ذات ضحى

يوما كبقية الأيام أشرقت الشمس على موعدها وكشفت للعين المجردة مستور الأرض فانطلقت الأرجل باتجاه الدروب التي توزعهم على مصدر معاشاتهم الشهرية وربما اليوميات عند العاملين بأجرة يومية. 
بيد ان هؤلاء الساعين الخارجين من بيوتهم وأولئك الماكثات فيها من ربات البيوت يؤكدون تكرارا بأن قلوبهم كانت منذ الصباح تشي بأن هذا اليوم سيكون مختلفا وإن هناك شيئا ما سوف يحدث. 
*** 
حارة صغيرة تتوسط القرية لا يزيد عدد بيوتها عن اصابع اليد الواحدة، واحدا منها صغير يحتوي على غرفة واحدة متسعة تفي بغرضي النوم والاستقبال بالإضافة إلى مرافق متواضعة للمعيشة . 
على يمين المدخل هناك غرفة حوائطها مبنية من حجارة وطين محروق منذ عقود لا يذكرها اجداد الذين يشكلون ارقاما في تعداد السكان . اما سقيفتها فليست سوى أغصان شجرة (امبا) مخضرة تلامس عروقها قناة الفلج الرئيسة التي يعبر من خلالها ما يهب الحياة لأرض القرية . 
*** 
الفجيعة تهز القرية .. الخبر وصل من المشفى البعيد كالصاعقة . النسوة النائحات مهرولات كأنهن في سباق جائزته اليتم. 
جماعات تهرول ناحية الحارة التي تضم البيت الصغير وجماعات تهرول باتجاه المدخل المفضي لحفر النهاية الحتمية للحياة. 
بينما يحبس الرجال دموعا ربما إذا خرجت ستغرق شعر ذقونهم المتباينة في الطول والقصر والكثافة . 
*** 
المهرولون والواقفون المصعوقون بخبر الفجيعة بدأت عقولهم تائهة. متراجعة للوراء تتذكر مواقف مختلفة لها. 
يتذكرها العديدون يوم كانت تضحي بمزارع وأملاك ورثتها عن والديها حتى تنفق بسخاء على من اذل اليتم طفولتهم او اثقلهم معاناة التشرد والفقر. 
بينما تحدثت النسوة بأنها كانت مأوى المطلقات والأرامل ومن لا يملكن اللجوء للنصر على زوج كسرت عصاه أضلاعهن . 
يتذكر راشد المتهدل يوم اعاقه قلة ما في اليد عن السفر للبحث عن عمل وقال: يوم وصلها الخبر ارسلت ما احتاجه ويزيد . 
ورد عليه سلوم الزمار: لو ما فديت بيتي المرهون كان جارك عوض الزوادي طردني وخلاني أنا وأولادي ندور ظل سدره. 
تتذكرها العجوز (نشه) قائلة : بأنه لولاها لما انتزعت حقها في ورث ابيها من اخوة جحدوا ان لها ورث. 
اصاب الإغماء (رياء) حينما سقط على مسامعها خبر غياب من كانت لها الحضن الدافئ بعدما غيب الموت والديها فكانت لها الوالد والام حتى انتقلت الى بيت الزوج . 
*** 
يحكى الناس بالقرية ان احد مشايخ الظاهرة الكبار عزم يوما على خطبتها فقصد القرية بصحبة عدد من قبيلته . 
وحينما وصل الى مشارف البلدة وقص عليه سيرتها وطباعها ومكارمها واخلاقها تغير وجهه وارتبك وقال لمن معه: هذه المرأة لا اقدر عليها ولا استحقها فقفل عائدا من حيث جاء . 
*** 
الاجيال التي ولدت في اربعينيات او خمسينيات القرن العشرين لم تنس وان تناست الموقف سيذكر به الاخر آخر حينما كشف الموقف الصعب انها كانت حاكمة القرية .. تحكمها بحضورها الشفيف وبكلمتها التي لا تسقط على الأرض ابدا .. 
فبينما كادت البنادق ان تستنفد صبرها وتشرع في تصويب فوهاتها لترسم طريقا لمخزون بارودي لا يرحم .. وكانت السبابة الصغيرة على مسافة عقلة اصبع من اطلاق صفارة البداية لمباريات ثأرية بين قبيلتين وكانت الحكمة غائبة عن عقول ادمنت الحوار بلغت الرصاصة . كانت عقليتها حاضرة وحكمتها اكثر حضورا ولتأثيرها سطوة على المكان والزمان والناس . فدخلت على خط المواجهة تصرخ من البعيد بثلاث كلمات . بالأولى اعطتهم مصل الهدوء . وبالثانية اعادت البنادق لتعلق على الخواصر وبالكلمة الثالثة لولا عزتهم الجاهلة لتصافحوا . 
*** 
السيارة البيضاء وصلت تحمل الجسد المسجى التهليل يتصاعد والعويل زوابع .. والأيادي في سباق تحمل النعش والإغماء حالات تتوالى. يقال بأنها ومنذ العام الفائت كانت تردد في جلساتها : 
الحياة درب بدايته بطن الأم ونهايته بطن 
لا فرار.. 
ولا عاصم.. 
من بطن الأرض.

خليفة سلطان العبري 
قاص من عُمان

 

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …