أخبار عاجلة

حسين ماضي لاعب الأشكال

  حين نرى بدايات حسين ماضي الأولى نفاجأ بأنها لا تكشف لنا بسهولة سر البدايات، السهولة على كل حال ليست خاصية ماضي ومن يأتيه من هذا الباب لا يدخل الى عالمه.. بدايات ليست تمارين، مهما تكن ناجزة وكفية. على ماركة عالمية كما هي في الغالب البدايات التقليدية لفنان لبناني او عربي. ليست استدعاء للوحة ناجزة لمعنى او مباراة مع لوحة ناجزة بما يعنيه ذلك من مظهر اكتمال خادع غالبا، وليست ايضا بدايات سهلة وممهدة وميسرة ومغوية بذلك الجمال الصالوني الذي طالما اجتذب العين اللبنانية خاصة.

 بدايات ماضي الوعرة، إنها ضربات متقشفة ومقتصدة وقوية كما لو كانت بالسكين أو الرفش. وهي لذلك لا توحي بالاكتمال ولا بالإغواء الصالوني. لنقل أنها صادمة وخاصة لعين المتذوق الذي تربى على فن الماركة العالمية. نرى أحيانا هذه الضربات المؤلفة من وحدات خطية بسيطة مستقيمة ومنحنية وكأنها نفض للوحة ما وإعادة لها إلى هيكلها الأول، عظامها الأولى، أو عودة بالفن نفسه إلى نوع من النقطة الصفر.

 

 يمكننا ان نفترض، ربما بالرغم من حسين ماضي، ان في هذه الأعمال الأولى طاقة اعتراضية ونقدية. أقول بالرغم من حسين ماضي لأنني افترض انه لا يرحب كثيرا بقراءة سجالية لفنه تستخرج منه ردوداً أو تسلكه في تاريخ مرحلة. الأرجح ان بداية ماضي الوعرة لم تكن لتهتم كثيراً بفن تلك الآونة وخاصة في تسويقه اللبناني. لقد بدأ الفتى ماضي من هذه الخطوط التي كانت على الأغلب محفورة في يده، أو في جلده ولم يكن في الأرجح ليستطيع إن يبدأ على نحو آخر. فماضي الذي بدا ذا حرفة وبلا أي وهم عن خلق بلا حرفة أو بدون عدة وباحترام يشبه احترام الخطاط العربي أو الصيني للقواعد. ماضي الذي يدمج بين السلاسة والقوة كان لابد ان يضع عدته قبل ان يبدأ فنه، وان يبدأ تماماً من حيث يجب أن يبدأ، من العلامات الأولى ومن العناصر الأولى والأشكال الأولى، من الجيومتري الأول. لقد بدأ فنه تحليلياً، فهذه الخطوط الأولى كانت تحوي، على نحو ما، ما يشبه التحليل السيزاني للشكل. رد له إلى منحنيات ومستقيمات وزوايا وأنصاف دوائر. ويمكننا ان نفكر عندئذ بالتكعيبية التحليلية بكل شظايا الخطوط والأشكال الباقية في اللوحة، لكن خطوط ماضي المتحررة من الشكل الأولي ومن كل شكل مفترض كانت تقوم بنوع من تحليل الطبيعة. فما يختفي ليس المشهد بل الكون الذي يترك شظاياه الجيومترية على فراغ القماش أو الورقة. هذه الشظايا هي أيضاً قراءة نواتية للعالم، أي انها رد للكتابة الكونية إلى حروفها الأولى، هنا تبدو الكتابة فكا للنص وعودة له إلى نظامه الأول، إلى إشاراته الأولى، هنا تبدو الكتابة نوعا من التأليف على النص الكوني، على الأبجدية الأولى، بل تبدو هذه الأبجدية نفسها كأنها العنصر النواتي الأصلي للنظام الكوني وكل نظام ، هكذا يبدو حسين ماضي تلميذاً للكون، هو الذي لا يسمي نفسه موجدا يهمه أكثر ان يبدو باحثاً عن القواعد، بل يهمه أكثر ان يبدو قبل كل شيء صاحب عدة. صاحب مسبار وشاقول كما ينبغي للبناء ان يبدأ. وبدونه لا يمكنه ان يرفع جداراً، لست معنياً الآن بهذه المقدمة كديباجة فلسفية أو دينية. ما يعنيني منها هو ان حسين ماضي يبدأ في الواقع من حيث يجب أن يبدأ، أي من حيث ان البداية هي بدايته هو ولم تحصل في زمن آخر ومكان آخر ومع أشخاص آخرين، انه يصنع بدايته كما على صاحب كل حرفة ان يحضر عدته.

ستكون تلك الضربات التي ليست حروفاً بقدر ما هي العناصر الأولى للحروف. لن نجد أبجدية مكتملة كالأبجدية العربية بل الخطوط الأولى التي تصنع منها الحروف، لسنا بالطبع أمام أبجدية هيروغليفية تبنى على رسوم مؤسلبة للأشياء ولكن على ما يشبه الأبجدية المسمارية، خطوط مستقيمة ومنحنية أو مستقيمة ذات ميل للانحناء وما يترتب منها يحافظ على طبيعة تردادية بسيطة أيضا، سيكون هذا نظامه الحروفي، لنقل انها أبجديته الخاصة التي لا تملك حروفاً بل تملك فن ان تصنع الحروف. أي رسم وإعادة رسم النظام الأبجدي نفسه، لا يستلهم حسين ماضي الخط العربي ولم يرق له فيما أظن التيار الذي بني على الحروفية العربية، وله حججه في ذلك، بيد ان حجته الأولى هي ان الخط فن مكتمل لا يحق للخطاط أن يزيد فيه وجل ما يستطيعه هو ان يتمكن منه ويتملك أسراره. حجة هي أيضا مدخل إلى فن حسين ماضي لتقول لنا من أين يبدأ هذا الفن، يبدأ من تحليل الكتابة، من تحليل الأبجدية نفسها لا الكتابة عليها، انه يضع بدايته بنفسه قبل أن يبدأ، لا يعنيه ان يورق ويلفف ويشجر كما يفعل فنان الخط، انه لا يصنع خطا، انه يؤسس حروفه وكما هي عارية محددة واضحة يبدأ التركيب منها، إذ لا شيء يتحاشاه حسين ماضي كما يتحاشى التنميق. التنميق الذي هو في حساب أخير ثرثرة جمالية وشغل على فن جاهز وماضي لا يرضى بالثرثرة ولا بالمديح لأشكال قائمة، انه يبدأ فنه من الأول، يصنع العدة والأبجدية الأولى وينتقل فورا إلى البناء والتركيب، وهو يبني ويركب ما ان يضع اللبنات الأولى تماماُ كما يفعل البناء القديم الذي عليه ان يضع أحجاره ومسطحاته اللبنية أولا. ميزة هذه الحروف والأحجار الأساس هي كتلتها الناتئة، ثقلها المحسوس وزواياها الصريحة وقطعها ونتوءها، أي انها بلغة البنائين  أحجار مقصبة لكنها مليئة مع ذلك بمادتها وحدودها وشكلها، ولعل هذا الوزن والحجم والثقل والكتلة لعناصر ذات طبيعة مجردة لأول وهلة هو ما يجعل من حسين ماضي في نقطة التوتر العالية بين المجرد والحسي، فهذه اللبنات أو الأحجار أو الحروف هي بادئ بدء أشكال تجريدية لكن الأصل الطبيعي لها لا يزال كامنا بل حاضرا بكل كتلته وحجمه وحدوده وثقله، يمكننا الكلام هنا عن نقطة توتر عالية بين التجسيد والتجريد إذا جاز القول، وقد لا تصح هذه الملاحظة على أبجدية حسين ماضي فحسب. انها تصح على كل فنه، ان أشكاله البسيطة وأبجديته الأولية تملك هذا التذكار البعيد (والقريب أحيانا) للطبيعة والواقع، لكنها تملك تذكار وجود هو في أصله ليس مسافة ومساحة فحسب بل أيضا حجم وثقل. هكذا ولأمر ما، ربما هو ضربة ريشة حسين الماضي العصبية المنجلية القاطعة، يغدو لهذه المسطحات وجود فيزيائي، ويغدو للوحة حسين ماضي، بما في ذلك أكثرها زخرفية، وجود فيزيائي نافر، لذا يمكننا القول بتجاوزاتنا في لحظة التوتر، لحظة انشقاق التجسيد عن التجريد، لحظة ولادة الشكل الجيومتري من الطبيعة، هذه بالطبع ليست لحظة سهلة، وليست بسيطة، انها لحظة صراع، ويمكننا ان نقول هذا عن أكثر لوحات حسين ماضي ((حروفية))، فهذه الأشكال الحادة المنجلية والمستقيمة والمنحنية ذات الزوايا وأنصاف الدوائر لا تبدو تماما في سكينة واسترخاء بعضها مع بعض. انها موجودة في حال من التشابك بل في حال من التنازع، بل في حال من الترصد وربما أيضا من الاشتباك، ولنقل ان لحظة حسين ماضي في لوحته لحظة درامية بحق، لحظة درامية بدون حاجة إلى حادثة ضمنية ولا سرد ولا وصف، فالصراع قائم في الأشكال نفسها التي تبدو أحيانا كثيرة وكأنها منشقة عن أسلحة حجرية وخشبية بدائية وقديمة. قائم في ضربة الخط التي يبدو انها لا ترسم حدا إلا بما يشبه القطع والقطع الذي يترك أثر البتر والقص حاضرا وبقدر خفيف من الالتواء، ثمة وعورة هنا، ولنقل ثمة برية (من بري) ، لا تغادر تماما، ان ذات الرسام مسكونة بهذا الاندماج القاسي وشبه العدائي ولكن الكوني والنظامي في الطبيعة، الفنان يبدو هنا كأنه إلى حد ما صياد الكهوف نفسها، الذي يترك على جدران الكهف في جملة ما يترك لحظة القنص القاسية والعظيمة التي لا تزال لصيقة بيده وألوانه وكأنه يرسم بسهامه وبلطاته وأسلحته.

لا يذهب الظن إلى ان في هذا الكلام إشارة إلى صلة مباشرة ما بفن الكهوف، مناط الصلة هو في مبادرة الفنان الفورية لموضوعه. في هجومه عليه بكل ما في كلمة الهجوم من معنى وامتشاقه له بقدر من العنف والقطع. يمكننا طويلا ان نتحدث عن العنف بوصفه خاصية انطولوجية في فن حسين ماضي. وقد يكون من علائم فرادته في فننا، لنقل ان الدارج الذي يرفضه ماضي في فننا هو جماليات السكينة والاسترخاء، انه الجمال الصالوني الذي يشبه كرومنا المجللة المرتبة جمال ((بوستالي)) إذا جاز القول. انه الرضى يفعم اللوحة، الرضي والاستسلام والتماهي لصورة ناجزة عن الفن والعالم، وقد تكون الصورة معارة، وقد تكون عالمية أو دارجة، المهم إننا في فن كهذا نعثر فورا على فن نظيف كما يقال لكن غالبا بلا سؤال وبلا لحظة محددة وبلا توتر.

ليست لوحات حسين ماضي عاطفية على الإطلاق، وربما شعرنا بأنها لا تطلب على الإطلاق تعاطفنا وتماهينا وانها تصدها قليلا عنها، ليس الإحسان ولا التغني أو المديح من خواص هذه اللوحة، كما انها ليست لهوا بصريا خالصا، انها صارمة أولا متحكمة بنفسها وحدودها وتخاطبنا غالبا بدون أي توسل، بل هي تقلقنا غالبا بزواياها وقواطعها وبنائها المحدد الواضح الذي لا يترك لنا حيزا نملأه بغياب نفوسنا ، لوحة تقلقنا في الواقع بما نستشعره معلقا لا ينفك فيها. ان قوتها وصلابتها لا تجعلانها تستسلم لنا ثم ان قدرا من القسوة والتحديد فيها يمنحها سلطة وقدرة على الأذى يتوجس المتفرج (غير المدرب) منهما، أي اننا أمام لوحة لا تشبه جلولنا المرتبة ولا تتماهى مع فكرتنا عن الجمال، لنقل أولا انها لوحة ليس فيها سيولة ولا ضباب ولا مناطق ليلية ولا نجاوى عاطفية أو مثالية وليس فيها وعود سرية ولا إغواء مبطن.

لوحة ماضي أولا في الشمس، انها لا تخفي كثيرا لكنها أيضا ذات كيان وحدود ليس سهلا فضهما، بل مصنوعة من قوة اعتراضية لا يسع المرء ان يقتحمها ببساطة، ثمة ما يصون العمل من أي ابتذال أو يسر خادع، انه تقريبا توتره وعنفه، العنف هنا ليس في موضوعه بالطبع فموضوعات ماضي إذا وجدت ليست عنيفة على كل حال، العنف هو في ذراع الفنان وريشته، في خطوطه وتأليفه، ولنقل ان هذا العنف هو في قصد الفنان أو لا قصده رؤيته للعالم رؤية اعتراضية على التماهي الرومانطيقي والمثالية الرمزية والسيولة والشاعرية الانطباعية، إذ لا نبلغ إذا قلنا ان من خواص الفن الحديث هذه القسوة (التي نفتقدها غالبا في حداثتنا الخاصة). انها قسوة نقدية وقسوة نزع أوهام وقسوة إدانة لإنسانية رخوة وخيرية ولجمال بروازي صالوني، التكعيبية هي مثال فن صارم قاس، وكذلك النحت الحديث في جملته وكذلك أهم ما في الفن المعاصر، يقال ان النحت الحديث هو نحت زوايا لا دوائر، وقد اتبع النحت اللبناني آرب ولم يتبع مور، أما حسين ماضي فقد بدأ من الخط المعاكس ومن حيث لا يبدأ الآخرون، من صلة أخرى بالطبيعة والعالم، صلة تنطوي على هذا التنازع لا بين التجريد والتجسيد فحسب، كما ألمحنا، بل أيضا بين العماء العنيف والمكبوت والنظام الكوني، بين التحليل والتركيب بين الكتابة والأشياء، لا يملك حسين ماضي خطابا حدا ثويا مدّعى، ولا يملك فنه أيضا إعلانات حداثوية، لكن فنه بقصد أو غير قصد هو من القليل النادر الذي استقبل العصر بلغته الحقيقية ولم يحوله إلى طلاء ودعوى فحسب.

ليس هناك من مهلة بين التحليل والتركيب في فن حسين ماضي، انه يضع أحجاره ويبني منها فورا، لا وقت للسرد والتمهيد، لا حواشي غالبا في اللوحة ولا تفاصيل غير ضرورية ولا إضافات تنميقية، ما يفعله ماضي هو فن الأساس، يصنع حروفه ، أشكاله الزخرفية، أشكال الأساس، يؤلف فورا منها، لذا لا هوامش في اللوحة، انها كلها متن، أو كلها واجهة، ولا يسع المتفرج إلا أن يقطفها بنظرة واحدة، انها ملء عينه ولا يملك ان يشرد في تضاعيفها، ليست فقط ذات وحدة لكنها شيء واحد إذا جاز القول، نحن أمام فن لا يثرثر رغم قابلية الزخرفة للثرثرة. لا يثرثر لأنه لا يكفي غالبا باللهو البصري الذي يعد به فن هو أساسا زخرفي في جانب كبير من منه. لا يثرثر على الإطلاق بل يحول اللوحة إلى نوع من ضربة واحدة، إلى حدث تشكيلي، لا يتحول الأساس الزخرفي إلى سياحة، بل إلى نقيضها، إلى لحظة درامية ملأى وصلبة والى حدث تشكيلي كما سبق ان قلنا. ربما ندخل هنا في واحدة من خاصيات حسن ماضي الأساسية. لنسميها مؤقتا التحيول، انه يصنع فنا حروفيا بدون غايات حروفية، أو لنقل يصنع فنا زخرفيا بدون غايات حروفية، أو لنقل يصنع فنا زخرفيا بدون غايات زخرفية (أتكلم هنا عن وجهة أساسيا بدون إغفال أعمال ذات قصد زخرفي أو ذات قصد حروفي). يبدأ الأمر عند ماضي بهذا الميل إلى معمار للوحة، معمار صلب وصارم، ولا يمكننا عادة الكلام بسهولة عن معمار في لوحة ذات نهايات زخرفية، ثم هناك هذا الميل إلى نوع من بناء مكين من وحدات بسيطة وأحيانا من خيط واحد. خذ نحت حسين ماضي الذي يبد و مثلا كأنه رسم من خط واحد، خذ اللوحات التي لا يجازف فيها ماضي بأي خط غير أساسي، هنا عنصر توحيدي لا يقوم فحسب على التكرار والتشابه والمسافات المتقاربة كما هي الحال في العمل الزخرفي، بل يقوم على معمار وتدامج وبناء شبه نصبي، لكن التحويل الأكبر هو في ان البناء من وحدات زخرفية لا يملك فحسب حجما وثقلا وحضورا فيزيائيا وربما منظورا خفيا يتجلى غالبا في نوع من نصبية كامنة، بل يملك أكثر من ذلك، حسية شهوانية عارمة، يملك هوى ملحا وشغفا شبه ايروسي، من الصعب ان نفصل الزخرفة تماما عن الحس ففي الفن الخام وفنون المصابين عقليا نجد تواصلا غريبا بين الزخرفة والاستيهامات الجنسية، كما اننا في فن كليمت نجد أيضا اجتماعا حتى الاندماج بين الزخرفة والرغبة، لكننا في فن ماضي نصعق بتلك الحسية المفرطة والمخيلة الشهوانية والشغف الذي يسطع من بناء وحدات زخرفية أو حروفية. بدءا من ذلك الوجه الذي ابتكره للوحاته ومنحوتاته والذي هو عبارة عن وجه- فرج (دائرة بيضاوية يتوسطها مثلث)، نجد الاستيهام الايروسي يسكن في أزهار ماضي وتفاحاته كما يسكن في نسائه، لا أقصد هنا ذلك القصد الايروسي الصريح الذي نراه في بعض لوحاته ومنحوتاته ومحفوراته لكني أريد أن أتوقف لحظة عند الشكل الذي يتخذه الفرج في منحوتاته. مثلث مفتوح منفصل مرفوع (أكاد أقول منتصب) في مدخل الجسد. انه بوابة الجسد لكن فتشيته صريحة واضحة. فتشية تجعلنا نرى في ماضي نوعا من عبادة الطبيعة (لن يرضي هذا الكلام ماضي المسلم بعمق لكن الفن هو دائما أكثر مما نقصد وفي أحيان كثيرة غير وربما ضد ما نقصد). اننا نجد ديانة ايروسية واحتفالا بالطبيعة يقفان على حدود الوثنية. عالم ماضي المليء بالحيوانات والنباتات والاستيهامات بل والفتشية الجنسية هو نوع من تقديس ايروسي للخصب. لا أتكلم هنا مباشرة عن الدين لكن ماضي هو من فنانينا القلائل الذين يمتلكون هذه الصلة المباشرة بالطبيعة. لا أتكلم بالطبع هنا عن فناني المناظر الطبيعية والجمال البوستالي. أتكلم عن صلة حياة وحضور يومي وافتتان شبقي بالخصوبة والتوالد: الثور، الحصان، العصفور، الكلب، القطة، ورقة الشجر، التفاحة… والمرأة بوصفها بوابة العالم، كل هذا يجعل ماضي مسكونا بما يشبه هاجس الفنان الآشوري  أو السومري وهو يصب في رسومه الناتئة ومنحوتاته وحدة الحياة وتكاملها، لعل لنشأة حسين ماضي الريفية في شبعا دخل كبير في ذلك، ولكن هناك أيضا صلته المؤكدة بتراث المنطقة النحتي والتصويري وخاصة تراث ما بين النهرين، والتراث اليوناني القديم. أي اتصاله في الغالب بفنون ذات وحي وثني، الأرجح ان ماضي تجنب بوعي الرجوع للفن الديني الإسلامي والمسيحي، لم يتجنب الخط والزخرفة الإسلاميين فحسب ولكن الأيقونة المسيحية أيضا ، شاء أن ينطلق من فن لا يملك إزاءه مسؤولية دينية، وتقصد ان يصنع فنا حرا من أي غايات مباشرة لقد شاء ان لا ينغلق على فن ناجز وألا يجعل من فنه إرشادا دينيا، لا اعرف إذا كان هذا سؤال حرية فحسب أم نوعاً من تقديس الأرضية، لكن هذه الذاكرة الوثنية الواعية أو اللاواعية تضفي على فن ماضي الصارم قوة إيحائية كبيرة، بل تمنح هذا الفن الصارم الذي يعبد الوضوح ويستبعد الحواشي والضباب شاعرية لا نجدها في الغالب في أعمال تتوخى الشاعرية والضباب وتتعمدهما.

ان خطوط وزخارف ماضي تلك المسكونة بطاقة ايروسية تجعلنا نفكر إذا لم تكن في أصلها منشقة على الجسد. إذا لم تكن تحليلا للجسد الإنساني، أنصاف دوائره ومنحنياته وزواياه، أليس من الممكن ان تكون منشقة عن ربلة الساق والردف والفرج بل إلا يمكن ان تكون من ناحية أخرى تحليلا للجسد الذكوري أيضا.

إذا فكرنا في صلابة هذه الخطوط ونصبيتها، فربما كان هذا هو ما يمنح هذه الخطوط والأشكال والزخارف والحروف قربها وإثارتها وأحيانا استفزازها.

لنقل ان فن ماضي هو في هذا التحويل من المجسد إلى المجرد، من التحليل إلى التركيب من الزخرفي البسيط إلى الشغف الحسي. انه أيضا التحويل من اللبنات البسيطة إلى المعمار، والتحويل من الموديل المؤسلب إلى الحياة الأرضية ، ومن الأشكال والخطوط المحللة من الطبيعة والجسد إلى إيحاءات بالخصوبة والجسد، يمكننا قول الكلام نفسه عن هذا التحويل من المسطحات إلى نوع من المنظور الخفي والنصبية الضمنية، ففن ماضي في نقطة التوتر نقطة التحول نفسها، لوحته لذلك ومنحوتته لحظة ولادة وفعل، حدث تشكيلي كما سبق ان قلنا، من هنا قوة هذه اللوحة ودراماتيكيتها، لكن فيها ما يؤكد ان الفن القوي يمتشق من هذا الزواج الصعب والمتوتر والذي يسطع مع ذلك كالبداهة بين أقطاب متباعدة ومتعارضة في الواقع أو في الذهن.

إذا تكلمنا عن القوة يمكننا ان نتكلم بالدرجة نفسها عن الوضوح في فن حسين ماضي والأرجح ان من الصعب الكلام عن الوضوح في فن بصري لكن فن ماضي مغرق في بصريته.

انه يمنح المتفرج بالضبط ما هو فيه، انه كلياً في النور ولا يحيل المتفرج على أي خبايا أو ظلال، بل هو لا يلجأ أساسا للتظليل ولا يلجأ بالتأكيد للتوشية والتنميق، أساسه الزخرفي لا يستجيب على الإطلاق لما تتعرض له الزخرفة من إغراء التزيين والسيولة والتنميق، إذا تذكرنا ان هذا الفن يعمر من وحدات بسيطة وانه يركز على الهيكل والأساس ولا يجازف بأي زيادة، إذا تذكرنا بدا لنا ان ماضي يتجنب من جهتين متعارضتين إغراءين مختلفين: إغراء المجانية واغراء الأدب. فهو لا يتحمل أن يكون فنه ارتجالا خالصا أو لهوا خالصا. ان ثمة ((معنى)) ما في هذا الرسم مهما بدا بسيطا، معنى غير متفلسف ولا متحذلق، أو في الحقيقة هناك تململ معنى أو احتمال معنى أو ارتعاش معنى. فالأرجح ان القوة والصلابة لا يصدران عن لا شيء، والأرجح اننا نشعر لدى أعمال ماضي بوحدة الهاجس ووحدة الرؤية. ثمة – بكلمة أخرى- عالم في فن ماضي، عالم يظل نفسه رغم تعدد الصور ثمة حضور في هذا الفن أو ان هذا الفن ماثل لحضور ما إذا أردنا ان نستعمل لغة شبه هيدغرية.

من الجهة الثانية يتجنب فن ماضي ان يحيل إلى أي خفاء وأي حيز ليلي وأي إيحاء يسمو فوق الرسم ويتحكم فيه، وضوح فن حسين ماضي هو أيضا معركة مع السهولة والادعاء، فالفنان هنا لا يعبث ولا يهمل، ثمة تركيز قوي بل ثمة علاقات شبه جسدية تسكن الخطوط والأشكال، أما إذا سألنا عن الحرية ولأي درجة يحرر الفن وكيف يكون الفنان حرا، فالحرية هنا هي بالدرجة الأولى ان يختار بعيدا عن أي إغراء براني، وربما الحرية هي ان يوجد الفنان في عالمه، في بيته الروحي حيث يحترم ما عمره ويمتلك أكثر فأكثر القدرة على ان يصنع ويلعب فيه، وماضي بحق لاعب أشكال بقدر ما هو صانع أشكال، انه أيضا في نقطة التوتر بين الإرادة والحرية فماضي لا يصنع أبجديته لكنه أيضا يصنع عالمه الذي يملك في أحيان ما وجودا فيزيائيا. انه لا يعود دائما إلى وحداته البسيطة فحسب ولكنه يعود ايضا الى موضوعاته. له القدرة على ان يقضي العمر كله بين حيواناته الأثيرة ونباتاته الأثيرة ونسائه الأثيرات وداخلياته الأثيرة أيضا، انه يعود دائما إليها بقدر من الشغف بل بقدر من النسك، وبقدر من الإعادة الخصبة والمتباينة كل مرة، لنتأمل أحصنته أو ثيرانه لنجد أنفسنا امام منجم حياة مع هذا الحيوان وهذه النبتة وتلك المرآة. منجم علاقات تتفتح ببداهة وألفة وتفاوت وتباين، هذه العودة المتكررة للموضوع ذاته تصدر بالطبع عن وحدة حياة ووحدة تربة لكنها أيضا تصنع حياة وتصنع تجربة فحين نجد أنفسنا في محترف ماضي وبين جدرانه العارية إلا من اللوحات وأرضياته العارية إلا من المنحوتات، وحين ندخل معه إلى الصومعة الصغير ة التي يعيش فيها وهي أيضا ملأى منحوتات ورسوما، حين نرى ذلك نفهم بلا ريب ان حياته كلها هنا، وان ما يصنعه في هذا المكان هو أيضا علاقات وأحداث على نحو ما، وان الشغف الذي يدعوه مرات ومرات لأن يعود لنفس الثور هو نوع من تأمل مثابر في حياته، فهذه الحيوانات والنباتات والنساء تضعه مجددا داخل الكون بل تعطي عمله كله بعدا كونيا.

الانزياح التدريجي والتوسع البطيء وربما المحسوب هما دأب ماضي، ان عالمه الذي يملك نزوعا إلى الوحدة والتكرار هو أيضا العالم الذي يمتلئ أكثر فأكثر، ويفاجئ عند كل منعطف بانتصار على قواعده، أو باختبار جديد لها أو بقدرة على تحويلها إلى ما لا يبدو أبدا انها تتأهب له. انه يدهش فنه ويوسع باستمرار مساحته التعبيرية، ويقوده كل مرة إلى إيغال جديد وصورة جديدة، انه يرينا كم ان رحلة في العمق وتركيزا متزايدا هما بلا استنفاد ويمكنهما ان يتجليا في انتشار أفقي ومساحات أخرى للإبداع. لا أعني بهذا الكلام فحسب أعمال ماضي غير التسطيحية ولا محفوراته التزيينية، بل أعني كل مساره الفني، من الوحدات البسيطة تتسلسل مغامرة التركيب والبناء وتمر هذه بتلاوين عديدة يصحح بعضها بعضا. فمن القوة نصل إلى الحركة والى اللحظة الآنية. ومن الشكل الصارم نصل إلى فرح لوني، ومن المعمار المكين والراسخ نصل إلى خفة والى مرح والى لعبة راقصة، من الاقتصاد والصرامة نصل إلى السرد والحكاية، من التجريد إلى نوع من الحياة المنزلية وواقعية كل يوم، ومن الجدية إلى قدر من الهزل والفكاهة، انها قدرة لاعب أشكال وصانع أشكال خبير، لكنها أيضا سيرة حياة كاملة، إذ انها قدرة تتجدد وتتنامى مع الزمن ومع العمر ومع التجربة، هكذا يستولد حسين ماضي من أشكاله الراسخة تلك لونا اضوأ وخفة وسردا ومرحا أكثر.

يقول ماضي ان التكعيبية في أصلها نحت وان صعوبة النحت اقتضت من مؤسسيها ان يجعلوا منها تصويرا، يمكنك ان تفكر بهذا الكلام مليا وأنت تشاهد أعمال ماضي، ستجد في معماره وتركيبته وبنائه من الأساس ووضوحه ووحدة عمله كل ما يجعلك تفكر بالنحت، لذا لا نفرق كثيرا بين تصوير ماضي ونحته، وبوسعنا القول ان في تصويره نحتا وفي نحته تصويرا، والحال ان ماضي حين ينتقل من التصوير إلى النحت لا يبدو انه قطع مسافة كبيرة، انه يبقى تقريبا في المجال نفسه، ينحت حسين ماضي نساء وأحصنة وفرسانا وثيرانا وكلابا وقططا وتفاحات وأوراق نبات… أي انه ينحت ما يرسمه تقريبا، أما نحته فليس تفريغا كما هي الحال في الحجر والرخام ولا لحما وتركيبا كما هي الحال في المعدن، انه يقص الصفيح على الرسمة التي يريدها ثم يحيلها بثنيها وتطعيجها على زوايا محددة إلى الشكل الذي يريده، انها قطعة صفيحة واحدة مسطحة بالأصل تحولت إلى شكل من ثلاثة أبعاد. تقنيته بسيطة ومباشرة، يمكنك ان تجد الصفيح في الأرض كما كان النحات البابلي يجد مادته أيضا في الأرض ترابا كان أو حجرا، وكالنحات البابلي يسعى حسين ماضي ليسجل بالصفيح عالمه الخاص، الحيوانات التي صحبته في صباه وطفولته، والنباتات التي ألفها والنساء اللواتي يشعلن مخيلتهن ينحت حسين ماضي ثورا هائجا أو هادئا، حصانا عاديا وكلبا مقعيا وهرا يلعب بذيله وامرأة مفتوحة الساقين كأنها تستعد للجماع، ورجلا وامرأة متعانقين متداخلين في تلك اللحظة التي لا يمكن فيها ان نفرق احدهما عن الآخر، ما ينحت فارسا في لعبة بهلوانية على ظهر فرسه. حين نرى هذه المنحوتات نشعر بأنها معاً متواصلة وانها في اجتماعها تروي ما كانت لوحة آشورية نافرة تسعى لقوله. أي انها تروي عالما موصول الحلقات من الأرض إلى البيت ومن الحقل إلى المسكن، من الحصاد والحب إلى الحيوانات الأليفة إلى اللعب والفروسية.. كأن نحت ماضي استحضارا بعيدا لمهمة النحات القديم. ففيه ذلك الاحتفال والمباركة لحياة لم تزعزع الأسفار والمدن والحياة الراهنة من وحدتها في مخيلته. هي لا تزال تتواصل بقوة الفن ويحضر أفرادها وأشياؤها وعليهم مسحة ذلك الاستدعاء الحنون. انها تتوطن ما ان تخرج وتتخذ فوراً مكانها. ذلك لأنها تخرج من عالم وتمثل لعالم. الفارس الذي يلعب على ظهر الحصان والمرأة والرجل اللذين يتداخلان والثور المتربص والكلب المقعي لا يزالون مائلين لحياة كاملة انحذفت من أمامهم، لكنهم جميعا لم يخرجوا من المطلق، انهم موجودون في حميا لحظة مفعمة، ليس لحيوانات ماضي وأشخاصه ذلك السكون الوجاهي الذي نراه في النحت المصري. لها هذه الحركة التي نراها في التصاوير الأشورية النافرة، يكفي ان ننظر إلى المرأة لنرى انها قبل كل شيء حركتها ووضعيتها، انها تتهيأ للحب وبوابتها (فرجها) مفتوحة منتصبة أمامها، كما ان الرجل والمرأة هما تداخل وتشابك الجماع، كذلك هي ثيران ماضي وكلابه وقططه، كل منها في حركة وكل منها في وضعه لدرجة اننا نفكر ان هذا الجسد الصفيحي لأي من الأشخاص والحيوانات هو قبل كل شيء حركته، ربما تنجح خفة المادة وتسطيحها في الإيحاء بأن الجسد ينحل إلى حركة، ان كتلته تخف وتختزل في حركتها، بل ان الزوايا التي ينثني بها الصفيح والخطوط التي يتطعج على حدها هي هيكل هذه الحركة ومعالمها، انه نحت الحركة، حركة الوثوب والجماع واللعب والاقعاء المطمئن. نحت اللحظة أيضا. لحظة مثول لفعل ولإحساس. فهذه الأجساد المشكلة من خطوط مستقيمة وزوايا وبدرجة أقل من خطوط لولبية ومنحنية وأنصاف دوائر تصنع بأقل عدد ممكن من هذه، لدرجة تجعل كلا منها حامل معنى إذا حملت المستقيمات المشاقة والقوة فان اللولبيات الطالعة من رأس المرأة والرجل كالأفاعي هي أيضا الرغبة والغواية، فيما أنصاف الدوائر في الساق والفرج هي الشهوة العارية، أي انها أيضا مفاصل الرغبة والحساسية. إذا نظرنا إلى منحوتات ماضي التي تضم رجلاً وامرأة فسنرى الرغبة في الخطوط اللولبية التي تشكل الشعر. سنرى الحب والجماع في التداخل الغريب والمنغم للجسدين. لن نرى أكثر من ذلك. سيختفي الرجل والمرأة أو يتوزعان في حركة وصالهما. لن نجد في هذه المنحوتة بالطبع أي بذاءة ولن نفكر في جرأتها، ففعل الحب هنا بديهي، إذ انه هنا ليس أكثر من استعداد للجسد ولعبة مرحة وطبيعية من لعبه. لنقل ان البديع هنا هو تشابك الجسدين وتعالقهما لكن دون اختلاط وبلا انغماس لأي من تفاصيلهما التي تظهر متلاحمة بنظام وإيقاع، بحيث نرى الجماع كلعبة تشابك وكموسيقى تشكيلية إذا جاز القول. لكننا مع ذلك لا نزال نفكر باللاعب على ظهر الحصان وبالفرج المنتصب كالنواة على باب الجسد. ونتساءل إذا لم يكن ما يقربنا من هذه نوعاً من الفانتازم المشترك أو الخيال المشترك. نتساءل إذا لم يكن هذا الخيال غائرا في تصوراتنا ولغتنا، إذا لم يكن نوعا من خيال جمعي أو شعبي. حسين ماضي يقول لنا الحب والفروسية بكثير من المرح والتمثيل والحركة وكأنه يروي قصة محفوظة من زمن، فهذا الفارس يبدو كأنه يخرج من حكاية، وهذان المتجامعان يصعدان إلى نشوتهما كلما تملينا أكثر من تفاصيل تشابكهما. ان بداهة هذا الخيال تجعلنا نتأثر فوراً بإشاراته وبمفردته، بل اننا نندفع مع ماضي فوراً في نوستالجيا حكيمة وغير لجوج إلى الحياة المتوارية التي تبدو الشخصيات والحيوانات ماثلة بنوع من الطمأنينة إليها، أو صادرة بلا بتر ولا جرح انفصال عنها.

منحوتات بثلاثة أبعاد، خفة الصفيح لا تجعلها بالطبع رسوماً من المعدن، وإذا صنعت من طي الصفيح فان هذا بالطبع لا يجعلها مسطحة. لكن تقنية الطي والتثنية هي هذا المزيج من التسطيح والتجسيم اللذين يتكاملان بلا حرج في أعمال ماضي النحتية. ثم ان تقنية الطي هي أيضا نوع من التفريغ أو تكوين الفراغات بحيث تبدو منحوتات ماضي نوعاً من تفريغ الحجم والشكل، أي الاختزال والتبسيط إلى أعلى درجة بحيث تقع في إيماء بحت أو إيحاء بحت، وبحيث نحار بين المنظور ووهم المنظور، بين الحجم ووهم الحجم، بين الشكل ووهم الشكل، بل قد نفكر أحياناً بنوع من الفن التبقيعي، بنوع من رسوم بخط واحد، بنوع من هوائيات مجسمة، وسنفكر بالطبع بهذا الفن الذي تفضل منه صفوته: الإيحاء والحساسية، تقنية ماضي ستبقي عمله في توتر بين التسطيح والتعليب. بين اللعب (بالمعنى البسيط للكلمة، ألا يذكرك هذا النحت بالألعاب التي تصنع من طي الورق وتثنيته) والفن.

ماضي يخصب هذه التقنية البسيطة والبديهية، تملأنا هذه المنحوتات بالرضى الذي يغمرنا حينما نقوم بأنفسنا بتركيب لعبة، لكن السهل الذي يبدو هنا ممتنعا وسيقول لنا ماضي انه سيمنحنا المنحوتة إذا عرفنا سر تركيبها، وحين يقول ذلك يتصرف كلاعب خفة فخور بمهاراته، بقدرته على تحويل اللعب إلى فن.

ستبقى في منحوتاته هذه خفة الألعاب ومرحها وثراء الفن وخفاؤه ، لا يحتاج ماضي إلى افتعال ليصنع ذلك، كأنما يكفيه إيمانه بما يصنع ليتحول المسطح إلى مجسم رشيق وحساس وبدون حجم تقريباً. بلمسة يغدو المسطح حيواناً أو شخصاً أو نبتة. ولا شك في ان صنع ذلك يتم بكثير من المرح. تتولد هذه الكائنات من الرضى والفرح، لذا يبدو كل ما فيها بريئاً إلى حد بما في ذلك المنحوتات التي تصور وصالاً بين رجل وامرأة. إذ انها جميعها تحمل إلينا ذكرى لعبنا الماضي وكل فننا الطفولي، هذه المخلوقات السوداء المتثنية تحفزنا لأن نلهو بها في الوقت الذي تلامس فيه خيالنا المكبوت ورغباتنا السرية، هذا المزيج من فانتسماناتنا وخيالاتنا ولهونا يجتذبنا، إذ لا ننسى اننا تقريباً بالمثلث نفسه نصنع كلباً وثوراً وبرعماً وامرأة. هذا المثلث السحري سيفتننا بقدرته على التحول. ستفتننا أيضا تلك الأشكال التي تغدو بسهولة إشارات جسدية. اذا كانت المستقيمات تترجم القوة والمتانة فان أنصاف الدوائر والأشكال اللولبية ستترجم فورا الغواية والشهوة، سيغدو هذا القاموس فوريا ومؤثراً بلا واسطة، ذلك ان هذه الجيومتري تمت فوراً إلى الجسد الإنساني والحيواني، ولأنها قابلة للتحول بسرعة ولتروي كل شيء، إذ لا يخفى ان هذه المخلوقات ذات السطح الأسود قادرة على ان تتحول، على ان تلقي بظلها الكبير على الجدار في مسرحية أشبه بخيال الظل، على ان تُنصب في الساحات أو تأوي بتواضع إلى رفوف المكتبات، إلى ان تظهر في كل الأحجام وفي شتى المواضع، ماثلة كل مرة إلى حياة أوسع لا تزال موصولة في خيالنا الطفولي وربما في طفولة البشرية نفسها. 
 
عباس بيضون شاعر وكاتب من لبنان

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …