حنا مينة مساكين هؤلاء الذين يأخذون من الواقع وينكرونه أضع مخططا مسبقا للرواية

في البحر كان أدبه.. وبالبحر ارتبط اسمه

فكان كالبحر كبيرا.. غنيا.. معطاء متجددا

حمل البحر معه حيثما حل وارتحل

وحمله البحر أديبا ناطقا باسمه فكان روائي البحر الأول

وما كان ليكون كذلك.. لولا كفاحه وعزمه واصراره

عاش الحياة في أقسى ظروفها.. فعاركها متمردا ثائرا..

حياته رواية.. والرواية بالنسبة إليه حياة.. يعيد تشكيلها.. ترميمها..

أتعبته الحياة ولم يتعب.. وما زال متمسكا بالقلم يكتب

لا يساير (الموضة).. ولا (يجرب).. يكتب ما يعيشه.. يعيش ما يكتب

الحياة تمثل له البحر والمرأة والمغامرة والاكتشاف..

له ثلاثون رواية.. كتب عنه الكثيرون.. وشاخ وشاب.. داهمه المرض.. ولم يستسلم ولم يزل في جعبته الكثير ليحكيه عن البحر والحياة.

في رواياته.. كان الأدب يوصي ابنه بحب البحر, وكان الابن يبحث عن أبيه.. وفي بيته وجدنا الأب يعلق صورة لابنه الوحيد (سعد) وهو جالس إلى البحر وبين الأب والابن.. رسالة.. وصية لا يحفظها إلا البحر التقته مجلة (نزوى) في دمشق وكان هذا الحوار:

<< ظهرت أديبا واقعيا ومازلت كذلك, ولم تسع إلى التجريب وركوب موجة الحداثة.

= المعروف عني أنني كاتب واقعي, وقد ذهبت إلى أبعد من ذلك, فقلت عن نفسي أنني كاتب الواقعية الاشتراكية.

والسبب في ذلك هو أن الواقعية الاشتراكية قد اكتشفت البعد الثالث, ففي جميع الواقعيات التي سبقتها كان هنالك بعدان: الماضي والحاضر, فجاءت الواقعية الاشتراكية واكتشفت البعد الثالث: المستقبلي.

ويحسب بعضهم أن الواقعية مدرسة في التعبير الأدبي تأخذ الواقع كما هو, وهذا خطأ, فالواقع في الحياة يصير واقعا فنيا في العمل الأدبي, وهنا نصل إلى مقولة (الانعكاس) فأشياء الوجود تنعكس في الذات الإبداعية, وهناك تختمر, وتعود لتعكس الواقع بصورة أخرى: فنية هذه المرة,  وقد ذهبت مبددا كل المزاعم التي قالت إنها تجانف الواقع أولا تتعامل معه, فليس في الحياة من شيء يخرج من لا شيء كما قالت الفلسفة في قديمها والجديد, وتاليا ليس من عمل أدبي, ولو كان ذهنيا الا ويستند إلى واقع, لأنه يستند إلى حدث, والحدث بطبيعة الحال مستمد من الواقع, واستغرب كيف يتهمون الواقعية بأنها جافة مسطحة لا تعطي أدبا خلاقا, وفي ردي على أمثال هؤلاء المضللين أو المتوهمين على الأقل, إنهم بعطائهم الأدبي لا يستندون إلى الواقع إنما ينكرون ذاتهم, لأن ذاتهم نفسها هي واقعية.

<< لكن السؤال يبقى: هل الواقعية في الحياة هي نفسها في العمل الأدبي أو الفني? وكيف توظف الأسطورة وتستدعي الرمز في أعمالك الروائية وهي كلها واقعية?

= لا.. الواقعية في الابداع هي غير الواقعية في الحياة.. الواقعية كمدرسة في التعبير الابداعي تستوعب جميع المدارس الأدبية من الرمزية إلى التعبيرية إلى الأسطورية إلى رواية اللارواية وبدعتها التي ظهرت في أوروبا, وتسابق عليها بعض المبدعين العرب, وكذلك رواية الحداثة وما بعد الحداثة, إذ كل هذا مصدره الواقع, ماديا كان أم معنويا, ومن الطبيعي, والحال كذلك, أن تكون الأسطورة من بعض الواقعية التي أؤمن بها, ولا أنكرها كما يفعل بعض الآخرين.

إنني واقعي على سن الرمح, وفي واقعيتي تجد الرمز والأسطورة وكل المدارس الأخرى, أما صورة عروس البحر في روايتي (الشراع والعاصفة) فليست الأسطورة الوحيدة, لأن هناك في روايتي (الشمس في يوم غائم) أسطورة الفتى الراقص, للصورة كي تخرج من الصورة, وهكذا تجد الأسطورة من نسغ أعمالي.

أنا الكاتب الواقعي الرومانتيكي كما كتبت عني الدكتورة الناقدة نجاح العطار.

مساكين هؤلاء الذين يأخذون من الواقع وينكرونه بينما أنا آخذ من هذا الواقع فيختمر في ذاتي الابداعية ويرتد واقعا فانيا بامتياز.

إن قضيتي هي قضية شعبي, وقد كرست كل إمكاناتي الإبداعية للكلام عن هذا الشعب, وعلى قيعان المدن والأرياف والدفاع عن مصالح وهموم وتطلعات الناس الذين يقرؤنني ويحبونني حتى غدوت الكاتب الأوسع انتشارا بين الكتاب العرب, وإذا كان المرحوم نزار قباني قد اكتشف اللغة السلسة في الشعر كما قال, وأنه نزل بالشعر إلى الناس دون أن يفقد شعره طاقته الفنية الرفيعة, فإنني في نسغي قد نزلت إلى هذا الشعب وابتدعت لغة تعبر عن همومه ومشاكله وقضاياه الساخنة ونضالاته في سبيل غد أفضل.. الغد الذي هو العدالة الاجتماعية حلم البشرية أولا وأبدا .

<< يلاحظ الدارس لرواياتك أن لك اهتماما كبيرا  بالرجولة وأن الشخصية التي تحمل هذه الصفة غالبا ما يكون رجلا كبيرا.. ما تعليلك لذلك?!

= كتب جورج طرابيشي كتابين عني: الأول عنوانه: عبادة الرجولة عند حنا مينة, والثاني: الرجولة وأيديولوجية الرجولة.. وتجد في كتاباتي كلها هذا الاهتمام بالرجولة من حيث هي شجاعة قلب, وأريحية كف, واندفاع في المغامرة إلى أقصى مداها, وأجد هذه الصفات غالبا في الرجال الذين تمرسوا بها, وكادوا يضحون بأرواحهم في سبيلها.

نعم أنا اهتم بالرجال الكبار, لكنني لا أغفل عن الكلام عن الشباب, وسأعترف بأنني لا أعرف أو لا أحسن الكتابة عن الرومانسية, كأنني ولدت في المغامرة, وكرست حياتي للكتابة عن الرجال الشجعان المغامرين الذين يكتشفون الجديد في مغامراتهم, وكما قلت سابقا انني كاتب المناطق المجهولة من البحر إلى الجبل إلى الثلج إلى الانسان والموت, إلى كل هذه المناطق التي لا يقاربها الكتاب الآخرون مع أن في بلادنا بحورا وجبالا وثلوجا وغابات وكل هذه الأماكن التي تفردت بالكتابة عنها وتركت ما تبقى للآخرين, لأنني أنفر من الاجترار ومن العودة إلى الكتابة عن امرأة بين رجلين, أو رجل بين امرأتين أو رجل طلق زوجته, أو زوجة طلقت رجلها, وكل هذه الأمور التي استهلكتها الروايات والأفلام السينمائية, والآن تستهلكها اجترارا بعض المسلسلات التلفزيونية بكلمة نذرت نفسي للقضايا الكبيرة.

<< يجد الدارس لرواياتك تلازما بين المرأة والبحر فما تعليقكم على ذلك?

= المرأة ليست جزءا من قضية الوجود, بل هي قضية الوجود, ومادامت قضية الوجود, فمن الطبيعي أن تكون علاقة بين موجودات هذا الوجود وتاليا بين المرأة والبحر.

وهذا التلازم لست أنا من يستطيع أن يتكلم عنه, وإنما الذين يتكلمون عن هذه الصلة بين تلازم المرأة والبحر في أعمالي الأدبية هم النقاد والدارسون وأنت واحد منهم.

<< لقد عرف أبطال رواياتك البحر كما عرفوا المرأة, فكان ذلك التلازم في التشابه والاختلاف, فاتخذت منهما رمزا للحياة بكل تقلباتها وتناقضاتها… ترى من يذكر بمن.. من يستدعي الآخر?

= المرأة كانت في حياتي منذ جئت إلى الوجود, وبدأت أعي هذا الوجود, فقد عرفتها أما وأختا وجارة وقريبة ونسيبة قبل أن أعرفها المعرفة التالية التي جاءت مع المراهقة وما بعد ذلك.

البحر رمز للحياة في أفقها اللامتناهي, وهو بالنسبة للبسيطة الكل, وما اليابسة إلا جزء منه.

وفي رغبتي إلى الاكتشاف من خلال المغامرة: كان اكتشافي للبحر وولعي حتى الجنون, بهذا البحر الأزرق المترامي ذي الأفق البعيد, الذي أتطلع دائما إلى ما وراءه, ولأني مغامر بطبعي, فقد كان البحر بالنسبة لي المغامرة الكبرى, فقد نشأت في عائلة بحارة وعشت على أطراف البحر منذ طفولتي, وعملت في البحر كثيرا, سواء في المرفأ أو في اللجة, وهكذا نشأ الصدام حميما آسرا بيني وبين البحر.

وجدت نفسي بعد أن استقامت لي الكتابة الأدبية مدفوعا للكتابة عن البحر, ولي فيه حتى الآن ثماني روايات, وليس من رواية لي وقد بلغ عدد المطبوع منها الثلاثين رواية, إلا وللحبر ظل أو حضور, او ذكرى على الأقل في هذه الروايات كلها.

<< حبك للبحر وولعك فيه جعلك منجذبا للون الأزرق, ومأسورا اليه فالمصابيح زرق والستارة مخملية زرقاء, الشروال أزرق والشيطان أزرق حتى الخضرة وصفتها في احدى رواياتك بالخضرة الزرقاء القاتمة.. فما دلالة اللون الأزرق لديك?!

= أحب اللون الأزرق في الطبيعة, لأنه يملأ هذه الطبيعة بحرا وسماء وزهرا ولونا, يعبر عن المشاعر الذاتية التي تجذبها الزرقة دائما, ويمكن للدارس أن يكتشف هذه الناحية التي لم أفكر فيها سابقا, فالكاتب لا يفكر دائما بما يكتبه, وإنما الدارس هو الذي يسعى إلى اكتشاف هذا المستبطن في الذات الابداعية ويتابع خيطه في دراسته من البداية إلى النهاية.

<< ذهب أحد النقاد إلى أنك استوليت على قصص الآخرين من خلال ثلاثيتك (حكاية بحار). وهو استيلاء لا يأتي في اطار النقل الحرفي وإنما عبر طرائق بناء العمل الروائي فما ردك على ذلك?

= هذا هراء سخيف أترفع عن الرد عليه, لأن (حكاية بحار التي يقول إنني أخذتها عن كاتب روسي مغمور هو (كونيستكي) قد ترجمت إلى اللغة الروسية وأخذت مكافأتها (0002) دولار خلال زيارتي للاتحاد السوفييتي سابقا, فلو كانت (حكاية بحار) مأخوذة عن رواية الكاتب الروسي المغمور لما ترجمت إلى اللغة الروسية فالنقاد والكتاب في الاتحاد السوفييتي سابقا أو روسيا حاضرا يعرفون أدبهم جيدا وليس من المعقول أن يترجموا رواية لحنا مينة مأخوذة عن كاتب مغمور لهم كما ادعى الذي يهرف بما لا يعرف والذي يريد التسلق على أكتافي أن روايات الكاتب الروسي فيها سفينة تتحطم, وفيها عواصف وأمواج صاخبة إلى آخره, ومن نافل القول إنه ليس من كلام البحر إطلاقا إلا ويقارب هذه الصفات, ففي أي رواية عن البحر توجد هذه المفردات التي يدعي أنني أخذتها, وقد صدرت روايتي (الشراع والعاصفة) قبل (حكاية بحار) بزمن طويل, وفيها أيضا كل هذه الأوصاف البحرية, فهل أخذت (الشراع والعاصفة) عن كاتب آخر كما يدعي??

إن لدي ثماني روايات مكرسة للبحر وعن البحر وعالم البحر وعالم السفن وعالم الغواصة والانواء, ومن كتب هذا الكم عن البحر ليس بحاجة ليأخذ عن كاتب مغمور كل الشبه بيني وبينه, كما يدعي أن البطل عند ذلك الكاتب يبحث عن ابنه بينما في روايتي يبحث البطل عن أبيه, والأب هو الرمز الكبير للحياة, لذلك اعف عن مناقشة هذه التفاهة وأسخر ضاحكا من نسولتها ولتبحث في أي مكتبة ولو كانت مكتبة منزلية فيها كمية من كتب التراث ستجد بينها كتبا تتحدث عن سرقات المتنبي, إذا هذا الاتهام التافه الذي طاول حتى المتنبي, وطاول حتى نجيب محفوظ, وليس من المستغرب أن يطالني أيضا, لكنني لا أبالي وما باليت عمري كله بما قرأت من هذا النوع.

أما بالنسبة للكاتبة فريال كامل سماحة وكتابها (رسم الشخصية في روايات حنا مينة) فإنها تزعم أن الروايات الأولى هي المهمة والجديرة بأن تعد من الأعمال الأدبية الناجحة بخلاف رواياتي الأخيرة وجاء الجواب بسرعة فكتبت رواية (الفم الكرزي) كرد على هذا التجني الذي أوصى به اليها المشرف على رسالتها الدكتور شكري ماضي.

<< بعد هذا العدد الكبير من الروايات والتي تحدثت عن البحر.. هل بقي شيء عند حنا مينة ليقوله عن البحر?

= بقي.. وإذا كان ثمة مجال في العمر سأكتب رواية بعنوان (البحر والخمارة) وهي جاهزة في خطوطها الرئيسية عندي بخلاف الروائيين الآخرين الذين لا أعرف كيف يكتبون رواياتهم, فإنني أضع مخططا مسبقا للرواية, مخططا يأخذ مني وقتا وجهدا كبيرين, وأهتم بشكل خاص بالبداية والنهاية, وأحيانا أمزق ما كتبت, لأنني أشعر في القراءة الثانية أن الخط الرئيسي للرواية قد خرج عن سياقه, وسيطر خط جانبي على الخط الرئيسي, وقد حدث معي هذا في رواية (نهاية رجل شجاع) فمزقت مائتي صفحة وأعدت الكتابة على الخط الرئيسي من النقطة التي انحرف فيها, وأنا الآن أكتب رواية عنوانها (حين مات النهد) التي أنجزتها قبل سنتين وعندما أعدت النظر فيها وجدت أن القسم الأول غير صالح فتخليت عنه.

وهنا وقف حنا مينة ليحمل لي ملف روايته الجديدة ويريني عشرات من الصفحات ومئات من السطور التي شطبها وألغاها ثم تابع قائلا: القارئ حين يقرأ الرواية.. يحسب أنها كتبت بسهولة ودون عناء لكن الحقيقة غير ذلك, وقد ذكرت واقعة عن تمزيق نصف رواية (نهاية رجل شجاع) ورأيتك عيانا كيف أمزق الآن النصف الأول لروايتي (حين مات النهد) لأنني اكتشفت فيها بعد القراءة الثانية أنها غير صالحة, ويجب التخلي عن كل ما كتبت والعودة للكتابة من جديد.

قلت مرة لصحيفة تونسية: اللعنة على الكتابة من الآن إلى يوم القيامة وجعلت هذا الكلام (المانشيت) الرئيسي للعدد الذي صدر فيه الحوار لذلك أكرر وأنا تعب- قولي: اللعنة على الكتابة إلى يوم القيامة!!
 
حاوره : بلال كمال عبدالفتاح

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …