أخبار عاجلة

رسالة دمشق نصوص مسرحية منذورة للحرية

تجري التدريبات حاليا في كل من المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق وفي (مسرح المدينة) ببيروت لتقديم آخر نصين مسرحيين للكاتب السوري المعروف سعدالله ونوس  .

ففي دمشق تقوم المخرجة نائلة الأطرش ، ومعها لفيف من خيرة الفنانين السوريين ، بإجراء البروفات لتقديم مسرحية (منمنمات تاريخية) لسعدالله ونوس التي صدرت ضمن سلسلة روايات الهلال القاهرية ، منذ أشهر، ومن المقرر أن يقدم هذا العرض ، أواخر العام الحالي ، في افتتاح المجمع المسرحي الكبير الذي أقيم في ساحة الأمويين بدمشق .

وفي بيروت تقوم الفنانة اللبنانية المعروفة نضال الأشقر بالعمل على نص (طقوس الإشارات والتحولات) لونوس ، الذي صدر مؤخرا عن دار الآداب اللبنانية . وقد علمنا أن الفنانة الكبيرة نضال الأشقر تنوي تقديم هذه المسرحية ، أواخر العام الحالي أيضا، في كل من بيروت ودمشق تحية منها للمبدع العربي سعدالله ونوس ، الذي يخوض معركة باسلة مزدوجة ضد السرطان الذي يفري عقل الأمة ، وضد السرطان الذي يستهدف كبد الكاتب .

في نصيه الجديدين يصل سعدالله ونوس بمشروعه المسرحي الى أفق جديد أكثر نضجا وجرأة وغني وعمقا، كما لو أن المرض قد فجر في داخله قوى جبارة دفعته الى آفاق جديدة ، وحررته من الخوف والارتباك إذ لا شيء يخيف ويربك أكثر مما نحن فيه !

منذ سنوات طويلة أعلن سعدالله ونوس قائلا: (نحن لا نصنع مسرحا لكي نثبت فقط أننا لاحقون بركب المدنية ، وأننا نعرف المسرح كسوانا.. إننا نصنع مسرحا لأننا نريد تغيير وتطوير عقلية ، وتعميق وعي جماعي بالمصير التاريخي لنا جميعا)

في منمنمات تاريخية وطقوس الإشارات والتحولات يحقق سعدلله ونوس ، مشروعه المسرحي، الى حد يلامس الكمال . في (منمنمات تاريخية) يبني سعداالله ونوس نصه المسرحي على قاع واحدة من أشنع الهزائم في تاريخ العرب ، عقب اجتياح جيوش التنار للبلاد الشامية في أوائل القرن التاسع الهجري، ووصولها الى دمشق عام 803 هـ بقيادة تيمور لنك .

وقد استحضر ونوس شخصياته وأحداثه من التاريخ وأعاد رسمها بريشته المرهفة كاشفا القوانين الداخلية التي تتحكم بها، كي يمكن المشاهد والقاريء من استكشاف العوامل الإنسانية والإجتماعية التي تجعل الهزيمة أمرا محتوما! عله بعد وعيه لها يحول دون استمرارها فيه ومن حوله !.

ليس التاريخ بالنسبة لسعدالله ونوس (.. ركاما من الصور والأسماء والوقائع وليس خزانة للمحفوظات والأحداث المنقضية ، انه حركة كتل وتصارع إرادات وتضاد رؤى ومصائر في سياقات فاصلة صدامية ، تتراءى فيها الشخصيات في لحظاتها القصوى، اختيارا ومواقف ورؤى). لذا فإن منمنمات سعدالله ونوس ليست تاريخا، على حد قوله ، بل : (.. هي تأمل فردي في التاريخ ، يطمح الى التحول عبر المشاهدة والحوار الى تأمل جماعي في التاريخ). ويسعى ونوس الى هذا الهدف في جل نصوصه لاعتقاده بأن انعدام الوعي التاريخي لدى النخبة السياسية العربية ، يشكل: (.. المعوق الرئيسي الذي سبب إخفاق النهضة العربية وحولها الى اشكاليات دائرية غير قابلة للحل).

في (منمنمات تاريخية) قدم ونوس ، العلامة ابن خلدون ، كمثقف تكنوقراطي لا يخلو من انتهازية، مما جعل بعض المثقفين يتساءلون عن صحة الصورة التي قدم بها ونوس ابن خلدون ، حول هذه النقطة يقول ونوس (.. المنمنمات نقلت صورة صادقة عن عالمنا الكبير ولي الدين عبدالرحمن بن خلدون ، وكان يمكن أن يكون كل ما ورد عنه في هذا العمل وثائقيا، لولا أن ضرورة البناء الفني جعلتني أتخيل واقعتين ساعدتا في توضيح موقفه الموثق وأفكاره المعروفه) وقد أراد ونوس من خلال ذلك طرح إشكالية العلاقة بين الممارسة والكتابة عند المثقف .

يرى ونوس في نصه أن قوة التنار ليست وحدها هي سبب الهزيمة ! بل ثمة جوانب سوداء منا وفينا تحالفت مع التنار ونصرتهم علينا! يرى ونوس أن المدينة قد هزمت حينما انكسر فيها ميزان العدل ، واضطهد فيها العقل ، وساد فيها النفاق وفساد الضمائر، وبات القانون سيفا بيد الحاكمين على رقاب المحكومين !

في هذا النص نجح ونوس الى حد بعيد في محاكاة أسلوب المنمنمات ، فكشف لنا عبر لوحات فنية منقوشة بدقة عن جذور هزيمة دمشق أمام التنار قبل أكر من ألف عام ، علنا نكشف آلية الهزيمة ونحول دون تأبيدها!

أما مسرحية (طقوس الإشارات والتحولات) فبوسعي أن أقول إنها أجرأ نص مسرحي كتب بالعربية حتى الآن . يستلهم سعدالله ونوس مسرحيته من نادرة تاريخية أوردها المجاهد فخري البارودي في مذكراته تحت عنوان : (تضامن أهل دمشق) يقول البارودي إن مفتي دمشق كان على خلاف مع نقيب الأشراف بسبب سلوكه وجهله ، فلما قبض عليه «الآلاي بكي» قائد الشرطة في وضع تهتك مع احدى المومسات ، تناسى المفتي عداوته معه مؤقتا، فاستبدل المومس بزوجة النقيب سرا، لمداراة الفضيحة ، وهكذا أنقذ سمعة الأشراف ، ودفع خصمه النقيب الاستقالة لاحقا.

يشير سعدالله ونوس في مطلع مسرحيته الى أن (أبطال العمل ما هم إلا ذوات فردية ، تعصف بهم الأهواء والنوازع وترهقها الغيارات ، وأنه من سوء الفهم الكبير إذا لم تقرأ هذه الشخصيات من خلال تفردها وكثافة عوالمها الداخلية( .

ترى الباحثة خالدة السعيد أن طقوس الإشارات والتحولات (.. ذات مناخ شكسبيري. فيها تتداخل المتناقضات وتختلط الانكسارات الاجتماعية والسياسية باصطراع الأهواء واهتزاز الهويات) .

في هذا النص الذي يبدو غير قابل للتقديم على خشبة أي مسرح عربي، تحصل انزياحات هائلة داخل الشخصيات ، فتنتقل من النقض الى النقيض بحثا عن حقيقتها وحريتها. فتدفع حياتها ثمنا لذلك . فزوجة نقيب الاشراف مؤمنة تنقلب بعد حصولها على الطلاق الى مومس وتغير اسمها الى ألماسة ، تقول مخاطبة المفتي الذي يعرض عليها الزواج بعد أن يقع في هواها:

 (يخيل الى أنه ، وفي لحظة سقوطي، سينبت من مسامي ريش ملون .. وسأحلق في الفضاء كالطيور والنسائم وأشعة الشمس ، أريد أن أقطع الأمراس الليفية الخشنة التي تحفر لحمي، وتقمع جسدي، أعراس مجدولة من الرعب والحشمة والعفة ومشاعر الدنس والقذارة .) .. (.. وأول المقامات في رحلتي هو أن أرمي معاييركم ، ينبغي أن أتحلل من نعرتكم ووصاياكم ، كي أصل الى نفسي ، ينبغي ان أنجاوز خطر الانتهاك كي ألتقي جسدي، وأتعرف عليه).

كذلك زوجها عبدالله ، نقيب الأشراف ، يستقيل من منصبه ويتحول الى درويش منفذا وصية والده الذي يتراءى له في السجن : (أتلفت ظاهرك ، فتدارك باطنك وأنقذه من التلف).

أما الزكرت عفصة الذي يتصالح مع نفسه ويقرر توحيد مظهره بمخبره ، فيواجه المجتمع بحقيقته، وعندما يرفض حتى من حبيبه، أقرب الناس اليه ينسحب من الحياة انتحارا.

في طقوس الإشارات والتحولات ينحي سعدالله ونوس أقنعة شخصياته ليواجهها بحقائقها التي تفتح أمامها أبواب خزيتها ودمارها في آن معا! وهو في هذا النص كما في كل نصوصه الأخرى المستلهمة من حوادث تاريخية ، لا يقدم تاريخا بل يقدم تأملا فرديا في التاريخ أملا أن يتحول من خلال المشاهدين والقراء الى تأمل جماعي!

بدأ ونوس الكتابة في عام 1961 وصدر له العديد من المسرحيات ، أهمها (حفلة سمر من أجل الخامس من حزيران) و(الفيل يا ملك الزمان ) و (سهرة مع أبي خليل القباني) و(الملك هو الملك) و(رحلة حنظلة من الغفلة الى اليقظة) و(الاغتصاب) إضافة الى (منمنمات تاريخية) و(طقوس الاشارات والتحولات ). وقد نشرت له مجلة (أدب ونقد) القاهرية مؤخرا مسرحية جديدة بعنوان :)يوم من زمننا) ستصدر قريبا عن دار الآداب البيروتية مع مسرحية اخرى بعنوان (أحلام شقية).

يلاحظ في أعمال ونوس الأخيرة حضور مميز للمراة ، بخلاف أعماله الأخري، حول هذه النقطة يقول ونوس في لقاء مع وكالة الصحافة الفرنسية : (المرأة في مسرحياتي الأخيرة تكاد تصبح البطلة الأساسية ، فالرجل والمرأة في مجتمعنا مثقلان بالأغلال . والرجل و يقيد المرأة ينسى أنه يقيد نفسه أيضا. وفي النهابة نحتاج الى نهضة حقيقية وكبيره تحرر الاثنين معا، فهما سيحتاجان الى التحرير بنفس القدر تقريبا.) وحول أثر المرض على حياته وابداعاته يقول ونوس ليس للانسان سوى حياة واحدة لا تتكرر، ينبغي أن بحياها الإنسان كما يحتسي كأسا من النبيذ رشفة رشفة أو قطرة قطرة .. لعلي أقول أن تجربتي مع المرض الذي أعاني منه وأنا بين الحياة والموت ، جعلتني أتمنى الحياة بصورة أعمق وأكبر رحابة وبعدا عن الصغائر التي تفسد حياة الكثيرين من الناس).
 

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …