سميح القاسم : مريض بالتفاؤل.. قصيدتي هي الحداثة العربية

الخروج من فلسطين كان سيُهيئ لي كتابة أسوأ
مريض بالتفاؤل، منحاز دائما لفكرة التورط الكامل في تجارب الحياة المختلفة، أسست قصيدته «إلى غزاة لا يقرأون» لشعر المقاومة، صوت بكائه. في طفولته الباكرة سبب قلقا وخوفا كبيرين لمن حوله، وظل هذا الصوت يقول الشعر إلى يومنا هذا. طالت صداقته مع درويش لأكثر من خمسين عاما، لذا تهرّب من سؤالنا عن موت درويش، واكتفى بأن يقول لنا: «لديه شقة جديدة في عمّان». جرّب الموت لتسع ساعات، وقال: إنّ الأسنان لا تؤلم في الموت.
سميح القاسم واحد من أبرز شعراء فلسطين، ولد في مدينة الزرقاء الأردنية عام 1929، وتعلّم في مدارس الرامة والناصرة. وعلّم في إحدى المدارس، ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي، سجن القاسم أكثر من مرة، ووضع رهن الإقامة الجبرية بسبب أشعاره ومواقفه السياسية، بعدها تفرّغ لعمله الأدبي.
شاعر مكثر من الكتابة فما أن بلغ الثلاثين حتى كان قد نشر ست مجموعات شعرية حازت شهرة واسعة في العالم العربي، إلى جانب الشعر كتب عددا من الروايات: إلى الجحيم أيها الليلك، الصورة الأخيرة في الألبوم، ومن كتاباته النثرية كتاب عن الموقف والفن، من فمك أدينك، حسرة الزلزال، وغيرها، وله عدد من البحوث والرسائل. من مجموعاته الشعرية: مواكب الشمس، أغاني الدروب، دمي على كتفي، دخان البراكين، سقوط الأقنعة، الموت الكبير، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وغيرها. ومن أعماله المسرحية: قرقاش، المغتصبة ومسرحيّات أخرى.

•• سأبدأ من الرامة في فلسطين حيث ولدت وتربيت وحيث تصر على البقاء، مع أنك شاعر تتاح له خيارات أكثر من ذلك؟
– ولدتُ بمدينة الزرقاء بالأردن، ولكن عائلتي من الرامة بالجليل، أنا من شبه جزيرة العرب، والعرب هم أبناء شبه الجزيرة العربية. لكن هذا التداخل بين مولدي في الأردن، وأصل أسرتي من فلسطين، وأقاربي في سوريا ولبنان، هو الأساس في وعي قومي لا يقبل التجزئة الإقليمية والقُطرية والمذهبية والدينية. الرامة بلدة جميلة جدا موقعها على سفح جبل، وهو ثاني أعلى جبال بلادنا، محاطة بكروم شاسعة من الزيتون وغابات السنديان والخروب والعبهر وتتمتع بجمال طبيعي، ومن حقي أن أحب هذا البلد، مع أن نفسي في أعماقها صحراوية، وأحب الصحراء كثيرا، أكثر مما أحب الغابات في تكويني النفسي السيكولوجي. لكن حين ظهر من يقول لي هذا ليس وطنك، وهذه ليست غابتك وهذه ليست خروبتك، وهذا ليس بيتك، فما العمل وأنا من برج الثور الممتلئ بالعناد، فليكن عنادا من برج الثور، بالرغم من أني أسميه عنادا إنسانيا، وأرفض من يجردني من بيتي وسنديانتي ومقبرة أجدادي ووردتي.. ليس من حق أي قوة في العالم أن تفعل ذلك. لذلك قلتُ لا، ولائي غير قابل للتفاوض. لا جدال لدي في ضرورة التشبث بالوطن. صحيح عُرضت عليّ المناصب العالية، والمداخيل والمكاسب المالية والشهرة والأضواء من المحيط إلى الخليج ولكنني قلت لا.. لا خروج من هذا الوطن، إلا إن كنت جثة هامدة، لا تستطيع أي قوة إخراج الوطن مني.. الوطن هنا بمعنى الرامة وفلسطين وعُمان والعراق المغرب.. أنا لديّ وطن واحد هو الوطن العربي، وفي هذا الوطن توجد أقطار ومناطق احترم خصوصيتها، ولا أتنازل عن حقي الطبيعي في الانتماء لها.

•• ألا يـأتـي البقــاء علـــى حســاب مشــروع الكتابة؟
– أريد إصلاح خطأ شائع. الشاعر يجد الوقت المناسب للكتابة في أي مكان في العالم. أنا كتبتُ في أحد السجون، ليس صحيحا أن الخروج من الوطن كان سيوفر لي كتابة أفضل، ربما كان سيهيئ لي كتابة أسوأ.. فقط أسوأ. لأني استطعت من خلال الوطن، ومن خلال ما أتيح لي من فرص للسفر، التجول في العالم، في حين حرمتُ من دخول بعض الدول العربية.. اعتقد أن ما حققته قصيدتي بشهادة النقاد الكبار من مثل سلمى الخضراء الجيوسي، وهي ناقدة وكاتبة مهمة قالت: إنها لم تجد ما بعد الحداثة إلا في قصائد سميح قاسم. إذا استطيع البقاء في أرضي والتشبث بحقي وبتاريخي وكتابة قصيدتي كما تأتي.

•• لذلك أنت ترى أن من يكتب عن الوطن عن بعد، هو كمن يقدم ورودا بلاستيكية؟
– القصيدة التي تكتب عن بعد، لا يمكن أن تحمل حرارة الأرض ورائحة التراب. أنا مثلا كتبتُ عن فيتنام، ولكني أعرف أني لم اكتب عنها كما قد يكتب شاعر من فيتنام أصلا. أنا أرفض الادعاء على حساب قصيدتي. الكتابة من الوطن تعطي الكثير من الألق والدفء للقصيدة، تعطيها طزاجة لا تتحقق للشاعر لو كان يعيش في فيلا على نهر التايمز، وكل صباح ينزل إلى المقهى، ليكتب عن وطنه!
أنا مع التورط الكامل في تجارب الحياة المختلفة.. لا أتغزل بامرأة رأيتها عن بعد كيلومتر واحد، لا أفعل ذلك، بل أنا لا أصدق ذلك، كما لا أصدق مشاعر تتولد عن الوطن عبر «الريموت كونترول». لا أصدق فنا ليست فيه نار الحياة بكل أبعادها. تلك النار المقدسة التي هي أصل الشعر والفن، لذا أنا لن أتخلى عن ناري المقدسة.

•• هل يغريك لقب شاعر المقاومة؟
– نحن الشعراء.. شعراء المقاومة لم نتمن أن تُحتل بلادنا حتى نصبح شعراء مقاومة. نحن فتحنا أعيننا على واقع جديد غير مُرضٍ وغير مقبول، فقاومنا هذا الوضع. أنا اعتز بقول بعض النقاد بأن قصيدتي هي التي أسست لشعر المقاومة، لكن يوجد من يقول: «لم يعد هنالك ما يبرر شعر المقاومة»، والحقيقة لا استطيع إلا أن أنعتهم بالغباء، فالاحتلال أصبح أوسع في بلاد العرب والمسلمين. كان مقتصرا على فلسطين، والآن امتد ولا يزال يمتد إلى البلاد العربية، يمتد بأشكال كثيرة ليس بالضرورة أن يكون عسكريا بالطائرات والعسكر، يكفي أن يُملى علينا كيف نُدرس القرآن حتى نكون تحت الاحتلال، يكفي أن يُملى علينا أن ندعو هذا الشاعر إلى بلدنا أو لا ندعوه حتى نكون تحت الاحتلال. سلطنة عمان دعتني، وأقطار عربية لا تجرؤ على دعوتي. الاحتلال لا يزال مستمرا وضرورة المقاومة يجب أن تبقى مستمرة أيضا. أنا أقاوم بقصيدتي لأنه ليس لديّ صورايخ أرض أرض، وأرض جو، أو قذائف ذكية، وليس لديّ بوارج بحرية. لديّ سفينة أعدها من أقوى الأساطيل الآن اسمها «زينة البحار» التي انطلقت من عمان، ووصلت إلى عدة دول من دول العالم. هذه السفن التي تستعيد تاريخ البحر العربي، تُعيد لي كرامتي التاريخية، هي في رأيي أقوى من الجيوش الغربية كلها. لأنها تجعلني أكثر تمسكا بهذا التراث وهذه الرمال، خصوصا كلما تذكرتُ ما فعله أجدادي من فتوحات إسلامية راقية، مناقضة لغزو الاستعمار.

•• الناس إلى اليوم تطالبك بقراءة، قصائد المقاومة، ألا يُلغي ذلك اشتغالك الشعري الآخر؟
– والله لديّ ألقاب لم تتوفر لشاعر في العالم كما توفرت لي، احترم من أطلقها عليّ ولكنها لا تعنيني كثيرا. نعم الجمهور يحب استعادة سأقاوم، منتصب القامة أمشي، أتحدى، رسالة إلى غزاة لا يقرأون، لا تعدو العشرة.. يحبون استعادة قصائد أحبوها منذ خمسين عاما، وهذا الأمر يملأني اعتزازا واحتراما لقصيدتي. فلقد أنشأت علاقة استثنائية مع مختلف الدول العربية، لكن هذا أيضا لا يمنعني من تقديم قصائد أخرى، والدليل هو ما حدث هنا في مسقط، حيث قدمت قصائد من مثل مقاطع من سربية سيرة بني سميح، وهو عمل جديد ومركب، والبعض قال لي: ليتك اخترت قصيدة أقل تعقيدا، سهلة وبسيطة، وقرأتُ أيضا عملا آخر «أنا متأسف»، عمل مركب بتقنيات اعتقد أنها طازجة جدا، والجمهور استقبلها بفرح وحب. ليس صحيحا أن الجمهور دائما لا يريد إلا القصائد السهلة والبسيطة والحماسية. الجمهور يريد شعرا، والجمهور هو أخطر ناقد في العالم لأنه بفطرته يحس بالكلام الجميل والصادق والأصيل، ويفرق بين المفتعل والحقيقي، حتى الجمهور الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب قد يسمع شاعرين، ويقرر بحدسه وبغريزته أين الصدق. لذا أنا احترم هذا الناقد الكبير الذي اسمه الجمهور، مع احترامي الكبير للنقاد الكبار الذين أغدقوا عليّ الألقاب، والألقاب لا تطلق عبثا وبالتأكيد لها مسوغاتها.

•• قرأتُ شيئا حدث أيام الحرب العالمية الثانية وفاجأني، عندما كنت طفلا صغيرا، وحاول الناس من حولك إسكاتك في القطار وأنت تبكي، هددوا بقتلك خوفا من رؤية الطائرات الألمانية التي كانت تمر فوق القطار؟
– هذه قصة حقيقية سمعتها من والديّ، كما سمعها أحد الكتاب ودونها في كتاب بعد أن سمعها من المصدر. هذه قصة ذات دلالات، فمن يريد إسكات بكاء طفل هو كمن يريد أن يسكت صوت الحقيقة، الطفل لا يبكي عادة إلا إذا تألم أو أراد شيئا..اعتقد أن كل البكاء صادق، حتى عند الممثل الكبير الذي يبكي على المنصة، لا يبكي كما ورد في النص والمشهد وإنما على أشياء داخل وعيه، ومن حياته الخاصة يسقطها على المشهد فيبكي، لكن هنالك من يحاول دائما إسكات الصوت. الحكاية أغضبتني كثيرا..كثيرا جدا، لأنهم لم يحترموا بكاء طفل وأرادوا إخراسي، خوفهم كان مليئا بالجهل.. الطائرات ألم تكن تشاهد القطار، ألم تكن تسمع هديره؟، أيعقل أنها ستلتفت إلى صوت بكائي وهي على ذلك الارتفاع؟..إنه الخوف الذي يُغيب العقل.
ربما لو قتلوني في ذلك الوقت، لأراحوني من عذابات الحياة، لكن ليس من حق أحد أن يعتدي على حرية الإنسان في التعبير عن نفسه.

•• في البدايات كان التشابه بينك وبين درويش قويا؟
– في دول كثيرة من دول العالم التي كنا نزورها أنا وأخي المرحوم محمود درويش، كنا نقدم قراءة شعرية للطلبة العرب، فنقرأ القصائد معا، ونكرر المشهد الأوركسترالي الذي نفعله دائما، حيث نتحاور بالقصائد، نختار أولا ماذا سأقرأ أنا، وماذا سيقرأ درويش، ومن ثم نشكل حوارية معينة من قصائد مختلفة. أذكر في أمسية القاهرة كتب ناقد فني وهو سمير فريد أن هذه الأمسية الشعرية بيني وبين أخي محمود درويش هي أهم عمل سيمفوني سمعه في حياته. أحيانا كنا نسهر في مكان ما في ظرف تاريخي معين، ثم نذهب إلى عملنا في جريدة الاتحاد أو مجلة الجديد، ونكتشف أننا كتبنا عن الموضوع نفسه. إحدى دور النشر في الأردن نشرت مختارات من قصائد لي وأخرى لمحمود درويش، واكتشفنا أن بعض قصائد درويش وضعت تحت اسمي، وقصائد أخرى لي أنا وضعت باسم درويش. التشابه في التجربة كان قويا، ولكن بمرور الوقت كل منا بدأ يهتم بخصوصيته بالتأكيد.

•• بدأت الكتابة قبل درويش، وديوانك الأول كان شرارة التعارف والصداقة؟
– في عام 1958 صدرت مجموعتي الأولى «مواكب الشمس»، وكنت قد تخرجت لتوي من الثانوية العامة، وكتبتُ القصائد وعمري بين الثالثة عشرة والرابعة عشرة، لكن عمري كان ثماني عشرة سنة عندما أصدرت الديوان. تلقيت رسالة تنص على التالي: نحن طلاب من مدرسة ثانوية يني يني في كفر ياسيف قرأنا مجموعتك الشعرية، وأعجبنا بك ونريد أن نزورك نتعرف عليك، وكان بين الموقعين محمود درويش، محمد علي طه، سالم جبران، وكلهم تحولوا مستقبلا إلى شعراء وكتاب كبار، فرددتُ عليهم برسالة أني أرحب بهم فزاروني في بيتي في الرامة، كنت أكبر منهم بعامين، لذا تخرجت من الثانوية قبلهم. تعرفنا إلى بعضنا البعض، وقضوا ذلك اليوم في بيت أسرتي وباتوا عندنا، وبقينا طوال الليل نتحدث في الشعر والأدب، وعلى سبيل المداعبة قلت لمحمود درويش «أنت يا شاب لديك حساسية شيلي»، قاصدا الشاعر الإنجليزي شيلي، فقال لي: «وأنت عندك عنفوان بيرون»، منذ ذلك الحين أصبحنا صديقين طيلة خمسين عاما الفائتة، ولكن بعض الناس يعتقدون أن صداقتنا كانت دائما كما يقول إخواننا في مصر (سمن على عسل)، هذا غير طبيعي وخصوصا بين شاعرين، كنا نختلف على قضية سياسية، وعلى قضية فنية، ونختلف على امرأة أيضا.. ما الخطأ في ذلك؟.
لكن الحقيقة التي جسدها محمود درويش في رسالته الأخيرة لي عندما كتب: (صداقتنا أقوى من الحب). أنا أريد طمأنة بعض الإخوان الذين يبحثون عن الإثارة، نعم كنا نختلف وهذا فقط هو الطبيعي، ولكن أصر على القول، لم يكن إنسان أقرب إلى قلبي من محمود، ولم يكن إنسان أقرب إلى قلب محمود مني، هكذا عشنا الخمسين سنة في صداقتنا الأقوى من الحب كما قال درويش، وأنا اتفق معه في هذا الطرح.
وأريد أن أخرج الريح من أشرعة بعض الأقلام التي تبحث عن الإثارة والقيل والقال بقولي: طبعا كنا نختلف، ولكن لم نكن نسمح لأي إنسان بالتدخل في علاقتنا الإنسانية الاستثنائية، وهو كان واحدا من أفراد أسرتي عندما تسألني أمي عن صحتي، كانت تسأل عن صحة محمود، وعندما تسأل أمه عنه كانت تسأل عني.

•• ماذا عن صداقتكما والشعر.. هل كانت تخدم الصداقة الشعر أم كانت تشعل نار المنافسة؟
– أنا متأكد وعلى ثقة ويقين بأن المنافسة والغيرة أمور لم تطرق ولو لثانية علاقتنا، فهو يعبر لي عن مدى حبه لقصيدتي، وأنا أعبر عن مدى حبي لقصيدته. نحن كملنا بعضنا البعض، بالتأكيد نحن لم نكتب بنفس الأسلوب والأداء، فلكل واحد منا شخصيته، وبالفعل الفرق بيننا كالفرق بين شيلي وبيرون. بيرون المغامر الصاخب العنفواني، وشيلي الحالم الوديع الرقيق. قد يتناقض أحدنا مع الآخر ولكنه يكمله، ولو كانت طبيعتنا واحدة لما كان هنالك أي مبرر لصداقتنا.
من غرائب الأمور أننا على مستوى الشكل لا يشبه أحدنا الآخر على الإطلاق في تقاطيع الوجه، لكن في عدة مواقف يتصل بي درويش ليقول لي: اليوم حدث معي موقف طريف في عمّان، نزلتُ لأشتري شيئا من البقالة، فقال لي فإذا بالبائع يقول «وينك أستاذ سميح من زمان ما شفناك»، وأحيانا أكون بالمطار فتمر عليّ سيدة لتقول: «أستاذ محمود كيفك!». في النهاية سلمنا لهذه المسألة فإذا تحدث أحدهم لأحدنا باسم الآخر يتصرف كأنه هو.

•• بعد كل هذه العشرة والسنوات الجميلة، كيف تقبلت موته ورحيله عن الحياة؟
– قضية موت درويش لا تزال تُحدث لي اشكالا، سُئلت أيضا في رام الله هل زرت قبر محمود درويش، فقلتُ ليس لمحمود درويش قبر في رام الله، لديه شقة جديدة، وقد زرتها، هكذا أرد ببساطة لأني بالفعل لم استوعب بعد رحيله، وقد كتبتُ عن ذلك في كتابي «مكالمة شخصية جدا». قبل سفر درويش إلى الولايات المتحدة الأمريكية اتصلت به، وكان في مطار عمّان فسألته عن العملية فقال: لا تقلق الخطر بنسبة 3% فقط، فقلتُ له: عندي اقتراح، اسأل الطبيب إن كان يقبل أن نتقاسم أنا وأنت العملية مناصفة. فقال إنها فكرة جميلة، ولكن أخشى أن أكون أنا وأنت في نسبة 3% الفاشلة، دعني أفعلها وحدي. (صمت سميح القاسم طويلا) ثم أكمل إجابته بالفرنسية «هذه هي الحياة هذا هو الموت».

•• لنبتعد عن محمود درويش قليلا لنقترب من منطقة شعرك التي تظهر فيها المرأة مناضلة وشهيدة وأسيرة.. هل ترى أن الظروف التي عشتها في فلسطين خبأت وجه المرأة الآخر، أم كشفت أوجها متعددة لها؟
– أنا لا انظر إلى المرأة باعتبارها ملاكا، ولا أنظر إليها باعتبارها شيطانا، المرأة كائن مساو لي في الحقوق والمشاعر وفي كل شيء خارج بيولوجيتنا الإلهية، والرائع حقا هو اختلافنا البيولوجي وهو سر جمال الكون والحياة وجمال الآخر في أعيننا. لكن لأنها عادية في كينونتها الإنسانية، فبالتالي موقعها عادي من قصيدتي. المرأة موجودة دائما في قصيدتي، وليس سرا أنني كنت مغامرا في فترة من فترات حياتي، تحديدا أيام جموح الشباب، وقد أصدرت مجموعة شعرية حملت عنوان «أحبك كما يشتهي الموت». مجموعة كلها قصائد حب، ولمزيد من التحدي أصدرت مجموعة كلها قصائد غزل، بالبناء الكلاسيكي.

•• تحدثت أنك ضد الاستيراد الشعري السطحي الشكلاني؟ كيف ذلك؟
– كان الموضوع آنذاك عن مسألة الحداثة في الشعر، قلت للشعراء إن قصيدتي وقصائد زملائي هي تمثيل للحداثة العربية بكل معنى الكلمة. شكلا ومضمونا ولغة. لماذا يتم التساؤل أين هي الحداثة. ظهرت نظريات كثيرة في لبنان تقول إن شعر الحداثة هو الشعر الذي يشبه شعر فرنسا أو أمريكا أو بريطانيا. قلت: لا بأس في الاستحداث فهذا استحداث وليس حداثة، وأنا أفرق بين الأمرين الاستحداث هو أن نأخذ من الغرب، كما يحدث عندما نستورد طائرة مثلا، يمكن أن نستورد قصيدة أيضا، لست ضد الاستيراد والاستحداث الذي يؤسس لاحقاً للحداثة، ويشارك فيها. لكن إذا استوردت طائرة من نوع جامبو على سبيل المثال، وسافرت فيها فهذه ليست حداثة، الحداثة هي أن أشارك في صنعها حتى ولو بإضافة برغي أو سلك كهربائي أو عجلة. وهذا ينطبق على الشعر تماما.
قابلتُ عددا كبيرا من شعراء أوروبا من مثل أراجون الذي قرأ بعض ترجماتي، وهو من طلب لقائي عندما كنت في مؤتمر في فرنسا، وهو كان ضيفا أيضا، فقال لي: أنا أفرح بك لأني أسمع في صوتك صوتا عربيا، بعض زملائك من الشعراء العرب أسمع في صوتهم تكراراً لصوتي، في وجهك أرى العرب، وفي وجوههم أرى وجهي، وأنا لا أريد أن أرى وجهي وأسمع صوتي. كان أراجون مغرما بالعرب، لذا كتب مجنون إلسا على غرار مجنون ليلى، لأنه مسحور بالقصيدة العربية ومتفاجئ من محاولة العرب تقليده. كلام مماثل سمعته من الشاعر رفائيل ألبرتي، عندما زرت إسبانيا، وقدموا لي جائزة غار الشعر، وقد زرت ألبرتي في منزله فأهداني أحد كتبه، ولوحة رسمها بيده، كان شاعرا عظيما وبداخله طفل. ألبرتي قال لي أيضا: أنا كان لي رأي في اختيارك لجائزة غار الشعر، لأني قرأت قصائدك بالإسبانية وأحببتها كما لم أحب قصائد زملائك لأن قصائد زملائك تشبهني وتقلدني. في أثينا قدمت أكثر من قراءة شعرية، وكان يانيس ريتسوس شاعر أثينا يأتي ويجلس في الصف الأمامي. فأقول له: أنت مريض، أنا آتيك إلى البيت فيقول لي أنا أطرب عندما أسمعك تقرأ بالعربية وأسمع في الوقت نفسه الترجمة. ليس لديّ شعور بالنقص أمام الأوروبي، فأنا احترمه وأقدر جهوده. لكني لا احترم الشاعر العربي عندما يكتب عن قناديل الضباب والقطط الضالة وعن المشردين في الشوارع، عن صور لا يراها ولا يعيشها.
أنا أعرف شعر فرنسا وألمانيا وبريطانيا وأمريكا وروسيا واليابان، أكثر مما يعرفه هؤلاء الشعراء، ولكن ليس لدي شعور بالنقص.. أحب الشاعر الروسي الكبير فيكتور يوتشينكو، لكن لا أقبل بأي شكل من الأشكال أن أتعامل معه أو مع غيره من الشعراء الكبار، على اعتبار أنهم أعلى من مستوى كتفي، وكتفي هنا ليس بمعنى سميح القاسم وإنما بمعنى القصيدة العربية، مع أني أنحني لأي قامة شعرية تظهر. دعونا نغار من الحاسوب الألماني ونحسد الطائرة الفرنسية، ونتمنى القطار الأمريكي والياباني، لماذا نغار في الشعر أيضا، ولدينا أجمل اللغات.. لغة غنية وصالحة لكل زمان ومكان. صالحة لكل شيء إذا تعاملنا معها باحترام.

•• ماذا عن تجربة أدونيس وأنسي الحاج في استيراد شكل قصيدة النثر؟
– أدونيس صديقي وأنسي الحاج أيضا صديقي، أقدر تجربة الاثنين واجتهادهما، ولكني بصراحة لا أقر بهذا المذهب في الشعر. التثقيف الذاتي ضروري، فمن الواجب أن نعرف شعر العالم، ولكن الحقيقة أنا لا أريد أن أشبه تي إس إليوت، سان جون بيرس. أريد أن أشبه نفسي، وأن أشبه بلادي، وان أشبه أشجاري. أقدم حداثتي من أصالتي، والشاعر الذي لا يعرف أدق التفاصيل السيكولوجية عند امرئ القيس، وعند الشنفرى، وعروة بن الورد وعند المتنبي وأبي تمام والمعري، لا يمكن أن يعرف الحداثة، ولا يمكنه الادعاء بأنه حداثي إذا لم يتقن الشعر العربي من الجاهلية إلى يومنا هذا.. قصيدتي هي الحداثة العربية.

•• ولكن الشكل البارز اليوم هو قصيدة النثر؟
– السؤال ليس موزونا أو مقفى أو غير ذلك.. السؤال هل هو شعر أم لا شعر. لدى الماغوط وأنسي الحاج وأبو شقرا قصائد نثر جميلة، كما لدى آخرين من مثل سيف الرحبي عباس بيضون. ليس لديّ اعتراض على الشكل.. اعتراضي على المبدأ.
أنا أحب بيرون، وكان شاعري المفضل قبل المتنبي، وحتى عندما عرفت المتنبي أحببت بيرون أكثر. ليس لدي تعقيد قومي، ولكن لديّ تعصب شعري للشعر الحقيقي والصادق والحداثة الحديثة. كلاسيكيتي لا تشبه كلاسيكية المتنبي أو المعري، بالرغم من أني لم أتخل عن الكلاسيكية في أي وقت من الأوقات، ولديّ مجموعات كاملة بالعمود الشعري. قصيدتي ليست قصيدة المتنبي ولو كان البحر واحدا إلا أن قاموسي يختلف عن قاموس المتنبي. حياتي تختلف عن حياته، وإن كان هنالك تشابه في السيكلوجية، لكن من يقرأني يقول هذه قصيدة سميح القاسم، قصيدتي تختلف عن قصيدة الجواهري أيضا.

•• على ذكر الجواهري، نعرف أن صداقة طويلة كانت تجمعكما؟
– هنالك تقارب بيني بين الجواهري لأنه كان صديقي، وأخي الأكبر، وبيننا مداعبات شعرية معروفة وصداقة حميمية حين يُدعى للقراءة في أي مكان، ويُسأل عن شاعر آخر يشاركه ذلك كان يدعوني أنا في أوروبا ومصر وفي أكثر من مكان.
وقد يكون هناك أثر لمحبتي لهذا العملاق الشعري الكبير في شعري. كنا نتشاكس دائما فيقول لي: «يا عدو الله.. إذا تركت هذا الذي يسمى بالشعر الحديث، أعلنك خليفة على إمارة الشعر» ، فأرد عليه: «من قال إنك أمير الشعراء أصلا، لتعينني خليفة»، وهكذا تستمر مناكفاتنا، وقد عارضته في بعض القصائد واعتز أنه يشهد لي في الاشتغال الكلاسيكي.
وأنا بالفعل كنت عاشقاً للجواهري وللشعر الكلاسيكي وأشك في أن يكون هنالك شاعر حقيقي لا يتقن الإيقاعات الشعرية العربية الهائلة في الأوزان العروض، أشك أن يكون هنالك شاعر حقيقي لا يتقن قواعد اللغة العربية. فهذه الأدوات الأولية للشعر مهمة جداً للشاعر، ولكني سأصفح عن الأوزان والعروض مقابل شعر جيد.
أتساءل لماذا يُسمي الشعراء قصيدة النثر بهذا الاسم، لماذا لا يطلقون عليها قصيدة أو شعرا، فأنا مثلا لا اكتب على قصائدي قصائد كلاسيكية، أو قصائد تفعيلة فلماذا يكتب «قصيدة نثر»!

•• أنت شاعر مغامر ومجدد، فكيف كنت تخوض غمار قصيدة النثر، بالرغم من أنك عاشق كبير للكلاسيكية؟
– قد أكون من أوائل الذين كتبوا قصيدة النثر منذ الخمسينيات، ولكن كان ميلي إلى الكلاسيك على اعتبار أنه العمود الفقري للشعرية العربية، وبدونه من الصعب أن نكتشف جماليات القصيدة العربية. ولكني بالمقابل لا أصر على الشباب أن يمتنعوا عن كتابة الشعر إذا كانوا لا يعرفون تراثهم الشعري، بل على العكس أدعوهم للكتابة على أمل أن يخرجوا بشعر جيد وجميل. وقد فرحتُ ببعض الشعراء في مهرجان الشعر العماني لتمكنهم من الكلاسيك، بشكل جميل وعفوي.
الأمر كما هو في الفن التشكيلي يجب أولا أن يعرف الفنان مزج الألوان ومن ثم يعرف الرسم الواقعي ليرسم لاحقاً التجريد والتكعيب والسريالي، لأن الفن هو علم وله أساسيات أيضا، والأمر ينطبق على كل شيء.

•• كثر يقولون أن الأوزان قيد القصيدة؟
– من يقول أن الوزن قيد فهذا غير صحيح، الجهل بالأوزان هو القيد. دائماً الأوزان توصلني إلى آفاق تدهشني أنا شخصيا. أنا أتحدى أي سقف في العالم أن يستطيع احتواء خمسة أبيات من قصيدة امرئ القيس أو من الشنفرى أو المتنبي، هذا هو ادعاء العاجز الذي يُوجد مصوغات لنظرية غير حقيقية. أتوقع أيضا أنهم غدا سيحتجون على قانون الجاذبية! اللغة والأوزان هي قانون، وهذا لا يعني أبدا أني اعترض على الشعر الحر، أو الفن الحر، ولكن هذا لا يبرر عدم المعرفة.

•• أدونيس أيضا صديقك، فهل حقا انتهى كشاعر، ولم يتبق منه إلا ما يثيره في الصحافة من زوابع؟
– هذا كلام من العيب أن يقال. قبل عشرين سنة كانت تصدر في لندن مجلة اسمها الناقد يصدرها رياض الريس، ولظرف تاريخي كتبتُ رسالة إلى سميح القاسم تحتوى على شكوى .. «اذهب عني، سببت لي القرحة، شوهت علاقاتي بالناس، لا أريد أن أراك..» تبرأتُ من سميح القاسم، نشرت المقال، وكان موقعا باسمي، وأثار وقتها ضجة. بعد شهرين أو ثلاثة نشرت قصيدة جديدة، فاتصل أحد الصحفيين قائلا: هل لك أن تفسر لنا بيانك الصحفي، ونشرك لقصيدة؟ فقلت المسألة لا تريد تفسير. المسألة محلولة. القصيدة أعادتني لبيت طاعتها، وعصمتي ليست بيدي. لا يوجد شاعر يستقيل من الشعر، قد يغضب ويمل ويتوقف قليلا لكنه يعود إليه. وكما يقال في المثل الشعبي «يموت الزمار وأصابعه تلعب»، وأنا أقول: يموت الشاعر وقصيدته تلعب. لا ينتهي الشاعر حتى بعد موته، تظل القصيدة حاضرة ومثيرة ومتحفزة كأنه على قيد الحياة. لذا أقول ربما أدونيس في حالة ملل وإحباط، ولا أؤمن أنه انتهى.
أنا أعلم أني لا أتقن العلاقات العامة. لأن معظم الإعلاميين تحولوا إلى موظفي تسويق، فيطلب من الصحفي تسويق هذا الشاعر، هذه المغنية، هذه الراقصة. التسويق بالإضافة إلى الشللية والعصبية من أوساط نظنها أرقى وأجمل.
أكثر من ثلاثين سنة صداقة مع الجواهري لم أعرف أنه شيعي إلا في الآونة الأخيرة، أي أمة تعاني من هذه النظرة المتخلفة البدائية الهمجية عليها السلام.
لكني أقول الثقافة هي خندق العرب الأخير، وإذا انهار خندقنا الثقافي الأخير فعلينا السلام، سنصبح من مثل أمريكا اللاتينية هذا فنزويلي وهذا مكسيكسي وهذا أرجنتيني، وكلهم من أصل واحد.. أنا أرفض سايكس بيكو بالمطلق، أرفض الطبعات الجديدة من سايس بيكو أيضا.

•• وماذا عن جيل الشعر الجديد من مثل مريد البرغوثي، وأحمد دحبور؟
– مريد البرغوثي وأحمد دحبور محمد القيسي وأسماء أخرى كثيرة من الشعراء العرب قد يكونون تجربة جديدة، وقد تكون أدواتهم مختلفة بعض الشيء، مريد شاعر مثقف ومهذب ولديه ابنه الآن شاعر موهوب ومتألق. ولكن لا رهان في الشعر، لأني أصبتُ ببعض الخيبات فقد راهنت على بعض الأسماء كانت جميلة وفريدة ولكنها انتهت. لذلك لا رهان في الشعر والأدب والموسيقى. المراهنة قد تصيب مرة وتخطئ مائة مرة، لذا أقول إن الرهان على الوقت.
ولكن لدينا أسماء مشرقة في كل الوطن العربي، أرجو لها أن تستمر لأننا جيل يذهب ويغادر المنصة ولا بد من جيل جديد يحمل الإيقاع والصورة ويحمل الكلمة إلى آفاق جديدة. صحيح أنا من برج الثور ومريض بالتفاؤل الثوري. وأقول دائما إن اليأس رفاهية باهظة التكاليف لا قبل لي بتسديد فاتورتها، ولا أقدر على تحمل تبعات اليأس، وأن تيأس يعني أن تقر بأنك على خطأ، والنقيض على صواب، لذا أنا متفائل تفاؤلا ثوريا.

•• ماذا يمكنك أن تقول عن فكرة «الشاعر النجم» التي بدأت الآن بالاختفاء؟
– استعمال تعبير الشاعر النجم فيه شيء من السخرية والاستفزاز، من البداية استعمل التعبير كمناكفة للشعراء، ومن منطق فيه صغار. إذا كان هنالك مهرجان شعري يدعى إليه الجواهري ونزار قباني ومحمود درويش والبياتي وأحمد حجازي هذه مسألة مفهومة، فمن الطبيعي أن تحضر هذه الأسماء لتجربتها، ولتاريخها ولقصيدتها ولشغف الجمهور بها، وليس لحيازتهم لقب «نجم».
بعض الشعراء الشبان وبتأثير الشلللية الصحفية غاظهم هذا الوضع، فلماذا هذه الأسماء دائما، ألا يوجد في فلسطين إلا سميح ودرويش؟. كنا نسمع هذا الكلام ونقرأه. هنالك ألف شاعر في فلسطين، ولكن ليس خطيئة هذين الشاعرين إذا بلغت قصيدتهم حالة أحبها جمهور الشعر. البعض قالوا إن هؤلاء اشتهروا لأنهم كتبوا عن القضية الفلسطينية، وهذا أيضا ادعاء باطل، فأين الذين كتبوا عن القضية، ولم يصلوا، هل يريدونني أن اعتذر عن وصول قصيدتي إلى جمهورها.
(علّق ضاحكا) والله إذا أصروا على الاستفزاز فأنا نجم واحد لا يكفيني.. أنا نجم النجوم.

•• عرضت عليك نوبل، ولكن مقابل أن تقبل جائزة إسرائيل؟
– أنا أول شاعر عربي عرضت عليّ نوبل مقابل الحصول على جائزة إسرائيل. فقلت لهم أنا أخذت أعظم جائزة من شاب سوري في بلودان بعد الغداء، عندما قدّم لي القهوة، فشربتها فتناول الشاب السوري الفنجان وكسره على الأرض. إلى جانبي كان محافظ ريف دمشق فقال لي: «يا بختك.. هذا الشاب كسر الفنجان بالتقليد الشامي القديم، ليعني أنه لا أحد يستحق أن يشرب من فنجانك بعدك». اقشعر بدني وقلتُ هذه أكبر جائزة يتمناها شاعر. كان يكفي أن أقبل بجائزة إسرائيل لأحصل على جائزة نوبل، ولكني رفضت.

•• عرضت عليك للمرة الثانية ورفضتها بينما إيميلي حبيبي قبل بها؟
– اكتفي بأن أقول اذكروا محاسن موتاكم. كان كاتبا مبدعا وملهما رحمة الله عليه. ولكن يظل السؤال: لماذا كل هذا الاقتتال على نوبل التي أصبحت مسيسة، لا تخدم الأدب بشيء؟
 
•• ماذا عن زيارتك للموت لعدة ساعات بعد حادث سيارة، ودخولك في غيبوبة؟
– كان حادثا صعبا تحطمت قدمي اليمنى، وكتفي اليسرى ودخلت غيبوبة يقول الأطباء لعدة ساعات. متُ لتسع ساعات. كان الحادث بيني وبين شاب في الثامنة عشرة من عمره، يقود سيارته مسرعا. بقيتُ سنتين متواصلتين في علاج.
كنتُ في عمّان عندما دعيتُ بعد سنتين من الحادث، وقفت امرأة وقالت: قرأنا أنك كنت في حالة موت لساعات، فهل صحيح أن الموت نفق أسود يدخل فيه الإنسان، ويحيط به الملائكة؟ قلت لها: انسي الموضوع، الموت يبدو أنه أكثر إراحة، كانت أسناني تؤلمني يومها، ولم أشعر بذلك في الغيبوبة، وقد ارتحت لبضع ساعات.
طبعا دخل الحادث لبعض القصائد القليلة جدا، ولكني لا أحب تضخيم الأمور، إذ تعاملت معه بشيء من العنفوان والسخرية.
 
•• كتبت الرواية، ولكنك عرفت كشاعر؟
– كتبتُ ما اسميه الحكاية الاوتو بيو جرافية، نشرت حكايتين «الصورة الأخيرة في الألبوم»، وحكاية «إلى الجحيم أيها الليلك»، وخلال أسابيع أنشر الرواية الجديدة «ملعقة سم صغيرة ثلاث مرات يوميا».
(يعلق سميح القاسم ضاحكا): قبل الأكل أو بعد الأكل هذا غير مهم، ولكن المهم أنا لا اسميها روايات كما يسميها النقاد.
 
•• قصائدك تتناول أسماء أشخاص من مثل فيديريكو قاصدا لوركا، وشعوب من مثل الكونغو، أرتيريا، وشعوبا أخرى تدافع عن حقها في الحياة؟
– أهم ما يميز قصيدتي هو عفويتها، الأصوات والقضايا موجودة بداخلي، أنا لا أرى فلسطين فقط من شرفة بيتي، أنا أرى فلسطين من الكونغو ومن المكسيك ومن أقاصي العالم، أؤمن بوحدة العالم ووحدة البشر، لا استطيع أن أنام مرتاحا إذا كان آخر خبر سمعته في نشرة الأخبار هو أن هنالك أطفالا يموتون من الجوع، لا أشعر بالاحترام لذاتي. لا استطيع أن أكون حرا، وهنالك عبد واحد على وجه الكرة الأرضية. أنا عروبي وأممي. أرى العروبة كمنظومة قيم مرتبطة بالتعددية البشرية.

•• في زيارتك الثانية لسلطنة عمان..كيف تراها؟
– بمقارنة سريعة بين عُمان في زيارتي الأولى قبل خمسة عشر عاما كما أتذكر الآن، وبين ما شاهدته اليوم هنالك تطور جميل وكبير لكن لم يُخف التطور الانطباع الأول والقديم عن عمان وعن مسقط . لأن علاقتي بهذه الأرض  ليست علاقة سياحية أو علاقة عابرة ومرهونة بالزمن الحاضر. أنا أقول انني عدت إلى عمان لأن لديّ إحساسا عميقا أنني كنتُ في هذه البلاد منذ آلاف السنين وأنني أعود إليها من حين لآخر. أشعر أني أحد البحارة القُدامى العرب العمانيين القدامى، الذين نقلوا إلى أقاصي آسيا وسواحل أفريقيا الحضارة العربية ونقلوا القرآن الكريم واللغة العربية، والبضائع العربية، وهكذا تداخلت العلاقة التجارية بالعلاقة الإنسانية والعلاقة الحضارية والاجتماعية أيضا. أجدادي الذين انطلقوا من عمان لم ينطلقوا إلى العالم الآخر بعقلية المستعمر، وليس كما فعل المستعمرون الأوروبيون الذين أسسوا للعنصرية عندما قالوا العنصر الأبيض  والأسمر والأصفر والأحمر، العكس تماما ما حدث لأنهم بالحضارة العربية الإسلامية سماحة وإنسانية (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) إذا هنالك مشيئة ربانية أن تكون هنالك أمم.
نحن تعاملنا مع الشعوب الأخرى بهدي الآية الكريمة القائمة على التعددية الإلهية (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، اشترط التقوى وليس الأسمر والأبيض والأصفر.  بينما الغزو الاستعماري لبلادنا ولدول العالم خلق العنصرية والعداوات والاغتراب الإنساني بين الشعوب هذا حقنا وذاك باطلهم.

 كاتبة  واعلامية من عُمان

شاهد أيضاً

الكتابة والتصوّف عند ابن عربي لخالد بلقاسم

لا تكمن أهمية هذا الكتاب في  تصدّيه لمدوّنة هي من أعقد المدوّنات الصوفيّة وأكثرها غموضا …