أخبار عاجلة

سائق القطار

 

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي وأتلاشى، فتمنيت لو كنت ذرة ملح وذبت . اختفيت عن الانظار . تغيّرت حالي، كلي تغيّرت . صرت انسانا آخر اشبه بالشبح، او بالفزّاعات التي يخيفون بها الطيور، صرت اخاف ويخافون مني ومن منظري ومن محضري، ومن كل ما فيّ . تغيّرت الى درجة اني لم اعد اعرف نفسي . اخذني الامر مدة طويلة جدا، ربما زاد على السنة (وابتسم) اكثر او اقل، لا اعرف . لم ادر الى من ألجأ، الى من احكي، الى من اقول، وصلّيت الى ربي بصمت وحرارة (وفرك ذقنه النابتة) اكثر من ثلاثين سنة من الزواج والحب والامان، فجأة وجدت نفسي عاريا تماما (يتذكر قليلا) لو كان والداي على قيد الحياة لربما استعنت بهما، خرّفتهما، فرّجت عن كربتي، لكنهما للأسف رحلا الى العالم الآخر وتركاني وحيدا، مرة واحدة بعد موتهما شعرت اني فقدت الامان، اني فقدت السقف القوي الذي كنت احتمي تحته، كنت تقريبا في الستين، لكن بعد موتهما شعرت اني صرت عاريا، ولولا زوجتي الطيبة واولادي لجننت . لكن للأسف ما كاد ان يجنّني ليس إلا ذلك الحلم اللعين.
من يومها تعلّمت ان احرص على ان لا ادع احلامي تخرّب عليّ عالمي . اساسا لم اكن اعيرها اهتماما . فجأة وانا في الستينات من عمري، بعدما ختيرت، اجل ختيرت (يضحك) اي بعد ما شاب ودّوه للكتّاب، جاءني ذلك الحلم اللعين الذي قضّ مضجعي وجعلني لسنة او لا اعرف لأية مدة زمنية على وجه التحديد اشبه بالمجنون، كنت قد تقاعدت قبل اواني بسبب المرض، مع المرض الحقير جاءني ذلك الحلم اللعين الذي هدّ حيلي وجعلني انسانا آخر مختلفا اشد الاختلاف، فجأة كدت افقد كل توازني، كدت ازداد مرضا، ان افقد قابليتي للحياة، ان افقد حبي لزوجتي الطيبة، ان ادور في الشوارع كالمجنون، لكني تمالكت نفسي وتجرّعت همومي على مهلي.
اولادي استغربوا الامر، ازددت نكدا، سقيت زوجتي وام اولادي كأس المرارة كل يوم من دون ان اقول لها شيئا، كانت تسألني ما الذي جرى لي، لكني كنت ازداد انغلاقا على ما يدور فيّ وادّعي بشكل غير مباشر ان المرض جعلني انسانا غريبا وكانت تنهال عليّ بكل ما هو خيّر وطّيب ( يصمت قليلا) هل تعرفون انه بسبب حلم تغيّرت كل حياتي، تشقلبت، نضحت المرارة فيّ، ولو اني تكلمت لهان الامر . في بداية الامر، اي في الاشهر الاولى احكمت الاغلاق على نفسي، لم اعد ارى معارفي ولا اقربائي، كلهم عزوا الامر الى المرض، وذلك كله بسبب حلم لعين، بسبب الوسواس الخنّاس الذي يوسوس في قلوب الناس، والذي وسوس في قلبي ليلا . لم ادر يومها ماذا افعل، الى من اذهب الى من اقول، الى من احكي، درت في البيت كالمجنون، لا طاقة لي ولا قوة ولا يحزنون، كنت كالانسان الميت، وكانت زوجتي تسترحمني ان اقول لها ما يجري لي لكني كنت ازداد نفورا منها ومن عالمي ومن كل ما جاءني منها، الى ان كان ذات يوم ان صرخت في وجهها «الكل بسببك!» عندها امتلأ وجهها ذهولا «بسببي انا؟! هل قصرّت بشيء؟!» ونظرت اليها نظرة شك ممزوجة بحقد مرير، فاسترحمتني مرة اخرى ان اقول، ان افضفض، ان اصارحها بكل شيء، ان اقول بماذا قصرّت، لكني عضضت على شكي ومضيت اتبلّغه على مهل .
كنت ابتعد عنها في البيت وكانت تقترب مني بالطف ما يكون، وكان الاولاد ينسبون الامر الى المرض والى العمر احيانا، وكنت اسمعهم احيانا يتداولون الامر، اسمعهم وهم يعتقدون اني لا اسمع، الى ان خرجت ذات مرة من غرفتي وصحت في وجوههم : «انتم السبب!» فوجموا . ربما عزوا الامر الى اني اصبت بخرف مبكر، لكني لم اصب بخرف، الحلم كاد يدمّر لي حياتي، ولو فاتحتهم بالامر بما كنت اعتقد ويزداد رسوخا فيّ لربما قالوا اني جننت بحق، لكني حسنا اني لم افعل، ماذا لو قلت لهم ان الحلم قال لي كل شيء، او اني حلمت بكذا وكذا، واني بعد هذا العمر مع والدتهم التي يحبونها لتفانيها واخلاصها لهم ولي ايضا، اني رأيت في الحلم ما لم يكن متوقعا، حتما كانوا ليصدموا ويعزوا الامر ليس الى مرضي او كبر سني بل الى جنوني المطبق، والحقيقة… (يصمت) الحقيقة اني بعد تلك السنة اللعينة، ولا اعرف بالضبط ما هي المدة الزمنية على وجه التحديد، وجدت نفسي اني كنت مجنونا او على وشك، لكن الله الكبير يضرب بيد ويلقى بيد اخرى (يضحك، فتظهر اسنان قليلة في فمه) الله حماني، فذات ليلة حين كنت اقلّب الامر على مختلف وجوهه استفقت، حدث لي ما لم اكن اتوقع، كنت قد حاولت ان احلّل تفاصيل الحلم تحليلات سخيفة استلبستني مدة طويلة، لكني لم اكن لا في الواقع ولا في الخيال اقع حتى على ذرة واحدة مما ورد في ذاك الحلم البشع، كل ما في الامر ان الحلم جاءني على اسهل ما يكون، حلم شيطاني ربما، او لا اعرف، وعلقت بين براثن ذلك الحلم (يسترسل في ضحك خفيف ويضيف) حلم، حلم عادي كان ممكنا ان يحدث مع اي شخص آخر غيري، مع الجميع، او مع لا احد، كان على عقلي ان يكون اكبر، لكن عقلي صغر بعد ذلك الحلم الى حد حبة الخردل، او بالاحرى فقدت عقلي لسنة ربما، هل تصدّقون ان ذلك الحلم كاد ان يخرّب حياتي ويقلبها رأسا على عقب، اليوم بعد ان وجدت الحل، والحل كان بسيطا جدا، ابسط مما اتصوّر او اتخيّل او حتى احلم (يضحك) وقعت على الحل، لا شيء كان حقيقيا مما ورد في حلمي، مجرد حلم شقي بائس تعيس هاجمني، اكتسح عليّ عالمي وانا وقعت فريسته، مرضت لأكثر من سنة ثم تماثلت للشفاء ربما بمعجزة، حاولت ان ابحث عن تفاصيل ذلك الحلم في الواقع لكني لم اقع على اي شيء منه لا هنا ولا هناك (يضحك ضحكا طويلا ويتابع) تقصيّت الامر قدر ما استطيع، لكني وجدت اني كنت على شفا جنون، كيف جاءني ذلك لا اعرف. فللاحلام طريقها الى عقولنا وقلوبنا (يبتسم براحة) احلم بزوجتي، اننا كنا على موعد (يضحك) اين، في محطة قطار بباريس، اذهب الى محطة القطار لألتقي زوجتي هناك، وانا حافل بالسعادة والسرور لكن لسوء حظي اقف وراءها وانا اراها وهي تضم سائق القطار الى صدرها او هو يضمها الى صدره، ارتعب، اخاف، اهرب، ذلك كله في الحلم طبعا، بعدها افيق وانظر الى زوجتي واجدها الى جانبي في السرير، اكرهها في الحال، اكره تنفّسها، اكره كل ما فيها فجأة، تخونني مع سائق قطار عينك عينك، وبقيت ساهرا الى وجه الصبح، وعندما استيقظت فوجئت بنظراتي الحادة التي كانت تنهال عليها لوما وتجريحا، كان كل ما فيّ يكرهها، وازداد الامر صعوبة، وازددت تعذيبا لنفسي ولكل ما حولي لدرجة انهم ظنوا اني فقدت عقلي تماما، لكني لم افقد عقلي . تقصيّت الامر، شمشمت هل خانتني مع سائق القطار ام مع غيره، تعذبّت وعذبتهم معي، الى ان اتضح لي انه مجرد حلم، حلم عادي جدا قد يحدث مع الآخرين لكني حملته على محمل الجد وكان ما كان (يتنفّس بعمق) اما اليوم فلقد ارتحت، كنت مجنونا، او اصبت بعدوى الجنون القتّال لسنة، زوجتي لم تخنّي مع سائق القطار ولا مع غيره، اخلصت لي كما لم يخلص لي انسان، ومجرد ان حلمت كدت ان احطّم وادّمر كل ما حولي، عاد اليّ عقلي فجأة، فقط عندما ادركت ان قدميّ انا الانسان الغلبان المعتّر لم تطآ باريس بالمرة لا انا ولا زوجتي ام العيال وان سائق القطار ليس إلا خيالا (وضحك ضحكة طويلة) والانكى انه لا يوجد اي قطار في بلدتنا، انها بلدة معزولة مهملة فقيرة عكس القرى والبلدات اليهودية المتطورّة (وضحك اكثر) حسنا ان القطار لم يصلنا، لو وصلنا حقا لكنت جننت بحق وحقيق، لكني نفدت من تحت السكين وها انا اجلس واضحك واضحك، اضح… (ويضحك ضحكة طويلة).

 
رياض بيدس\
\ قاص من فلسطين

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي والاس ستيفنز

كتابة وحوار : أسعد الجبوري * منذ اللحظة التي دخلنا فيها ذلك النفق المحفور تحت …