أخبار عاجلة

رجل قابل للكسر.. يصفي حسابه مع الريح

الحبة المنومة لا جدوى منها اذا كان الحزن لا يريد ان ينام.. أي رغبة عربيدة تكسري الآن وتلح علي أن أسمع صوت انسان في هذه الساعة المتأخرة من الحنين.. الرابعة صباحا ساعة رمادية، فلا هي بالليل ولا هي بالنهار.. يستطيع غريب مثلي أن يزعم أن كل ساعات اكستر رمادية، تماما كوجوه أهلها.. لو كان لي وجه لطللت من النافذة لأشاهد المطر وأستمتع برذاذه.. موسيقى رائعة لكنها في النهاية ليست صوت انسان.. عندما يكون المرء ممددا في سريرهن عزلة والنافذة مفتوحة على الهاوية فان البرد لن يجد صعوبة في التغلغل الى الروح.. ايما انسانة بامتياز والدليل أنها تركتني وحيدا وذهبت لتحتفل بالكريسماس مع شقيقتها التوأم مارجريت "هذا القلم هو هديتي لك في عيد الميلاد، أرجوان تكتب به قصة متفائلة هذه المرة". بيني وبين أبي الآن بحار ومحيطات، أي أنني لن أسمع صوته يخبرني أن البكاء لا يليق برجل.. أعرف تماما أن قلبي يتساقط في الطرقات بفعل الريح التي تحركني أنى شاءت كأي ريشة ولكن هذا لا يعني أنني حزين الآن لهذا السبب تحديدا.. لو كان علي هنا لقال بسبابته: كن جبلا تحتر فيك الريح.. آه لو اسمع صوته الآن هذا الأصلع.. هذا الذي ترك قويته البعيدة التي تقع على مرمى حجر من جهنم وحمل حقيبة ملأى بالأسئلة والأحلام والأوهام ليبحث عن سراب يسميه شمس.. ها هو يكتشف بعد سنوات من التمرغ في مدن الرماد أن: "القصيدة شارع لا ينتمي للموت".. أيها الأحمق.. وهل ثمة شيء لا ينتمي للموت! وحتى الحبتين المنومتين لن تجديا نفعا مادام الحزن لا يريد ان ينام.. الحزن عود ثقاب، من اين له بقداحة مثلي؟!.. أنا مستعد أن أتجاهل الفكرة التي برقت في رأسي الآن اذا أقنعتموني أن أحدا في هذه البسيطة سيحزن لموتي.. ايما ستحزن حتما لأنها ستتعرض لسين وجيم (ونون ربما) اذا ما حدثت الوفاة في شقتها.. ستحزن أيضا لأنها ستكون قد خسرت رهاني.. رهان الرجل الذي وجدته ملقى على قارعة الليل:

– ملامحك لا تدل على أنك من هذه المدينة.. ما الذي أتى بك الى هنا؟

– لا أدي

– ولماذا أنت منكس رأسك.. هل تبحث عن شيء؟!

– نعم.. أبحث عن وجهي

وكان رهانها الساذج أنه معها وبها سيعثر على وجهه المفقود.. حملته الى بيتها بمنتهى الحذر لئلا ينكسر.. كان من الهشاشة بحيث لم يبد أية مقاومة.. لا تخافي يا ايما.. نامي في حضن أختك وقري عينا فأنا أجبن من أن أنفذ هكذا فكرة.. ثم انني لا اريد أن أموت قبل أن أصفي حسابي مع الريح.. نسرين لم تخلع نظار تها لتراني، وأنا نسيت أن أكرهها.. ورغم أنني ست قديسا الا أنني مستعد أن أغفر لها كل شيء مقابل أن أسمع صوتها الآن ولو للحظة واحدة.. آه لو يأتي طنينها الآن هذه النحلة التي امتصت قلبي زهرة زهرة ثم تركته للذباب.. فارق التوقيت يجعلها في هذه اللحظة ترتب شراشف النوم لزوجها الذي سيدخل بعد قليل (لا يعقل أن لا تكون تزوجت خلال هذه السنوات وهي الفاتنة التي بنظرة واحدة من عينيها ينكسر العالم).. وطبعا سيكون الزوج ضخم الجثة جهوري الصوت.. ممتلئ الوجه والكرش والجيب.. قوي.. شرس.. لا يعرف الفشل، ولا تعرفه الهزيمة.. والمؤكد أنه لا يكتب قصصا، لا متفائلة ولا متشائمة.. وليس له صديق شاعر اصلع يبحث عن شممي. ها أنا ابتلعت الثالثة رغم أنني واثق أنها لن تفعل شيئا مادام الحزن لا يريد أن ينام.. شيء ما يموت الآن داخل هذه الصحراء القاحلة المسمدة قلبي. "ايما خلعت نظارتها ولكنها لم تري.. ربما لأنها تظنني رجلا غامضا.. لابد ان تكون وصلت الآن.. عندما يتحرك القطار من اكستر فانه لا يستغرق أكثر من ثلاث ساعات ليصل الى بر يستول، لكنه يخلف حزنا في القلب بحجم قطار.. لو كان علي هنا لقال: كيف لي أن أرتب ما خلفته القطارات في خيمة القلب؟!.. البارحة أراني ونحن متوجهان الى مصلحة البريد ما كتبه لحبيبته شمس بمناسبة الكريسماس:

شمس..

هكذا أنت تغتسلين في ينابيع الضوء، حيث القلب يتهجى حنينه الأزلي اليك.. ترحلين خارج القلب وهوا لمتشبث بأهدابك.. مازلت أذكر موعدنا قبل سنين وجرح.. جئت وحيدا كقبلة.. وجدت زهرة هناك، كانت تشبهك أو ربما تشبهينها.. لكنني لم أجدك

شمس..

هذا الصباح الأزرق صحوت كحلم على غير عادتي.. تلمست قلبي بأطراف أصابعي فلم أجده.. بدا لي الأمر انك مكانه.. فهل أنت أنت يا شمس؟!.. أم أنني ضللت الطريق الى قلبي؟!" (1)

أحب هذا البدين لأنه يعرف كيف يخترق جبال الوحل في قلبي بشفافية كلماته..

لكنه رمى بهذه الكلمات في الصندوق دون أن يكتب شيئا على الظرف:

– كيف ستصلها الرسالة وأنت لم تكتب العنوان؟!

– شمس لا عنوان لها ولها كل العناوين يا صديقي

– أي فتاة هذه التي لا عنوان لها ولها كل العناوين؟

– ومن قال لك أن شمس فتاة؟

– لنفترض أنها عجوز شمطاء.. اية عجوز هذه التي تصلها رسالة ضالة.

– ومن قال إنها عجوز شمطاء؟ أتعرف؟ شمس هذه التباس الوردة بالنصل، كانت ولم يكن الحزن موجودا، ولد الحزن بعدها وحنت ظهره الأيام، وشمس مازالت موغلة في طفو لتها، شمس هذه القريبة البعيدة، الغامضة الواضحة، ليست أنثى وليست إلاها، شمس يا صديقي ما لم تقله الأسماء، حيثما تنتهي اللغات والأسماء تبدأ الشمس.

– علي فيلسوف.. ولكن ما جدوى ذلك اذا كان هو الآخر ريشة تلعب بها الريح

أربع من الحبات المنومة لا فائدة منها مادام الحزن لا يريد أن ينام.. ايما تظن أن بامكان المرء أن يدعس زرا ليكتب قصة متفائلة.. حاضر يا اياما.. من عيوني.. وها أنا أكتب، فاقرئي:

"على الجسر، قرب حياتك، عشت

كما عاش عازف جيتارة قرب نجمته

غن لي مائة من أناشيد حبك تدخل

حياتي! فغنى عن الحب تسعا

وتسعين أغنية، وانتحر"(2)

هذا ما جناه قلمك علي يا ايما وما جنيت على أحد.. ربما لو كنت هنا لما اضطر محمود درويش أن يزحف الي من أقصى أقاصي الرجع ليرقصني على حافة الجرح قلت لك: ابقي هنا الليلة، واذهبي غدا

قلت: وأختي التي تنتظري في المحطة؟

أختك تنتظرك في المحطة.. سبب وجيه جدا.. وربما كان صديقها السخيف ينتظرك أيضا لا أحب روبرت هذا.. عندما كانا هنا قبل ثلاثة أشهر كدت أن أجن.. لا أدري لماذا يتعمد استعمال أدواتي الخاصة: منشفتي، صابونتي، فرشاة أسناني.. بل وصل به الأمر أن ارتدى- وبدون اذن – قميصي الذي أهدتنيه ايما السنة الماضية.. عندما صارحتها بأنني لا أحبه قالت:

– المهم أن مارجريت تحبه لأنه يحبها ويشعرها كم هي جميلة، كم هي أنثى

هل كانت ايما تبعث لي رسالة غير مباشرة بهذه الكلمات؟!..

قال علي: احترم جسدها يا أخي

(مارجريت تحب روبرت السخيف لأنه يعرف لغة جسدها ويحترمه حد التلاشي فيه).

قلت: الا يكفي أنني أحترم روحها؟!

– روحها؟ هه، وما أدراك أنك تحترم روحها؟!.. ربما ليست سوى رغبتك في تحويل فشلك الى حلم طهراني جميل.. هل أخبرك أحد من قبل عن الجسد؟

هذا الطاغية صانع التاريخ والحضارات، الجامع بين فضاءات مارجريت، وأتربة روبرت، مارجريت عمود الفتنة والغواية ومارجريت أراجوز السخف وتعويذة المهرجين.. ثم لا تنس أن ايما امرأة حقيقية تدرك أن مدى رؤيتها يتسع حتى آخر خلية من جسدها اللؤلؤي ولا شيء آخر.

– كلا.. ايما ليست امرأة.. سمها كائنا خرافيا أو أي شيء آخر.. لكن ثق أنني في اللحظة التي أبدأ بالتفكير فيها على أنها امرأة سأفقدها للأبد

كانت ايما جزءا حيويا من يومي.. وكان لدي أسبابي الكثيرة غير الحب التي تجعلني أتمسك بها.. في الفترة الأخيرة أصبح هاجس فقدانها يؤرقني كثيرا لدرجة أنني قررت أن أفعل شيئا (بتعبير أدق أن أقول شيئا).. دخلت غرفتها ولم أجدها.. خمنت أنها في المطبخ.. في الطريق اليه مررت بالصالة حيث روبرت متسمر أمام التليفزيون ويقهقه اعجابا بسخافات المستر بين.. كانت تسكب البيضة في المقلاة بتؤدة

قلت: ايما.. أنا أحبك، ولا أريد أن أفقدك

قالت بهدوء وهي تقلب قرص البيض على وجهه الآخر:

– وأنا لا أريد أن أفقد قرص البيض

كان الثلج يتطاير من شفتيها على شكل كلمات.. دهشت لردها الذي لم أتوقعه..

كنت أظنها ستطير فرحا.. قلشت القرص ووضعته في الصحن.. ثم نظرت الي وهي تبتسم:

– أنا لست ايما.. أنا مارجريت

عندما علمت ايما بالقصة (ليس مني بالطبع) غضبت كثيرا ولم تكلمني الا بعد رحيل مارجريت وروبرت بشهر.. قلت لها: أنتما صورتان طبق الأصل.. متشابهتان في كل شيء: استدارة الوجه، زرقة العيون، تسريحة الشعر، الابتسامة الساحرة، النظرة الحزينة الآسرة، نوع السيجارة التي تدخنانها، الأزياء التي ترتديانها، ولعكما بتربية البط، غضبكما السريع، دقتكما في المواعيد، أنت نفسك أخبرتني كيف أنكما ذهبتما في نغمر اليوم دون علم منكما أو اتفاق مسبق الى طبيبي أسنان أنت في اكستر، وهي في بر يستول لتخلعا نفس السن.. فكيف تريدين مني الآن أن أميز بينكما؟!

قالت بانكسار حزين: لو كنت تحبني حقا لدلك قلبك علي ايتها البلهاء.. أي قلب هذا الذي سيدلني عليك أو على غيرك، وهو ليس سوى تفاحة معطوبة

خمس حبات منومة لن تجدي شيئا مادام الحزن لا يريد أن ينام..

بيني وبين وجهي الآن غابات من الظلام..

بيني وبين أمي بحار ومحيطات تفرق فيها الأحلام..

بيني وبين نسرين نسيانات عرجاء..

بيني وبين ايما قطار وانتظار وانكسار..

لم يبق اذن الاك يا على.. أتوسل اليك ان تجيء الآن وفورا..

أريد أن أقول لك شيئا لا أستطيع تأجيله حتى النهار (لست واثقا من أن نهارا آخر سيأتي)..

يا علي: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا فدعنا نعود.. دعنا نعود يا علي.. لا أريد أن أموت هنا يا صديقي.. هنا لا ينبت العشب على قبور العصافير.. هنا لا تزهر السنبلة الا اليتم.. هنا لا تعكس المرآة الا شروخ الوجه الضال

يا علي: ابتعدنا كثيرا عن الأرض، وما بلغنا السماء

يا علي: البحر تحتنا عميق، وهذا الجسر من قش

يا علي: حقيبتك الملأى بالأسئلة والأوهام صارت حقائب فكيف ستعبر المطارات والحمولة زائدة

يا علي: مذ غادرت حضن أمي وأنا ضائع.. مذ تركت خبزها وأنا جائع

يا علي: نحن الراحلين بغير هدى نكسر العتمة والصحراء فيكسرنا الحزن فكيف تريد لصرخاتنا أن تصل !

يا علي: ها قد وقعنا في الفخ.. لا أنا أستطيع أن أنتهي ولا أنت تقدر أن تبدأ.. لا أنت تقدر أن تنتهي، ولا أنا أستطيع أن أبدأ

يا على: لا حقيقة هنا الا الضياع يضرب عصفورين بحزن واحد

يا علي: لا وجه هنا الا الظلام يسطع مثل نصل حاد

يا علي: لا شمس هنا الا الغربة تغذي فينا المتاهة

يا علي: تا الله انك لست جبلا ولا أنا.. ما نحن الا ورقتا خريف تأتمران بأمر الريح

يا علي: "لم تعد للغريب اصابعه كي يصفق حين يزغرد في الأفق سرب الحمام"

يا علي

        يا علي

                يا علي

                        يا علي

                                يا علـ…

خمس حبات منومة دفعة واحدة، بعد خمس حبات متفرقة لن تفعل شيئا مادام لـ….

1- من قصيدة "ربما لأن الشتاء تأخر" للشاعر محمود درويش.

2- من قصيدة مرثية الليل / أغنية الليل للشاعر علي الرواحي.
 
سليمان المعمري (قاص من سلطنة عمان)

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …