أخبار عاجلة

حوار فـي منتصف النهـــار

الوقتُ أوانُ الظهيرة , والغيم المتجهّم يشرد هنا وهناك في سماء المدينة موحياً بزمن ما ضائع يتلاشى .. ثمة شيء رهيب  قادم لا محالة , تلمحه في تلك العيون القلقة للناس الزاحفة هنا وهناك ,لقد انتظرته طويلاً لكنها تخاف قدومه… المطر الخفيف قد بدأ ينهمر غير آبه بما يجري  يوقظ فيّ خوفاً  غامضاً لا أدري من أين جاء . أصحو من شرودي فأجد نفسي في ساحة المدينة . أرفع بصري إلى ساعتها المنتصبةِ كعظم وحش أسطوري فأجد العقربين قد تعانقا مذعورين يعلنان  انتصاف نهار لايشبه منذ زمن طويل آلاف النهارات التي اجترتها هذه المدينة ..
أخطو فوق رصيف عريض.. أقتحم الوجوه ببصري محاولاً كنه ما تخفيه لكنه تزورّ عني منكفئة إلى عوالمها وأسرارها وتنظر  إلىّ ساهمة مرتابة.
هيه أنت يا أستاذ إلى أين ؟
فاجأني صوتُه المعجونُ بالألم والإعياء..كان يجلس في مقهى الرصيف إلى طاولة تحميها مظلّة طُبعت عليها دعاية لشراب منعش يطيل الحياة…
اجلس معي قليلاً..
وحين ترددت ..قال ..
 أرجوك
لم يترك لي الصوتُ المتوسّل أية فرصة ..جلست.. أتأملُّ بحزن الوجه الذي ينزّ صفرة منذِرة وإلى العينين اللتين خبا منهما البريق ..وسكنهما سلام يائس
– أنا أجلس هنا  كلَّ يوم ساعة أو ساعتين ..أراكَ وأنت تمرُّ أمام المقهى بين الحين والآخر شارد لا تراني
– أنا  آسف
صمت قليلا يتأمّل السماء والمطر والناس والأشجار ..أغمض عينيه وقال بخشوع
الحياة جميلة ..
معك حق 
 يبدو أننا لاندرك ذلك إلا بعد فوات الأوان
– الإنسان كثير الشكوى والتشاؤم ..بل هو جاحد
  – لكلّ شيء غاية 
– بل هي الفوضى والعبث
ابتسم .ارتشف بمتعة ما تبقى في فنجانه ..سألني
– ألا تكتبُ شيئاً هذه الأيام ؟
– لا
-ماذا تنتظر ؟
– لا أدري ..يصيبني الرعبُ أحياناً حين أمسك بالقلم ..مايجري يلوي كلّ الأقلام ..أخشى أن ياتي يومٌ أنضب فيه  كبئر مهجور 
– اضرب في أعماقك أكثر فثمّة عوالمُ لم تكتشفْها بعد 
صمتنا قليلاً ثم قال بخجل طفل
لقد أنجزتُ كتاباً
أنت !
ألا تصدّقني ؟
بلى ..ولكنك ..
نعم أنا مريض.. وقد أصبحتُ أغسلُ كليتيّ مرّتين في الأسبوع ..ولكني أنجزتُه أخيرا ..صدقني
ما هو موضوعه ؟
العقلُ نبضُ الكائنا
لم أفهم  
 يا صديقي ..لقد اكتشفتُ على مدى الخمسين عاماً التي عشتُها أنّ كلّ شيء في هذا الكون المترامي له عقلٌ يفكّر فيه ويتصرّف وفق جوهره 
أتقصد الكائنات الحيّة؟
وهل هنا ك كائناتٌ حيةٌ وغير حية ؟!….أنت واهم .. كل ما في هذا الكون له عقل, انظر إلى هذا الكأسِ الماثل أمامك  ..أتحسبه بلا عقل ؟ ألا يتكوّن من ملايين الذرات وكلُّ ذرة فيه تتحرك وفق نظام دقيق متقن نحو غايةٍ ما ولا تخرج أيةُ ذرّةٍ عن هذا النظام..هذا اسمه العقل …اسمع.. ألم نُصنَع نحن في لحظة ما من حيوان منوي ؟..ما الذي يجعل هذا الكائنَ الدقيقَ يتحرك إلى داخل الرحم لا إلى خارجه ؟..ألا تعتقد أنَّ لهذا الكائنِ عقلاً يوجّهه تلك الوجهة الصحيحةِ لتكوين الحياة؟..ثم ما الذي يدفع البويضةَ في رحم المراة إلى الاكتفاء بحيوان منوي واحد وطرد ما تبقّى؟.. ألا تظن أن هذا التصرفَ ينمُّ عن عقل واع بما يفعل ..ما الذي يدفع النحلة إلى الالتزام بنظام الخلية الدقيق ؟.. والجرحَ إلى الالتئام والخليةَ إلى الانقسام والزهرةَ إلى نشر عبيرها ؟وذرةَ الثلج إلى أخذ تلك الأشكال الهندسة الجميلة وذرّة الماء إلى التآلف ؟..إنه العقل يا صديقي..لا شيء في هذا الكون دونه ..
هل أنجزت هذا الكتاب ؟
إنه في المطبعة الآن ..ولكنني لا أستطيعُ طباعةَ سوى مائتي نسخة فقط ..لقد أرهقني المرضُ وثمنُ الدواء 
  خيّم الصمتُ من جديد ,أمسك بفنجانه الفارغ تأمله قليلا بحزن ثم أعاده ..دقّت ساعة ُالمدينة معلنةً الواحدة , لملم أغراضه ..الُّسُبحةَ ..علبةَ السجائر.. المفكرةَ والقلَم ..نهض
-أنا آسف.. لدي موعدٌ في مركز غسل الكُلى عند الواحدةِ والنصف ..
قفزت إلى عيني نظرة  إشفاق.. ردّ بغضب :
– اسمع ..أنا لم أعد آبه للموت..لقد تعبتُ من الخوف منه .وما الذي يدريك أن الحياة أجمل مما بعد الموت ؟ ..دعني أعشْ هذه التجربة ..كلٌّنا سيخوضُها .. ولا فرقَ إلا فيمن يسبق الآخر …ألا تأتي للجلوس معي ثانية ؟ لقد سررتُ بك 
– سأحاول 
– سأهديك كتابي بعد أسبوع..
بعد أسبوع مررتُ المقهى ..كان المقعدُ فارغاً ..جلستُ تحت المظلة ..كلّ شيء يسير كما كان ولا أحدَ يأبهُ لغياب هذا الصديق ..تعانق العقربان يعلنان الثانيةَعشرةَ ..جاء النادل يسألني طلبتُ فنجان قهوة ..غاب قليلاً  ثمّ عاد وهو يحملُ فنجانَ القهوة وكتابا 
هذا من الأستاذ  الذي كان يجلسُ هنا – رحمه الله-. طلبَ مني إعطاءك إياه ..
فتحتُ الكتاب : ( عشْ حياتك يا صديقي كأنك تُخلق كلّ يوم من جديد ,دعك من الماضي فهو للأموات . اجعل عقلك مصباحَك في ليل هذا العالم ..تأمل الشجرة التي أمامك إن عقلها يأمرها أن  تخلع أوراقها القديمةَ البالية  كلّ عام ..ونحن أما آن لنا أن نخلع بعض أفكارنا ولو مرة كلَّ عدة أعوام ..أتكون الشجرة أكثر وعياً منا ..لا تأبه للموت إذا اقترب منك أو حان فهو تجربة ٌكما الحياة ..ولا نهارَ دون ليل ..كلاهما جميلان.
 

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …