خليل النعيمي مَنْ يقبل أي تنازل في اللغة، يقبل أي تنازل في الحياة قيمة الكاتب هو أن يكون دائما ضد المحيط الذي يوجد فيه، لأن الكاتب ضميرُ المجتمع وهو منشق باستمرار

يستعد الطبيب الجرّاح والروائي والرحالة خليل النعيمي لنشر نصوصه الجديدة عن رحلته إلى أوزبكستان حيث تتبعَ بعض خطى جده الحكيم والفيلسوف ابن سينا وتأمَّلَ طريق الحرير وكذا الطريق التي تتبعها تيمورلنك وهولاكو وآخرون في رحلتهم المدوية حتى انكسارهم على أبواب دمشق (بالطبع ليست «دمشق 67» وهي رواية للكاتب)…
وقد صدرت، منذ فترة قصيرة، طبعة ثانية لكل من رواية «تفريغ الكائن» ورواية «الخلعاء»(التي كتبت بجرة قلم واحدة، ومن دون نقاط ولا فواصل) وقد التقيناه في باريس، مدينة إقامته، وهو عائد للتو من لقاء هام حول أدب الرحلة وارتياد الآفاق عقد في الرباط (بالتنسيق بين مديرية الكِتَاب التي يديرها الشاعر حسن نجمي وبين مؤسسة ارتياد الآفاق التي ينسقها أعمالها ودورياتها الشاعر السوري المقيم في لندن نوري الجراح) قبل أسبوع… وكان هذا الحوار اللافت والصريح والشامل.
vv نريد أن نعرف بدايات الدكتور خليل النعيمي الباريسية …
عندما وصلت إلى باريس في منتصف السبعينيات، بعد أن أنهيت دراسة الطب والفلسفة في جامعة دمشق وبدأت تسجيلي في باريس في السوربون للتخصص في الجراحة ولمتابعة الدراسة في الفلسفة السياسية المعاصرة كانت باريس، آنذاك، في قمة نشاطها الفكري والابداعي وأكاد أقول والجنسي أيضاً. لأن هذه السنوات القليلة التي تلت ثورة الطلاب في سنة 1968 كانت قد انفتحت على حركية اجتماعية سياسية هائلة، وخاصة في الحي اللاتيني. وأتذكر،الآن، أنني حين كنت أهبط شارع السان ميشيل من الليكسمبورغ حتى نهر السين كنت ألتقي بعشرات من المحلات والأكشاك التي تبيع الجرائد، وبخاصة الجرائد الثورية، جرائد الفوضويين: «الإباحي» ليبيرْتيرْ»، و«العالم الإباحي»، و«لطريق» لا رو»، وجرائد الحركات السياسية المتمردة الأخرى التي كانت تُباع على الرصيف، ونشرات حركة الـ «situationistes»، و«سوسياليزم أو بارباري» إشتراكية أو بربرية»، بالإضافة إلى الجرائد والمجلات المعتادة. وكانت الفئات اليسارية في فرنسا في تلك المرحلة نشيطة جدا وتقيم الاجتماعات واللقاءات التي تكاد أن تكون يومية. والحركة السياسية في أوج نشاطها. في تلك الأثناء لم يكن المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي يخيب الظن لمن جاء من بلادٍ مثل بلادنا إلى باريس. جاء ليبحث فيها عن العلم والثقافة والفلسفة، وعن الحرية والجنس، أيضاً، بعد أن أنهكه الحرمان السياسي و العاطفي في بلاده. وحين نتحدث عن الحرية فبالفعل إننا حين نصل إلى باريس نشعر فجأة وكأننا الجنيّ الذي خرج من القمقم. تحس نفسك خفيفاً وجميلاً، حتى لو كنت بشعاً. وأتذكر أحد أصدقائي العراقيين، وهو من الناس المُلَوَّعين، والبشعين، كان يعتقد نفسه سنونو صغيراً عندما يبدأ تجواله اليومي في شوارع الحي اللاتيني. كان يقول، متعجباً، حين أمشي في الشارع، في هذا الفضاء، وتحت هذه الأضواء، وأنظر إلى هذه النساء الجميلات حتى ولو لم أمسهنّ فذلك شيء خارق للعادة بالنسبة لي، ومبعث سعادة قصوى تلطُّف سعير الجحيم الذي جئتُ منه.
vv القليل فقط من الكتاب والمثقفين يعرفون أنك ساهمت في إثراء الجدل والنقاش والمعارك الثقافية والسياسية في باريس، إلى جانب أسماء كعبد القادر الجنابي والتونسي العفيف الأخضر، كما أنك أصدرت كتاباً لافتاً بعنوان «موت الشعر»، فهلاّ حدثتنا عن هذه الأشياء…
في هذه الفترة التقيتُ بأصدقاء عرب وصلوا أيضاً مثلي للتو إلى باريس. كان هناك شلة من الشباب الذين يهتمون بحال المجتمع العربي، والذين كانوا يبحثون عن منظور آخر للحركة السياسية العربية. لأننا مبكراً، في ذلك الوقت، بدأنا نحس أن الوضع السياسي العربي راكدٌ وسكونيٌّ ولن يؤدي إلى نتيجة. وأن الحركات العربية السياسية، وخاصة في شقها اليساري الذي كنا نسميه في ذلك الوقت بـ«الشق الستاليني»، هي حركات أُفُقُها مسدود، وليس لديها منظور تاريخي. كانت تبدو لنا حركات كسيحة، ومشوَّهِة، أقصد أنها تشوِّه الواقع والتاريخ . وأتذكر أن أحد الأصدقاء كان يقول لي مبكراً إن الامبريالية السوفييتية ستنتهي قبل أن تنتهي الامبريالية الأمريكية. وكان هذا القول بالنسبة لي، آنذاك، وأنا القادم للتو من دمشق المحافِظة، نوعاً من التجديف، لأنني كنت أتصور أن الاتحاد السوفييتي بعظمته وأيديولوجيته التي هيمنت على العالم الثالث لعقود طويلة سيستمر أكثر من ذلك، وسيعمّق مسيرته الاشتراكية. هذا اللقاء «الباريسي» بالحركة السياسية الهامشية، عربياً، كان له تأثير عميق على توجهاتي واهتماماتي ، حتى في مجال الكتابة. ولا تنسَ أنني وصلتُ إلى هنا، و«فكري» ملتبس وبليد، مع أن توتّراتي كانت في أوجها. هذا اللقاء العربي المنفَلِت معهم، والذي ترافق، بطببيعة الحال، بلقاءات أخرى مثيرة، وبخاصة مع «ثقافة» الفلاسفة الفرنسيين النقديين الذين أنشأوا ما يمكن أن نسميه حركة الـ«situationistes»، أو فلسفة الأوضاع، وهي حركة ألقت الضوء بشدة على الخاصية الراكدة أو الساكنة أو اللا متحركة للفكر اليساري العالمي الذي كان سائداً آنذاك. هذه اللقاءات المتوترة والخاطفة هي التي ستهزّ أركان تكويني النفسي والعقلي والإبداعي. وكان أحد أهمّ الأسماء في هذا التيار، تيار الثقافة النقدية المُجدِّد هو «غي دوبور» الذي كتب «المجتمع المشهدي». وقد كان أحد الأعمدة الأساسية في ذلك الحين. كان هناك، أيضاً، إلى جانبه صديقه «فانيغيم» الذي كتب أكثر من خلاصة ومن كتاب يعالح فيها وضع الإنسان في المجتمع الرأسمالي. وتكمن أهمية هذه الحركات في أنها كانت ترفض النهج الستاليني، وحتى التروتسكي المتشدد، وتحاول أن تخلط «ماركس» بـ«هيغل»، وهي تكاد تكون على حافة الحركة الفوضوية، إنْ لم تكن «فوضوية نقدية» بحق. ومهما يكن الأمر فقد شغفَتْني الحركة الفوضوية والتي كنتُ، أنا أيضاً، وإلى سنوات عديدة، أعتبر نفسي تابعاً لها. للحركة الفوضوية، التي كانت ترفض «السلطة» رفضاً عميقاً ، «السلطة السياسية»، و«سلطة الثقافة السائدة»، و«سلطة الدين». هذا، كله، ألقى الضوء بشدة، وبشكل حاسم، على المصير المحتمل والبائس الذي تنتظره الحركات اليسارية الكلاسيكية وبخاصة في العالم العربي. وقد انبثقَتْ، في ذلك الوقت، أكثر من محاولة عربية شبابية لإنتاج أو لمهاجمة أو تكسير الوضع السياسي العربي الميت، مما أدى إلى إنشاء بعض الصحف أو بعض النشرات من بينها «سلطة المجالس» للعفيف الأخضر، ونشرة «الرغبة الإباحية» لعبد القادر الجنابي، ومنها نشرة صغيرة أصدرتها أنا بمساعدة رفاق آخرين اسمها «أهواء»، وكان شعارها: «للنقد والتحريض والتخريب/ من أجل الثورة المباشرة». باعتبار أن تخريب العالَم القديم شغف، كما يقول «باكونين». وأتْبَعْتُ هذه النشرة الصغيرة والتي استمرت لفترة قصيرة، بتنظيرات إضافية حول مفهوم «الثورة المباشرة». تنظيرات كُتِبَتْ على عدة دورات، وكانت متأثرة بشكل أساسي بالنزعة النقدية التي كانت منتشرة، آنذاك. كنتُ أتصور أن «الثورة المباشرة» التي ستتخلّص من سيطرة الفكر الحزبي، والديني، والجُموعي عليها، ستخلِّصنا، أيضاً. كنتُ أرى فيها «ثورة الفرد الواعي» في حياته اليومية. وكنتُ أعتبرها إحدى الضرورات التي يجب على الإنسان العربي أن يتمرَّس بها من أجل تطوير الوضع الخانق، الذي كان سائداً في العالم العربي، آنذاك، والآيل، دون ريب، إلى الجمود فالإندثار، إنْ لمْ يُجدد.
vv وهل في هذه الفترة ظهر كتابك «موت الشعر»؟
في هذه الفترة أصدرتُ كتيّبا صغيرا اسمه «موت الشعر» وهذا الكتاب صدر في باريس عن دار نشر صغيرة، وأُعيد طبعه في مجلة دراسات عربية الصادرة عن دار الطليعة، في بيروت. هذا الكتيب اعتمد على دراسة لشعر أدونيس باعتباره أحد كبار الشعراء العرب الأحياء، وانطلَقَ من نظرة خاصة إلى دور الشعر وارتباط الشاعر بالسلطة وعلاقة الشعر بالجمهور وبالتالي محدودية التأثير النقدي للشعر في الفكر الإنساني على المستوى السياسي وعلى مستوى الوعي أيضاً. لكنني فيما بعد لم أتابع هذه الأطروحة التي ضمّنتُها في «موت الشعر» .
vv من المفروض أنك جئت إلى باريس لدراسة الطب، لكنك لا تكاد تذكر هذا الجانب حين تتحدث عن بدايات باريس وتركز أكثر على الجوانب السياسية والفلسفية والفكرية، فهل لأنك مأخوذ بالثقافة أكثر؟
أتصور أن السبب في ذلك هو إنشغافي بفكرة المجتمع. فأنا كبدوي نشأتُ في الصحراء وكبرتُ فيها، تعلمتُ صدفة ودخلتُ الجامعة فيما بعد، لأدرس الطب والفلسفة. كانت تحركني رغبة عميقة في التواصل مع الآخرين. كنت أتصور دائما أنه لا يمكن أن ننفذ إلى قلب الكائن إلاّ عبر الفكر. وأن العمل المادي، جراحياً أو غير جراحي، ليس وسيلة أكيدة لتقريب الناس بعضها من بعض. وأن العمل بعلاقاته الاجتماعية المزيفة، غالباً، ما يكون مصدر نفور وإرهاق. ولأنني من عائلة أُمّية، ومن قبيلة أُمّية بالكامل، صرت أحس بقرابة عميقة مع المفكرين والفلاسفة والكتاب الذين أقرؤهم. كانوا هم آبائي الحقيقيين. حتى أنني عندما زرت أثينا، وصعدت إلى صخرة الأكروبول، كنتُ أكتب برأسي، وأنا أَرْقى، الُجمَل التالية: «يصعدُ الجبلَ بعد عشرين قرناً الرجلُ الذي جاء من بادية الشام. يصعده باحثاً عنهم، عن آبائه، الذين عرفهم أكثر مما عرف أباه.» هذا المقطع يلخص تقريباً اهتمامي العميق بالفكر وبالكتابة وبالأدب. لأنني أتصور أن الانتقال من مجتمع بدوي مسطح وأفقي، وهو مجتمع إلى حد ما غير تراتبي ولا تراكم فيه، لا للثروة ولا للمعرفة، إلى مجتمع مثل المجتمع الدمشقي ثم المجتمع الباريسي، بعد ذلك، جعلني أحس بأهمية الاتصال بالآخر، وأبحث عن طريق أكثر حميمية وعمقاً، غير طريق المهنة، للوصول إلى ما أُريد. ووجدتُ أن الكتابة، والرواية منها بشكل خاص، قد تكون أفضل الوسائل لبلوغ ذلك. ولا بد، أن ثمة مسالكَ أخرى للتفسير، لكن تفسيري هو هذا.
vv تحدثت عن «موت الشعر»، والتجأت إلى كتابة الرواية، ولك العديد منها، فهل هذا الزمن هو زمنُ الرواية؟ ثم إنك تكتب أدب الرحلة إلى جانب الرواية، فهل الرواية عاجزة عن قول كل ما تريد أن تعبر عنه؟
بدأتُ نشاطي الأدبي شاعراً، وأصدرتُ أول كتاب لي وهو ديوان «صُوَر من ردود الفعل لأحد أفراد العالم الثالث» وكنت طالباً في كلية الطب في جامعة دمشق. والديوان مُنِع في دمشق بعد أسابيع من صدوره، مع أنه تمت الموافقةُ على طبعه وتداوُله. صُودِر، وأُعْدِم، ولم يبق لديّ منه إلا نسخة واحدة للذكرى. قد يكون ذلك المنع التعسّفي، عاملاً من عوامل هربي من الشعر، أو هرب الشعر مني، إذا أردنا الدقة. وعلى أي حال، كنتُ في ذلك الوقت، أقرأ كثيراً، والتقيتُ بدويستوفسكي وجعلتني قراءتُهُ، هو بشكل خاص، إضافة إلى كتاب آخرين، أنتقل من طور إلى طور. من طور الوعي الشعري المُسطَّح العاطفي البرّاق اللفظي الذي يكاد يكون لَغْواً، إلى طور آخر. طور جعلني أقشعرُّ تحسُّسآً، وارتباكاً. جعلني أعيد النظر في علاقتي الشخصية بكل شيء تقريباً. وهو شعور كان بالنسبة لي في ذلك الوقت لا يمكن تصوّره، لأنه، ببساطة، يقع في نطاق المقدّس الذي لا يخطر التفكير فيه، حتى مجرّد التفكير، على البال. مع ديستوفسكي، أدركتُ أن على الكائن أن يشك بكل شيء. حتى بعائلته، بأهله، بأبيه، بأخيه. في هذه الأثناء حدث، فجأة، ما يشبه القطيعة بيني وبين الشعر. الشعر الذي كان «يربطني بقومي» كالحمار الأليف، أو لنقل كخروف مجهَّز للتضحية به، دون أن يدري، وهو فخور بذلك. لقد بدا لي أنه من السهل أن ننجرّ وراء ألفاظ تهاجم المحظورات أو تهاجم الممنوعات دون أن نتمكّن من التعمٍّق النقدي في حقيقتها. وقد تكون المصادرة ساهمت في تسريع تَرْكي للشعر لأني اكتشفتُ أن غواية الألفاظ قد تكون أكبر من الرغبة في الإدراك، وهو على أي حال أمر رهيب. وفيما بعد أدركت خطورة مثل هذا الإبتسار بعد أن تبيَّنْتُ أن الأوضاع هي التي تسيء إلى الحياة لا الصيغ ولا البلاغات. يومها خطفَتْني فكرة الرواية. وبدأتُ أُنشيء علاقة جديدة بالوجود. وبالفعل، فإن الرواية، فيما بعد، هي التي جعلتني ألتقي بذاتي الجديدة، بعد أن تخلَّصْتُ، ولو نسبياً، من مشاعري اللغوية القديمة، مشاعري التي تكاد تكون محدودة الأثر. هي التي نقلتني إلى طور جديد، طور صرتُ فيه قادراً على أن أنظر إلى العالَم وإلى الآخرين نظرةً أخرى كنت أُحسّها، أنا شخصياً، أكثر مدنية وأكثر تحضراً وأكثر عمقاً وأكثر نقداً. ومن هذا المنطلق تابعْتُ كتابة الرواية. وأتصور أن الناقد د. جابر عصفور الذي قال: «إن الرواية، الآن، هي ديوان العرب» على حق، لأننا نرى، الآن، كلّ الشعراء العرب تقريبا يكتبون الرواية، أو ينتقلون من الشعر إليها، أو إلى ما يشبهها، أو على الأقل إلى الكتابة «المروية». لكن المسألة تظل، كما أتصوّر، أعقد من ذلك بكثير، وهم لذلك، غالباً، ما يفشلون. لأن التصوّر الشعري للعالم، غير التصوّر الروائي للوجود. الشعر يعالج العالَم، الصورة، أما الرواية فتعالج «الوجود»، الكينونة الفردية بالخصوص. وطبعاً هذا لايمنع أن يتنافَذَ التصوران، وأن يتلاحَما، ولكن بقلم مَن؟ في الرواية تحسّ نفسك «خالقاً» و«مبدعاً»، لا للشخوص الروائية، فحسب، ولكن «للأوضاع» الإنسانية، أما في الشعر فأنت في مرحلة أخرى.
vv كيف انتقلت إلى أدب الرحلة؟
أنت تعرف أنه قد صدر لي قبل الآن، سبع روايات وثلاث كتب حول الرحلات… الكتاب الأخير «قراءة العالم» حاز على جائزة ابن بطوطة للرّحلة المُعاصرة، التي تمنحها دار السويدي في أبو ظبي. أما لماذا التجأتُ إلى كتابة الرحلة؟ فمنْ يدري؟ لكنني أستطيع أن أُبَسِّط الأمر فأقول إن انتقالي من دمشق إلى باريس وانتقالي من قبل من البادية إلى دمشق فتّح عينيّ، بعمق، على أهميّة المكان. وصرت أحسّ بشكل من الأشكال، بماهية العلاقة الخفية والسرية بين الكائن والمكان. وبدأتُ أرى ما يحيط بي بشكل آخر. حتى أنني صرت أنظر إلى أبي وهو في الصحراء وإليّ وأنا في المدينة وإلى الآخرين وكأننا جزء من «الأمكنة» لا كائنات مستقلة عنها. وبدأتُ أخلط بين الكائن والمكان. وبالتالي فإن المكان لم يَعُد شيئا مجرَّدا… لم يعُد منظراً ولا مَشهداً، ولم يعد حجارة وأنواراً وشوارع، فحسب. لقد صار بالنسبة لي «وضْعاً إنسانياً» له اعتباره الخاص. إنه كالكائن يحيا ويموت. أقصد يتجدد مثله ويهترئ. ثمة أماكن ننساها، ولا نعود نزورها. وهناك أمكنة تغدو، فجأة، «على الموضة»، يزورها الناس مع أنها لا تضيف لهم شيئاً. وإذا ما أردنا أن نذهب في هذا المنطق إلى آخره، نستطيع أن نقول : «إن المكان هو كل شيء في الوجود». واضح؟ للمكان حياته. له أبعاده وتعقيداته، وله معتقداته. لكن كتابتي عن الأمكنة تكاد تكون كتابة سرية للرواية. أو هي الرواية من وجهة نظر مكانية، بالأحرى. لأني عندما أحكي عن الأمكنة أجد لنفسي، أيضا، مكاناً. ولكن أين هو مكاني ؟
vv ولكن لِمَ تفعل ذلك؟ ما هو هدفك، أو غرضك؟
ما يجعل كتابة الرحلة ممتعة هو شعور اختراق الحدود الفعلي عندما نرحل. وبالفعل نصير نحس أننا نتجاوز كل الحدود عندما نترك المكان الذي نحن فيه، الذي ألفناه، والذي عرفناه وأنشأنا فيه صداقات وأقمنا فيه علاقات إلى مكان آخر.
في الرحلة يغدو تَرْك المكان المألوف شبه أسطورة. وهذا الإحساس الغامض هو نوع من العلاقة الحميمة، بين الكائن والمكان، قبل أن أي شيء آخر. فعندما نترك المكان المألوف وننتقل إلى مكان آخر، خاصة إذا كان المنتقل أو الراحل أو المسافر مبدعاً أو كاتباً أو مفكراً فإن «الحدود» عنده تتقلص وتتلاشى كثيراً. وبالتالي يصير يشعُر بحرية أكثر. وقد يشْعُر أيضاً بأن كتابة الرحلة هي اللحظة الوحيدة التي ليس عليه أن يتقيد فيها بنمط معين، لا من حيث شكل الكتابة ولا من حيث المشاعر ولا من جهة الخطاب. فهي كتابة لا يتوجه فيها إلى أحد، أو على الأقل، هذا ما أحس به أنا. وهو ما أسمّيه أنا : «الكتابة المباشرة» لأنها كتابة حيَّة، آنيّة، تصف العلاقة العاطفية مع ما، ومَنْ، نرى ونعايش «على الحارك». هي لا «تفَبْرك»، ولا تُزيِّف. هي أصدق الكتابات لأنها كتابة تفرضها علاقة المنظور وعلاقة الإحساس بين الكاتب وبين المكان الذي يتحرك فيه.
في كتابة الرحلة ليس هناك رسالة. أو هي رسالة إلى مجهول. رسالة لا تعني أحداً غير كاتبها (مع أني لا زلت أحس نفسي كاتبا مهتمّاً بشكل من الأشكال بالمحيط الذي نشأتُ فيه والذي أتوجه إليه في كتابتي). هي نوع من الفانتازيا. نوع من التمتع الشخصي بالمكان بغض النظر عن أي دوغما. وهو ما يعطيها بالفعل بُعداً آخر.
vv يوجد تيار جديد يطلق عليه كتابة الأنانة؟
سؤالك يجعلني أفكر في سؤال: ما هي الرواية أصلا؟ هل هي سيرة ذاتية أم هل يمكن للسيرة الذاتية أن تُكْتَب كرواية، وهل علينا أن نكتب روايات القرن التاسع عشر أو السابع عشر أو الرواية الاجتماعية، لكن لكي لا نذهب بعيداً علينا أن نعترف أن ليس هنا لا شكل ولا مضمون ولا هيئة ولا حدود للعمل الروائي. الروايةُ هي أيّ كتاب بين دفتين ومكتوب عليه كلمة «رواية»، حسب تعريف البرتغالي ساراماغو. لكن المشكل هو كيفية تقييم هذا العمل من قِبَل القرّاء والمُُستَقْبِلين. هل يهمنا هذا الشكل أم ذلك الشكل الآخر، هذه مسألة أخرى. أما مسألة لجوء الكُتّاب العرب إلى تخييل السيرة الذاتية أو إلى إنشاء عمل روائي اعتباراً من الأنا، هو، في الواقع، شيء يحدث كثيراً ، وهو، مع الأسف، تقليدٌ لما يحدث الآن في الغرب البورجوازي. لأن الحياة في الغرب صارت، منذ عشرات السنين، محدودة ومريحة ولم يَعُد فيها أي مُغامَرة ولا أي اكتشاف. وليس ذلك حكم قيمة، أو مسَبَّة، إنه مجرد إخْبار بما هو واقع. لكن لذلك تأثيراً سيئاً، بشكل أو بآخر، على الإبداع، وبخاصة على الرواية التي لا تقوم إلا على «إشكالية ما». هكذا يجد «الباريسي»، مثلاً، نفسه وهو يكتب رواية، مدفوعاً بقوة، حتى لا نقول «مُجْبَراً»، على تخييل حياته اليومية. لكننا لا نفهم الكتاب العرب الذين سيقلدون هذا النمط من الكتابة «الصقيعية»، وحياتهم ملأى بالبؤس والقمع والاستلاب والعمالة والنذالة والإحباط. وهي حياة لا تحتاج إلى وصف مبتذل، وإنما إلى نقد عميق وجبّار. يجب أن يخرج الكاتب العربي، إذن، من دولاب تقليد الغرب، على مستوى الشكل، والمضمون. فليس كل ما يفعله الغرب صالحاً، ولا كل ما يطبِّلُ له الغرب يستحق الإحترام. إن غياب الحدث «الفاجعي» أو الحدث المبدع في الحياة الغربية جعل أكثر كُتّاب الغرب، تقريباً، ومنذ عشرات السنين، يكتبون سِيَرَهُم الذاتية، وأحيانا يغرقون في تفاهاتهم ، بحجة كتابة اليومي والعابر، مثل الروائية الفرنسية «كريستين أنغو» التي تكتب عن كل تفاصيل حياتها اليومية، دون أي بعد وجودي، حتى لا نقول ميتافيزيقي. وعندما نقرأ ما تكتب نكتشف التسطيح الهائل حتى للحدث العادي الذي قد يكون يحمل في بنيته بُعْداً درامياً آسراً. لأن كتابة التفاصيل هي الأخرى فن. وهي لا قيمة لها إلا بما تحمله من رؤى وأساطير خفية. المسألة إذن هي كيف نكتب التفاصيل، ولماذا؟ خارج هذا التقليد هناك، بالتأكيد، كتّاب عرب يكتبون بشكل آخر، وتثيرهم مصائر أخرى. وبتصوّري تكمن العبقرية الروائية في الآتي: جميع الكتّاب، في رأيي ، بدءاً بدويستوفسكي وانتهاء بإدوارد الخراط يكتبون سيرتهم الذاتية باستمرار. ولا يكتب الكاتب إلا رواية واحدة طول حياته. لكن عبقرية الكاتب تأتي من انشغاله باللغة. سحر اللغة، والتمرّس بها قد يسمحان للكاتب بكتابة حياته عشرات المرات دون أن يكون ثمة تشابه بينها.
vv كيف ترى علاقتك أنت باللغة؟
بالنسبة لي اللغة أمر أساسي لا من أجل الكتابة فحسب، وإنما من أجل السلوك. فالكائن الصامت لا موقف له، ولا مكان في التاريخ. ولا أكاد أتصوّر مبدعاً بلا لغة خاصة به. وما أسميه أنا «الكتابة العربية الواحدة» المنتشرة اليوم بشدة يعود بالتأكيد إلى هذا المناخ اللغوي الذي فُرِّغ من محتواه. اللغة، لكن ليس اللغة الحيادية، ولكن تلك التي تحمل فكراً ولها بُعد نقدي بشكل أساسي، هي التي تستهويني، وتحرّكني. وهذه ليست هي لغة القواميس، ولا لغة الصيغ الغريبة، ولا الاستيهامات اللفظية، ولا التزيينات، ولا الاشتقاقات الكبرى، إنها لغة الحياة الحرة. لغة الكائن الذي أدرك أن تحرره يبدأ من لسانه، وليس فقط من عواطفه. وقد سبق وكتبت في روايتي «الخُلَعاء»: «مَنْ يقبل أي تنازل في اللغة، يقبل أي تنازل في الحياة» وأعتقد أن ذلك يكفي لشرح الأهمية القصوى التي أحس أن اللغة جديرة بها.
vv إذا كان الروائيون من دويستوفسكي إلى الخراط لم يفعلوا شيئا سوى أنهم كتبوا حياتهم، فلماذا لم تكتب أنت شيئا عن عملك الطويل في الجراحة والطبّ ولا عن إقامتك في باريس منذ فترة طويلة، علما أن روائيين عربا وعجما كتبوا عن هذه المدينة التي لم يعرفوها إلاّ وهم في ترانزيت…
نعود لنفس المشكلة. ليست هناك قوانين ثابتة في الموضوع. إضافة إلى أني إنْ لم أكتب، بعد، عن الجراحة ولا عن باريس، فهذا لا يعني أنني لن أكتب يوما ما عن هذا الموضوع. المهم ليس لماذا لم يكتب كاتب عن هذه المهنة أو هذا المكان بل هو كيف يكتب، ولماذا؟ أما متى يكتب، فذلك أمر ثانويّ. حين يكتب الكاتب رواية عليه أن يطرح دائما الأسئلة الأساسية في فعل الكتابة : «أكتبُ لمنْ؟ ولماذا؟ وكيف؟» وحين نجمع هذه الأسئلة الثلاث نستطيع أن نتخيل كيف يمكن للقاريء الحصيف أن يدرك منذ السطور الأولى، نجاح الكاتب أو فشله، قبل أن يتعذّب في قراءة لا جدوى منها، في أكثر الأحيان.
vv يوجد تراكم روائي عربي رهيب، وأنت باعتبارك قارئا وروائيا ما هو رأيك في المنجز العربي روائيا…
أتصور أن المنجز الروائي العربي في الإجمال إيجابيّ. هناك كتاب عرب كبار. وكثيرون منهم لهم إنجازات رائعة. برغم ذلك ثمة عوائق تحد من انطلاقة الكاتب العربي، ومن تجَوْهره. أمران أساسيان يجب التنديد بهما عندما نتحدث عن الإبداع العربي : غياب الحرية، وتعلّق الكتاب بالسلطة. وإذا لم يكن من الضروري البرهنة على غياب الحرية العميق في العالم العربي، فإن التعلّق بذيول السلطة يحتاج إلى أكثر من «كلام». ويكفي أن نشير إلى أن المناصب الرسمية أو شبه الرسمية، بأشكالها المختلفة، من رئاسات التحرير، إلى المحررين، إلى الإتحادات الأدبية، إلى الأعمدة في الصحف، إلى … كلها ترتبط بشكل أو بآخر بسلطة ثقافية أو سياسية. نحن لا ندعو إلى استقالة جماعية من أجل الإبداع، لكننا بصدد تشخيص بعض العوائق التي قد تكون أسبابها أهمّ بكثير من الأدب عند مَنْ يكون مضطراً لممارستها. لكن هذا لا يغيّر في الأمر شيئاً، لأنها تبقى عائقاً أساسياً، وبخاصة عندما تهيئ لممارِسها شهرة سهلة لا تستند إلى إنجاز عبقري. إلى ذلك يمكن أن نضيف رُعْب الرقابة بحدّيْها : رقابة السلطة ( والرقابة الذاتية جزء منها)، ورقابة القارئ المحتمل (مع أن الكتاب العربي لم يصل إلى مرتبة السلعة المربحة، بعد).
هذه العوائق الأساسية، أو المُثبِّطات المعرفية، أو الخشية العميقة اللامفهومة، أو الاستيعاب الممنهج للكتاب من قبل القوى القادرة على استيعابهم، وأمور أخرى كثيرة مثل الحياء الإجتماعي، والتبرير، وحبّ التلاؤم، والخوف من نُفور الآخرين، و… هي التي تجعل الكتابة العربية، اليوم، كتابة «فاترة» إلى حدّ ما أو باردة أو بائخة أو مستعادة أو تقليدية، أو بلا قيمة تاريخية، أو لا تستحق القراءة، أو كتابة شبه مقروءة ومفهومة حتى قبل أن نقرأها. لماذا؟ لأنها كتابة بلا جديد، وإنْ بدت متجددة باستمرار. طبعاً، هناك كُتّاب عرب كبار ، كما قلتُ، يكتبون ما يفكرون فيه ولهم دور أساسي في الحياة الاجتماعية العربية. لكننا بصدد التعميم، لا التخصيص.
vv والترجمة؟ أي دور تلعب؟
بدخول الترجمة إلى حلبة الإبداع، صار الوضع أكثر سوءً. وأحب أن أضيف أن الكاتب العربي المستَلَب يعاني اليوم من مسألة الترجمة أكثر مما يعاني من عدم اكتراث قرائه بما يكتب. وهذه ظاهرة خطيرة ومميتة. وتشارك في هذه الخديعة القاتلة دور النشر والصحف والمعلقين الثقافيين والسلطات الثقافية وطبعاً، الكتاب أنفسهم. وأكاد أتساءل من جديد : «لمن نكتب؟ لنا؟ أم لهم؟ ويخطر لي أن أضيف أحياناً على غلاف رواياتي الجملة التالية» : لم تترجم أعماله إلى أي لغة.» إن مشكلة الغرب والترجمة، عامل أساسي آخر لتحطيم الإبداع عند الكائن العربي. إذْ يعتقد الكثير من الكتّاب العرب أنه عندما يترجم يصبح عالمياً. هذه الكذبة الحقيرة هي التي ستسمّم، أو أنها سممت من قبل، الحياة الثقافية العربية. أعيش في باريس منذ عقود، وأتردد باستمرار على المكتبات ودور العرض الثقافية، ولم أَرَ إلا نادراً جداً جداً، في واجهةِ أي مكتبةٍ كتاباً عربياً مترجماً، لا لأدونيس ولا لمحمود درويش ولا لصغار المُتَرْجَمين.. ولا لكبارهم إلا نادراً، وخلال أيام معدودة، وبعدها يختفي كل شيء. مسألة الترجمة ، إذن، ليست مسألة إبداع فحسب، وإنما هي، أيضاً، مسألة سياسية ومسألة أنظمة ومسألة كُتّاب ومسألة علاقات مباشرة. الخطورة لا تكمن في الترجمة وأنا لستُ ضد الترجمة، وأنا لولا الترجمة لما كنتُ، الآن، في باريس. لولا ترجمة العرب لدويستوفسكي ولتولستوي ولكبار الكتّاب لما كنتُ الآن هنا ولا تكلمت هذا الكلام . وفي تراثنا العربي الإسلامي نحن نعرف الدور الأساسي الذي لعبه بيت الحكمة في زمن المأمون للترجمة والاتصال بثقافات العالم القديم وكان هذا ال جهد ةالهائل وراء التطور الذي حدث لا في الشرق فحسب وإنما في الغرب أيضا. المشكلة، اليوم، هي استيلاب الكتاب العرب بالترجمة ونخشى أن يتحول المبدع العربي إلى دجاجة تبيض كتباً لكي تُتَرْجَم، وعندما تترجم تُرمى في مزابل الغرب.
vv ثمة مسألة الجوائز الأدبية التي أصبحت تتناسل كالفِطْر، وتثير كثيرا من الجدل.. ما هو رأيك فيها؟
في رأيي أيضا أن مسألة الجوائز، مع أنها مفيدة للكتاب العرب، وأنا أهنّئ الكتّاب الفائزين بها قد تصبح، أحيانا، عبئا على الإبداع. هذه الجوائز ستكون، إن استمرت على هذا الشكل، الضربة القاضية أو القشة التي ستقصم ظهر الإبداع العربي. لأن الكاتب العربي أصبح يكتب من أجل الحصول على هذه الجائزة العربية أو تلك…وأحس أننا قريبا سنشهد ظاهرة جديدة هي «كُتّاب قيد الطلب»، ُتحدِّد لهم سلطة ما، أو جائزة ما، أو هيئة ثقافية ما، موضوعاً تختاره هي وعليهم أن يكتبوا رواية حوله! تصوَّرْ. هذه الجوائز ستدمّر وعي الكاتب العربي… لأنه يجب أن نعرف أنه لا يمكن أن يكون للكاتب قيمة لا بالجائزة ولا بالترجمة، وإنما بإبداعه الخاص. وأن قيمته الأساسية تكمُنُ في نقده العميق لمجتمعه، لا في اعتراف الهيئات الثقافية الرسمية به.. قيمة الكاتب هو أن يكون دائما ضد المحيط الذي يوجد فيه، لأن الكاتب ضميرُ المجتمع وهو منشق باستمرار. وأنا لا أتصوّر وجود كاتب حقيقي في الغرب أو في العالم العربي راضٍ عن الوضع الذي يوجد فيه. . ما هو مبرر الكتابة إذا؟ أوليس هو النقد المعرفي، والتعرض بالسوء لوضع لا نوافق عليه؟ الكتابة هي التورط في مواقف تاريخية وليست تبريرا للسوء والابتذال. أحب الكتابة بعينين قاسيتين، ولكن من سيمنحك الجائزة هذه المرة؟
vv أصدرت في السابق رواية لم تستخدم فيها الترقين، ولم تُستقبَل بكثير من الترحاب، فهل هو دليل إضافي على طغيان المحافظة في الواقع العربي؟
تتكلّم عن رواية «الخُـلَعاء». لقد لاقتْ بعض الاهتمام عند صدورها. ولكن، لندَعْ ذلك الآن فله شأن آخر.

حوار: محمــد المزديوي
كاتب من المغرب يقيم في فرنسا

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …