زولان بارت والسينما

السبب الذي يجعلنا نتطلع إلى كتابات رولان بارت في السينما هو أننا جميعا نميل إلى أن نكون اختصاصيين جدا في طرائق تفكيرنا بشأن الثقافة عموما, والأفلام خصوصا.

رولان بارت أبعد ما يكون عن السينما كحقل اختصاصي, بل يمكن اعتباره مصابا إلى حد برهاب (فوبيا) السينما.. بالنسبة لشخص فرنسي على الأقل.

– 1 –

في حديثه مع جاك ريفيت وميشيل ديلاهاي في عام 1963, اعترف بارت قائلا: »أنا لا أذهب إلى السينما كثيرا, بالكاد مرة في الأسبوع«.. كاشفا بذلك, وعلى نحو غير مقصود, عن الشغف الفرنسي بالأفلام والذي يمكن أن ينتقل بالعدوى حتى إلى ذلك الذي لا يهتم كثيرا بالسينما.

مصاب بفوبيا السينما? ربما. هو بلاشك ارتاب في السحر التنويمي الذي تمارسه السينما, والمعضلة الملازمة- بالنسبة لمحلل- حين يتعين عليه التوفيق بين استمرار الجاذبية وانقطاع ما كان يسميه الاشارات. مع ذلك فان ما كان يتعين عليه أن يقوله عن الأدب والمسرح والتصوير الفوتوغرافي والموسيقى (عشقه الأول) يمكن تناوله بوصفه تعبيرا عن السينما على نحو أفضل مما يقوله العديد من نقاد السينما. وما كان على بارت ان يقوله عن السينما- عموما وفي العديد من الحالات الخاصة- إتضح انه مشوق ومثير للاهتمام.

– 2-

»مقاومة السينما«.. كتب رولان بارت في 1975 محاولا أن يحدد ما لا يحبه بشأن الوسط (السينما).. »تواصلية الصور بلاشك. الفيلم شريط ثرثار. التوكيد استحالة التشظي, استحالة الهايكو«.

بارت, المتحمس للتشظي والهايكو, ربما اقترب أكثر من تحليل الفيلم عندما كرس مقالة (بعنوان: المعنى الثالث) لبضع لقطات ساكنة من فيلم »ايزنشتاين« »ايفان الرهيب«.

وقد استهل كتابه عن التصوير الفوتوغرافي بهذا الاعتراف: »انتهيت على نحو حاسم إلى أن أحب التصوير الفوتوغرافي بالتعارض مع السينما التي مع ذلك أخفقت في فصله عنها«.

لم تكن هذه مشكلته الوحيدة مع السينما, حيث يواصل قائلا في موضع آخر: »قيد التمثيل (representation) – المشابهة لقواعد اللغة الالزامية- تجعل من الضروري تلقي كل شيء: عن الرجل السائر في الثلج, حتى قبل أن يعبر عن الغاية, كل شيء ممنوح لي. في الكتابة, على العكس تماما, لست مجبرا على رؤية كيف يقرض البطل أظافره«. الخلل, باختصار, أن الفيلم »الذي هو مهرجان العواطف«, كما يسميه بارت, يقدم للمتفرج الكثير, مع ذلك فان هذا الكثير لا يكفي.

– 3 –

رولان بارت, الذي ولد في عام 1915, لم ينشر كتابه الأول »الكتابة في درجة الصفر« حتى بلغ السابعة والثلاثين. لقد كان يعاني من السل الرئوي في أغلب مراحل شبابه. وقد نشر مقالاته الأولى (1942- 1944) في احدى المجلات, كما كتب مقالة عن أول أفلام المخرج روبير بريسون.

من الواضح أن بارت لم يبحث مرة أخرى في السينما حتى العام 1954 حين بدأ في كتابة سلسلة من المقالات نشرها في المجلات وجمعها فيما بعد تحت عنوان »ميثولوجيات«, وهذا يشتمل على الكتابة عن كل ضروب النشاط الثقافي.. أيضا عن المصارعة والستربتيز (التعري أمام الجمهور قطعة قطعة) والدليل السياحي. وقد خصص للأفلام مساحة وأتاح لها أن تلعب دورا هاما.

أثناء تطوير هذا التعامل- بدءا بعون من السيميولوجيا (علم الاشارات) ثم بمساعدة طريقة التحليل النفسي- قد شيد نقدا للسينما والذي اتخذ شكلا معينا في مقالات مثل »المعنى الثالث« (1970) و»عند مغادرة صالة السينما« (1975).

في أواخر السبعينيات, قبل وفاته بفترة طويلة, وافق بارت على أن يؤدي دور الروائي وليام ثاكيري في فيلم صديقه المخرج أندريه يتشين »الأخوات برونتي« (بينما في 1965 رفض أن يمثل نفسه في فيلم جودار (Alphaville) كما انه اعتزم كتابة سيناريو فيلم مبني على حياة مارسيل بروست على أن يخرجه يتشين, لكنه لم ينفذ المشروع.

– 4  –

المعارضة المعاصرة للسيميولوجيا, بوصفها ممارسة أكاديمية جافة ومجدبة, بالتأكيد لم تبحث في التوظيف السياسي والجدلي لها, والذي قام به رولان بارت كصحفي خلال أكثر من ربع قرن مضى, حين كان يحدد ويهاجم ميثولوجيات سائدة, وذلك على صفحات »ليتر نوفيل«.

السيميولوجيا مصطلح ومفهوم, وكان اللغوي فرديناند دي سوسير أول من صاغ هذا التعبير في السنوات الأولى من القرن العشرين عندما دعا إلى »علم يدرس حياة العلامات أو الاشارات داخل المجتمع«. لكن جهود بارت – في الواقع- هي التي وجهت عناية الجمهور الواسع إلى السيميولوجيا. وبتلقد كرسي »السيميولوجيا الأدبية« كأستاذ في الكوليج دي فرانس في أواخر السبعينيات, نبه رولان بارت جمهوره إلى أن:

»السيميولوجيا, بقدر ما يتعلق الأمر بي شخصيا, بدأت من دافع عاطفي على نحو صارم, لقد بدا لي (في العام 1954 تقريبا) أن علم الإشارات ربما يحفز نقدا اجتماعيا, وأن سارتر وبريخت وسوسير بإمكانهم الالتقاء والتعاون في المشروع, كانت مسألة فهم (أو وصف) كيفية إنتاج المجتمع للأنماط«.

وفي مقالته »الرومان في الأفلام« (1954) يشير بارت إلى أن بعض هذه الانماط, كما هي جلية في فيلم جوزيف مانكيفيتش »يوليوس قيصر«, تثبت في النهاية أنها مسلية بعض الشيء. على سبيل المثال, يلاحظ بارت أن كل الشخصيات الذكورية في الفيلم تلبس بشعور من الارتياح, ثيابا ذات حواشي من اجل إظهار انها رومانية.

يقول بارت:

»نحن بذلك نرى هنا الاتجاه السائد من المشهدية- الاشارة- وهي تعمل في أرض مكشوفة خصلة الشعر الأمامية المنسدلة على الجبين تغمر المرء بالبرهان على أن الشخص روماني, ولا أحد يستطيع أن يشك في انه يعيش في روما القديمة.. وهذا اليقين دائم: الممثلون يتكلمون, يفعلون, يقلقون أنفسهم, يناقشون قضايا الاستيراد العالمي دون فقدان أي من جدارتهم بالتصديق ظاهريا, وذلك بفضل الخصلة الصغيرة المتدلية في استرخاء على جباههم. وضعهم النموذجي العام يمكن ان يتحدد وينتشر في امان تام وان يعبر المحيط والعصور ويندمج في وجوه المجاميع الامريكية في هوليوود. وأيا كان الأمر فان كل شيء مغروس بطمأنينة, في اليقين الساكن لعالم ازدواجية حيث الرومان بفضل الاشارات الاكثر وضوحا وقابلية للقراءة: خصلة شعر الجبين«.

من هذا الرصد, يواصل بارت ليستشف اثنتين من »الإشارات الفرعية« المثيرة للاهتمام في الفيلم:

(1) بورشيا وكالبورنيا ساهرتان في جوف الليل البهيم, بشعر غير ممشط على نحو جلي.

(2) »كل الوجوه« في الفيلم »تنز عرقا باستمرار« اشارة إلى »الاحساس الأخلاقي« (»أن تعرق يعني ان تفكر.. والذي يتكئ بوضوح على الأمر المسلم به, الملائم لأمة رجال الاعمال, بأن التفكير فعل عنيف, عملية مفاجئة وعنيفة وبالتالي فيما العرق هو وحده العلامة الأكثر رقة, والتي لا تشكل خطورة«. وبالتالي فان قيصر نفسه »هدف الجريمة.. هو الرجل الوحيد في الفيلم الذي يظل جافا, ولا يتصبب عرقا«.

– 5 –

عن موضوع نجوم السينما, كان لدى رولان بارت مايقوله من أشياء كثيرة مثيرة للاهتمام بعد أربعة أشهر من عراكه مع يوليوس قيصر, أخذ ينتقد بقسوة الاستخدام المفرط لنجوم السينما في أحد أفلام ساشا جيتري:

»في التحليل النهائي, نظام النجوم ليس بدون مغالطة, انه يتألف من تبسيط التاريخ من قبل السينما وتمجيد السينما من قبل التاريخ انه شكل من أشكال المقايضة التي تعتبرها كلا القوتين نافعة, على سبيل المثال, الممثل جورج مارشال يمرر شيئا من تألقه الشهواني إلى الملك لويس السادس عشر,وبدوره يتنازل لويس السادس عشر عن شيء من مجده الملكي إلى جورج مارشال«.

ويستمر بارت في توبيخ جيتري لعدم أخذه درسا في تصميم الأزياء, حيث ان أشكال ملابس المرحلة التاريخية كانت زائفة وان كان »زيفا مقصودا على نحو رائع, بازدراء بالغ للمصداقية, ورغبة في إعطاء الأزياء الخيالية بعدا ملحميا«.

في العام نفسه, أثنى بارت على شارلي شابلن بوصفه فنانا بريختيا يظهر للجمهور »عماه عن طريق تقديم رجل أعمى وما يوجد أمامه« أي ضرب من البروليتاري البدائي والذي لا يزال خارج الثورة) في فيلمه  الأزمنة الحديثة.

بعد خمس وعشرين سنة, في العمود المنتظم الذي كان يكتبه في لانوفيل اوبزرفاتور, عبر بارت عن افتتانه بمشهد معين من فيلم »أضواء المدينة« حيث يضع شابلن المكياج أمام المرآة, والذي يبدو »كتحول أو انمساخ.. مثلما يحدث في الميثولوجيا وعلم الحشرات«.

قبل بضع سنوات من ذلك, كتب بارت عن نفسه بصيغة الغائب في »رولان بارت« قائلا: »في طفولته لم يكن مولعا كثيرا بأفلام شابلن. فيما بعد, وبدون ان يخفق في رؤية الايديولوجيا المشوشة للشخصية, هو اكتشف نوعا من البهجة في هذا الفن الذي هو رائج شعبيا ومعقد في آن معا لقد كان فنا مركبا, يعقد معا عدة ميول وأذواق, عدة لغات. فنانون كهؤلاء يثيرون نوعا من الفرح والسعادة, ذلك لأنهم ينتجون صورة لثقافة هي مميزة وجماعية في آن«.

في العام نفسه كتب رولان بارت على نحو شعري, عن وجه جريتا جاربو, ذلك الشيء الخرافي بامتياز. وقد وجد بارت ان هذا الوجه يمثل »لحظة هشة عندما كانت السينما على وشك ان تنتزع المظهر الوجودي من الجمال الجوهري, عندما يميل النموذج الأصلي نحو فتنة الوجوه الفانية, عندما صفاء الجسد كجوهر يخلي مكانه لغنائية المرأة«.

مقارنا بين وجه جاربو ووجه أودري هيبورن ذي الفردية المميزة, يقرر خصوصية جريتا جاربو هي من خصوصية وضع المفهوم, بينما خصوصية أودري هيبورن نابعة من وضع الجوهر. وجه جاربو هو فكرة.. وجه هيبورن هو حدث«.

– 6 –

ثمة طريقة أخرى للنظر إلى رولان بارت والفيلم, أقل شعرية, لكنها لقيت استحسان بعض الاكاديميين. هذه تشمل رؤيته بوصفه واضعا لنظام (system) رائع, والذي تحليله النصي الشهير لرواية بلزاك القصيرة »سارازين«, في دراسة معروفة ك-Z/s, يفكك »النص الواقعي« إلى »خمسة مستويات من الدلالة« او »الشفرات«. من ميثودولوجيا (علم المنهج) تحليل السرد النثري- الذي استمده رولان بارت إجمالا من احدى حلقاته الدراسية- حاول بعض أكاديميي السينما ان يؤسسوا طريقة فهم نظامية أكثر من دراسة الأفلام.

دون رغبة مني في رفض هذا النوع من العمل, لا أستطيع ان أقول بأنني وجدت ذلك نافعا كما هي كتابات رولان بارت الأكثر شعرية وإيحائية (حتى لو كانت أقل نظامية أو اعتناء بالتصنيف والترتيب) ذلك لانني ربما أثمن كتاباته لما تتضمنه من أسئلة أكثر مما تتضمنه من أجوبة, وبسبب طابعها الفني (خاصية اللعب) أكثر من طابعها العلمي (خاصية العمل). بهذا الخصوص, أسلوبيا ومن جهة تحطيم المعتقدات التقليدية, رولان بارت هو اقرب إلى ناقد سينمائي أمريكي مثل ماني فاربر – بالأخص في تدفق وسرعة وحركة تفكيره- من زملائه السيميولوجيين الفرنسيين مثل ريمون بيلور وكريستيان ميتز بامكان المرء أيضا أن يبرهن بأنه كلما كانت الطريقة التحليلية أكثر قابلية للتعليم فان تطبيقها آليا يصبح أكثر يسرا, وهكذا رأينا جيلا من الأساتذة والطلبة الخريجين ينزعون غالبا إلى تطبيق S/Z بدون تفكير عميق أو نفاذ بصيرة.

– 7 –

»الايديولوجيا هي, في الواقع, نتاج مخيلة عصر ما, السينما نتاج مخيلة مجتمع«..

(عند مغادرة صالة السينما)

في العام 1959, مباشرة حين بدأت الموجة الجديدة الفرنسية في جعل نفسها محسوسة, نشر رولان بارت نقدا لأول أفلام كلود شارول »سيرج الجميل« والذي وصفه باليمين بسبب محاولة الفيلم فرض صورة ساكنة للانسان.

الطريقة الفظة التي بها ينظر المرء إلى شخص ما او شيء ما كان يمكن ان تصبح كما كتب بارت: »الأساس لفعل التهكم او فعل الحنان«. لكن الطريقة الفظة التي يتوصل بها المرء إلى ثيمة او فكرة ما يمكن أن تكون زائفة ومضللة. يضيف بارت: »ما هو بغيض بشأن السينما, انها تجعل المسخ قابلا للحياة او للنمو. حتى ان بوسع المرء في الوقت الحاضر ان يزعم بأن الاتجاه الطليعي كله يعيش على هذا التناقض: إشارات حقيقية, معنى زائف«.

ملخصا ما أحبه في ميلودراما شابرول الريفية بوصفها »واقعية مصغرة«, فان بارت قارن »سطحه الوصفي« كما في إيماءات الأطفال الذين يلعبون كرة القدم في الشارع- مع سطح فلوبير.. »الاختلاف, والذي هو جدير بالاعتبار, أن فلوبير لم يكتب قصة أبدا«. ان استبصار فلوبير جعله يدرك بأن القيمة الجوهرسة لواقعيته كانت في خلوها من المغزى.. »وان العالم لا يدل على شيء«, أما واقعية شابرول فهي على العكس تماما »في موضعها على نحو راسخ تستثمر الشفقة والاخلاص أي الايديولوجيا.. سواء شاء ذلك او لم يشأ. ليس ثمة قصص بريئة: لمائة سنة ماضية, كان الأدب يتصارع مع هذه النكبة«.

بالنسبة لبارت, فن اليمين عند شابرول دائما ينسب معاني للمحن الانسانية بدون استنطاق الأسباب.

»القرويون يسرفون في معاقرة الخمر. لماذا? لأنهم فقراء جدا ولاشيء لديهم ليفعلوه. لم هذا البؤس, وهذا الانغماس في الملذات? هنا يتوقف استقصاء الأب فجأة او يخضع للتصعيد: انهم بلاشك أغبياء في الجوهر, انها طبيعتهم. يقين المرء لا يطالب بأخذ دروس في الاقتصاد السياسي لمعرفة اسباب الفقر في الريف لكن ينبغي للفنان ان يعترف بمسؤوليته عن التعبيرات او المصطلحات التي ينسبها إلى تفسيرات: هناك دائما لحظة يشل فيها حركة العالم وكلما جاءت متأخرة كان ذلك أفضل. اسميه فن اليمين هذا الافتتان بالثبات, بالسكونية, والذي يجعل المرء يصف النتائج دون أن يسأل أبدا (لن أقول عن الأسباب بل) عن الوظائف.

– 8 –

بعد أربع سنوات, في مقابلة مع كاييه دو سينما (دفاتر السينما), تابع رولان بارت هذا المفهوم إلى مدى أبعد باستدعاء فن ارتاب في الايديولوجيا عن طريق تعطيل او تعليق المعنى.. وهو تطوير, من بعض النواحي, لأفكار بريخت عن التغريب وافكار الروائي الجديد آلان روب جرييه بشأن التشيؤ في الفن.

»أسأل نفسي الآن عما اذا هناك فنون رجعية بطبيعتها وتقنياتها ذاتها. أعتقد ذلك فيما يتصل بالأدب. ولا أظن أن أدب اليسار سيكون ممكنا. أدب اشكالي.. نعم, هذا ممكن.. أعني, أدب المعنى المعلق: الفن الذي يثير استجابات لكن لا يوفرها. أظن ان الأدب يفعل ذلك في افضل الأحوال. وبالنسبة للسينما, لدي انطباع بانها – في هذه الناحية- تقترب كثيرا من الأدب. وبسبب بنيتها ومادتها, هي مهيأة على نحو افضل بكثير من المسرح لتحمل مسؤولية اشكال كنت قد سميتها تقنية المعنى المعلق. أظن ان السينما تواجه صعوبة في توفير معان واضحة وهذا ما ينبغي أن تفعله في حالتها الراهنة. ان أفضل الافلام, بالنسبة لي, هي تلك التي تعطل المعنى وهي عملية صعبة جدا تقتضي, في آن واحد تقنية رفيعة, وأمانة فكرية تامة, لان ذلك يعني تحرير المرء لنفسه من كل المعاني الطفيلية.

كمثال رئيسي لما كان يعنيه, استشهد بارت بفيلم بونويل »الملاك المدمر« وهو فيلم رعب هزلي رائع عن ضيوف أثرياء يجدون أنفسهم, على نحو يتعذر تفسيره, عاجزين عن مغادرة حفلة العشاء. هنا, حسب قول بارت, المعنى معلق على نحو مقصود دون أن يصبح مبتذلا أو عبثيا في فيلم »يرج المرء بعمق, وراء العقائدية, وراء المذاهب«. بالحس الشائع لكن الدقيق… انه الفيلم ؛الذي يجعل المرء يفكر«.

– 9 –

الإشارة إلى الأفلام في كتابات رولان بارت تشكل جزءا هاما من نسيج هذه الكتابة وبنيتها الإجمالية في العام 1955, وقد استثاره إلى حد ما فيلم جاك بيكر Touchez Pas au, حلل بارت »رباطة جأش« افراد العصابات في الافلام البوليسية التي تدور حول رجال العصابات, مندهشا من التوكيد البصري, غير اللفظي, لسلوكهم الذي يضمن بأن:

»كل رجل يستعيد مثالية عالم استسلم لمعجم ايمائي محض, عالم سوف لن يعود يتباطأ تحت أغلال اللغة: أفراد العصابات والآلهة لا ينطقون, انهم يؤمنون.. وكل شيء يتحقق«.

– 01 –

أحيانا يمكن لفيلم معين ان يحرض رولان بارت على التوصل إلى صيغة هامة. بالنسبة للعديد من القراء, المقطع الرئيسي في »لذة النص« هو الفقرة التي تربط السرد باسطورة أوديب. ويشير بارت في النهاية إلى انه كتب هذا بعد مشاهدته فيلم الألماني فريدريك مورنو »فتاة المدينة« (وهو فيلم انتج في هوليوود العام 1929) عند عرضه في التلفزيون الفرنسي.

وفي كتابه الذي يحمل عنوان »رولان بارت« ابتهج بارت بـ»الثروة النصية« التي وجدها في فيلم الاخوة ماركس »ليلة في الاوبرا« والتي اشتملت على كابينة الباخرة المكتظة كليا بالأفراد, تمزيق الاتفاقية او العقد, الفوضى النهائية لديكورات الاوبرا, والتي هي رموز ؛للتدمير المنطقي الذي يمارسه النص).

في الكتاب ذاته, قارن عملية الكتابة لديه بالبروفة المسرحية المصورة في فيلم جاك ريفيت (الذي بدوره تحدث كثيرا عن تأثير بارت على أعماله).

فيما بعد, في كتابه »حديث العاشق: شظايا«.(1978), سوف يورد مشهدا من فيلم بونويل »سحر البورجوازية الخفي« حيث الستارة ترتفع لا لتظهر خشبة المسرح بل لتظهر الصالة المزدحمة والحضور يتفرجون على الشخصيات البورجوازية وهي تتناول الطعام في ارتباك شديد.

وفي عمود له في إحدى المجلات سنة 1979, أشار بارت إلى ضيقه وانزعاجه من جمهور كان يضحك على الأشياء ذاتها التي كان يحبها كثيرا في فيلم ايريك رومر »برسيفال« (مثل بساطة وسذاجة البطل). كما سجل استمتاعه بمشاهدة الفيلم الفرنسي جدا ؛فنسنت, فرانسوا, بول …. والآخرون »على شاشة التلفزيون ؛النمط هنا مؤمم.. انه يشكل جزءا من الديكور وليس جزءا من القصة«.

– 11 –

مقالة »عند مغادرة صالة السينما« تبدأ بوصف رولان بارت لمدى ولعه بتلك الفعالية اللافتة للنظر بغرابتها (الخروج من صالة السينما) والتي يشبهها بالخروج من حالة التنويم المغناطيسي.

متأملا ظلمة الصالة وما توحيه له- »الافتقار إلى الطقس« و»استرخاء الوضعية الجسمانية«- يستقر بارت على الصورة الشعرية للشرنقة: »متفرج الفيلم قد يتبنى شعار دودة القز: لأنني محتجز فأنا أعمل, وألتمع بكل كثافة رغبتي«. »غائصين في ظلمة الصالة (الظلمة المكتظة, المجهولة) نحن نكتشف المصدر الفعلي للسحر الذي يمارسه الفيلم (أي فيلم). تأمل من ناحية أخرى التجربة المعاكسة تجربة التلفزيون الذي يعرض أيضا أفلاما: لا شيء, لا سحر. الظلمة تتبدد, المجهولية مقموعة, الحيز مألوف, منظم (بواسطة الأثاث والأشياء المألوفة), ومروض. الايروسية- أو شهوانية الحيز.. من أجل التوكيد على طيشها وعدم كمالها- هي ممنوعة«.

ويرى بارت بأن الطريقة الوحيدة لكي ينتزع المرء نفسه من سحر المرآة (أي الشاشة هي أن يحطم »حلقة الثنائية«.. أي يتحرر من سيطرة التنويم. ويمكن تحقيق ذلك باللجوء إلى قدرة المتفرج النقدية (السمعية او البصرية) كما في تأثير التغريب عند بريخت.

وبدلا من الذهاب إلى السينما »مسلحا بأيديولوجيا مضادة« فان بارت يقترح طريقة أخرى.. أن يدع نفسه تستغرق كليا كما لو أن لديه جسدين في وقت واحد, أحدهما نرجسي والآخر مشاكس ومضاد لرغبات المرء, وفي هذه الحالة لا يتجه ولعه أو تعلقه الشديد بالصورة بل إلى ما يتخطاها: الصالة, الكتلة الغامضة من الأجساد الأخرى (المتفرجون), أشعة الضوء, المدخل, المخرج.

ويستنتج بارت بأن ما يفتننا هو المسافة المتصلة بالصورة.. المسافة التي هي ليست فكرية بقدر ما هي دالة على الحب.

وعلى الرغم من مناوشات بارت العديدة مع السينما طوال ربع قرن من الكتابة, فان المرء يخامره شعور بأن العديد منها, في التحليل الأخير, كانت مناوشات عاشق.. حديث عاشق.
 
ترجمة: أمين صالح
كاتب ومترجم من البحرين

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …