حياة جثة

حمود سعود

عندما تغرق السفينة لا تبحث عن لوح للنجاة أو قشة للهروب أو جناح للطيران أو كهف للاختباء، بل اتركْ جسدك يغرقُ مع الغارقين، مع الذاهبين إلى عمق الخذلان، إلى قاع الخيبات، مع الساقطين من الأزمنة الرديئة إلى لمعة الألم. أغمضْ عينيك، لا لتحلم بزرقة سماواتك، لا تنظر للغرقى الذين تعرفهم في الرحلة ويعرفونك؛ جنود وعمّال وطلاب وحالمون ومشرّدون وباعة متجولون ومجانون وعميان وأيتام وأرامل وطغاة وشعراء باعوا قصائدهم في سوق الخديعة. فأنت لا تحتاج إلى شفقة كاذبة أو إلى المزيد من الألم، وحتى لا تُضاعف ألمهم المتكدّس في أكبادهم الهشّة. كن غريبًا في حضرة الغرباء.
لا تدري لماذا كنت معهم في الرحلة؟ من وضعك على كرسيّ الرحلة؟ هل كنت هاربا من جحيم بلادك أم راجعًا إلى جحيمك الشخصيّ؟ أم حاملا فوق رأسك خيبات الزمن والرحلة؟ أم هي صدفة النهاية غير المتوقعة.
لا داعيَ لسرد تفاصيل قديمة لرجل لم يكن له أي ماضٍ، أو ربما لا يُريد أن يسترجعَ ذكرياته وذاكرته وزمنه الخاصّ، هو يتذكر لحظة السقوط فقط. كان من بين المسافرين في الرحلة، رحلة تشبه رحلة الهاربين من الحروب والكوارث والخيبات والحياة والحب. لم يسأل ذاكرته ولا عاطفته هل هي رحلة إلى المنفى أم عودة منه؟
ليس مهمّا إن كانت الرحلة بالقطار أو الحافلة أو السفينة أو الجِمال أو السيارة أو فوق حمار أعمى أو كنت حافيا أو راكضا في الأحلام، فكل هذه الوسائل ليست ضرورية لمعرفة طريق الرحلة، فكل رحلة هي امتدادٌ روحي لاغتراب الكائن، وهروبٌ من مرايا الواقع المتشظي. فكل رحلة تكوّنُ طرقَها وجهاتها للكائن الباحث عن ظلاله.
الآن هو يسقط إلى العمق، لنقل إلى الأسفل، فليس كل سقوط سيوصلك إلى العمق. سيُهدي جسده إلى أسماك الأبدية. ألواح خشبية وقطع حديدية، محركات ومراوح ضخمة، أعمدة بلاستيكية وحديدية تتساقط من سفينة الرحلة ثم تطفو، هو يعلم جيدا بأن الأشجارَ قادرةٌ على الهرب من السقوط، لكن الحديد الذي يشبه كائنات مشّوهة سيسقط وتغرق معه، فحديد الحداثة لا يتقن فن المقاومة. لن أمنح جسدي وجبة جاهزة لطائرعابر وكسول، سأمنحه للأسماك هديّة لها على إطعام كوكب نهم وجائع وجشع بأكمله لقرون طويلة.
ستنتزع سمكة مسرعة لسان الرجل الميت، ليس لديها الوقت لتسأل، هل كان اللسان لشاعر مُشّرد أم لخطيب في أحد القصور أم لمعلم ظل لثلاثين عاما يردد الكلام البارد والمُعّلب؟ تلذذتْ السمكةُ باللسان، وتابعتْ رحلتها إلى شباك صياد أعمى، عندما وصلتْ إلى قارب الصياد كانت تسرد حكايات غريبة، لم يعرف الصّيادُ مصدر الصوت، فرجع مسرعا إلى بيته، حمل الصياد الأعمى السمكة لزوجته، سكين الزوجة الحادة شقّتْ بطن السمكة، وفي غفلة من زوجة الأعمى قفز اللسان إلى إحدى زوايا المطبخ، في الليل كان الأعمى يسمع الحكايات من المطبخ. في الصباح سرد الأعمى الحكايات التي سمعها من زاوية المطبخ المظلمة، اندهشتْ الزوجةُ من الحكايات؛ لأنها تتطابق مع الحكايات التي رأتها في أحلامها. ابتسمت جثة الرجل الغارق من هذه المصادفة الغرائبية.
سأمنحُ يدي لسمكة أخرى عقابا لها، لأنها لم تزرع شجرة في رحلتها. لم تصافح التعبَ ولا الحزن ولا روائح الفقر في حياتها، أما العينان فسأهديهما لصغار الأسماك لا لتبصر طريق الأفخاخ وسهام الصيادين، بل لتتذوق طعم دموع جثة منسيّة. أما القدمان اللتان خذلتاني كثيرا في الطريق فسأمنحهما هديّة جاهزة لسمكة قرش جائعة وكسولة، تلذّذ القرش الجائع بقدمي رجل كان أعرجَ في حياته. مهما حاول هذا الرجل أن يمشي في الطريق بشكل صحيح تخذله قدماه. وبعدما أكل القرش رِجْل الرجل الأعرج ضلّ طريقه إلى بيته، وسقط في شباك صياد نائم على قاربه.
أما القلب وكل خيباته وتشظياته وحنينه فسأمنحه لسمكتين عاشقتين، لا ليكنسا عنه غبار الفقد وصخور النسيان، بل لينتزاعاه من الجسد ويكون نسياً منسيا، ليصير قطرات دم في معدة العاشقين المائيين، أسنان السمكتين تُكسّر حنين وأشواق ومحبات قلب الرجل الغارق، الأسنان الحادة تصطدم بذكريات متكدسة في قلب الرجل الميت. أصوات تندلق من قلبه المُتمزق بين الأسنان الحادة، طفولات منسيّة، قصائد حفظها في طفولته، خيبات عاطفية، تهرب من القلب قبل أن تتلذذ السمكتان العاشقتان بالقلب الميت.
معدة الرجل الميت التي اكتنزتْ بالجوع وأطنان القهوة، فلم يقبل أي كائن بحري في المحيط بها، لذا سقطت وحدها فوق رأس كائن بحري ميت.
أما رأس الجثة المجوّف، فظلّ طافيا فوق المياه لسنوات طويلة، تقاذفته الرياح والأعاصير والأمواج، تجلده الشمس، يقترب الرأس من سواحل دول لا يعرفها، ويطفو أحيانا بالقرب من جزر وحيدة وموحشة، يقترب من قوارب المهربين، قوارب تُهرّب بشرا حالمين بحياة أخرى، قوارب تُهرَب أموالا وأحلام شعوب. وفي ظهيرة صيفية عَلِقَ رأسُ الجثةِ المجوّف الذي تكدس بداخله أملاح البحر وتعب الرحلة في ناقلة نفط عملاقة. فنزل عامل الصيانة فأمسك بالرأس المجوف، وأخذه إلى مطبخ الناقلة نظّفه من الأملاح، في مكان العينين تكدست قطرات بيضاء، وضعه في كيس بلاستكي، نزل إلى المخزن، دسّ الجمجمة داخل كرتون، فصعد إلى سطح الناقلة، دخنّ، غنّى أغنية لزوجته وأطفاله، سمع صوتًا يشبه صوته يُردد الأغنية نفسها، نزل يتتبع مصدر الصوت، الصوت يأتي من أسفل السفينة، ارتبك، ارتعب كلما تقدّم إلى باب المخزن، وقف خلف باب المخزن، سقط مغشيًّا عليه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

أوراق من أيام العزلة

جبار ياسين الورقة الأولى منذُ أسابيع وأنا في سَورةِ غيابٍ عن نفسي. شعور لا يشبه …