أخبار عاجلة

حوار مع بول ريكور الشعر والإمكان

كثيرا ما شغلني هذا السؤال الخاص بالتأثير المتبادل بين الشعر والفلسفة، ولذا فسؤالي/أسئلتي هي: ما التأثير الذي يمكن أن يحدثه كل منهما في الآخر؟ ما الذي يمكن أن يفيده كل منهما من الآخر؟ والى أي مدى يذهب كل منهما في اتجاه فقيض للآخر؟

– ريكور: الأمر الأول الذي أود التأكيد عليه هنا هو أن الشعر يناط به حيازة أبعاد اللغة والحفاظ على عمقها واتساعها ورحابتها ذلك أن الخطر الأول المحدق بثقافتنا الحالية يكمن في قصر اللغة على التواصل في أدنى مستوياته أو مجرد تعيين الأشياء والأشخاص. وهنا تصبح اللغة أداتية فقط، هذه النظرة الأداتية للغة هي أخطر ما يمكن أن يواجه ثقافتنا، ذلك أن النموذج الوحيد للغة الذي نملكه الآن هو لغة العلم والتكنولوجيا.

واليوم تنشغل الفلسفة في أحد اتجاهاتها بهذا النوع من الاستخدام اللغوي، وأحسب أن احدى المهام التي يجب على الفلسفة أن تشغل نفسها بها هي الحفاظ على الاستخدامات المتباينة للغة، والمسافة القائمة بين هذه الأستخدامات التي تتراوح في تنوعها بين لغة العلم مرورا باللغة السياسية واللغة العلمية، واللغة العادية انتهاء بلغة الشعر، هذا على اعتبار أن اللغة العادية ordinary language تتوسط لغة الشعر من جهة واللغة العلمية من جهة أخرى.

* إن اللغة العادية هنا تتسم بقدر من الابداع على النقيض من اللغة العلمية التي تعد أحادية الصوت، ولعل الشعر أيضا أكثر ثراء فيما يتعلق بخاصية الابداع اللغوي تلك.

– ريكور: نعم، نعم. إن كل أشكال اللغة تعتمد بشكل أساسي على هذا الخاصية المميزة للغات الطبيعية، واتحدث هنا عن اللغات الطبيعية في مقابل اللغات الاصطناعية التي يتم بناؤها للاستخدام الخاص في مجالات الحاسوب والسيبرنطيقا، أي تلك اللغات التي قد توطنت في الثقافة ويتم استخدامها والتحدث بها وسط التجمعات البشرية. ملمح أساسي من ملامح تلك اللغة هو تعدد الدلالة polysemy أي أن الكلمة الواحدة يقابلها أكثر من معنى، أي أنه العلاقة بين الكلمة والمعنى ليست علاقة أحادية، وهو ما يعد مصدرا لسوء الفهم، ولكنه في الوقت ذاته يشكل مصدرا لاثراء اللغة، ذلك أنه يتسنى للمرء في هذه الحالة أن يتلاعب بمدى كامل من المعاني المرتبط بكلمة واحدة.

ويمكن القول أن اللغة العلمية تسعي الى اختزال هذا التعددية في الدلالة بقدر الامكان، أي تحويل هذه التعددية الصوتية الى أحادية صوتية، بمعنى أن يقابل الكلمة الواحدة دلالة واحدة. وعلى النقيض من ذلك فإن مهمة الشعر هي شحذ الكلمات لانتاج أكبر قدر من الدلالات، ومن ثم فالشعر لا يسعى الى تجاهل هذه التعددية الصوتية أو استبعادها، إنما يسعى بالأحرى الى الاحتفاء بها وإبراز دلالتها وشحذ طاقتها وذلك بغية أن يستعيد للغة كل قدرتها وطاقتها على الادلال.

* هل يسبغ ذلك على الشعر صفة التعود والمقاومة ؟

– ريكور: بالتأكيد، وذلك على اعتبار أن قصر اللغة على هذا الاستعمال النفعي والوظيفي يستدعي مقاومة شديدة، وهي التي يضطلع بها الشعر بهذا المعنى.. وأحسب أن نيتشة هو الذي أشار الى خطورة هذا الاختزال الذي يسود الاستخدام اللغوي، بل ويسود الكلام العادي حيث تختزل اللغة في كلمات معدودة، وتجرد من شذاها الشعري الذي تفوح به الكلمات.

وواقع الأمر أن اختزال اللغة في أداء وظيفة واحدة، وأداء معنى واحد يبدأ من مستوى اللغة العادية، ولكنه يتزايد ليصل الى أعلى درجة له عند مستوى اللغة العلمية، وهذا يقودنا بالضرورة الى الاجابة عن تساؤلك ذلك أن الشعر متعود على هذا الاستخدام النفعي للغة، والذي يسيء التعامل مع إمكاناتها وطاقاتها.

* هل تعتقد أن الناس يخشون الشعر أو يقاومونه لما يختص به من تمرد؟

– ريكور: نعم إنهم يقاومون لأسباب مختلفة: بعضها جيد وبعضها الآخر سيىء، أما السيىء منها فيتركز في أنهم لا يعرف ماهية الاستخدام الشعري للغة، والذي يبدو لهم مجرد استخدام للغة في حد ذاته.. ولكن يلاحظ أن الشعر الحديث أصبح صعبا للغاية ومرجع ذلك أنه أصبح لزاما عليه مناهضة كافة أشكال تسطيح اللغة، ومن ثم الحفر في اللغة حتى أعماق سحيقة بغرض تجديدها. لذا فإن الشعر الحديث كان لابد أن يكون صعبا على نحو جزئي، وذلك أن التزامه في الغالب هو إعادة تخليق التراكيب اللغوية، بل وإعادة تخليق الكلمات أحيانا، وذلك لاعادة الكلمات الى أصولها الدلالية الأولى أو لخلق سلسلة من الدلالات التخيلية.

وهذا الذي يفعله الشعر يساعد الفيلسوف، ذلك أن الفلسفة فضلا عن.اهتمامها بصياغة خطاب حول اللغة العلمية إلا أنها تهتم أيضا بالكشف عن أغوار اللغة، والتوسل بها للتعبير عن العلاقة بين الانسان والعالم، والانسان وذاته، والانسان والآخر.. لذا فالفيلسوف أيضا في حاجة الى كلمات اللغة.

وهنا أستعير ما قاله هايدجر إذ ذكر أن العلاقات السابقة تفتقر الى الكلمات التي يمكن أن تعبر عنها، إن الشاعر هو المنوط به إنقاذ كلمات اللغة بل وتوسيع تخوم دلالاتها وبهذا المعنى فإن الفيلسوف يتكيء على قدرة الشعر على زيادة وتكثير طاقة المعنى التي تنطوي عليها لغتنا.

* ولكنك ألمحت الى أن الناس قد يكونون محقين في مقاومتهم للشعر.

– ريكور: يمكنني أن أتفهم الأسباب التي يتكئون عليها، ذلك أن القراءة – في تصوري – هي عقد ليس بمقدور القاريء تغييره الى عقد جديد، فإذا كانت الكلمات، والتراكيب، ونسق الفكر بعيدا عن متناول القاريء فإنه في هذه الحالة يصاب بالاحباط ويقصر عن العبور الى المعنى الذي يريده المؤلف، ولا يتمخض الموقف التواصلي في هذا الحالة إلا عن سوء فهم يسأل عنه طرفا التواصل.

* الموقف هنا – كما صورته – هو موقف بائس لكلا الطرفين، ذلك أن الشاعر في مناهضته لتلك اللغة أحادية الصوت عليه أن يحفر في توبتها ويصل الى أغوارها بشكل أكبر، وفي الوقت ذاته – وأمام هذه المحاولات من جانب الشاعر- يزداد القاريء إحساسا بالاحباط.

– ريكور: إن إحباط القاريء هنا مرجعه عدم قدرته على زيادة طاقات لغته، فإن جاز لنا أن نقول إن لغة القاريء قد تقلصت فإنه في هذه الحالة لا يستطيع أن يمتد بلغته ليصل الى تلك النقطة التي وصلت اليها لغة الشاعر، والفكرة هنا تشبه صورة شخصين يحاول كل منهما أن يمد يده ليصافح يد الآخر ولكنه لا يستطيع.

* هل تذهب في كلامك الى ان الكاتب والقاريء سيفترقان في نهاية المطاف وينتهجان دربين مختلفين خصوصا فيما يتعلق بالشعراء وما الذي يمكن أن يستعيدا لعلاقة بينهما على نحو مختلف، وذلك إذا ما أخذنا في اعتبارنا ما ذكرته عن ضرورة وجود الشعر لما يضطلع به من إثراء لتعددية الدلالة واللغة ككل ؟

– ريكور: لعل الشعر في حد ذاته ينطوي في داخله على شكل من أشكال الصراع المرتبط بمحاولة توصيل التعبير المناسب وهو ما يكون بالضرورة على حساب التجربة الانسانية المطمورة تحت ركام الحياة العادية. وعلى جانب آخر نجد محاولات أخرى من جانب الشاعر للكشف عن التجربة / التجارب الانسانية التي تطمسها تلك اللغة العملية النفعية.

وهكذا أوعز الشعر اليوم مشدودا بين حاجتين أساسيتين، فهو من ناحية يسعى الى إعادة تخليق صيغ تعبيرية تجسد تجارب انسانية تمثل جوهر الحياة الانسانية وذلك من قبيل الحياة والموت، الإحساس بالذنب، والحب وما الى ذلك.

ولكن من جهة أخرى فإنه حالما يبدأ الشعر بإحداث قطيعة بين اللغة والأشياء تصبح اللغة وحدها هي موضوعه،، وهكذا يجد الشعر نفسه – كما أسلفت – مشدودا بين هاتين الحاجتين الأساسيتين: استعادة تجربة انسانية مفقودة ومطمورة تحت ركام الحياة العادية، أو السعي نحو الكشف عن إمكانيات أخرق للغة لا علاقة لها بالتجربة الانسانية، وهنا تصبح مهمة القاريء شديدة الوطء لأنه يجد نفسه مضطرا ليس فقط لمقاومة محدودية لغته وتقلصها وإنما يضطر أيضا الى مقاومة قناعته الخاصة بأن وظيفة اللغة هي استدعاء واستحضار كل ما هو مشترك بين الشاعر والقاريء.

* أحسب أن كل ما كتبته وما عبرت عنه لتوك ينطوي على أهمية كبيرة بالنسبة للقضية التي نحن بصددها، ولا أعتقد أن أيا من الاتجاهين اللذين ينزع اليهما الشعر- حسب وصفك – يمكن الجزم بصحته أو خطئه، ولكني أرى أن أيا من هذين الاتجاهين يمكن التأكيد عليه بشكل أكبر من الاتجاه الآخر، وذلك في وقت معين.

– ريكور: بعيدا عن القول بصحة أي من هذين الاتجاهين وخطأ الأخر، أود القول بأن هذا الاستقطاب بينهما هو الذي يشكل الشعر.، فمن ناحية على الشعر أن يستنطق مستويات التجربة الانسانية التي تعرضت للنقد، ومن ناحية أخرق عليه تحرير اللغة من علاقتها بالأشياء والواقع، وهو ما يؤدي بدوره الى زيادة الفجوة بين العلم والأشياء، وهكذا يجد الشعر نفسه مشدودا بين اتجاهين.

* لعل ذلك يشكل جدلا ضروريا.

– ريكور: نعم، إذا قلنا على سبيل المثال أن الشعر الرومانسي في القرن التاسع عشر أعطى الأولوية لمسألة التعبير عن المشاعر الانسانية، ولا أقصد هنا مجرد المشاعر العادية، ولكن تلك المشاعر المرهفة والخاصة التي تتجسد فقط من خلال إعادة تخليق اللغة باعتبارها شعرا. ولكنك بعد ذلك أي في نهاية القرن التاسع عشر، وبعد مالارميه تجد نوعا من التجريب في اللغة مع الاهمال التام للتجربة الانسانية، أي أن اللغة هنا تصب هدفا في حد ذاتها، والمسؤولية هنا تقع حتما على عاتق الشاعر الذي يسعى الى اعتاق اللغة وتحريرها من أغلال الأشياء والواقع، إلا أن ما يمنع للشعر كينونته – حسب ظني – هو الحفاظ على هذا الجدل القائم بين الوظيفة التعبيرية للغة، والوظيفة التجريبية لها.

* هل يمكن للفلسفة ؤ هذا الاطار أن تجور على الشعر- ربما على نحو مؤذ للشعر ذاته؟

وهنا أشير الى البنيوية التي وان كانت تفتقر الى كاهل سطوتها في هذه اللحظة فإن حضورها قائم ذلك انني أظن أن البنيوية قد أثرت على تصور الكتاب عن أنفسهم. إذ تدفعهم الى التركيز على أحد طرفي العلاقة الجدلية التي تتحدث عنها، أي التركيز على السمات غير الاحالية non-referential أو السمات التي تقوم على الاحالة الذاتية self-referential على حساب السمات الاحالية.

– ريكور: نعم، نعم. هذا المشكلة علينا النظر فيها، عندما يقول بعض النقاد إن اللغة في الشعر ليست إحالية في ان نظرتهم لما هو إحالي وما هو غير إحالي قد تكون ضيقة للغاية، فالاحالي –  كما قد يتصورون – يرتبط بالأشياء الحياتية، أو بكل ما هو متعلق بالتفكير العلمي.

ويترتب على هذا الزعم تعزيز مفهوم خاطيء مفاده أن الواقع هو فقط ما يمكن ملامسته، ولكن إذا حدسنا بأن هناك مستوى آخر للواقع لا يمكن إلا للشعر فقط أن يصله ويعبر عنه، عندما تصبح مسألة تعطيل الاحالة suspension of referentiality خطوة أولى واجبة نتمكن من خلالها من قطع الصلة بيننا وبين الأشياء العادية حتى نتمكن – والفضل هنا يرجع الى فكرة تحرير اللغة – من إعادة توجيه الاحالة referentiality والدفع بها في اتجاه أشكال أخرى للتجربة أكثر عمقا وتجذرا.

* ينطبق ذلك على الراوي، فالراوي عندما يقص قصته يحقق هذه المعادلة الصغيرة التي تصبح قصته بموجها حقيقية وغير حقيقية في الوقت ذاته. إن الكيفية الخاصة التي يعمل من خلالها الشعر والأدب على تعطيل مسألة الاحالة لا تعني انتقاء الاحالة.

– يكور: نعم أنت محق في طرح مسألة الحكي، ولا أدري إن كنت ستتفق معي أم لا فيما سأقوله، إنني لا أنظر الى الشعر فقط باعتباره صيغا لغوية موزونة ومقفاة، و لكني انظر اليه من خلال إطار أشمل باعتباره قصا غنائيا، ومن ناحية أخرى أيضا فإن التخييل السرادي هو شعر في حد ذاته بمعنى أن الحبكة الخاصة بأية حكاية ليست إلا ابداعا لخيال خلاق يطرح عالما خاصا به، فالقصص – بهذا المعنى – لا تقل شاعرية عن الكتابة المنظومة.

* حسنا – لقد بدأ عدد من الشعراء المعاصرين يستشعرون أن عنصر السرد قد ضاع على مدار العشر أو العشرين سنة الأخيرة، وأنا أعلم أن الكثيرين من هؤلاء بدأوا يسعون نحو استعادة هذا العنصر للشعر المعاصر، فقد أصبحت هناك حالة من حالات الضجر إزاء النبرة الغنائية الصرفة.

ولكني مهتم بمصطلح استخدمته أنت الآن في حديثك عن القصة، الا وهو مصطلح العالم world، والذي يعد على درجة كبيرة من الأهمية في كتاباتك، فأنت عندما تقول إن العمل الفني يطرح عالما projects a world فإنك تتفادى التصور الرومانسي المتعلق بالتواصل intersubjectiveوعندما تقول أن العمل الفني أو القصيدة تطرح عالما، فأنت لا تعني "العالم" بالمعنى الكوزمولوجي وإنما الانطولوجي.

– ريكور: نعم، فانا استخدم كلمة العالم بالمعنيين القادر والفلسفي. فعلى سبيل المثال عندما نقول في الفرنسية إن طفلا ولد نقول il vient au monde أي "أتى الى العالم".

كذلك فإننا نتحدث عن عالم اليونان، وعالم الرومان، وهنا فإننا نتحدث عن افق الاحتمالات والامكانات التي تشكل بيت ما يعيش فيها اناس معينون.. ويمكن السكني فيها، ويعجبني جدا ذلك المفهوم الذي طرحه هايدجر والذي يربط فيه بين هذا المصطلحات الثلاثة: البناء constructingوالسكني dwelling، والتفكير thinking فالعالم – بهذا المعنى – هو حيث نسكن. أيضا فان مفهوم العالم ينطوي على مفهوم الأفق horizon أي ذلك الشيء الذي كلما اقتربنا منه ظل بعيدا عن حوزتنا، ومن ثم تبقى طاقته دائما عصية على الاستنفاذ، فكل تجربة يطرحها لنا هذا العالم تنطوي على شيء ما هناك، ولكن هذا الشيء يبقى مجرد إمكان potential وكل الامكانات التي تنطوي عليها تجاربنا تشكل ما يسمى بالعالم.

* إذن فالعمل الفني يعد مخايلا بمعنى أنه يطرح عالما لا تدخل آفاته حيز التحديد. هل هذا هو ما تعنيه؟

– ريكور: نعم.. واحسب أن الفيلسوف الألماني قد عبر عن ذلك أفضل تعبير عندما قال إننا لا نحاول فقط فهم ما تحويه القصيدة، وإنما نحاول أيضا الامساك بهذا العالم الذي تنتمي إليه، أو الذي تطرحه، كما أنه يتحدث أيضا عن النقطة التي تتداخل عندها الآفاق.
* أنت تتحدث عن جادامر؟

– ريكور: نعم الاشارة هنا الى جادامر الذي أشار الى أن أفقين قد يتداخلان عن حدود تجربتنا.

* أنت تشير الآن الى أفق المؤلف والقاريء.

– ريكور: إننا نحمل بداخلنا عالما، كما أننا نسكن عالما وبالامكان أن يحدث هناك نوع من التراكب superimposition بين حدود هذين العالمين.
* أليس هناك إشكال ما فيما يتعلق بمسألة تداخل الآفاق؟

فلنأخذ مثالا لقاريء هاديء يحب شعر ريلكة، إن هذا القاريء يلج الى عالم ريلكه ويسكنه، ويختبره كنوع من اللعب play، ولكن هذا اللعب ينتهي على أعتاب العمل الفني، أعتقد أنه توجد مشكلة هنا، فالأمر يتطلب حسن النية، ولكنك لا تشير الى ذلك بشكل محدد.

– ريكور: حسن النية من جانب من؟

* من جانب القاريء بكلمات أخرى أين ينتهي هذا اللعب؟ قد ينتهي هذا اللعب عندما تخرج من عالم العمل الفني، ومن ثم فهو لا يؤثر فيك. وهذا بدوره يستدعي مسألة الكيفية التي يؤثر بها عالم العمل الفني في عالمك.

– ريكور: إن هذا العالم يؤثر في طاقة استيعابنا بحيث نرى أشياء تفوتنا رؤيتها في حياتنا العادية يقول بروست في الزمن المستعاد إن القاري يقرأ نفسه لكتاب ما، لذا فإنني – في واقع الحال – أقرأ نفسي في ضوء العمل الفني.

يرتبط ذلك بقناعتي الشخصية بأن "الأنا" ego الخاصة بي ليست "أنا" مكتملة، ومن ثم فإن ما أدعوه ذاتي self، ليس في الحقيقة سوى تلميذ في مدرسة الأعمال الفنية والأدبية التي قرأتها وأحببتها وتمثلتها ولذا فإن الذات تمثل نوعا من الرصيد أو الكنز الذي يحوي كل هذه التجارب.

لا توجد "أنا" سالفة التجهيز قبل عملية القراءة إن فعل القراءة يخلق "أنا" جديدة. وأحسب أنني قلت في إحدى كتاباتي إنني عندما أقرأ فإنني أخلع الأنا التي أحوزها لأتلقي عوضا عنها ذاتا جديدة من خلال فعل القراءة.

* يبدو لي أن تصوراتك عن القراءة والشعر ترتبط ارتباطا وثيقا بتصوراتك الدينية، ولذلك عندما نتحدث عن القوة الرؤيوية التي يحوزها نص ما وذلك في اللحظة التي يتكشف فيها عن الممكن. الا يرتبط ذلك بشكل وثيق بمفهومك عن الأخرويات eschatology الذي يحمله المستقبل ؟

– ريكور: أود هنا أن أعلق على ملاحظتك الأولى فيما يتعلق بكون لغتي تتوسل باللغة الدينية، فأنا أنظر الى اللغة الدينية باعتبارها نوعا من اللغة الشعرية، ولذلك فأنا لا استلهم اللغة الدينية، وإنما استلهم ما هو شعري فيها أي تلك الطاقة القادرة على خلق حياة جديدة، واستكناه جوانب وامكانات في الواقع.

ويمكنك أن تسمي ذلك بالأخرويات، إن كنت تقصد "أفق عالم آخر"، أو الوعد بحياة جديدة، ولعل ذلك يكمن على نحو ما في العلاقة بين اللغة الشعرية واللغة العادية، فالشعر يعيد الكشف عن إمكانات اللغة حيث إن هذه اللغة قد تقلصت وظيفتها التي أصبحت نفعية في الأساس في علاقتها بالواقع الآني.

* هل تعتقد أنه من الضروري أو المجدي أن نفرق بين الشعر والخبرة الدينية ؟ وأنا أعلم أنك معجب بـ "ريلكة" – هل هناك ضرورة للممايزة بين شاعر عظيم مثل ريلكة والخبرة الدينية بهذا المعنى؟ ذلك لأنك كثيرا ما تستخدم لغة هايدجر وتتحدث عن الكلمة باعتبارها منحة أو هبة، وهو ما يوحي ببعد ديني قوي.

– ريكور: نعم، ولكنني أتحدث عن الدين هنا بالمعنى غير المذهبي. ولابد من القول هنا إن ما يميز بين الشعر والخبرة الدينية أن الشعر يفتح آفاقا أرى من خلالها العالم، وذلك انطلاقا من فكرة اللعب play. بمعنى أنني غير ملتزم، فليس علي سوى أن أطلق العنان لخيالي.

أما الخبرة الدينية – بكافة أشكالها المذهبية – فهي تنطوي على عناصر ثلاثة على الأقل تتنافى مع روح الشعر، وأول هذه العناصر الالتزام commitment، وثانيهما الانتماء الى جماعة معينة، أما ثالثها فهو محاولة ربط هذا الالتزام وذلك الانتماء بموقف اجتماعي وأخلاقي وسياسي معين.

أما الشعر فهو ليس إلا play ذلك أنني كقاريء للشعر لا أتحمل عبء اتخاذ قرار ما يسمى في التقليد المسيحي بالتحول أو الهداية conversion. فالشعر ليس مطالبا بفعل ذلك، وإن كان هناك تحول يحدث من مدى فقير ومجدب للغة الى مدى آخر ثري وخصب مع عدم اتخاذ أي قرار أو موقف. ومن ثم فإن عنصر الالتزام الذي نجده في الخبرة الدينية يختلف عن اللعب الخالص pure Play في الخيال الذي نجده في الشعر.

وهنا أجد نفسي ملزما بالابقاء على العلاقة القوية بين الشعر والخبرة الدينية من ناحية، كما أجد نفسي ملزما بإبراز الاختلاف البين بينهما من ناحية أخرى، وذلك أنني لا أود أن أجعل كل شيء شعريا في الدين، كما لا أود أن أجعل كل شيء دينيا في الشعر- فأنا أرغب في الابقاء على الجدل بينهما. وهذا مثال أخر على الرحابة التي تتسم بها اللغة في استخداماتها المختلفة، فاللغة الدينية تعد لغة شعرية من جانب ولا تعد كذلك من جانب أخر، وذلك بالمعنى الذي يعد به الحكي story-telling شعرا غنائيا ولا يعد كذلك في الوقت ذاته، وهو ذات المعنى الذي يجعل اللغة العادية لغة شعرية ولا يجعلها كذلك في الوقت ذاته. وهنا نجد أن استخدامات اللغة تتداخل وتتغالق وفي الوقت ذاته تتباين بشكل حاد. وهنا تبرز إحدى وظائف ما أسميه بفلسفة التأويل التي لابد وأن تكون واعية بالاستقطاب الحاد بين الاستخدامات اللغوية، وفي الوقت ذاته التداخلات الحادثة بين هذه الاستخدامات.

* أود أن أسألك أيما عن كتابك الذي يحمل عنوان "شعرية الإرادة" The poetic of the will هل لهذا الكتاب علاقة ما بالشعر، أما أنك تستخدم الكلمة هنا على نحو مجازي؟

– ريكور: لا هذا ولا ذاك، إن ما أفكر فيه هو استخدام أرسطو لكلمة poetics في كتابه الشهير، وذلك الاستخدام يعود بنا الى المعنى اليوناني “poesis” وهو إعادة الخلق re-creation وهذا يعود بنا الى ما ذكرته عن أن مفهوم إعادة الخلق poesis أكثر رحابة من مفهوم الشعر poetry بمعنى النظم، ولعل هذا ما جعلني أدرج القص ضمن أشكال الشعرية poetics، فالقص يشحذ طاقة خيالنا المنتج، ذلك الخيال الذي يعمل طبقا لقواعد معينة، ولكنه في الوقت ذاته خيال خلاق، إنه يخلق القواعد ويقوضها في ذات الوقت.

ومن ثم يمكن القول إنه يوجد شيء مشترك بين كافة أشكال الشعرية بدءا من فنون السرد حتى الشعر الغنائي.

* في كتابك الذي يحمل عنوان الهرمنيوطيقا والعلوم الانسانية Hermeneutics and the human sciences  تتحدث عن التاريخ أيضا باعتباره نصا ابداعيا – فهل تحدثنا عن ذلك ؟

– ريكور: نعم، هناك بعض الفلاسفة الذين يميلون الى النظر الى التاريخ باعتباره شكلا من أشكال الشعرية، ومنهم على سبيل المثال هايدن وايت Hayden White أكن إعجابا كبيرا لأعماله. إن الكيفية التي يسوغ بها المؤرخ حبكة أحداث الماضي لا تقل ابداعا عن صياغة الكاتب المسرحي لحبكة مسرحيته. إن كلا منهما يحاول أن يخلق دلالة من خلال الأحداث المتعددة التي يحاول الجمع بينها وفي كل واحدة، ومحاولة فهم الأحداث والجمع بينها هو عماد فعل التشكيل configuration  لذا فإن فعل التشكيل ذلك له خاصية الخيال الخلاق سواء تم ذلك في القص أو كتابة التاريخ.

* إذن فأنت تسبغ على العلوم الانسانية جميعها خاصية الخيال الخلاق.

– ريكور: في مطلع هذا القرن كانت هناك بديهية ما سلمت بوجود فجوة كبيرة بين ما يسمى بالعلوم الطبيعية أو تلك العلوم التي تخضع للحقائق وتستخلص القوانين من هذا الحقائق وبين العلوم الانسانية أو Geisteswissenschaften حسب تسمية الألمان، والفجوة هنا قائمة بين الحقائق والقوانين كما نجدها في العلوم الطبيعية والعلامات والتأويلات كما نجدها في العلوم الانسانية. ويرى الآن فلاسفة نظرية المعرفة epistemologists أن هذه القسمة هي محض وهم اختلقه الأدباء الذين لا يعون طبيعة العلم أو بالأحرى يجلونه على نحو خاطيء ويرى هؤلاء أن العلم أيضا ينطوي على فعل تأويل. إن مهمة العلماء – على حد قول ستيفن تولمين Stephen Toulmin لا تختلف كثيرا عن مهمة الشعراء فالعلماء ينظمون المجالات المختلفة للمعرفة، ويطرحون تشكيلات configurations لهذا المجالات.

* يذكرني في ذلك بالقسم السابع من كتابك قانون الاستعارة The Rule of Metaphor في هذا القسم الهام من الكتاب تضع نمازج ماكس بلاك Max Black ومجازاته جنبا الى جنب مع أرسطو. ويبدو أنه من المجدي في هذه الموحلة من حوارنا أن نعقد المقارنة بين الشعر والعلم.

إننا نميل لأن ننظر الى العلم باعتباره مشروعا مختلفا عن المشروع الشعري في حين أن النماذج models التي يتبناها العلماء لا تختلف كثيرا باعتبارها صيغة لغوية، والشاعر- كما تقول أنت – هو أيضا باحث investigator على نحو ما.

– ريكور: إن نقطة الالتقاء بين منطق الاكتشاف logic of discovery على حد تعبير كارل بوبر Karl Popper الشعري هي أن ذلك الاكتشاف المنطقي هو فعل من أفعال الخيال الذي يسعى الى رؤية مركبات جديدة، ومن ثم يسعى الى تقويض بنية قديمة وإتاحة الفرصة لظهور بنية جديدة، إلا أنه توجد ثلاثة معايير على الأقل تحكم العمل العلمي، والتي تختلف في طبيعتها عن تلك التي تحكم العمل الشعري. أول هذه المعايير – والذي يطرحه بوبر أيضا – هو قابلية العمل للدحض falsification الفرضية العلمية – حسبما يذكر بوبر – تكتسب دلالتها كفرضية علمية انطوت على الاجراءات التي تؤدي الى دحضها. أما الأمر الثاني الذي يحكم العمل العلمي هو أن العالم يسعى لأن يحظى باعتراف زملائه بفرضيته، وهو ما يعرف بمسألة الاجماع التي لا تجد مكانا لها في الشعر فليس من الضروري أن يشارك أحد الشاعر في رؤيته للعالم. لذا فإننا نجد ما يسمى بالجماعة العلمية scientific community ليس لها مقابل في عالم الشعر.

* هل يعني ذلك أنه لا يوجد ما يسمى بالجماعة الشعرية poetic community بالمعنى ذاته؟

– ريكور: نعم، فهذا جزء من الموقف الدرامي الذي يجد الشاعر نفسه فيه، فالشاعر دائما وحده في لحظات خلقه وإعادة خلقا للعالم. أما المعيار الثالث الذي يحكم الكشف العلمي فهو أن كل كشف يجب أن يتسق مع مجمل الانجاز العلمي السابق، وذلك حتى تجيء اللحظة التي يحدث فيها أحد هذه الكشوف قطيعة rupture مع هذا الانجاز السابق – وذلك على النحو الذي يشير اليه كون Kuhn _-وهنا يجب تغيير النموذج المعرفي paradigm على النقيض من ذلك لا يوجد نظام شعري poetical system يمكن القول إن كل شاعر يسهم في بنائه ويضيف اليه. إن فكرة وجود نظام ما من الحقائق تتنافى تماما مع الشعر.

الأمر ذاته ينطبق على العمال القصصية فلا يمكن القول إن كل رواية جديدة تنضاف الى سلسلة الروايات السابقة عليها على نحو يشكل نظاما من الأعمال القصصية.

* لا اتفق معك في ذلك، ويذكرني ذلك بنقطة أردت أن أسألك عنها، وهي الكيفية التي تتناول بها مسألة عالم العالم الفني. ففي موضع واحد من كتابك الهرمنيوطيقا والعلوم الانسانية تتحدث عن العوالم التي تؤثر في بعضها البعض. وهو ما يوحي لي بفكرة التراث tradition وخلاف هذا الموضع الواحد فأنت تكاد تتحدث في كل الكتاب عن العالم المائز لكل عمل فني وهو ما يتسق مع ما ذكرته لتوك.

وأود أن أسألك هنا عن مفهوم ت.س اليوت عن التراث باعتباره نوعا من المجال field ولعله أخذ هذه الفكرة عن العلوم، يعتقد إليوت أن كل عمل مفرد يعدل كل العلاقات التي تشكل هذا المجال على نحو دقيق ومحكم.

– ريكور: نعم، ولكن مرة أخرى لا يجب أن ننخدع بتلك القسمة التبسيطية بين العلم من ناحية، والفن والشعر من ناحية أخرى.. تلك القسمة التي ترى أن العالم عبارة عن نظام من الحقائق على كل عالم أن يضيف اليه بينما في مجال الشعر ينتهج كل شاعر طريقا وحده. وزيف هذه القسمة يعني أن العلم قد يكون أقل اتساقا مما تتصور، إذ يتحدث البعض الآن عن تمزق العلم science in rags من ناحية أخرى فإن الآمر المؤكد هو أن الشاعر – أي شاعر – لا يبدأ من نقطة الصفر حتى وإن كان يقوض القواعد والأسس. وهذا ما يجعل علاقة الشاعر بالتراث تنطوي على مفارقة.

لعل الصعوبة الكامنة في مفهوم التراث مرجعها حساسيتنا الشديدة إزاء الكلمة التي تميل لأن نفكر فيها باعتبارها تعبر عن مستودع من الأفكار المماتة، وإن كنت أرى أن التراث لا يستحق أن يحمل هذه التسمية إلا إذا كان يحتفظ داخله بشتى أشكال الجدل. أي أن تتم داخله وبشكل دائم عمليتا التنقية والتجديد.

لقد تحدثت لتوك عن ت.س. إليوت، وكن الأسم الذي طرأ على ذهني حينما أثرت مسألة التراث هو نورثروب فراي الذي أكد في كتابه تشريح النقد Anatomy of Criticism على فكرة وجود شبكة من الأعمال الفنية، وذلك بدليل وجود شبكة من الحبكات والتيمات التي تشكل دلالة باعتبارها كلا واحدا. ولكن على أن أشير أنه ليس ضمن المشروع الخاص بالشاعر أن يضيف الي هذه الشبكة من الأعمال الأدبية.

* إلا أن الشاعر يمكن أن يكون قارئا أيضا، وعندما تحدثت عن نفسك فيما يتعلق بمسألة قراءتك الذاتية للنصوص ذكرت كلمة "كنز"، وهذا الكنز يشكل داخلك شكلا من أشكال التراث باعتبارك قارئا. ويذكرني ذلك أيضا بوجه من أوجه التراث الشعري الفرنسي أردت أن أسألك عنه خصوصا في ضوء التعليق الذي طرحته في كتابك فرويد والفلسفة Freud and Philosophy لقد قلت إن وظيفة الحلم أساسا هي الاخفاء بينما وظيفة القصيدة هي الكشف، وفي ملاحظة عابرة أشرت الى أن شعر السرياليين ليس بالجودة البالغة وذلك لارتباطه الشديد بالحلم.

– ريكور: لا، إن ما كان يدور بذهني وقتها هو ما قدمه أندريه بريتون في الحب المجنون L’amour Fou، فالاحالة الأساسية في هذا السياق كانت الى هذا العمل، ولعل هذه العلاقة التي صنعتها بين الشعر والحلم كانت جديدة، إذ ذكرت ان الحلم نكوصي التوجه يتحرك في اتجاه الماضي، بينما الشعر نبويProphetic يتحرك في اتجاه المستقبل، ومثل هذه المقولة لدى ازاءها بعض التحفظات الآن،واعتقد انني في ذات الكتاب اشرت الى ان الشعر قد يتحرك في اتجاه الماضي، وكان "كريس" Kris هو من اشار الى هذه الفكرة بقوله ان النكوص regression هنا يتم بهدف الاسقاط المستقبلي projection.

* ذكرت ايضا ان الرمز ذاته يجسد ما هو غائي teleological وما هو آركيولوجي، ولكنك وجدت صعوبة كبيرة في التوحيد بين ما يتحرك في اتجاه الامام وما يتحرك في اتجاه الخلف، هل لا تزال تستشعر ذات الصعوبة ؟

– ريكور: لقد اوضحت ذلك في تناولي لمسرحية اوديب ملكا لسوفوكل، والذي حاولت من في خلال إبراز وجود مأساتين في هذه المسرحية: الأولى مأساة نكوصية تحاول الرجوع الى الوراء من خلال تكرار حلم قديم، وهو ما يمثل عقدة اوديب، تتراكب فوق هذه المأساة مأساة أخرى تتعلق بالحقيقة ذلك ان المشكلة التي يطرحها سوفوكل هنا ليست قتل اوديب لابيه وتزوجه من امه، وانما تكمن المشكلة في انكاره لحقيية نفسه، والمقاومة هنا بالمعنى الفرويدي ليست مقاومة  تيريزياس العراف، فالمشكلة هنا تكون في العمي الذي يصيب اوديب بالمقابلة مع البصيرة التي يملكها العراف الاعمى.

لذا فإننا نجد في هذه القصة الفلسفية لسوفوكل علاقة قوية للغاية بين الحلم والخيال الخالص.

* ماذا عن مقولتك التي ذكرت فيها ان الشعر يكشف بينما الحلم يخفي، ألا توجد مدارس شعرية -مثال الرمزية مثلا – تسعى الى الاخفاء على نحو مقصود.

– ريكور: اود الرجوع الى هذه الملاحظة، ذلك انني كتبت هذا الكتاب قبل عشر سنوات، وقد تعلمت الكثير منذ ذلك الحين على ما أرجو – يذكر فرانك كيرمود Frank Kermode – الذي اكن اعجابا كبيرا لاعماله – في كتابه بداية الاسرار The Genesis of Secrecy أن أحدى وظائف الامثال او الحكايات الرمزية Parables ليست الابانة وانما الغموض، والمفارقة هنا تكمن في ان أحدى وسائل الابانة والكشت هي ذاتها أحدى وسائل الاغماض.

وبناء على هذه الفكرة يبني فرانك كيرمود تأويله الغريب للامثال والحكايات الرمزية التي يرويها المسيح في الانجيل ويرى كيرمود ان وظيفة هذه الامثال ليست الافصاح والانارة وانما ارباك اولئك الذين يزعمون المعرفة، ومن ثم زيادة الغموض.

*  أشرت ذات مرة الى أنك تحب شعر والاس ستيفنز Wallace Stevens ما هي السمات التي تجعل شعره ذا خصوصية بالنسبة لك ؟

– ريكور: ينطوي شعر ستيفن على نوع من الفلسفة، وهذا النوع من الفلسفة في الشعر لا تجده سوى في الشعر الالماني عند هولدرين، وستيفان جورج، وبول جيلان ايضا يمتاز شعر ستيفن بهاتين الخاصيتين اللتين تحدثنا عنهما سابقا، وهما التعبير عن التجارب الانسانية الدقيقة والمعقدة التي لم تستوعبها اللغة من قبل، وكذلك التجريب في اللغة، لأنك تجد في كتابة ستيفن شعرا عن الشعر. إن الجانبين كليهما تجدهما في شعره: التعبير والتجريب.

* ولعل في ذلك ما يجعل منه شاعرا عظيما!

– ريكور: إن قدرته على التعامل مع اللغة في ذاتها أدت به الى استكناه الواقع الخفي، ومن هنا يمكن القول إن هذا الواقع الذي استبصره في شعره بمثابة منح لم يكن يتوقعها حازها أبان سعيه وراء لغة ذات طبيعة خاصة تمنحه طريقة للرؤية. وهذا الواقع الذي يستبصره يخضعه لعملية إعادة الخلق recreation إذ إنه لا يملك تعريفا مجهزا سلفا لماهية الواقع وماهية التجربة.

* يذكرني ذلك ببيتين من قصيدة ستيفنز بعنوان "جماليات الشر" يقول فيهما:

بني الفاقة، أبناء الشقاء

بهجة اللغة هي مليكتنا العصماء

– ريكور: أحب هذا الولاء للغة في حد ذاتها، ذلك الولاء الذي يتمخض عن ظهور عوالم جديدة وآفاق جديدة، والعوالم الجديدة تظهر هنا لأنه لا توجد أية محاولة للتعبير بشكل قصدي عن العوالم القديمة. وإنما يزهد الشاعر في التعبير عنها، ومن ثم تتخلق مشاعر وآفاق جديدة لأن تلك القائمة قد تم انكارها والزهد فيها.

* هل تعتقد أن هذه هي الحركة الدينامية الفعلية التي يعمل من خلالها الشعر؟ وهل تعتقد أن الشعر يتحرك أساسا في اتجاه اللغة، بينما تظهر الأحالة والمحال اليه على نحو تال ومضاف؟

– ريكور: هذه هي قناعتي الراسخة، ولعل ذلك هو ما لا يجعلني على عداوة مع البنيويين وأولئك الذين يرون أن الشعرية ليست إحالية، أو ليست إحالية على نحو كامل. وصحة هذه المقرئة. بل وفائدتها تكمن في أن إنكار الرابطة التقليدية والمواضعاتية بين الشعر والواقع يؤدي الى خلق رابطة جديدة ليس فقط بين الشعر والواقع وإنما بين الشعر وعملية الخلق ذاتها.

وكنت قد سألتني في بداية الحوار عن استخدامي لمصطلح الشعرية (أو البويطيقا)، وكانت نصف إجابتي عن السؤال هي أن أرسطو يستخدم هذا المصطلح للتعبير عن كافة أشكال الخلق باستخدام اللغة سواء أكان هذا الخلق قصا أو شعرا. أما النصف الثاني من الاجابة فهو أن المصطلح يعبر عن استعادة طاقة اللغة على الخلق وإعادة الخلق. وهو ما يمكننا بدوره من اكتشاف الواقع في ذاته أبان عملية الخلق. لذا فإننا نرتبط بهذا الجانب من الواقع غير المكتمل. ويذكرني ذلك بمصطلح entelecheia الذي استخدمه أرسطو والذي يعني النظر الى الأشياء باعتبارها إمكانات potentialities وليس باعتبارها واقعا متحققا actuality وهناك موضع في كتابي عن الاستعارة أقول فيه إن اللغة عندما تكون في وضع صيرورة يجعلها دائما في حالة إمكان فإنها بذلك تتسق مع الواقع غير المكتمل والذي هو أيضا في حالة صيرورة. إن اللغة في حالة الصيرورة تحتفي بالواقع في حالة الصيرورة.

* إذن، هل الواقع الذي نعرفه هو الواقع الذي نصل اليه على هذا النحو؟

– ريكور: نعم أما اللغة التي نستخدمها في كلامنا العادي فهي ترتبط بالواقع المكتمل والمجهز سابقا، ذلك الواقع الذي يتحدد معناه من خلال إجماع الأفراد.
 
 
ترجمة: سامح فكري (باحث ومترجم من مصر)

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …