أخبار عاجلة

دوائر من حنين: سعيد الكفراوي

بعد أن كانت ثنائية الموت والحياة تحكم أعمال سعيد الكفراوي القصصية السابقة وخاصة في "مجرى العيون " و" بيت للعابرين " حيث كان المفتاح الى بنائية القصة هو التقابل بين الجدب والخصوبة، بين المجرد الكلي والجزئي الحسي، أي مواجهة النقيضين أو التراوح ( وهو التفاعل ) بين طرفين، فإن "دوائر من حنين "، تحكمها تيمة الحنين الى الحياة _كما يفصح العنوان _ ومع أن " الموت " له حضور مراود في "دوائر من حنين"، سواء كان معنى مجردا أو واقعية حسية تتمثل في المظاهر التي يتخذ منها قوالبه الثابتة أو الطقوس المحيطة به أكثر بكثير من كونه واقعة عضوية معاشة _ فالموت لا يمكن إلا أن يعاش، لكن ميزان العمل كله يميل أو يجنح نحو الانحياز الى الحياة و" محاولة دفع الموت المحاصر" ( ص 82) فهذه العبارة مفتاحية أتصور أنها تلخص وتقطر كل خبرة هذا العمل القصصي.

سعيد الكفراوي كاتب له الآن باع طويل في الكتابة القصصية، ويتميز بقرادة خاصة وأصيلة لا يضارعه فيها الكثيرون، سواء من حيث الرؤى الخاصة التي تعمر عالمه القصصي أو من حيث البناء النصي أو أخيرا من حيث تمكن الأداة اللغوية.

التيمة أي الموضوعة الأساسية في هذا العمل الجميل، إذن، هي "الحنين الى الحياة " في تنويعات وتنغيمات متعددة ومتراوحة يجمعها نسق شامل.

لعلني أتلمس على الأقل أربع تفريعات يمكن أن تندرج تحت هذا النسق:

– عودة الحياة الى الرميم وتجاوزها المستمر.

– ألم الحنين الى الحياة.

– صحوة الايروسية والرومانسية الكامنة.

– الرعب من الشيخوخة.

وبالتداغم مع هذا "الرؤى – الخبرات " نجد الصياغات المنصهرة معها وبها.

– ظهور العنصر اللاواقعي واندماجه بالحياة.

– تهشير  أو تغييم الحدود بين الأشياء والشخوص والمواقع.

– الترميز أو التشفير.

– الخلفية الدرامية أو المسرحية وما يقترن بها من ميلودرامية العبارة.

ولا يمكن بداهة، أن تكون هذه التيمات – أو الصياغات – منفصلة عن بعضها بعضا انفصالا معمليا ولا يمكن أن توجد أو تتجلى نقية خالصة بحد ذاتها، هي بداهة. تتمازج وتتداخل وتنصهر، لكن السمات الرئيسية هي التي يهم أن نتلمسها، فلعلها تضيء الى حد ما معايشة ضرورية للعمل الفني.

أما عودة الحياة الى الرميم وتجاوزها حدودها الدنيوية المألوفة الى ما وواءما فهو ما نجده منذ أول قصة – أو أول نغمة في تركيب متجاوب النغمات _ إذ الراوي في "شرف الدم " يعود الى قريته فيجد أبناء عمومته يعيدون بناء مقبرة العائلة، وما من نية عندي أن أحكي القصة، العمل القصصي لا يحكى، في النقد، بل يعايش بخبرة مباشر ة حميمة، ذلك من قوانين ايماني النقدية، إنما أشيه. الى ايماءات على النص قد تعين المتلقي على حسن التلقي، وله مطلق الحق في آن ينأى عنها إذا أراد.

وعلى مستوى الصياغة الحرفية فقط نلحظ منذ بداية هذه القصة _ أو الفصل – تقنية ما تني تتردد عند هذا الكاتب، هي بذاتها موحية ودالة. فبعد أن بدأ القص بفعل ماض "اتكأت الى شجرة المستكة " (ص 9) بضمه. المتكلم، إذ نجد النص ينتقل من هذا الاستناد على شيء أو كيان حي ورفاف

_ شجرة المستكة _ الى صيفا الفعل المضارع "أقف في الممر الذي يفصل بين المقابر" فها نحن كأنما نترك الماضي المندثر، حتى لو كان ذلك منذ لحظة، الى الراهن المضارع الباقي الذي يتحدى الدثور أو الانقضاء " أقف.." أقف الآن..وأين ؟ في الممر بين المقابر، أي فيا هو لا يقع تحت سطوة الموت، بل في المجاز بين رموزه وقوالبه، في الطريق المفضي الى الحياة.

تلك تفصيلة صغيرة لكن مؤشر ة، أما أب الخبرة هنا فهو الأب الذر مات ولم يعثر له أحد على عظام أو جمجمة _ كأنما قد تجاوز الموت _ هو نفسه الابن الكهل الذي مازال يحتفظ بصبيانية أو طفلية لم يبرأ منها.

لم يمت الأب إذن، بل هو الذي يتجلى في المرايا، هو هو الرائي والمرئي معا، ليس فقط في " تيار الدم ينتفض. مارا بشراييني حتى ابني الصغر،،" (ص 15) بل في "سلالة أب عن جد" (ص 16). الموت إذن قد دحض ودحر. في أسطورية السلالة التي لا تنقضي. تيمة عودة الحياة واستمرارها التي عرفها المصريون _ وكل الناس ربما _ منذ القدم القديم.

ذلك هو ما يتبدى في نص جميل وخصيب، يأتي بعد النص الأول مباشرة : "البنت التي وارت الباب للحلم " فالقتل ينتهي به النص ليس نهاية ولا موتا، بل هو طمأنينة ووصول أي تجاوز للموت، هذه لحظة امتنان، واتصال بما هو فوق عرض الحياة "مدركا أنه أحد الواصلين , أولياء الله"

(ص 20).

جمال هذا النص يتأتي في تصوري عز غموض السرد والتباسه بالشعر وتداخل النجوى والحوار بالحكي، وانتقاض التسلسل الحدثي على نفسه، ذلك كله ما يلائم طموح النص الى الوصول الى ما وراء السرد المطرد على سننه، بالضبط كما يلائم وصول الرافد الى حلم _ هو في الوقت نفسه حقيقة نهائية – حلم أن يموت مقتولا بالسكين، وقد وارت بنته الباب لدخول الحلم في إيحاء بقصة حب في. مروية لكي يموت وهو يحيا في المطلق، لكي يصل الى وجود صوفي مفارق للدنيوية، "إنه أحد الواصلين، أوليا، الله".

"الحياة (دائما) من أمامنا يا رجل (ص 30) التي تأتي في نص "العراة "، هي بالفعل ما يحفز كل نصوص ورؤى "دوائر من حنين "، في هذا الكلمة الموحية علي لسان ما يمكن أن فتمثله كاتبا كبيرا من كتاب الستينات يواجه الموت._ مع الراوي الذي يمكن أن فتمثله بدوره هو نفسه كاتب النص – ولكن الجسم والروح المتشبثين بالحياة ينكران الموت، ليست هنا ثنائية بل هي اثبات للحياة حتى لو كانت الحياة مقضيا -عليها – في الظاهر وفي الواقع – بالانقضاء. لكنها من ثم "تظل من أمامنا".

في سياق الاحتفاء بالحياة يأتي – في تصوري – ذلك الانتباه اليقظ الى أشكال أو تعقليات هذه الحياة في الريف أو الحضر على السواء في الشجر والخضرة، ومنذ أول كلمة "اتكأت الى شجرة المستكة " تتوافر أشجار الكافور والتوت والسنط والأثل والليمون والنخيل والجوافة والخروع وشجرة الجميز "التي تسمى باسم آلله" أما التوتة فقلبها رحيم، ورائحة الياسمين، هكذا تتضرع النضارة ويسري ماء الحياة في النص سواء كان ذلك في بشنس أو برمهات، سواء على البئر المعين أو على كيمان السباخ أو في الغيطان المونعة.

لكن ليست الحياة بهجة خالصة ولا هي غضارة ونضارة فقط، "هناك، ان عملية الحياة نفسها تتضمن – بالندوة – معاناة وألما. ذلك ما ينبيء به فصل ""حنين مؤلم " بتفر يعاتعة السبعة.

في "جلديلة لمريم " ألم معاناة المرض يرجعنا الى،ريعان الصحة والصبا، وفي هذا النص فإن ما يحدث للواصل، في نص "البنت التي واربت الباب للحلم " يحدث حين تقبض السيدة غير المسماة _ إلا في العنوان ربما _ على النار، ثم تجتث شعرها كلا بسبب ألم لا يطاق تبكي منه بالنيل وحدها، لماذا الألم ؟ لا يبين النص ولكننا فيما أظن نستشف أنه ألم الحياة نفسها.

وفي "رفة جفن " لعل ألم انهيار الواقع والتباسه بالخرافي واللاواقعي يوحي بأن الاستنامة الى العادي والمألوف هو نوع من أنواع الزيف،  وأن القلق الملاصق لخبرة ما وراء الواقع تعميق وجودي للحياة.

أما في " جناح الحريم " فلعل ألم العنوسة والحرمان من متعة أساسية هي المتعة الايروسية – حتى لو تحققت في إطار مؤسسي هو الزواج – يعني أن هذا الحرمان تأكيد مقلوب لأن بهجة التحقيق هي المنجاة من مهاوي العصاب والخلاص من السقوط في قبضة اليأس.

وهكذا تمضي حدوس هذا النص. " بوابة قوطية " تمجيد للحرية وهي مقوم الحياة السوية أو المليئة أو الخصبة على السواء، و" تغريبة " أنشودة لونس الوطن – أيا كان الوطن _ في مقابل وحشة الغربة والاجتثاث. "رأى عمال البلدية ما يزالون يواصلون اجتثاث الشجرة الكبيرة من جذورها، كان يحب هذه الشجرة التي شهدت طفولته ". (ص 57) فكأنها تمثل لهويته نفسها التي مسرف تجتث عندما يسافر الى بلد بعيدة ويهجر أباد المشلول في سحنته "هل الوليمة " إدانة للقهر والمطاردة إذ توحي لنا بحنين الى الحياة ليس فيها عنف القهر والذبح والملاحقة ؟ أما "وجه في الليل " فلعل ما فيها من استرجاع يكاد يكون حرفيا لذكريات من سيرة ذاتية لا للراوي الكاتب فقط، بل لثقافة حقبة كاملة سن عهود هذا الوطن أو هذا القطاع من الوطن، فانها في نهاية التحليل استرجاع لماض جميل – كأنه بذرة مخصبة في قلب الحياة التي تتردى الان في واقع قبيح. بالطبع دون مباشرة ودون تقرير أو خطابية، لكن بإفصاح فني قد يكون موجعا ولكنة بليغ.

من جوانب محبة الحياة صحو الايروسية، وسريان مياه الرومانسية الكامنة _ وهي سمة من سمات كتابة هذا القاص الذي يظل رومانسيا مهما تخفى تحت تفصيلات واقعية دقيقة – ذلك ما نجده أجلى وأجمل ما نجد في صحوة "عبدالمولى " (الاسم القناع الدائم لسعيد الكفراوي) على الشبقية المحتدمة في "حنين الماء".

لا أريد أن أشير الى ما لعله أصبح من المسلمات الشائعة من أن الماء له دلالة جنسية أو ايروسية سواء كان ذلك في التراث القديم أو في كشوف التحليل النفسي عند فرويد أو بونج، او في النص المقدس على السواء "كان روح الله يرف على الغمر" و" خلقنا من الماء كل شي ء حي". الماء إذن شفرة للخلق والخصوبة وبهجة الشبق معا – بأحسن المعاني إن كان ثم مجال للتقييم هنا.

"وصلت مثمار " البحر، وهناك تسللت من بين دغل الشجر. وشاهدت على "المرادة " أفخاذ النساء واثداءهن العارية، وكن يغسلن الأواني والهدوم " (ص 75) كنا نعرف المرادة في قرية جدتي باسم الموردة. وهي بالطبع موقع الورد من العطش.

أما مغامرة عبدا لمول وهو في الثانية عشرة. مع سميرة اليافعة المتعطشة للشبق فهي خبرة يعرفها الكثيرون." كنت أخاف من صدرها الجامح الناهد حيث يأتيني في المنام ولحظات من الصحو "(ص 76) " في الصيف التي الشمس تفلق الحجر فيه، تضج الغيطان والحيوان كله – أو الحياة كلها

– بالشبق، ومع عوامة الايروسية منا فإن "هذا المكان مأهول بالكثير من الأحلام التي أحبها" (ص 77) الحلم إذن يدخل الايروسية الى مستوى غير نيء وغير خالص الخشونة أو تام الجفاوة.

سوف نجد تردادا لمثل هذا النغمات وقد استحالت الى رومانسية خالصة في آخر نص "جارنا الذي يحب قراءة الكتب " أو في "حمام الملكة " حيث "الحب هنا (في مرسى مطروح ) أما الموت فهناك في أسكندرية " ويعني طبعا موت الملكة الأسطورية الأبعاد وحبيبها المنكود العظيم في الحب. (ص 84).

وفي الطفل العاري الذي ينفي بمجرد وجودا رعب الخراب المحيق الذي أعطب ودمر كل شيء في نص "يوم غائم " (ص 99- 100) تأتي من ذلك ضربة الرصاص القاتلة.

يعني أن الحياة ليست حنينا صرفا خالصا بل هي هدف متصل للفناء، فهل هي تسلم نفسها للفناء؟

أما الرومانسية الطفلية – ولعلها دائما وفي كل الأعمار تظل طفلية _ فإننا

نجدها في النص "غياب" حيث يرتبط الولد الراوي بحضور يكاد يكون فوق – انساني، حضور الطفلة العمياء الجميلة المرهفة "الشيخة أنيسة " وهي مه كل ما تبتعثه من أنس وروح واشعاع سوف تغيب.

الرصاص القاتل للطفل – العاري، وغياب أنيسة والموت القادم لا محالة _ هو نص غائب _ في "العراة " وتصريفات أو تصاريف الألم في "حنين مؤلم " والقتل المفضى الى الوصول في "البنت التي واربت الباب للحلم " كلها تنفر عن الحياة نغمة تفاؤل نميه ر مشوب وبالتالي فهو زائف وسطحي، وتعمق لا من ثنائية للحياة والموت، بل تعمق بالآحرى من جوهر الحياة يلازمه الألم وترصد الموت أو  ضربته.

لعي ذلك أيضا مما قد يضيء معنى رعب الشيخوخة الذي يمثل في هذه المجموعة بل في مجمل أعمال سيد الكفراوي.

العمة العجوز كومة من عظام (ص 9) والعم "صامت كبيت مهجور" (ص 60) وقد غامت ذاكرته فيما يشبه شبورة الصباح (ص 13) وشيخ المنسر الفتى القوي بل الجبار العملاق قد فاحت منه الآن "رائحة العظام الرميم " (ص 29). و" الرميم " من مفردات الكفراوي الأثيرة المتكررة.

رعب الشيخوخة التي تنبعث بقوة مؤثرة في نص "الملكوت " ليس في آخر التحليل الا تشبثا بآخر رمق للحياة، حتى لو انطفأ نور الشمعة، وحل على الدنيا الظلام، فإن بكاء الكهل ينقطع فى نص "الملكوت " (ص 13).

محاولة دفع الموت المحاصر، (ص82)  هي كما أسلفت كل دوائر الحنين، بل إن الاحتجاج المدوي على الموت القادم يتمثل في صفعة مدوية _ حتى لو كانت ميلو درامية شيئا ما _ هي غضب على العجز والمرض والسجن وقبح الواقع والحرمان أكثر بكثير غضبا على أن الراوي يمد يد العون – وهوصحيح معافى – الى رفيقه الذي يعرف أن موته قادم ويقول إن "الحياة أمامنا".

فإذا حاولنا أن نتمس خصائص الصياغة السر دية اللغوية ولن أمل أبدا من ترديد اذنها لا تنفصل لحظة ولا طرفة عين، عن الرؤية الخبرة، أو المحتوى أو المضمون على ما ؤ هاتين المفردتين من تضليل وزيغ.

الميلودرامية التي نلحظها في مفردات بعينها، مثل "الحزن الجليل " (ص 12) أو "خروج نعش العائد من الظلام الى النور" (ص 26) أو "الضحكة المرعبة التي تجلجل في الأنحاء" (ص 28) أو "المدينة المتوجة بالشمس والصولجان " (ص 99) أو أن القلب دائما "ينفطر" أو ينصدع، الى غير ذلك من رصيد لغة فخمة، فلعلها توحي بأن ثمة رؤية "مسرحية " للعالم أو لدواخل النفس، "مسرحية " هنا تعني تركيز ضوء _مثل ضوء البرجكتور في الكواليس مسددا الى الخشبة أو الى ساحة العرض _مما يجعل الأشياء والشخوص والمشاعر أكبر وأجلى وأسطع. وبالتالي أفعل وأنفذ، فيما يرجو الكاتب أو يهدف اليه، عن قصد وتدبر ربما. او عن فعل آلية داخلية تملي صياغة في الكتابة لها خصوصيتها.

بطبيعة الحال ثمة أخطاء لغوية لم يكن من الممكن أن أغفلها مادامت تأتي في سياق لغة متمكنة وشاعرية وقوية. فالرأس مذكر لا مؤنث (ص22و83)  أما البئر فهي مؤنثة لا مذكرة (ص65)  والأود لا يسد بل لعله يقام

(ص 56).

أما الاستخدامات العامية من نحو تطبطب وشاخطا فيه وشوح وطاشا فهي مجملها حسنة التوظيف ومنسجمة مم السياق بل فعالة فيه.

سوف آخذ على الكاتب مأخذا حرفيا بحتا: أن مفردة الحنين تأتي متكررة مترددة لازمة حتى عندما خيل الى أن ليس ضرورة لها. ذلك إن التأكيد عليها ووضعها في كل سياق ليس ضروريا حقا، لا`ن النص كله يحمل في طواياه معنى الحنين وشجنه وترجيعاته.

من التقنيات الهامة في هذا النصر خاصة، وفي مجمل أعمال سعيد الكفراوي عامة. ما قد أستعير له مفردة من صنعة الفن التشكيلي هي التهشير. أي أن تكون الحدود في المسميات نميه قاطعة وغير صارمة، بل هي معممة وغاشمة، لست هنا في مقام التقييم بل في مقام التوصيف، فقد تكون في هذا التقنية  ضرورة وفعالية لا تتأتى عن التحديد- يعني التضييق ومحاصرة المخيلة الخلاقة.

دائما _مثلا _هي البلاد البعيدة دون تسمية، هل هي السعودية أم العراق، لكن مل من ضرورة حقا للتسمية ابا وغالبا هو نهر الماء، أو النهر وليس النيل أو الرياح البحيري أو المنوفي مثلا. صحيح أنه ما من موجب لوضع بطاقة محددة، لكن التعميم غالبا.

البلد بحري، هل هو اسكندرية أو بور سعيدا: لا يهم حقا، ونحن نجد أنهم "أهل السكك، والسارح للقيط، والقادم من رحيل بعيد". وليس لهم أسماء وتوصيفات أكثر من هذه التجريدات المطلقة فلعل ذلك مما يعطي حسا بالشاعرية والصعود فوق أرض الواقع والخشن الضيق.

لكن ذلك ليس تقنية سائدة، ذلك أن الراوي هو دائما "عبدالمولى " عندما يسمى، والأب هو "سلامة " والجدة هي "هانم " وتأتي بالفعل أسماء عبدالباقي وأحمد الشافعي وسميرة وبهجت الناظر، وطبعا عفيفي ووداد.

ويأتي ذكر النيل باسمه مرة واحدة، ويأتي تحديد شارع البحر، وحارة, نوار.

أهم تقنيات سعيد الكفراوي المأثورة ما أسميته في دراسة سابقة الترميز أو التشفير، ولعلني أضيف اليه هنا أن فيه مسحة من "الدرامية "، أو "المسرحية".

إن "سطح البناية العالية حيث ضوء كشاف ينير علما منكسا يدور حوله طائر في الليل يبحث عن ملاذه " (ص 53) في أخر ني السجن والامتهان، هو استعارة واضحة الدلالة.

وكذلك "المصحف المفتوح على الشمس المنيرة " (ص 67) عند رحيل الشيخة أنيسة وصعودها الى السماء الحياة الأخرى الساطعة الضوء.

وعندما ينتهي النص الذي يحكي عن شبق سميرة بنت الأستاذ بهجت الناظر، ومغامراتها مع عبد المولى الصبي بـ "صوت مهرة صاهلة " (ص78) فهو اتأكيد على التأكيد.

وفي نص "العراة " فإن المشهد الذي يظهر على شاشة التليفزيون، في غرفة المستشفى غير المسمدة والتي نعرفها من أنها تطل على جزيرة في النيل، وهو مشهد فيه موسيقى كنسية وصلبان من الحديد الأسود المشغول تحمل جسد المسيه ساعة صرخته التي أطلقها "لماذا تركتني؟ هو استعارة مركبة وموحية بجوهر النص. تبلغ هذه التقنية مداها في صفحة 110 أي في أخر نص "جارنا الذي يحب قراءة الكتب " إذ تقول الجارة للبنت المحبة، عن ذلك الجار المثقف الذي يكتب قصص الأطفال.

" والله يا بنتي فات عليه من شهرين ثلاثة رجال. أحذوه ومن يومها ما أعرفش له مكان.

ثم ينتهي النص بـ "هبطت الدرج كمن يفور في بئر من ظلام وعلى حين غرة انفجرت من شارع "الثورة " المجاور صافرة انذار كأنها العويل ".

فهو شاعر "الثورة " لا غير، والانذار كأنه "العويل ".

ثم أتناول في النهاية "خبرة – تقنية لعلها أعمق ما في هذا الكتاب حدسا وأبصره حسا، أعني "تقنية – رؤية " البعد اللاواقعي الذي أراه باستمرار أدق واقعية من أي واقع سطحي ظاهري يومي ومألوف.

فليس دخول اللاواقعي في نسيج السرد – شكلية فقط، بل هو أساسا رؤية للواقع تكمل هذا الواقع وتثريه.

ففي "شرف الدم " يتلبس الأب – دما ووجودا وملامح وحياة – في الابن الكهل.

صحيح أنه في نص "ظل من ألفة " يرى الأب الذي علم بوفاة ابنه في الغربة كوابيس وأضغاث أحلام، وتأتي هذه الكوابيس _ على مقتضى تقاليد السرد القديمة _ باعتبارها أحلاما، باعتبارها مقوما من مقومات وعي تشتمل على كل من الحلم والصحو على قدم المساواة ولكن قوة انبعاث الحلم – حتى في داخل هذا الاطار المحدد – تشفع وربما تدحض تقنية السرد التقليدي.

وفي نص "رفة جفن " يتبادل الراوي وصاحبة البيت الخاوي المسكون بما هو وراء الواقعي حوارا كاللغز يمكن تأويله – أو لا يمكن – بأكثر من معنى، ثم يفرق الراوي "في منطقة السحر" (ص 44) وينتهي هذا النص نفسه بفقرة جميلة متعددة المستويات "بدأت بفتح الأبواب بابا بعد باب باحثا عن مصدر الغناء، عن صوت السيدة، وكنت أسير عبر الممرات المضاءة كأنني أخرج من بطون المتون القديمة المسطرة ببهجة الكلمات، والمصورة بالصور الملونة، والمشغولة بأنسجة الحرير الهندي والصيني "(ص 45)

 ولعلنا نذكر أن الكتاب كله قد بدأ بوقوف الراوي في "الممر" بين المقابر، وها هوذا هنا يسير في "الأروقة القديمة " فهل صورة الممر، المجاز، الطريق بين نقيضين، بين الموت والحياة بين السحري و" المألوف " بين  اليوم والقدم مما يفتتن به هذا الكاتب ؟

يأتي مصداق ذلك على الأرجح في ذلك النص الشاعري الصافي والنقي "التوت البري" اذ ينتهي: "قبل أن تدك الأرض بدنك يبرز فرع أمك التوتة فيلقفك فتتعلق متأرجحا بين الحياة والحياة " (ص 69).

فليس هو الممر ولا التعلق – , البور بين موت وحياة أخرى، إذن بل هو بين حياة وحياة أو لعله بين الحياة والحياة.

والمهم هنا في تقديري، أن هناك تماهيا وتوحدا بين "الأم" التي تحذر ابنها وتبصره بمخاطر الحياة، وبين "الأم " التوتة الشجرة مصدر الحياة وجذرها العريق. هناك.13 حياة دنيوية وهناك حياة أخرى بحضورها القديم "وارتباطك بها في كل وقت ".

ومن الملاحظ كذلك أن دخول اللاواقعي أو ما وراء الواقعي يقترن عند سعيد الكفر اوي، دائما، بتحليق للغة الى آفاق شاعرية رقيقة وموحية حينا أو دراسية قوية الاضاءة حينا آخر.

ذلك ما نواه مثلا في "الظيون " الذي هو ترميز جلي للسفر الى بعيد. وفي "حماد الملكة " الذي نجد فيه أن ثمة صوتا بلغة مجهولة تنجح حروفها فتصد بنشيد من كل الأماكن.. خفت أن أهوى وقد اشتد بي الدوار، والملابس الملونة تخفق كالأعلام " (ص 85)   حيث يقترن العنصران الشاعرية والدرامية.

عندما ينتهي هذا النص بـ"رجعت بظهري وخرجت من المكان وأنا أصدق كل ما رأيت " وأنه قبل ذلك " لم يكن حلما" فإننا أيضا نعرف أن ذلك لم يكن  بل كان رؤية، ونحن أيضا نصدق كل ما نرى في هذا الكتاب المتميز.

 
 
إدوار الخرط (كاتب رورائي من مصر)

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …