أخبار عاجلة

حياة أبي

ريموند كارفر(1)
ترجمة أحمد شافعي*
اسم أبي هو كليفي ريموند كارفر، دأبت عائلته على مناداته بريموند، وأصدقاؤه على مناداته بـ”كاف راء”. وسمِّيت أنا باسم ريموند كليفي كارفر جونيور [وجونيور تعني الصغير]. كرهت اسم جونيور هذا. كان أبي وأنا ولد صغير يناديني بـ”فروج” [أي ضفدع]، ولم أجد في ذلك بأسا. لكنه بدأ بعد ذلك، شأن البقية من أفراد أسرتي، يناديني بـ”جونيور”. واستمرَّ في مناداتي بذلك حتى بلغت الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة وأعلنت أنني لن أردَّ على من يناديني بذلك الاسم كائنا من يكون. فبدأ يناديني بـ دُك [اختصارا من دكتور]. ومنذ ذلك الحين، وحتى وفاته في السابع عشر من يونيو سنة 1967، ظلَّ يناديني بـ دُك، أو بيا بني.
عندما مات، اتصلت أمِّي بزوجتي لتنقل إلينا الخبر. كنت في ذلك الوقت بعيدا عن أسرتي، بين حياتين، أحاول الالتحاق بمدرسة العلوم المكتبية في جامعة أيوا. ولمَّا أجابت زوجتي الهاتف، رمت أمِّي الخبر قائلة إن “ريموند مات”. للحظة ظنَّت زوجتي أنّ أمِّي تنبئها بوفاتي. ثم أوضحت أمِّي عن أيٍّ من الريموندين تتكلم، فقالت زوجتي “الحمد لله، ظننته ريموندي أنا”.
سار أبي، وتطفل على السيارات، وركب عربات قطارات فارغة، حينما سافر من أركانسو إلى ولاية واشنطن سنة 1934 بحثا عن عمل. لا أعرف هل كان سفره ذلك إلى واشنطن سعيا وراء حلم. ولكنِّي أشكُّ في ذلك. فلا أحسب أنَّ أحلامه طاولت ذلك. أعتقد أنَّه ببساطة كان يبحث عن عمل ثابت بأجر لائق. وكان العمل الثابت هو العمل الوجيه. عمل لبعض الوقت في تعبئة التفاح ثم حطَّ الرحال في العمل حمَّال مؤن في سدِّ كولي الكبير. وادَّخر قرشين فاشترى سيارة ساقها راجعا إلى أركانسو لمساعدة أهله، أعني جدّيّ، في حمل متاعهما والانتقال إلى الغرب. وحكى لاحقا أنَّه وجدهما يوشكان على الموت جوعا هناك، ولم يكن ذلك كناية من كنايات اللغة. وحدث في تلك الفترة القصيرة في أركانسو، في بلدة اسمها ليولا، أن التقت أمِّي بأبي على الرصيف وهو خارج من حانة.
“كان سكران” هكذا قالت “ولا أعرف لماذا تركته يتكلَّم معي، عيناه كانتا لامعتين. ليتني كنت أملك يومها بلَّورة مسحورة؟”. كانا قد التقيا قبل ذلك مرَّة، ربَّما قبل سنة أو نحو ذلك، في رقصة. حكت لي أمِّي أنَّه صاحَب بنات قبلها. “أبوك كانت له صديقات، حتى بعد زواجنا. ولكنه بالنسبة لي كان الأول والأخير. لم يكن لي رجل غيره قط. لكنني لم أفتقد أي شيء”. تزوَّجا على يدي قاضي المنازعات في يوم رحيلهما إلى واشنطن، فتاة ريفية طويلة جسيمة، وفلاح تحول إلى عامل معمار. وقد قضت أمِّي ليلة زفافها مع أبي وأهله، محشورين جميعا في خيمة على الطريق في أركانسو.
في أوماك بواشنطن، عاش أبي وأمي في بيت صغير لا يزيد كثيرا عن كوخ، وعاش جدَّاي بجوارهما. كان أبي لم يزل يعمل في السدِّ، ثم عمل لاحقا في توربينات توليد الكهرباء الضخمة في المياه المحجوزة لمئات الأميال داخل كندا، وكان مع الجموع الواقفة حينما استمع إلى خطبة فرانكلين دي روزفلت في موقع إقامة السدّ. ويوما قال لي أبي “إنه لم يذكر بكلمة أولئك الرفاق الذين ماتوا في بناء ذلك السد”. وبعض أصدقاء أبي ماتوا هناك، وكانوا من أركانسو وأوكلاهوما وميزوري.
ثم عمل بعد ذلك في مصنع أخشاب في كلاتسكاني بولاية أوريجون، وهي بلدة صغيرة على نهر كولمبيا. هنالك ولدت، وكانت لدى أمِّي صورة لأبي واقفا أمام بوابة المصنع، رافعا إيَّاي بفخر أمام العدسة. وقد التوت قلنسوتي وأوشك رباطها أن ينحلّ، أما قبعته هو فتراجعت عن جبهته، وقد ابتسم ابتسامة عريضة، هل كان ذاهبا إلى العمل أم انتهى من نوبته للتوّ؟ لا يهم. في كلتا الحالتين، كانت له وظيفة وأسرة. وتلك كانت أيام سعده.
في سنة 1941 انتقلنا إلى ياكيما بواشنطن، حيث عمل أبي في صيانة المناشير، وهي حرفة تقتضي مهارة اكتسبها في كلاتسكاني. ولمَّا نشبت الحرب، حصل على تأجيل للتجنيد لاعتبار عمله ضروريا للمجهود الحربي. فقد كان الخشب المعالج مطلوبا لدى القوات المسلحة، وقد حافظ على مناشيره حادة ماضية يمكن أن تحلق بها شعر ذراعك.
بعدما انتقل أبي إلى ياكيما، نقل أهله إلى الحي نفسه. وبحلول منتصف الأربعينيات، كان بقية أهل أبي ـ أي أخاه وأخته وزوجها وكذلك الأعمام وأبناء العمومة وبناتها وأغلب الأقارب مهما بعدت صلاتهم ـ قد رحلوا من أركانسو. فعمل الرجال كلهم في بويسي كاسكيد ـ حيث كان أبي يعمل ـ والنساء عملن في تعبئة التفاح في المصانع. وفي غضون فترة قليلة بدا ـ بحسب رواية أمِّي ـ أن الجميع أيسر أحوالا من أبي. حكت أمِّي قائلة إن “أباك لم يكن يستطيع الحفاظ على النقود. كانت النقود تشعل جيوبه و تهرب. وكان دائما يعمل من أجل الآخرين”.
أول بيت أتذكر بوضوح أنني سكنته، في 1515 جنوب الشارع الخامس عشر في ياكيما كان له حمام خارجي منفصل. في ليلة الهالوين، أو في أيِّ ليلة، لمجرد الاستمتاع، كان أبناء الجيران، وهم صبية في أوائل سنوات المراهقة، يحملون مرحاضنا ويمضون به فيرمونه على جانب الطريق. ويكون على أبي أن يأتي بمن يساعده في إرجاعه إلى البيت. أو يأخذه أولئك الأولاد ويقيمونه في الفناء الخلفي من بيت شخص آخر. ومرة أضرموا فيه النار فعليا. لكن لم يكن بيتنا هو الوحيد ذو المرحاض الخارجي. فلمَّا بلغت من العمر ما يتيح لي أن أعرف ما يجري من حولي، كنت ألقي الحجارة في مراحيض الآخرين حينما أرى فيها أحدا. وكان يطلق على هذا قصف المراحيض. ولكن بعد حين بدأ الجميع ينتقلون إلى السباكة الداخلية إلى أن حدث فجأة أن أصبح مرحاضنا هو المرحاض الخارجي الأخير في حيِّنا. أتذكَّر العار الذي شعرت به حينما أوصلني ذات يوم مستر وايز، أستاذي في الصف الثالث، إلى البيت بعد المدرسة فطلبت منه أن ينزلني أمام المنزل السابق على بيتنا مباشرة مدَّعيا أنن أعيش هناك.
لا أزال أتذكر ما جرى ذات ليلة حينما رجع أبي إلى البيت متأخرا ليجد أمِّي وقد أغلقت جميع الأبواب دونه. كان سكران، وشعرنا بالبيت يهتز وهو يدبّ على الباب. وحينما نجح في فتح شبَّاك عنوة ضربَتْه بالمصفاة بين عينيه وألقت به خارجا. رأيناه ملقى على العشب، وكم ظللت بعد ذلك لسنين أتناول تلك المصفاة ـ وهي ثقيلة ثِقَل أسطوانة فرد العجين ـ وأتخيل إحساس تلقِّي ضربة في الرأس بشيء كذلك.
أتذكَّر في تلك الفترة أن أبي كان يصطحبني إلى غرفة النوم، فيجلسني على السرير، ويقول لي إنني قد أضطر إلى الذهاب للإقامة عند عمَّتي لافون لبعض الوقت. ولم أكن أفهم ما الذي فعلته فيكون لزاما عليَّ أن أترك البيت لأعيش. لكن هذا أيضا ـ ومهما تكن الأسباب ـ كان ينتهي وينسى، ببساطة، لأننا بقينا نعيش معا، ولم يكن لزاما عليّ قطّ أن أذهب لأعيش مع أحد.
أتذكر أنَّ أمِّي كانت ترمي له الويسكي في الحوض. أحيانا كانت ترميه كلَّه، وأحيانا، إذا خافت أن يضبطها ويكشف أمرها، كانت ترمي نصفه فقط ثم تضيف ماء على الباقي. ذقت مرَّة من هذه الويسكي، فوجدته شديد الرداءة، لا أعرف كيف تأتَّى لأحد أن يشربه.
بعد فترة طويلة بلا سيارة، اشترينا واحدة، سنة 1949 أو 1950، وكانت فورد 1938. ولكن قضيبا انكسر بداخلها في أول أسبوع بعد شرائها، وكان لزاما على أبي أن يعيد تركيب المحرك كله.
قالت أمِّي “كنَّا نركب أقدم سيارة في المدينة. كان يمكن أن نشتري كاديلاك بكل النقود التي أنفقها على إصلاح تلك السيارة”. وجدَتْ مرَّة طلاء شفاه امرأة أخرى على أرضية السيارة، ومنديلا مثقَّبا. قالت لي أمِّي “أترى هذا؟ تركته عاهرة في السيارة”.
رأيتها مرَّة تأخذ طاسة ماء فاتر إلى غرفة النوم وأبي نائم فيها. أخذت يده من تحت الغطاء ووضعتها في الماء. وقفت في الطرقة أشاهد. أردت أن أعرف ماذا يجري. قالت لي إن ذلك كان ينبغي أن يجعله يتكلم وهو نائم. كانت بحاجة إلى أن تعرف بعض ما كانت على يقين من أنه يخفيه عنها.
في كلِّ عام تقريبا، وأنا صغير، كنا نستقل حافلة نورث كوست ليمتد عابرين جبال كسكيد من ياكيما إلى سياتل لنقصد فندق فينسيا ونأكل، فيما أتذكَّر، في مكان اسمه “دينر بيل كافيه”. ومرَّة قصدنا “إيفارز آكرز أوف كلامز” فشربنا كؤوس مرق المحار الدافئ.
في سنة 1956 التي تخرجت فيها في المدرسة الثانوية، ترك أبي وظيفته في مصنع ياكيما وعمل في تشستر، وهي بلدة في شمالي كاليفورنيا فيها مصنع خشب صغير. ولا بدَّ أن أسباب قبوله العمل في تلك الوظيفة تتعلق بأجر أعلى في الساعة وبوعد غامض بأن يتولى في غضون بضع سنوات منصب رئيس عمال صيانة المناشير هناك. لكنني أظن أن السبب الأساسي هو أن أبي بدأ يتململ وأراد فقط أن يجرِّب حظَّه في مكان آخر. كانت الألفة قد بدأت تعتري كلَّ شيء بالنسبة له في ياكيما. وأيضا كانت السنة السابقة قد شهدت وفاة والديه في غضون ستة أشهر من أحدهما الآخر.
لكن بعد أيام قليلة من التخرُّج، وبينما كنت وأمي نحزم متاعنا للانتقال إلى تشستر، بعث أبي رسالة قال فيها إنَّه مريض منذ فترة. قال إنَّه لا يريد أن نقلق، لكن المنشار جرحه. وربما تلوَّث دمه بقطعة فضيَّة صغيرة من الحديد. على أي حال، وقع ما ألزمه بترك العمل، حسبما قال، وفي البريد نفسه وصلت إلينا بطاقة بلا توقيع، يخبر أحدهم فيها أمِّي بأنَّ أبي يوشك أن يموت وأنَّه يشرب “الويسكي الخام”.
حينما وصلنا إلى تشستر، وجدنا أبي يعيش في مقطورة تابعة للشركة. لم أعرفه فور أن رأيته. لعلي للحظة لم أشأ أن أعرفه. كان هزيلا وشاحبا ويبدو ذاهلا. بنطاله دائم السقوط عن خصره. لم يبد أنَّه أبي. بدأت أمِّي تبكي. أحاطها أبي بذراعه وأخذ يربت على كتفها في دهشة وكأنَّه هو نفسه لا يعرف سبب ذلك كله. عشنا نحن الثلاثة في المقطورة، واعتنينا به بأكثر ما في وسعنا. لكنَّه كان مريضا، ولم يتحسَّن. عملت معه في المصنع في صيف ذلك العام وجزء من خريفه. كنَّا نستيقظ في الصباح فنتناول البيض وخبز التوست ونحن نستمع إلى المذياع ونخرج من البيت ومعنا عمودا الغداء. ونعبر البوابة معا [أي بوابة المصنع] في تمام الثامنة صباحا، ثم لا أراه بعد ذلك إلا عند ميعاد الانصراف. رجعت في نوفمبر إلى ياكيما لأكون أقرب إلى صديقتي، وهي الفتاة التي استقرَّ رأيي على أنِّي سوف أتزوجها.
عمل أبي في مصنع تشستر حتى فبراير التالي، وحينها انهار وهو في العمل ونقلوه إلى المستشفى. سألتني أمِّي إن كنت أنوي الذهاب للمساعدة. أخذت الحافلة من ياكيما إلى تشستر عازما على الرجوع بهما إلى ياكيما. لكن أبي في ذلك الوقت، كان يعاني، فضلا عن مرضه الجسماني، من انهيار عصبي، وإن كنا في ذلك الوقت لم نكن نعرف تلك التسمية. على مدار رحلة الرجوع إلى ياكيما، لم ينطق كلمة، حتى لو سئل سؤالا مباشرا. “كيف حالك يا ريموند؟”، “أأنت بخير يا أبي؟”) وكان غاية ما يتواصل به، إن تواصل، هو أن يحرِّك رأسه أو يرفع راحتيه عاليا كمن يقول لا أعرف أو لا أبالي. والمرَّة الوحيدة التي قال فيها شيئا طوال الرحلة، ولنحو شهر بعد ذلك، كانت حينما أسرعت بالسيارة على طريق حصبائي في أوريجون فانخلع أنبوب العادم. قال “كنت تسوق أسرع من اللازم”.
في ياكيما رأى طبيب أبي وأشار بأن يذهب إلى طبيب نفسي. كان على أبي وأمي أن يتوجَّها إلى المعونة الاجتماعية، حسبما كان يقال آنذاك، ودفعت المقاطعة تكاليف الطبيب النفسي. سأل الطبيب النفسي أبي “من الرئيس؟”. طرحوا عليه سؤالا بوسعه أن يجيبه. وأجابه. قال أبي “أيكي” [وكذلك كان يطلق على أيزنهاور”]. مع ذلك وضعوه في الطابق الخامس من مستشفى فالي التذكاري وبدأوا يعالجونه بالصدمات الكهربائية. كنت في ذلك الحين قد تزوَّجت وبدأت لتوِّي تكوين أسرة لي. وكان أبي لم يزل في المستشفى حينما ذهبت زوجتي إلى هناك، وإن في الطابق الأدنى لطابقه مباشرة، لتضع طفلنا الأول. بعدما وضعتْ، صعدتُ إلى أبي لأبلغه بالخبر. سمحوا لي بعبور باب حديدي ودلُّوني على مكان أبي. كان جالسا على أريكة وعلى ساقيه بطانية. وحدَّثت نفسي، يااه، ما هذا الذي يجري لأبي؟ جلست بجواره وأخبرته بأنَّه صار جدًّا. انتظر دقيقة ثم قال “أشعر فعلا أنَّني جدّ”. ذلك كلُّ ما قال. لم يبتسم ولم يتحرَّك. كان في غرفة كبيرة مع كثير من الناس. ثم عانقته، وبدأ يبكي.
بطريقة ما خرج من هناك. لكن بعدما حانت السنوات التي لم يعد يقوى فيها على العمل، فما كان منه إلا أن لزم البيت محاولا التكهُّن بما هو آت وبما أخطأ فيه في ما سبق من حياته فآل إلى تلك النهاية. وتنقلت أمِّي من وظيفة تافهة إلى أخرى. وبعد زمن طويل صارت تشير إلى الوقت الذي قضاه في المستشفى، وتلك السنوات التي تلتها، بـ”الفترة التي مرض فيها ريموند”. فلم يعد لكلمة المرض وقعها القديم عليّ بعد ذلك أبدا.
في سنة 1964، وبعون من صديق، أسعده الحظ بوظيفة في مصنع في كلاماث بكاليفورنيا. انتقل وحده إلى هناك ليرى إن كان يقوى على الأمر. عاش غير بعيد من المصنع، في كوخ من غرفة واحدة غير مختلفة كثيرا عن المكان الذي بدأ فيه حياته هو وأمي حينما انتقلا إلى الغرب. وكان يخطُّ رسائل إلى أمي، فإن اتصلتُ بها قرأتها عليَّ عبر الهاتف. قال في تلك الرسائل إن حياته محتملة لكن غير أكيدة. كان يذهب كلَّ يوم إلى العمل وهو يشعر أنَّ ذلك اليوم أهمُّ أيَّام حياته. لكن كلّ يوم، كما كتب لها، كان يجعل اليوم التالي أيسر عليه. كان يطلب منها أن تبلغني تحياته. وأن تقول لي إنه حينما يعجز عن النوم فإنه يفكر فيَّ وفي الأوقات الجميلة التي كنَّا نقضيها معا. وأخيرا، بعد نحو شهرين، استعاد شيئا من ثقته في نفسه. صار يذهب إلى العمل غير متهيِّب من احتمال أن يخذل أحدا مرَّة أخرى. ولمَّا اطمأنَّ تماما، بعث يطلب أمي.
كان قد ابتعد عن العمل ستَّ سنوات خسر فيها كلَّ شيء ـ البيت والسيارة والأثاث والأجهزة بما فيها الثلاجة الضخمة التي كانت فخرا لأمِّي وفرحة لها. فقد أيضا سمعته ـ وقد قيل إن ريموند كارفر عاجز عن سداد فواتيره ـ وفقد احترامه لنفسه. حتى ذكورته فقدها. قالت أمِّي لزوجتي “طوال تلك الفترة التي مرض فيها ريموند كنَّا ننام معا في سرير واحد وإن لم تكن بيننا علاقة. أرادها مرَّات قليلة، لكن لم يحدث شيء. لم أفتقدها، لكن أظنُّه هو أرادها، أنت عارفة”.
في تلك السنوات كنت أحاول أن أعول أسرتي وأكسب لقمة عيشي. لكنَّنا، لأسباب كثيرة، كنَّا كثيري التنقُّل. فلم أستطع أن أتابع أولا بأول ما كان يجري في حياة أبي. ثمّ سنحت لي الفرصة في أحد أعياد الكرسماس أن أخبره بأنَّني أريد أن أصبح كاتبا. لعلّي أخبرته أيضا بأنّني أريد أن أصبح جرَّاح تجميل. سألني “عن أيِّ شيء تريد الكتابة؟”. ثمَّ قال كأنَّما يريد أن يجد لي مخرجا “اكتب عن أشياء تعرفها. اكتب عن بعض رحلات صيد السمك التي قمنا بها”. قلت إنّني قد أفعل، لكنّني علمت أنّني لن أفعل. قال “ابعث لي ما تكتب”. وقلت إنّني سوف أفعل، ثم لم أبعث شيئا. لم أكن أكتب أيَّ شيءٍ عن صيد السمك، ولم أتصوَّر أنّه قد يبدي اهتماما خاصًّا بما كنت أكتبه في تلك الأيام، أو قد يفهمه بالضرورة. فضلا عن أنّه لم يكن قارئا، أو على الأقل لم يكن القارئ الذي كنت أتخيّل أنّني أكتب له.
ثمّ مات، كنت بعيدا للغاية، في مدينة أيوا، ولم تزل في صدري أشياء لم أقلها له. لم تسنح لي الفرصة لكي أودعه، أو لأقول له إنّني أرى أنّه يؤدِّي عملا عظيما في وظيفته الجديدة، وأنّني فخور به وبقدرته تلك على الرجوع.
حكت أمِّي أنَّه رجع من العمل في تلك الليلة وتناول عشاء ضخما، ثم جلس إلى المائدة وحيدا فأنهي ما كان متبقيا في زجاجة ويسكي عثرت هي عليها بعد يوم أو نحو ذلك مخبَّأة في قاع القمامة تحت حبَّات قهوة. ثم نهض وذهب إلى السرير، فتبعته أمِّي بعد قليل. لكنَّها اضطرَّت في تلك الليلة إلى القيام للنوم على الأريكة. قالت إنَّ “صوت شخيره كان عاليا فلم أستطع أن أنام”. في الصباح التالي تفقَّدته فوجدته مستلقيا على ظهره مفتوح الفم، غائر الوجنتين، رماديّ السحنة كما قالت. علمت أنَّه مات، لم تحتج إلى طبيب لينبئها بذلك، لكنَّها اتصلت بطبيب، ثمَّ اتصلتْ بزوجتي.
من الصور التي احتفظت بها أمِّي لها هي وأبي خلال أيامهما الأولى في واشنطن صورة له وهو واقف أمام سيارة وفي يده كأس بيرة وبضع سمكات اصطادها معلقة في وتر. يرتدي في هذه الصورة قبّعته بالمقلوب، كاشفا عن جبهته، وقد علت وجهه ابتسامته الخرقاء. طلبتها منها فأعطتها لي، هي وأخريات. علَّقتها على الجدار، وصرت كلَّما انتقلت اصطحبتها معي وعلَّقتها على جدار آخر. وكنت بين الحين والآخر أنظر إليها في تمعُّن، محاولا أن أستخلص عن أبي شيئا، وربما عن نفسي في ثنايا ذلك. لكنَّني لم أستطع. ظلَّ أبي يتقدَّم مبتعدا عنِّي أكثر فأكثر، ويتأخَّر في الزمن. وأخيرا، عند انتقالي في إحدى المرَّات، فقدت الصورة. وإذ ذاك حاولت أن أستحضرها، وفي الوقت نفسه سعيت إلى أن أقول شيئا عن أبي، وكيف أنِّي ظننت أننا من بعض النواحي المهمة متشابهان. كتبت القصيدة حينما كنت أعيش في عمارة بمنطقة مدينية في جنوب سان فرانسيسكو، في وقت وجدت نفسي فيه، شأنَ أبي، أعاني اضطرابات بسبب الخمر. كانت القصيدة محاولة للتواصل معه.
صورة أبي في عامه الثاني والعشرين
أكتوبر. هنا في هذا المطبخ الرطب الغريب
أتأمَّل وجه أبي الشاب يعلوه الخجل.
بابتسامة خجلة، يمسك في يد حلقة سمك أصفر شائك
وفي الأخرى زجاجة بيرة كارلسبرج.
ببنطال من الجينز وقميص قطني
يتكئ على مقدمة فورد من طراز 1934.
يحلو له أن يظهر في الصور شجاعا وطيبا
من أجل ذريَّته،
على رأسه قبعته القديمة متباهية فوق أذنيه.
أراد أبي طوال حياته أن يكون جريئا.
لكن تفضحه العينان،
واليد الواهية
والسمك الميت
وزجاجة البيرة.
أبي،
أنا أحبك
لكن كيف أقول لك شكرا
أنا الذي مثلك تعيا يدي عن حمل كأسي
بل ولا أعرف أين أماكن صيد السمك.
هذه القصيدة صادقة في جزئياتها، باستثناء أنّ أبي مات في يونيو لا في أكتوبر مثلما تقول أول كلمة في القصيدة. أردت كلمة فيها أكثر من مقطع صوتي لتكون أبطأ قليلا. لكن الأهمّ من ذلك أنّني أردت شهرا ملائما لما شعرت به وأنا أكتب القصيدة، شهرا قصير النهار واهن الضوء، يعلق في هوائه الدخان، وتتبدَّد الأشياء. ويونيو هو أيام الصيف ولياليه، وحفلات التخرج، وذكرى زواجي، وعيد ميلاد أحد أبنائي. يونيو لم يكن بالشهر اللائق لأن يموت فيه أبٌ.
بعد انتهاء المراسم في دار الجنائز، وبعد أن خرجنا، جاءت إليَّ امرأة لا أعرفها وقالت “هو الآن أسعد حيثما هو”. ظللت ناظرا إلى تلك المرأة إلى أن اختفت. لا أزال أتذكَّر زرا صغيرا في القبَّعة التي كانت تعتمرها. ثم جاء أحد أبناء عمومة أبي ـ ولا أعرف اسم الرجل ـ وأمسك بيدي. قال “كلُّنا نفتقده” وعلمت أنَّه لا يقولها بداعي اللياقة وحده.
بدأت أبكي للمرة الأولى منذ وصلني الخبر. ولم أقو على البكاء قبل ذلك. لأنَّ الوقت، على الأقل، لم يتح لي. وإذا بي فجأة لا أستطيع التوقُّف عن البكاء. عانقت زوجتي وظللت أبكي بينما تقول وتفعل كلَّ ما في وسعها لمواساتي، هناك في عصر ذلك اليوم الصيفي.
سمعت الناس يقولون لأمي عبارات العزاء، وكنت سعيدا بحضور عائلة أبي، ومجيئهم إلى حيث عاش. ظننت أنَّني سوف أتذكَّر كلَّ ما قيل أو حدث في ذلك اليوم وأنَّني قد أجد سبيلا إلى كتابة ذلك في وقت ما. ولم يحدث ذلك. نسيت كلَّ شيء، أو تقريبا كلَّ شيء. ما أتذكَّره بوضوح هو أنَّني سمعت اسمنا يستعمل كثيرا في عصر ذلك اليوم، اسم أبي واسمي. لكنَني علمت أنّهم يتكلّمون عن أبي. ريموند الذي كان أولئك الناس يردِّدونه بأصواتهم الجميلة المنبعثة من طفولتي، ريموند.

* * *
1 – ريموند كارفر (1938-1988) قاص وشاعر أمريكي، يعد من أهم الكتاب الأمريكيين في حياته، من أشهر أعماله “ما الذي نتكلم عنه حينما نتكلم عن الحب” و”الكاتدرائية” وغيرها من المجموعات القصصية الشهيرة.
المقالة المترجمة هنا نشرت في مجلة Esquire سنة 1984 ثم في مجلة Granta سنة 1985، وهي مترجمة عن نسختها المنشورة في طبعة VINTAGE CONTEMPORARIES EBOOK من كتاب Fires الصادرة سنة 2015.

شاهد أيضاً

قصص قصيرة

حمود سعود* l صيّاد قُريات صياد قريات يمسك بسمكة السرد التي تركها أحد أجداد بيسوا، …