لا خراب في الشارع. يصدمني وجهي العائد إلى البيت بخرائطه التي هي عبارة عن متاهات لا حدود لها. ولكنني لا أرى في النوم إلا ذلك الوجه الذي يظهر في الصور، متصالحا مع هيأته الخالدة. “هل أنا في حاجة إليه؟” أقول لنفسي وأنا أقصد وجهي القديم. من حق فتاة الغيشا أن تسأل عن الموت. سوف نمر جميعا. لن يسأل أحد عن أحد. لن تعيق الأقنعة مرورنا. سيكون علينا دائما أن نفكر بطريقة مختلفة. طريقة تنسجم مع ما انتهينا إليه لا مع ما بدأنا به. ما دامت تلك الوجوه لنا فعلينا أن ندافع عن حقها في أن تكون موجودة. وهو حق لا نمتلكه إلا افتراضيا. فلا تلك الوجوه لا تزال موجودة ولا نحن قادرون على استعادتها إلا عن طريق ما نتذكره منها. نفكر بجمال لم يحن موعده بعد. إنه جمال مؤجل. ولكن الجمال من حولنا كثير. كيف حدث ذلك؟ لقد أغرقنا عالم الاستهلاك بأشياء زائفة كثيرة. حتى بتنا نشعر أن الحقيقة هي الأخرى نوع من الزيف، أو أن الزيف هو الحقيقة الوحيدة التي يمكن العثور عليها بيسر. وصل الأمر إلى درجة الشعور بان الانسان نفسه صار كيانا زائفا.
في الفن، وهو أقوى مرجعياتنا اختفى الانسان منذ عشرات العقود من أجل أن تظهر خبرة خياله البصري. قبلها كانت نساء الرسم جميلات، بما يكفي لصنع نماذج مثالية للمرأة في مختلف احوالها وتجلياتها. من موناليزا دافنشي إلى فتيات مودلياني الناحلات، مرورا بنساء روبنز وديغا ولوتريك ورينوار وبيكاسو وماتيس وهب الفن الحياة آلهات من طراز عصري. لم تكن الاستعارة قد حلت يومها ولم يكن القناع ليحلم أن يكون بديلا للوجه. كانت هناك دائما نساء واقعيات ينتقلن بمحض الصدفة إلى فضاء المتخيل ليكتسبن هالة، هي من مادة الفن السرية التي تُستخرج من مكان مجهول. لم يكن الفنان في حاجة إلى اضفاء أي نوع من الابهة المصطنعة على موديله. كانت إنسانية الجمال وحدها تكفي. امرأة وحيدة تجد نفسها وقد صارت جزء من حفلة يقيمها سؤال وجودي، هو أشبه بحارس قادم من الآخرة. كان المعنى يومها يلتقط الشكل لينشئ من خلاله اسطورة مجاورة للواقع. ومَن يبحث عن فتيات أفنيون اللواتي رسمهن بيكاسو في لوحته الشهيرة عام 1907 قد لا يجدهن في شوارع المدينة الإسبانية، ولكن فشله في العثور عليهن لا يمكن أن يقنعه بالعودة خائبا. سيجلس في أقرب مقهى مؤملا النفس في ظهورهن في أية لحظة، كما لو أن الرسم لا يكذب.
بيكاسو نفسه وقع تحت تأثير الأقنعة الافريقية. ولكن تلك الأقنعة لم تكن تهدف إلى اخفاء وجه من يستعملها بل لكي تعينه على استحضار قوة السحر التي تنطوي عليها. وهو ما انتبه اليه الرسام الاسباني ببراعة. يومها كانت الفكرة السائدة تنص على أن شكل الإنسان قد استنفد وصار على الرسم أن يبحث عن ذريعة للحديث عن واقع سحري يعيشه الإنسان من غير أن يعيه أو يسيطر عليه. يومها حل القناع محل الوجه ولم يعد الغزل القديم ممكنا. صار لزاما على الرسامين أن يذهبوا إلى الوجه من خلال القناع، ولن يكون مهماً بعدها إن وجدوه أو فشلوا في العثور عليه. هل تشعر فتاة الغيشا بالتعاسة حين تكتشف أن الوجه الذي تركته صباحا في البيت اختفى إلى الأبد؟ أشك في ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مقاطع من أغنيات عراقية.

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي والاس ستيفنز

كتابة وحوار : أسعد الجبوري * منذ اللحظة التي دخلنا فيها ذلك النفق المحفور تحت …