رواية «ليالي الحرير» لعائشة البصري تجربة موت لم يحسم

العالية ماءالعينين *
رغم التراكمات المهمّة التي حققتها عائشة البصري، روائيا، في السنوات القليلة الماضية، والتي تُوجت بجائزة أفضل رواية عربية في معرض الشارقة للكتاب سنة 2018عن روايتها «الحياة من دوني»، إلا انني شخصيا تربطني علاقة عميقة وجميلة مع الشاعرة التي قرأت لها كثيرا بل وسعدت بتقديم دراسة حول ديوانها الشعري «ليلة سريعة العطب» خلال محاضرة ألقيتها في المجمع الثقافي «أبوظبي» مع ديوان للشاعرة الجزائرية ربيعة جلطي(1). وانا اليوم ألج الى عالمها الروائي من عتبته الأولى رواية «ليالي الحرير» متسلحة بباقة من أشعار حفرت في أعماقي:
يحدث غالبا،
ان استلقي في الماء بين
نظرة للسماء
وكف يحضن التراب
أرتق احلامي
قبل أن تتحرش بي مجازات القصيدة…
هذا مقطع شعري من ديوان «ليلة سريعة العطب» والذي سأجد آثاره في انتظاري بإحدى محطات هذه الرحلة الروائية الشيقة، المدهشة المتعبة، الحالمة، الثائرة…
تقول: «صوت رخيم وهادئ بلكنة أهل الجنوب الفرنسي. صوت ضعيف ومعطر، تسمعه فتدرك جمال صاحبته دون أن تراها. تفهم أنه لامرأة رقيقة الإحساس، وهشة إلى درجة الانكسار. امرأةٍ سريعة العطب» (2)
في طبعة أنيقة من الحجم المتوسط تطلّ علينا رواية «ليالي الحرير» الصادرة في طبعتها الثانية عن مكتبة الدار العربية للكتاب بالقاهرة.
صورة الغلاف تتسيَّدها امرأة جالسة وبين يديها كتاب -كما تراءى لي- بعد تدقيق، وتبدو كما لو أنها وراء ستارة شفافة في أجواء تستحضر الحرير، الرقة، النعومة، الحلم والحنين المشوب بحزن وتأمل عميق…
تحتوي الرواية على أربع عتبات لأربعة أبواب، تحت كل عتبة/عنوان، مصباح يتسلمه القارئ وهو يخطو في الطريق تجاه الباب الذي دفعته إليه الساردة بسلاسة ورفق ولكن بدهشة الاكتشاف التي لا تنطفأ إلا لتتوهج…
العتبة الأولى: «بيت الليل» مصباحها النفري: «وقال لي، بيتك هو طريقك، بيتك هو قبرك، بيتك هو حشرك…»
العتبة الثانية:”ممر دو فلوريس» مصباحها يا نيس ريستوس « أيتها السفينة البِلا بحارة، حين تغرب الشمس إلى أين تأخذينني؟»
العتبة الثالثة: «un escale a madrid»، مصباحها ع. ب: «جربت كل الطرق المؤدية إليك، أعرف، أنت أعمى وأنا بلا بصيرة»
– العتبة الرابعة: «عائشة الشيلية» مصباحها ت.س اليوت:« إن النهاية توجد هناك حيث
نبدأ»
وعلى مدخل هذه «المعابر الأربعة »عتبة، افتتاحية تحت عنوان:
«شفتاي على حجر الصلاة، طوال حياتي قبلت الموت» نيلي ساش. وتبدأ بقول الساردة:
« أحيانا نعلق عواطفنا على مشجب قصي، وننسحب مسافة عقد أو عقدين أو أكثر، نتورط في حياة، بل حيوات لا تشبهنا نكبر ونتخرج في الجامعة، نتزوج، نلد نَنتخب ونُنتخب. تصبح لدينا بطاقةُ تعريف عليها صورة امرأة انيقة وجادة. تحضننا صور عائلية: زوجاتٌ صالحاتٌ، أمهاتٌ حريصاتٌ، موظفاتٌ منضبطاتٌ ولا أحد يقرأ خلف الصور» (3) .
يا لها من صورة بئيسة..
تأملت هذه الفقرة فبدت لي ورقة تشخيص لحالة ما، هل هي الساردة أم إحدى سيدات الحلم؟ وربما هي القارئة الضمنية. في جميع الأحوال فإن الساردة تهيئنا للدخول إلى عالمين أو لنقل سترمي بنا في أتون عالمين يتجاذبانها منذ ان فتحت عينيها فجأة كمن عاد من موت أخطأه…
تقول «نتذكر كلاما لم نقله فكرةَ لم تكتمل، جملةَ تحتاج توضيحا، عنواناَ ملتبسا كان من المفروض أن يكون مكان لقاءٍ، تفصيلاَ صغيرا غيَّر مجرى حياة؟ نتذكر حياة لم نعشها وحكاية لم نحكها» (4).
تبدأ رحلة الساردة من بيتها وبالتحديد من سريرها لتنطلق بعد ذلك عبر محطاتٍ اربعٍ وأماكنَ مختلفةٍ من العالم باريس، مدريد، سان خوسيه، وصولا إلى سانتياغو بالشيلي. في رحلة علاج أو مقارعة موت معلق، تلك اللحظات التي يتعب فيها الجسد ويخذِل القلب صاحبَه/صاحبتَه. ويصبح للزمن دلالات تتأرجح بين البناء التتابعي التسلسلي والبناء الزمني المتشظي، الذي يرافق الحلم « حيث أبعاد الزمن تتجاوز كل ما هو منطقي وواقعي إلى حرية لا نهائية في التشكيل..». (5)
رحلة العلاج التي تخللتها أزمات قلبية وغيبوبة او اثنتان، لم تكن لتوقف الحلم الذي رافق الساردة منذ أن فتحت باب الحكي وهي على سرير بيتها حيث قضت أربعةَ أشهر، مرورا برحلات العلاج والنقاهة إلى وقوفها في المسرح البلدي لمدينة باييل الشيلية لتقرأ الشعر..
تقول: «بدأ الحلم قصاصاتٍ متفرقةٍ، مشاهدَ مفككةٍ ومتناقضةٍ، تتطلب جهدا كبيرا لترتيبها ومنطَقَتِها. قبل أن يصير مع السنوات، حلما مكتمل الصور والمشاهد. يتكرر ويظل راسخا في الذاكرة بكل تفاصيله مع اختلافات بسيطة».(6)
امتطت الساردة براق اللغة، لتقودنا في رحلة تبدأ من نفس المكان لتنطلق في اتجاهين مختلفين وربما معاكسين ولكن مع المحافظة على نفس محطات الاستراحة. كيف لها ذلك؟ لا أجد تفسيرا اقوى مما عبر عنه دوبروفسكي، في حديثه عن التخييل الذاتي، «إحلال مغامرة اللغة محل لغة المغامرة»(7) أي تتسيد اللغة لتصبح مكمن القوة بدل «الحكاية» و«الوقائع». او كما وصفتها مها حسن قصراوي «واللغة تتحول إلى حالة شعرية مكثفة تتجاوز قواعد اللغة…وتنطلق الشخصية في فضاء زمني ممتد. لا يخضع لحدود أو ترتيب أو نهاية. وبالتالي تنسجم اللغة المتفجرة المتشظية مع تشظي الزمن الروائي»(8).
ورغم هذا السفر بين عالمين وزمنين ولغتين، فإن جزءا من وعيها يظلّ متيقظا يحاور حلمها. فترغب بشدة في العودة إلى حياتها الثانية. تقول: «الحنين قائم. لكن عواطفي تظل بدون انتماء إلى أي منهما». (9)
ترفع ستارة الحلم عن مسرح آخرـ تجد فيه الساردة نفسها في عُلِّيةٍ في الطابق الثاني من بيت كبير بسطح مزين بقرميد أحمر. يتوسط رَدهتَه الواسعةَ مسبحٌ. لا شيء يدل على الشارع أو الحي أو البلد…إلا إشارة ضوء بعيدة تنطفأ وتشتعل وسط العتمة la taberna
ولكن هل هو حلم أم غيبوبة؟ «كلمحة ضوء في هذه العتَمة، تذكرت كيف نسيت أهم حدث في حياتي؟ توقف القلب مرتين. إذا فأنا عشت ثلاث حيوات. الأولى دامت خمسينَ سنة وستةَ أشهر، والثانية ثلاثةَ أيام، والثالثة؟ هل تكون هذه هي الحياة الثالثة؟ وما يبرر لي أن وجودي في هذا البيت حياةٌ وليس موتا» (10)
كل هذا القلق لم يمنعها من التحرك في أرجاء هذا البيت الذي كلما نبَشت في زاوية منه تفجرت ذاكرتها بصور من حياتها الماضية…
هنا في هذا البيت ستتعرف على «خوان» بطل الحلم/الغيبوبة، الذي سترافقه إن لم نقل ستطارده بحثا عنه. من هو خوان؟ أو بمعنى أصح أيهم صاحَب الساردة في حياتها الأخرى؟
يقول معرّفا عن نفسه -في الهامش- « أنا خوان أميّا، في الحقيقة نحن أربعة، وربما أكثر تناوبنا على حمل اسم رجل مات منذ قرن. ليس هناك ما يثبت أنه اسمه الحقيقي، غير شاهدة قبر مجاور لمثوى الموسيقار روبير شومان. وسط المقبرة القديمة…. وزعنا عمر الرجل فيما بيننا دون اتفاق مسبق».
وعلى مدى المحطات الأربع وفي كل مرة تمتطي الساردة صهوة الحلم، تسعى جاهدة للقبض على هذا «الخوان» المخاتل الذي رأته في أول حلم مريضا وحيدا يضع كمامة أوكسجين على أنفه، ويحمل رقم 1، أم هو خوان 2 الذي تركته زوجته بعد سنوات من الصبر على الخيانة والتجاهل. تقول في رسالتها الطويلة التي عثرت عليها الساردة في أحد ادراج البيت: « أموت غما وتموت أنت نشوة. أنام وردة في سريرك، وتحلم أنت بزهرة دفلى. كم تمنيت أن أكون أنا تلك العشيقة ولو لساعات، على أن أكون الزوجة المزيفة والمخدوعة طيلة سنوات»(11)
أم هو خوان رقم 3 الذي صادفت اسمَه خارج الحلم، على لوحة نحاسية أمام عمارة غير بعيد من شارع سان جيرمان؟ …
هكذا سيتشعب السرد ويتقدم في مسارين يجذبان المتلقي، تارة نحو الساردة في رحلة علاجها ونوبات قلبها، وتارة وهي تتحرك وتغوص في ذاكرتها وذاكرة ساكني ذلك المنزل الذي رمى بها الحلم بين جدرانه.« في الحلم وحدها الذاكرة تظل يقظة، تروح وتجيئ، تستعيد أحداث الواقع وتسجل أحداث الحلم» كما تقول. فهل يمكن ان نقول بصيغة أخرى بأن الساردة التي تعيش حالة «موت» مرتقب أو غير مؤكد، سعت للبحث عن ذاتها أو أجوبةٍ عن أسئلتها أو مخرجٍ لمأزق ما في ذلك المسار الآخر الذي وجدت نفسها محشورة في عوالمه؟
في لحظات كثيرة تكون فيها الساردة في إحدى حلقات حلمها حين تسمع أصواتا تتحدث عن جسدها الذي يعيش نوبة قلبية هناك في المستشفى. شخصية بين عالمين تتحرك بينهما بسلاسة يشوبها خوف وقلق وأسئلة دائمة.. ولكن بوعي، وربما تواطؤ.
تقول مهدئة من روع (ها) عندما أحسّت أنها مراقبة «إحساس الخوف القوي، أيقظ الجزء الواعي، فقلت لنفسي مهدئة: لا تخافي، إنه مجرد حلم. لست أنت. إنها أخرى من كانت في العلية… المشهد الآني لا يخصك احذري أن تدخلي المشهد ولو بالمشاعر. قد تضيعين ويصعب عليك العودة.» (12)
هذا الأرجوحة التي تتحرك بين عالمين ستسم الرواية وتطبعها في جوانب أخرى كثيرة، منها، الزمن الذي يتحرك أفقيا وعموديا، أوفي اللازمن كما رأينا. والأماكن التي تجعل الساردة، في الهنا والهناك أو اللامكان. بل حتى خطوط الطباعة/الكتابة، تنصهر في هذه الثنائية فيأتي الواقع بخطوط رقيقة /عادية، والحلم بخطوط عريضة سوداء بارزة….
ورغم أن الساردة ستقبض على بطل حلمها متلبّسا بالموت في آخر فصل من الحلم حين رُفعت الستارة عن مقبرة كمدينة صغيرة وواجهته، إلا أن اللقاء لم يزد الأسئلة إلا تعقيدا والقلق حفرا خصوصا حين أجابها « هذا ما أجْهَد لأفهمك إياه. خوان لم يسكن يوما ذلك البيت. أُمر فقط أن يسكن حلمك، وأنت في الطريق إلى هناك. تركك تعتقدين أنك تراقبينه من فوق. من العُلِّية بينما هو من كان يراقبك من تحت، من العالم السفلي.» (13)
ورغم انها أقسمت بأن تكون في الحلم القادم أكثر شجاعة وأنها ستنزل الدرج كاملا لتواجه ذلك الرجل دون وجل ولا خوف، إلا انها ختمت روايتها – او ختمها نيابة عنها بورخيس: « لكن يبدو أننا -معشر النساء – حين نكتسب شجاعة السؤال نكون قد هرمنا وتجاوزنا زمن الاحلام» (14) .
التجنيس:
«ليالي الحرير» أول عمل روائي للشاعرة عائشة البصري، كما تقدمه وكما هو مثبت على غلاف الرواية. فهل انتهى الأمر هنا؟ وهل يمكن اعتبار هذا التحديد تعاقدا بين الكاتبة وقرائها؟ أظن انّ العلاقة بينهما أكثر عمقا وتواطؤا وقد ميزتها لعبة سرد يتجاذبها ما هو روائي تخييلي تارة وما هو ذاتي تارة أخرى.
فما نكاد نتلمس وجه بطل الحلم «خوان » بكل أرقامه (الأول والثاني والثالث والرابع) حتى نجد أنفسنا امام شخصيات حقيقية في حياة الكاتبة، كصاحب «جيرترود» (15).
تقول: في مساء اليوم نفسه الذي غادرت فيه مشفى سالبيتريير (salpetriere) اقترح عليَّ كاتب (رواية جيرترود) أن يعرفني على البيت الباريسي الذي سكنته بطلته جيرترود ستاين وصديقتها اليس توكلاس…»
بل تحضر الساردة/الشاعرة، نفسها حين تقف على المسرح البلدي في قراءات شعرية وتقدم نفسها «عائشة»(16)….
فهل نحن أمام نص تخييلي ذاتي؟
عند حديثنا عن «لغة» الرواية في بداية هذه القراءة، استحضرنا مقولة للناقد الفرنسي سيرج دوبروفسكي، وهو رائد النص الذاتي التخييلي. حيث تحدث عن «مغامرة اللغة بدل لغة المغامرة »في تقديمه لكتابه «الابن» والذي يعتبر أول نص أطلق عليه هذا التصنيف او التجنيس من طرف كاتبه.
عندما سُئلت الشاعرة عائشة البصري لماذا الانتقال من الشعر إلى الرواية قالت« روايتي الأولى ليالي الحرير لحظة خاصة جدا (وليدة تجربة موت لم يحسم) لا علاقة لها بالجو الثقافي العام. في هذه اللحظة أحسست بحاجة لمساحة أكبر لأكتب شهادة صريحة عن الحياة أو بالأحرى لأعيد صياغة كلام بوضوح أكثر. فكثيرا ما نختبئ نحن الشاعرات خلف قناع المجاز ونكتفي بالإيحاءات دون أن نجرِؤ على عري الكلام». (17)
من خلال جواب الشاعرة عائشة البصري، نقرأ طبيعة العلاقة التي ربطت الشاعرة بالروائية أو لنقل التي ساهمت في انبثاق الروائية من عمق الشاعرة. الأمر لم يكن قرارا إبداعيا صرفا ولا مجرد استجابة لإغراء أضواء الرواية، إنه إحساس عميق بالرغبة في ارتياد آفاق جديدة استدعتها تجربة حياة تحتاج أراضي خاصة لزراعة حروفها. وهذا يلتقي مع فكرة أن «التخييل الذاتي الأدبي، مؤشر لعلاقة جديدة ينسجها الإنسان مع ذاته ». (18)
يحدد سيرج دوبروفسكي «ثلاث خصائص للنص التخييلي الذاتي أولها اعتباره من رواية لا السيرة الذاتية وإن كانت حياة الشخص تمثل مادةً من مواد الكتابة. ثانيها اشتراط تطابق اسم المؤلف مع اسم الشخصية. وثالثها الاحتفاء في النص بالإيقاع والتجانس الصوتي…» . (19)
بالعودة إلى ما قالته الروائية عائشة البصري حول انتقالها إلى الرواية، وكتابة «ليالي الحرير» على وجه الخصوص، نلاحظ تأكيدها على أمر في غاية الأهمية، وهو رغبتها في كتابة شهادة صريحة عن الحياة او بالأحرى كما قالت «لأعيد صياغة كلام بوضوح أكثر» وهنا أيضا نستحضر الكتابة التخييلية الذاتية، «التي تقدم نفسها كشكل سردي جديد يعبر عن حالات القلق والاضطراب التي يعانيها الإنسان المعاصر في مقابل الشكل الاوتوبيوغرافي والذي ارتبط أكثر بالماضي..» (20)
يبقى سؤال التجنيس مفتوحا على احتمالات تضيق او تتسع ولكن يبقى السؤال/ الاهتمام، المواكب للقراءة في ظل هذا التحول، منصبا حول ذبذبات العلاقة بين الشاعرة والروائية في ثنايا «ليالي الحرير»…
الشخصيات
قراءة رواية «ليالي الحرير» مربكةٌ بسبب غناها وخصوبة أراضيها وتعدد نوافذها التي تشرع أبوابها ولكن إلى عوالم أشد عمقا ومفتوحة إلى ما لا نهاية: اللغة، الزمن الإيقاع، التاريخ، الحفر في أعماق النفس..، وهناك أيضا «الشخصيات» ويمكن ان نقسمها على إيقاع أزمنتها…
– الواقع وتمثله الساردة ورفيقها والأطباء والممرضات وتلك السيدة الجميلة الشيلية ذات الأصول العربية أم «عائشة» الصغيرة..
– الحلم/ الغيبوبة وتمثله شجرة خوان وكل الذين تناسلوا عنه بحمل اسمه والمرأة التي كانت معه في البيت والزوجة المخدوعة…
– وبين المجموعة الأولى والثانية برزخ تلتقي فيه شخصيات تربط الزمنين وهما: الساردة نفسها و«أميا»
– الموتى: ويمثلهم الأصدقاء الذين أهدتهم الكاتبة روايتها «إلى أصدقائي الموتى مع التحيات» ومجموعة الأسماء التي مرت في ليالي الحرير ودخلت في علاقة مع الساردة:
محمد شكري «شكري كان أخفهم ظلا، حياني باسم الكونتيسة. كان دائم اليقين، بأن اسم عائشة قنديشة هو اسم محرف عن عائشة الكونتيسة» (21)
-محمود درويش «مِتُّ في الصيف كما تعلمين، لكنني لم أعرف بموتي إلا في الشتاء. عند أول مطر، لانت التربة من حولي، غرقت في الماء، بعد أن قضيت شهورا وأنا أنتظر يد الممرضة الأمريكية لتوقظني، معتقدا أنني ما زلت في المستشفى. بعد أيام كف المطر، خرجت لأتمشى فصادفت أمي، تغزل الصوف بجانب البئر، هي التي أكدت لي موتي. كان موتي سهلا كنت أفضل أن أحضر جنازتي بوعي كامل». (22)
تدخل هذه الشخصيات إلى مسرح الرواية من أبواب متفرقة، ولكن ما يميز بعضها- وهو امر مثير للانتباه والاهتمام- أنها ولجت مسرح الحكي من «الهامش» وتقوم بتقديم نفسها بضمير «المتكلم» وهي: الجدة – الاب –الشخصيات الأربع التي حملت اسم «خوان»….
«ليالي الحرير» رواية بنبض شاعرة، وسلسلة لا تنتهي من المفاجآت والدهشة والتحريض على فتح الأبواب ومساءلة اللغة والشخصيات والزمن والحلم…
«ليالي الحرير» قراءة لا تقف إلا لتستجمع أنفاسها وتنطلق في رحلة حفر في دروب حياة أو موت مؤجل…
الهوامش
(1) دراسة لم تنشر بعد
(2) « ليالي الحرير» ص103
(3) الرواية ص9
(4) الرواية ص10
(5) «الزمن في الرواية العربية » مها حسن القصراوي ص 111 عن «جماليات التشظي» السيد فاروق
(6) «ليالي الحرير» ص 20
(7)
SERGE DOUBROVSKY – LA QUTRIEME DE COUVERTURE DE «FILS »
(8) « الزمن في الرواية العربية » د. مها حسن قصراوي
(9)”ليالي الحرير» ص 29
(10) الرواية ص24
(11) الرواية ص 63
(12) الرواية ص 40
(13) الرواية ص163
(14)ا لرواية ص179
(15) الإشارة هنا إلى الشاعر والروائي حسن نجمي صاحب رواية «جيرترود» وزوج الروائية عائشة البصري
(16) الصفحة 173 حيث تشير إلى أمسية شعرية للشاعر عائشة (البصري)
(17) لقاء حول «الرحلة إلى الرواية مع تذكرة رجوع» الدورة 22 من معرض الكتاب في الدار البيضاء- موقع جائزة كتارا الدولية
(18)
CAMILE RENARD «Névrose de l’individu contemporain et écriture autofictionnelle: le cas » fils «
(19) «التخييل الذاتي ما بعد الحداثة» : شكري المبخوت – مقالة في مجلة العربي الجديد
(20)
(CAMILE RENARD «Névrose de l’individu contemporain et écriture autofictionnelle :le cas « fils «
(21) «ليالي الحرير» الصفحة 143
(22) الرواية الصفحة 146

شاهد أيضاً

الشعراءُ الصعاليك في العراق.. التمرد الوجودي، والهروب من النسق..

علي حسن الفوّاز* أنا أتصَعلكُ، إذًا أنا موجودٌ.. هذا الكوجيتو الافتراضي يمكنُ أنْ يكونَ تعبيرًا …