« سيرة الوقت »: السيرة الذاتية العربية بين المعيار والانزياح

أحمد المديني

1 ـ تعنى هذه الدراسة بقراءة كتاب عنوانه:« سيرة الوقت ـ حياة فرد، حكاية جيل»(1) لمؤلفه السعودي معجب الزهراني. هذا التأليف مرادٌ به سيرةً ذاتية في نوعه، حسب ما يعلن صاحبه عن ذلك صراحة في ديباجته بحديثه عن«الكتابة عن حياة شخصيّة أحسبها عاديّة جدا.»(2). ويتحقق فعلا في متن على امتداد 279 صفحة، يتكوّن من حيث الشكل من مجموعة من الفقرات، متفاوتة الطول، وليس من فصول مستقلة، وإن شابهتها، أحيانا، بمقدار التفاوت.
2ـ تسميتُنا للنوع ليست تحصيلَ حاصل، وإلا لبطلت الحاجة أساساً لقراءة هذا العمل وتحليله، وهو ما يغفل عنه بعض الدارسين إذ يخضعون النصوص لضوابط تصنيفات سابقة، تخفى فرادتها إن وُجدت، وإما انتفى الداعي لدرسها ما دامت مصنفةً سلفا ومقررةً بقواعد نوعِها. إن العمل الذي بين يديك هو الذي يثير الفضول أو يلغيه، من جهة بنائه، وناحية حمله ومادته. أقول جازمًا من البداية بأن كتاب الزهراني أبعد ما يكون عن التأليف العادي ما يُقرأ ويُطوى لينضم إلى حصيلة سابقة من جنسه، نعني السّيرَ الشخصية، وهذه يُظن أنها نثرٌ سهلٌ من التأليف، مطواع، بوسع أيّ حامل قلم أو من عاش حياة ببعض أخبار وذكريات أن يسجلها، فيستسهل هذا؛ وحتى إنه يستكثره فيأنف منه ويتردد باعتبار ما عاشه ليس أكثر من حياة «عادية جدا» بعبارة الزهراني نفسه، وإلا استصعبها لعوائق ومثبّطات قد تحول دون تبلور النص السِّيري كما يحب صاحبه أن يأتي على وجه الحكي والكشف ورسم الذات في المجال.
3 ـ نحسبه قلَقا مقبولًا في كل حال؛ لأنّ هذا النوع من التأليف، إذا كان المقصود منه السيرة الذاتية فنًّا ونهجاً ونسقاً ومضموناً، حديثُ النشأة عندنا نحن العرب، وتُثار عديد أسئلة حوله، وربما تُخفى، لأن حصته في المدونة النثرية العربية الحديثة ضئيلة جدا قياسًا بالقصة القصيرة والرواية، تنال فيها الأخيرة حصّة الأسد. جديرٌ بالذكر أننا لا نعني النوع المعروف بالسِّير والتراجم التي كانت مزدهرةً عند العرب، وضعوا فيها مصنفات كبيرة خاصة في القرنين الثامن والتاسع الهجريين شملت شخصيات دينية وحاكمة وعالمة ومؤرخة، نذكر منها على سبيل المثال فقط، «سيرة ابن هشام»، و«معجم الأدباء» لياقوت الحموي، و«وفيات الأعيان» لابن خلكان (3). هي من طراز مختلف ولغايات أخرى، أقرب إلى تدوين التاريخ والأفعال والأخلاق لاستخلاص العبرة والحكم من سلوك كبار الرجال وحوادث الدهر، لها أمثلة عند اليونان والرومان وبرعوا فيها. كذلك المطلوب عندنا أبعد وأدق مما كان يكتب ويسمى الترجمة الشخصية، وهي عامّة كتبها أفراد كثيرون على مرّ الأزمنة؛ حتى إنك تقرأ في مقدمات الكتب أو الحواشي تعريفات لهم عن منشئهم وتعليمهم والشيوخ الذين أخذوا عنهم العلم، ومثله، كله توطئة للمبحث الذي يتفرّغ له حديثهم من أي نوع كان، وغالبا ما يبغي المترجم بهذا الصنيع تزكية نفسه لدى جمهور زمانه من فقهاء أو أدباء أو قراء ليؤخذ علمُه على محمَل الجد، أولاً، وليفهم أهل زمانه حكامًا وزملاء مزاحمين من هو فيحسبوا حسابه.
4ـ وإذن، فالقصد كتابة أخرى، و(نوع) Genre مختلف، وإن التبس بما قد يظهر من جنسهما ويستخدم بعض أدواتهما، وينجم عنه بالتالي التباسٌ اصطلاحيٌّ وتأويلٌ نقدي تختلّ به الأنواع والمفاهيم، طبعا إذا كنا نريد التفكير والتحليل في إطارهما وما يقتضيه العمل بهما من ضبط وحصافة، وهو ما بقي ويبقى عائماً وفضفاضاً إذ يتمّ إدراج أيِّ حديث ذي منزع سِيَري في السيرة الذاتية. الحق، حظنا منها حديثا قليلٌ، بل نادر، لدرجة بإمكاننا إحصاؤه في عناوين وأسماء بين جميع البلدان والبيئات العربية، حيث نجد الندرة والتحفظ متقاربا تجاه هذا التأليف. إن كتاب«الأيام» لطه حسين (1929) الذي اعتبر في تاريخ الأدب العربي الحديث باكورة هذا الفن وتمثلت فيه في نظر النقاد المصريين، الخصائصُ المُجنِّسةُ له والمحددة، لا يتمثلها بل سعى مؤلفه أن يتباعد عنها ما أمكنه، من أمثلة ذلك أنه تقصّد استبعاد ضمير المتكلم وهو عمدة فاستبدله بضمير الغائب، سيقال هذا تواضع العلماء، وما هي إلا الخشية والحيطة من تسلم الأنا زمام خطابها لسرد قصتها وشجونها على قدر مناسب من البوح وعرض أحوالها ذكريات في الزمان والمكان، وإذ لا نغفل ظروف المحيط؛ فإن من شروط هذه الكتابة شجاعة قولها بالكشف عن الخبايا والتعرية، وفي القلب الصميم حديثٌ عن الذات، وهي تحتاج إلى تعريف في نطاق كل ثقافة ومجتمع على حدة، ما يلزم وجوباً بالانتباه لشروط ظهور النوع. بهذا الحذر لن نتجنى على كاتبها (العربي) وفي الوقت نتعاطى معها بنسبية في إطار ثقافته. يحسُن عندئذ تسميتها سيرةً، وكأنها مكتوبة خارج صاحبها، أو هو آخرُ يدوّن حياةً لم يعشها، مثالنا «حياتي» لأحمد أمين (1886ـ1954) بمعنى أنها تروي لنا المقاطع وتصف المشاهد التي تبرز تكوّن الشخصية وهي في مدارج التكوين المثالي برغم الصعاب والمشاق وقد وصلت إلى ما نعرف عن الرجل، يضعها ضمن ظروف زمانها، وفي مرتبة القدوة لمن أراد النجاح، تقترب إلى حدٍّ بعيد من «الأيام». وما كان لها أن تختلف نظرا لأنها محكومة بأقنوم واحد، ذاك الذي يفرض المثالَ، وخُلقَ الفضيلة و(السيرة الحسنة)، إذ الذاتُ هنا موضوعٌ، ولا توجد بمفهومها الإبستمي الوضعي والوجودي الفردي الذي سعت ثقافة الأنوار لإطلاقه وتثبيته. بالنتيجة يأتي التعبير عنهما مختلفا روحاً ومنطقاً ولغةً وأسلوباً، فهل يُعقل، والحالة هذه، أن يحملا معا التجنيس ذاته، حتى ولو نُسبت الكتابة إلى الحقل نفسِه، من باب التعميم.
5ـ لم يكن ممكناً للكتابة السِّيَرية العربية أن تظهر بروح وصيغة مغايرة عن مجالها الاجتماعي ومحدداتها الثقافية والمداميك القيمية والعقيدية للمجتمعات التي تنتج في غمارها، مطبوعة بالتقليدانية والمحافظة، تحيط بها محرّمات وموانع شتىّ ليس الفهم الضيق للدين إلا أحدها يغلب العرف والتأويل المتزمت خدمة لتسلط جماعة على حقوق ومشاعر أفراد ومن بينها التعبير بحريّة، فكيف وكتابة سيرة مظهرُها الأول سردٌ لمحكيات وأحداث وفيض خاطر ولسان مشاعر، وهذه شاشةٌ فاضحةٌ بيضاءُ نقرأ فيها صور الأنا والجماعة والمجال مرسومة في خريطة مكشوفة فيها خطوط الطول وخطوط العرض والتضاريس بسطحها والخبايا دونها. يُفترض أنها على هذه الشاكلة، أو بنسب حسب اليراع الذي يدوّنها والشخصية محورها، وإلا فإنها كما نلتمسها في نماذجها العربية الحديثة المؤسسة وجدت وتمثلت في هيئة وحسب أطر ومفاهيم وبراديغمات نمطية، من النادر أن تجد فيها النبرة الفردية الخصوصية، فإن هي جُرِّبت سرعان ما يعود الإيقاع الوصفي المنسجم مع اللحن الجماعي لأمة وضميرها الجمعي. نشير هنا إلى السيرة الشهيرة والرائدة في الأدب المغربي لعبد المجيد بن جلون (1919ـ 1981) حيث تتبرعم طفولته الأولى في مانشستر، وتتواصل في فاس، وتمتد مسيرة حياة إلى القاهرة، وشتان بين ألوان وإيقاع ومشاهد ومعاني كتابة هذه المراحل، يبدأ خطّها البياني صاعداً ثم تراه ينكفئ منكسراً، متصالحاً مع بيئة الأجداد إذ تتسلط على وجدان الأحفاد (4).
6ـ من بداياتها الفطرية بسِماتها المحتشمة والفضلوية، ستبقى السيرة الذاتية العربية الحديثة متذبذبة، تقترب وتبتعد عن موضوعها، ذاتِ صاحبها، تُنسج بصيغة بين ـ بين، أي السيرة الكلاسيكية، والثانية المستحدثة كنوع ذي خصوصيات معلومة سنشير إليها قطب رحاها ذات. بهذه الصيغة نفسها لا يقدّر لها أن تتجذّر في حقول الأدب العربي المعاصر، لا أقلّ أو أكثر من شجيرات بذوائب قصيرة، لن نذهب هنا بعيداً في البحث عن الأسباب، حسبنا القول إن هذا النوع النثري، على أي منوال جاء، نقصد اصطبغ أدبيّا، أو كُتب من خارج دائرة الأدب، ذو وجود محدود، لا يلقى حظوة عند الكتاب، هم بالأحرى لا يجرؤون، وإلا ذهبوا يناورون باستثمار مادّته في نصوصهم السردية، ليلاحقهم نقاد جمركيون، بسطاء الثقافة، بالويل والثبور، لماذا فعلتم وتخليتم عن مقتضى العوالم الموضوعية للسرد (كذا)؛ ولا يقبل عليه القراء ( قراؤنا العرب، دائماً) كأنه نوع دُوني ولا يرقى إلى مقام الأدب، وهذا صحيح، جدلاً، لأنه مبدئيا متاحٌ للجميع، إذ جميعُنا نملك حياةً عشناها بكيفية من الكيفيات، أفراحاً وأتراحاً، ونظن بنزعة نرجسيّة غريزية، وهي من بواعث كتابة السيرة، أننا قادرون ومؤهّلون لهذه الكتابة، ومع ذلك قليل وقلة منا من تفعل، فإن خرقت جدار الصمت كثيراً ما يعْبُر خطابُها في صمت، حالَ أعمالٍ ينبغي أن ننتبه إليها، بظهورها أولاً، ثم لنا أن نعكف على الاشتغال عليها بقراءة الفحص والتحليل وتبيان معالمها وتقويم ما انصرفت إليه وكيف جاء على هذه الصورة وتلك ولماذا، لأن القراءة النقدية كانت دائماً جزءاً من عملية إكمال بناء النص، كيف إذا بُني بمعمار ولبِن أدبيين، وعملُ التفاعل هذا هو ما سمح تاريخيا للأجناس الأدبية بأن تواصل نموّها وتفتّحها بين قرائحِ منشئيها وعيونِ متلقيها من ذوي النظرات الثاقبة، ممن يؤمنون بضرورة الإبداع، ولكي لا يقع التفريط فيه يَسُنّون له القواعد لتقود المنشئين والقراء على السواء. أحسب أننا نفتقر إلى الإثنين معا، النص السير ذاتي الخام، والنقد، التلقي المحترف المواكب له، وهذا من ذاك. لهذا فإن كتابًا مثل «سيرة الوقت» لمُعجب الزهراني يستدعي الاهتمام، لأنه يكسِر صمتا، ويُلبّي حاجةً ـ لصاحبه أولاً، ولنا نحن، ينبغي أن يحرِّضها فينا ـ بالنسبة إلى كاتب هذه السطور من سيقوم بالوصف والحفر والتحليل، وأتحاشى الحكم ما وسعني أمري، وجد فيه ما يسمح بتحويله إلى ورشة عمل ثانية، هكذا هي القراءة، بما يحمل من موروث ويحصد معطى، وبحيازاته النصية كيف تضعه في فن السيرة الذاتية المركّب.
7ـ لا يفلت الزهراني من الالتباس، بل يذهب إليه رأسا قالَبا يصبّ فيه كتابته، التي يعلن في المقدمة بأنها جاءت من غير قصد، لكتابة «مقالة سِيَرية مختزلة لتنشر في جريدة (الوقت)»(5) ثم راودته فكرة أن يحول تلك المادة إلى «حكاية أكثر اتّساعا وغنىً وشفافية» (6). لرسم صورة الالتباس نضع أمامنا عنوان التأليف بمفرداته كاملة أولا» سيرة الوقت/ حياة فردـ حكاية جيل» ثم نعود نقرؤه مركبا من الكلمات الآتية، مفردة: سيرة؛ وقت؛ حياة؛ فرد؛ حكاية؛ وجيل. ونقرؤه ثالثا مُركبا زوجا: سيرة وقت؛ حياة فرد، وحكاية جيل. يقتضي كلُّ وضعٍ تفسيراً، معه سنعيد بناء الكتاب كما لو أننا سنؤلفه، إنما تبعًا لأداء مؤلفه وبنواياه:
1.7ـ السيرة لغةً الطريقة(7). (سار بهم سيرةً حسنة) ومنه اصطلاحا السيرة بمعنى ما يروى عن شخص (حياة) من خصال أو أفعال. نملك في تراثنا كثيرًا من السير، نوّهنا بها سابقا، وهي المعتمدة نوعًا نثريا في أدبنا الكلاسيكي. هي ما يكتبه شخص (فقيه، مؤرخ، أديب لغوي) عن آخر، لا عن نفسه، أو عن حدث تاريخي ما، أي إنها كتابة غيرية، الأنا فيها مستبعدة، والآخر هو موضوعها ومادتها. هو نوع نثري وجد منذ الإغريق، واكتسب اصطلاح البيوغرافيا منذ القرن السابع عشر(8) ليصبح معترفًا به، وتتنوع اهتماماته ويعرف انتشارا كبيراً في العصر الحاضر منافساً الروايةً ومستمِدّاً منها كثيراً من أدواتها كالسرد ورسم الشخصية وغيرهما، باستثناء التخييل والحبكة، والشك بين الدارسين قائم في تلوّنه بالخيال.
وسَمَ الزهراني تأليفه بـ « سيرة الوقت» عنوانا رئيساً، فيُفهَم للوهلة الأولى أنها لا تعني شخصا محدداً، وإنما زمناً، أو فترة منه (الوقت). وبما أن (الوقت) كلمة مجردة، مطلق، ولا يكفي أن يرتبط بمضاف فاقتضى تنسيب تجريده في حدود مساحة العنونة، وذلك بتعيينه، أي إعادة تسميته بما يكشف عن الغرض، للقارئ، طبعا، فلا ينصرف الذهن إلى توقيت من ـ إلى، وإنما داخل الزوج العنوان (سيرة الوقت) ليرسم لنا المجالَ الذي يشمل، والفاعلَ المعنيَّ به، فورَد تالياً العنوانان الصغيران الفرعيان:
أـ حياة فرد؛ ب. حكاية جيل.
أ. أ تفيد كلمة حياة السيرة، ويمكن أن تُعدّ مرادفاً لها، بما أن هذه تتضمنها، وهي مضمارُها. وبما أن الكلمة بدورها تبقى في نطاق التجريد ومعناها مرسَل بإطلاق، وجَبَ حصرُها لتعيين الفاعل المقصود بها (فرد) وإلا قد تكون جماعة، أو شعبًا من الشعوب. حين نجمع كلمة (حياة) إلى المدعو (فرد) يوحي الزوجُ بعلاقته التفاعلية بأنّ تيمة التأليف الاشتغال على حياة شخص بعينه، ولحد العنوان، هو غير مسمى، أي لا يُعلم من يكون، بل أكثر من هذا قد يحيل إلى معنى السيرة الغَيْرية (البيوغرافيا) وهو وارد، وليس بالضرورة إلى المؤلف، إلى ذات صاحبه فيعلَن بذا نوعه بوضوح سيرة ذاتية، ما هذا التأويل تمحّل منا بتاتا، إذ سيظهِر لنا عموم المتن كيف أن سحابة َالالتباس هذه، وآليةَ التراوح لا أقول بين (نوعين: البيوغرافي والأتوبيوغرافي) ولكن بين شاغلين وفضاءين سيعملان طرداً وعكساً، كلما استغرق المؤلف في واحد منهما، أخذته جاذبيةُ الثاني فانساق إليه، وهكذا دواليك، ذهابا وإيابا، قلّ أن تكتمل خاصية الاصطفاء.
ب. فلو اعتراك شكّ، واجهك المؤلف بما يقطع حبله، ويقودك إلى يقين، أو شبهه، دافعاً بهما في براديغم واحد إليك العنوان الفرعي الثاني:«حكاية جيل» ومكوّن من حدين، يعني وحده، وزوجا، ومعنى مشتركا بقرينة العلافة التفاعلية، فيحقق الغرض والمعنى المطلوب. ويبنيه الشرح الآتي: وجود حكاية، والحكاية جملةً أخبار تُروى، وهي تكون شفوية بالدرجة الأولى، والحال هنا نحن إزاء كتابة، والحكاية تحتمل الصدق والكذب، أو ليست حقيقةً كلها، إن لم نقل إن هذه عنصر أصل فيها والعناصر الكبرى من صنع الخيال. لكن تركيب الزّوج بالمرصاد، يُبعد عن إفراط التأويل، وإن هو لا يلغيه، فالقصد أن ما يُحكى يخصّ جيلاً، جماعةً كبيرة من الناس، من الأفراد، منها وإليها (فرد) وحكايتها توازي حياته، بذا يتماهيان معا حياة وحكاية يجمعهما براديغم واحد اسمه (السيرة) ذو مكونين (فردي) و(جيلي) ويتعالقان في بنية سردية واحدة يسعى السارد أو الراوي، كما في القصة تماما، أن يحقق لها التناغم والانسجام. وهذه أكثر من مهارة، أي قدرة على التأليف والسرد، هي لعبة، في الرواية نصنع حبكة intrigue، وهنا يتعلق الأمر بحبكة مغايرة، بديل، غير مطلوبة أصلا، لكن ضرورية لتتسع (سيرة الوقت) لحياة فرد وحكاية جيل. هل هذا كل ما في الأمر؟
8ـ في مقدمته للكتاب حيث يستخدم الكلمة الملتبسة، ذات المعنى الرجراج، دائما يعنونها (سيرة النص) وعلى سبيل الإيضاح، بينما يزيدنا بلبلة، يكتب معجب الزهراني عبارات جديرة بالتسجيل، تتجاوز شرح تيمة مؤلَّفه، إلى تبيان طريقته في بنائه ومنهجيته وروحه وأداته، نعرضها مجزأةً، وإن وردت في سياق واحد:
ـ في الأول، ينبهنا أن مرماه أبعد من عرض مسيرة حياة، وأن يسجلها بأي طريقة كانت، إذ: «الرهان الأهم والأجمل يظلّ مع اللغة وليس على تفاصيل الحياة وأحداثها المستعادة» (9) ومن يتحدث عن استخدام اللغة لدرجة الرهان يريد أن (يتموضع) في أرض الأدب وشروطه.
ـ في الثاني، يعلمنا أن المادة الحياتية المتحصلة عنده لن تخصّه وحده (الفرد) يومئ إلى (جيل) بتحويلها إلى: «حكاية أكثر اتّساعا وشفافية»(10)، والاتساع هو التمدّد بغرض الشمول، والشفافية نقض لاستغراق الذات في خباياها وأسرارها وظهور للعلن، تعمل بأدوات القاموس (اللغة، الكلام) والأسلوب والمادة المحكية.
ـ في الثالث، وهنا حقًّا بيت القصيد، البراديغم الجامع للنص الكلي( hypertexte (11 الذي ينوي (أو يتمنى) الزهراني أن يطوّله، وهو مفيد من زاوية تبيان درجة وعي الكاتب بما يقبل عليه، وماذا يريد منه، وبأي كيفية، نعتبره إدراكاً مهماً يتميز به من يقرر أن يعانق الكتابة ويتخذ الأدب مصيراً غير ذاك الهاوي الغاوي عابر السبيل، لا يعنيه من أمرها هدف واحد أو مزدوج: الأول:«كتابة نص حميم يعيد لي بعض صور الحياة المفتقدة..»(12)
ـ الثاني:« قد يُسهم في تعميق الوعي بتحولاتٍ جذرية شاملة عايشها جيلي ولم تشهد مجتمعاتنا مثيلا لها من قبل طوال تاريخها»(13) وإذ نجمع طرفي هذا القول نظنّ للوهلة الأولى بأن تصورَ المؤلف القَبْلي لكيفية إنجاز طموحه لا غبار عليه، هو كذلك إلى حدٍّ ما، لكنّه إذ يُمتَحن على مِحكّ المكتوب، وقبلَه المصطلح فإنه يضعه في مفارقة بين ما أراد وجَنى السيرة الفعلي.
الحميمُ لغةً، القريب، من تَوَدّ. جاء في مختار الصحاح ( مادة حَمَم):» حَميمُك الذي تهتم لأمره. وفي الاصطلاح عند دارسي هذا النوع من الكتابة المسماّة (حميمية) بالإنجليزية respondant وفي الفرنسية intime. فإن الحميميّ يتّصف بالخصائص الثلاث الآتية:» القرب؛ الألفة، والكتمان»(14) ويمكن تعريف كتابة الحميمي جوهرياً بأنها ما نهض على شرط التحفّظ» (15). كيف والحالة هذه يمكن تجسيد نصٍّ حميم هكذا شرطه وتحميله شهادة أو حكاية عن جيل؟ هل في الأمر تناقض، وهو بدَهيّ الظهور، أم نبحث عمّا فوق الدلالة الاصطلاحية لكلمة هي إحدى صفات النوع وليست كلّها، وتمثّلت حسب عديد نماذجه بين عصور مختلفة بأشكال ونبرات مختلفة، تحمل ذاتُها مفارقةً عجيبةً حسب تعريفها ما إن يصبح الحميم كتابة! علينا، إذن، الذهاب إلى المنبع، إلى النوع الكبير قبل الصغير، حيث الخصائص الأساس له.
9ـ قبل ذلك، ما هي هذه السيرة الزهرانية، من نواحي محكياتِها، ومكوّناتِها، وشخصياتِها، ومحيطها؟ ما هي حميميتها إن توفرت، والعناصر الثابتة تمنحها وضع سيرة للمؤلف الذي تحمل اسمه هو بالذات وإن تجاورت وأشرك معه عشرات الأسماء، وأسئلة أخرى من قبيله؟
أول ما يلفت نظر القارئ، أن معجب الزهراني، ابن وكاتب اليوم، الزمن الحديث، يبدأ تدوين سيرته على غرار القدامى، فينفض الغبار عن شجرة أنسابه بالعودة إلى جذور الأجداد، الجد الأصلي محيي الدين الغريب، ويمضي يملأ ورقة السجل المدني فيها أن اسمه الشخصي جاء إليه من جده إبراهيم بن معجب ( شقيق جدته لأبيه)، وسنة ميلاده (1954) ولد الخامس بعد بنت وولد ماتا، يتيما؛ توفي أبوه وهو دون الثالثة، ومن إشارة اليُتم يستشرف مستقبله، لا يتحرّج من قول صريح وصادم لمجتمع تقليدي: «كثيراً ما حمدت الله على موت أبي، واثقاً أن حياته كانت ستغيّر مجرى حياتي دون ريب» لماذا؟» لو عاش أبي لما مضيت بعيداً في أي طريق»(16). ويستعرض محطّات ومشاهدَ من طفولته في قرية من أرياف مدينة الطائف يصفها بدقة، وتركيب سكانها وأوضاع المعيشة وما يتصل بحياة أسرته الفلاحيّة وأمه وأخواته. باختصار؛ يحدّد انتماءه الاجتماعيّ والطبقيّ، ثم ينتقل إلى تعليمه الذي مرّ بمراحل التمدرس الابتدائي في القرية، والإعدادي خارجها، ثم الثانوي بالرياض، وصولاً إلى التعليم الجامعي. هي مراحل اتّسمت بالحرمان وقلة ذات اليد، مع صبرٍ على الشدائد ومثابرة وكدٍّ في الحقل والدرس للتحصيل، وعناد طَموح من أجل العلم، أتت أُكلها لمّا قادت الولد الريفي، متواضعَ الحال إلى كرسي الجامعة هو من كاد يقنع، لولا معاكسة الظروف، بالتخرج من دار المعلمين. هذا كله ضروري:« فللتعريف بتكوين شخصية، وانطلاقًا منها،بتاريخ الفرد، بأي شيءٍ نحتاج أن نبدأ من البداية، الميلاد، وأيضا جيل الآباء الذين كانوا مسؤولين عنها»(17) منه إلى القسم الثاني من السيرة، إذ هي قسمان، وإن لم يفصل صاحبها بينهما إلا بالعنوان، باعتبار أنّه وزّع مسيرة حياته إلى ما سمّاه «تغريبة» ومجتمعةً تغريبات، وهي الخروج من الديار (الأصلية) للضرب في الأرض وما يجري في الأسفار على غرار التغريبة الهلالية؛ فكأنّه يعطي لمساره الشخصيّ ملحميّة ورمزيّة بطلها أبو زيد الهلالي(18)، وهذا مبحثٌ لن نخوض فيه. تقوده (التغريبة الأخيرة) إلى إكمال تعليمه العالي بإعداد أطروحة الدكتوراه في باريس، من اللافت أنه خطٌّ متواتر في كل السّير الذاتيّة العربيّة، بدءًا من طه حسين، مروراً بزكي مبارك، سهيل إدريس، لويس عوض، وآخرون، وانتهاء، اختصاراً، بمعجب الزهراني، الدكتوراه أعزّ ما يُطلب، يندر أن نجد من ينشد غير هذا، وأن لا يُبتلى بغرام شقراء، فتكون هذه صورة الغرب ظاهراً وباطناً، إنما طموح صاحبنا بعد تتويجه بالشهادة والتدريس الجامعي في بلاده عودته إلى باريس ليشغل فيها منصب مدير المعهد العالم العربي، فيجمع شرقا لغرب.
10ـ لا تتبع هذه السيرة الخط الكرنولوجي في سردها، نعم تذهب في خط زمني متصاعد، من الطفولة إلى الفتوة فالشباب، بعد التصريح بتاريخ الميلاد، تكاد تخلو من الزمنية وأي تحقيب، اللهم بعض الإشارات العامة إلى العقود (السبعينيّات، مثلا ص70، كذلك الثمانينيات وسنة التخرج من الجامعة ( 1977). هي كتبت وفق خطة تقلد المسكوك في التراث، وتنسجم مع تصوّر صاحبها الذي أرادها نوعًا بين ـ بين، أي مساحة نصّ مشترك بين السيرة والسيرة الذاتيّة، يلقحان بعضهما وهما يتصلان وينفصلان في آن، لذلك لا يصلح لهما سرد تعاقبي وخطي (LINEAIRE). توجّب إذن تعداد وتشخيص أهم الصور والمواقف التي تلقي الضوء مباشرة على بناء الشخصية وتكوين الهوية، وتُعدّ حافزًا أساسًا لأيّ كتابة أوتوبيوغرافية، سواء ظهرت فيها الأنا صريحةً بضمير المتكلم أو متخللةً وتتوسل غيرها(19). من المهم التنبيه إلى أنّ غرض هذا البناء المنسجم مع فلسفة (حتى لا أقول إيديولوجية) مؤلفه هو صنع هوية حديثة، ورؤيتها سيَرِيا تصعد من تحت (قديم، سلف) نحو أعلى (حديث، خلف). ولا تحتاج هذه الكتابة، نظير الرواية، إلى التّوتر الدرامي كما قد تستدعي المجابهة بين مرجعيّتين ثقافيتين متضاربتين، وإنما الاكتفاء بصور تشبه ديابوزتيف، وهذا بالضبط ما قام به الزهراني متحاشياً ما لا يخدُمه، ومُقبِلا على ما يبني عالما بديلاً.
1.10 هما لائحتا صور: الأولى، تخصّ الطباعَ الشخصية، والثانية، معالم وطقوس المحيط: فالأولى، بيولوجية، مثل سُمرة البشرة، قِصرُ القامة إلى اعتدال، صلابةُ العود، والعيّ (التأتأة)؛ وأخرى مكتسَبة، من قبيل النفور من الحليب، الحفظ على الغيب، حبّ الأرض، التعلق بالمطر. هذه ومثيلاتها تندرج في الجواب على السؤال الذي طرحه على نفسه:«من أنا خارجَ التسمية والحكاية العائلية؟».
2.10 الثانية، ترصد الخارج الذي تترعرع فيه الشخصية طبيعةً ومجتمعاً وطقوساً وظروفَ حياة، أثبتت العلوم الإنسانية تأثيرها الحاسم في تكوين الفرد وسيكولوجيته. تتضمن اللائحة الثانية وصف قرية النشأة، العمل فيها، الأحوال الطبيعية، طقوس الاستسقاء ومواسم الخصب والأمطار والشلالات الهادرة، والأعراس ومجالس النساء الشاعرات، أضف الصنائعَ والمهن المحليّة من حدادة ونجارة وغزْل ونسيج وأعمال بناء. بالإجمال، بانوراما المجال بإحاطة شاملة قامت بها عينٌ واصفةٌ دقيقة ٌوفارزة، لا تفلت منها الصغيرة بعد الكبيرة، تُحصي من الأشياء والعادات والظواهر ما يصلح مادة وفيرة للبحث السوسيولوجي، ولن يعيبها أي حكم
متعجّل بأنها معطيات ذات طبيعة فولكلورية، فالفولكلور بمعناه العالمِ هو الثقافة الفطرية والأصلية للشعوب. ولا بد أن نَحمَد لمعجب الزهراني المائدة الحافلة التي وضعها أمامنا بسخاء عن بيئته، عن مجتمع الجزيرة العربية، أو ناحية جغرافية منه، توسع مدارك القارئ، فتزيل جهلا أو تزحزح كثيراً من الصور النمطيّة والاعتباطية عن هذا المجتمع محمّلة ًبإسقاط معطيات حاضر مختلف، هذه هي التي يمكن أن توصم حقا بأنها فولكلورية، بالمعنى المبتذل.
11ـ داخل هذه البانوراما يضع المؤلف خانة خاصة به هو تحديداً وإن تنحّت جانبية، تندرج في سلك تكوين الشخصية، ولو كنت مكانه لأفردت لها فصلا مستقلا لا جعلتها معلومات منثورة هنا وهناك، ومن باب الشيء بالشيء يذكر على سبيل الاستطراد؛ إذ بما أنها من طبيعة موضوعية صرف، فهي تعزز التعريف بهذه الشخصية على الوجه الصحيح والمقنع ويُفرد لها ما تستحق من الخبر والتوثيق والشهادة، فهي ما يسمى بـ (سنوات التعلم)les années d’apprentissage تصبح عمادًا مركزيا لسيرته، نظراً للوضع المهني للمؤلف (الأستاذ الجامعي) المشرف، الفاعل الثقافي، والارتقاء في السلم الأكاديمي، كذا الوضع الاعتباري الذي سيلحّ على الإشادة به من باب الاعتزاز. ففي هذه السيرة تبدو إحدى العبر الواجب استخلاصها، هناك قصدٌ تربويٌّ واضح، البطولة المعلنة، من وراء مسار الفتى النابت في قرية عزلاء ووضع شحيح، ها هو يتخرج بمرتبة الشرف، ويفوز بلقب الطالب المثالي (20)، ويصبح دكتورًا، وكاتبا ـ هذا كتابُه لتهتدي به الأجيال من بني وطنه ـ ما يقتضي دقة السيرة وتوسعها، وإذن، لا معلوماتٍ شذر مذر بأسماء أدباء ومفكرين من آفاق مختلفة ومتضاربة، قدامى ومحدثين، خليطٌ من كل لون (تروتسكي، مشيل عفلق، سارتر، ألبير كامو، طه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس. ومن السلف الجاحظ والمعري وابن حزم وابن رشد)(21). مع الإشارة لبعض أساتذته، هو شأن محمود، أبرزهم شكري عياد، رمضان عبد التواب. في القسم الثاني، المعنون بـ (التغريبة الكبرى) تخص الانتقال إلى باريس، عاصمة الأنوار والثقافة الغربية، لا نظفر بما يفيد عن الغنى الثقافي للشخصية السِّيرية، اللهم نتفًا ومتفرقات عن أعلام أكاديميين وأدباء وعناوين وصور و(كلشيهات) عابرة ومتداولة، من قبيل ما يبهر الزائر والسائح والطلاب العرب بالذات، ولم يفلت الزهراني من دائرة السِّحر التي اجتذبت أسلافه ممن كتبوا عن هذه المدينة الغانية العصيّة عن التركيب، بما يدعو إلى التساؤل عن الفرق بين المروي في «سيرة الوقت» وذاك الذي صوّره سهيل إدريس(1925ـ 2008) في «الحي اللاتيني» (1953) رواية أشبه بمذكّرات، رغم البون الزمني الواسع بين العملين. بلى، هناك فرق، أو لنقل إن معجب الزهراني لم يختصّ بموضوع، بل جنح إلى كتابة سيرة أرادها شاملة، بانورامية وزاخرة بالتفاصيل، تغطي زمنيا نصف قرن، وموضوعاتيا الأصل والفصل، الحاضر والماضي وما بينهما، سيرة وقت، وحياة فرد وحكاية أجيال، وهذا كثير!
12ـ قلت إن هذا التأليف السِّيَري لم يتبع ترتيبا زمنيا تعاقبيا، على نهج هذه الكتابة غالبًا، اختار له مؤلفه طريقة تنسجم مع تصوره ومادته والهدف/الأهداف التي من أجلها وضع عمله، في قلبها عرض مراحل حياته، وبموازاتها (حكاية جيل)، اختار لعرض هذه تقديم نماذج في مرافق وبخصوص قضايا شتى، وذلك بطريقة موضوعاتية،(thématique) وبهذا يمكن حصر عدد محدد منها يبرز صورة كلية تقريبا للمجتمع السعودي في الحقبة التاريخية المشمولة بزمن السيرة، ورصد ملامح الجمود والتطور، وقياس نبض ما اعترى الحياة ومعيش الناس في مستويات، منها ما يأتي بصيغة الاكتشاف والدهشة (وفرة بضائع السوق، خلافا لقحط القريةـ مشاهدة آلة التصوير لأول مرة: «كم كانت دهشتنا وهي تشع أمام وجوهنا وتعشي أبصارنا، ثم يعالجها المصور اليمني بعض الوقت ليقدم لكل منا صورة على ورق متين صقيل»(22)ـ فنون اللعب والرقص، منها ظهور الأغاني العصرية، أي الانتقال من الفولكلوري إلى الحديث ـ اكتشاف المدينة، بعين القروي، بما يظهر الفرق بين البادية والحاضرة، نعم هي صورة متواترة، لكنّها هنا مفردة، تغني بالتعريف. ومنها على سبيل إظهار الأوضاع ورصد الفروق في الانتقال من البداوة إلى الحاضرة، أو نحو عيش التمدّن، يمكن التماسها في الآلات الفلاحيّة الجديدة وتأثيرها، من خلال البهجة التي غمرت عائلة الراوي وقد حمل إليها من المدينة، اقتناها من رصيد مكافأته الراسية، مضخةَ مياه عصرية للسقي بدل إرهاق السواني التقليدية، ويثمنها بعبارات تظهر أمرها الجلل: «هذه المضخات العجيبة مثلت ثورة حقيقيّة في حياة الفلاحين. ولنُدرتها وكُلفتها العالية فإن امتلاك واحدة منها يعني الانتقال من عصر لآخر دون شك»(23)؛ ويعنى المؤلف بموضوعة التغيّر الاجتماعي والسلوكي والأخلاق العامة من خلال مظاهر الهندام النسوي الجديد، إذ تخرج عن الصرامة لتتنوع خاماتها وأشكالها وألوانها، فيثرن الإعجاب ويدفعن إلى التغزل بهن، وإن بحذر شديد، هنا يعرض لسيف الأخلاق المصلت بلهجة تقريرية تعلن لائحة المحرمات: «فالمجتمع محافظ، ومفهوم العيب قوي، بل أقوى من مفهوم الحرام (…) وما يسمى بجرائم الشرف إبداعٌ عربيّ لا ينافسنا عليه أحد فيما يبدو»(24) لذلك«الغزل المباشر ممنوع، مهما كان رومانسيا بريئا، والغزل عن قرب قد يُفضي إلى قبلة سريعة أو حضنة قصيرة؛ ولذا فهو خطر كبير قد يؤدي إلى عنف حقيقي فيما لو انكشف»(25). من هذا القبيل أيضا، لتوسيع مواضيع حديث الأخلاق يجري الحديث عن طبيعة العلاقة بين الجنسين وانعكاساته النفسيّة وتبعاته الشذوذية، ثم بعض ما طرأ عليها من تغيّر بين جيلين، بالأحرى نكوص ورجعيّة، كان فيها جيل المؤلف وهو حديث العهد نسبيّا محظوظا بالمقارنة مع الجيل اللاحق حيث استفحل الفصل بين الجنسين منذ منتصف التسعينيات. حالات أخرى، تتصل بالبيئة والعمران والتربية والتعليم والسلوك الفردي، يقف عندها المؤلف وقفات محددة وإما بإشارات عابرة، بعضها متّصل مباشرة بخط حياته وامتداد له، وبعضها صلته بها واهية ويجدها فرصة للوعظ والاحتجاج والإنكار، لإثبات الشهادة، ما ينقل الكتابة إلى صعيد مختلف.
13ـ هذا الصعيد يُسمّى الخطاب، وله مدخلان للفهم، واحد ضمن النسق اللساني،(26) والثاني باعتباره حديثاً محكومًا بالمفاهيم الإبستمية وإنتاج المعنى والدلالة(27)، حيث يأتي الكلام مستقلاً عن الذات وخاضعاً لنسق من الحقل الذي يشتغل فيه. لقد زاوجت «سيرة الوقت» بين السرد والخطاب، ولكل من هذين الأداتين والمفهومين عملُه وأدواتُه. فالسرد يُطلق على الفعل الذي ينتج علاقة مؤداها الإبلاغ بما حدث، وكيفياتُ هذا النقل ومنظوراتُها هي ما أطلق عليه نحو السرديات(narratologie)(28) ينقل، يحكي سيرة إنسان، قصة شخصية، سواء بسواء مع الرواية، مع فارق أساسٍ، من هو فوارق أخرى، أن الأولى لا يحضر فيها التخييل (fiction) لأن من شروطها أن تروي تاريخا حقيقيّا لا متخيلا، ويمكن أن تتلون وتتجمل، وهذا موضوع آخر؛ والخطاب ليس الحكي، ويمكن أن يندمج فيه ويجاوره إن أُحسِن وضعُه وسياقُه. في كتاب الزهراني هو مجموع تلك القضايا والمواضيع والإشارات والتلميحات والمواقف والمعلومات في حاصل الشهادة، المستقلة عن خصوصية الذات السِّيَرية، وهي ولا شك بُعدٌ لها ومُكمِّل، خصوصا حين تظهر مثل عدسة تتجول وتلتقط قصداً أو صدفة، ومرآةً تنعكس عليها وجوه الناس ومظاهر حياتهم وأشياء الواقع، كثيراً ما اشتغلت بطريقة روائية، ولو خضع الكل لحبكة، لأنتج رواية، ولم تكن هذه الغاية، إذ الخطاب هنا بالمرصاد يحاصر السرد ويكبَحه، والغرض المعلن من المقدمة (سيرة النص) والثابت في مجراه ومن فحواه يؤكده أراد بناء على (استراتيجية كتابة) أن يجمع الذات بالموضوع، الفرد إلى الجماعة، الجيل، كأنه يستوحي عبارة فرنسية مسكوكة:«ضمّ النافع إلى الممتع»(joindre l’utile à l’agréable). هو شيءٌ مستحبٌّ بكل تأكيد، إذ نحن لا نسرد حياتنا وحدها بل معها حياة الآخرين الذين ارتبطنا معهم بأسباب (29) ينتج عنه نصٌّ مزدوج ذو طبقتين: (الأتوبيوغرافي والبيوغرافي)، إنّما حبذا بتناغم بين الأطراف وتوازن دقيق. نحسب غرض هذه السيرة، بصرف النظر عن أقوال صاحبها، إلى جانب سرد مسار حياة وتحقيق ذات بمثال الخصال المتوّجة بالنجاح، هو، أولا، صنع خطاب تربوي وأخلاقي، بالمعنى الإتيكي، لا الوعظي التبشيري ذي النبرة الفقهية المتزمّتة التي يبدو مناهضا لها، والجهر به؛ وثانيا، وضع شهادة عن العصر (الوقت) من جيل ليقرأها جيل لاحق. وبطبيعة الحال، فالكاتب الذي يتولّى مهمّتين مزدوجتين من هذا القبيل يستعمل سجلّين لغويين مختلفين، أو يفترض كذلك، حسب الموضوع والسياق، باعتبار أن الفصاحة بأبسط تعريف هي أن لكل مقام مقالا (انظر لسان العرب لابن منظور في مادة ف ص ح) في كليهما يبغي البيان حسب مقتضى الحال، فلغة تثير اللواعج نافذة إلى مخابئ النفس وتستدعي الذكرى، غير التي للمحاضرة والشرح والتفاخر، والمتفرقات؛ فإن طغت على القصد الأصل فسد الطعم واختلّ الميزان، لا سيّما من قبل مؤلف يصرح من بداية نصه: «أن الرهان الأهم والأجمل يظل مع اللغة»( 30)، ولغة الزهراني حقًّا غاية في الوضوح والسلاسة والسلامة وجزالة اللفظ ومتانة التركيب، رضعها من أصولها، وذا أول ما يحتاج إليه من يريد استخدام ضمير المتكلم أدبيا؛ وإذن لنحتكم إليه في نهاية المطاف.
14ـ ولا شك أن القارئ المتتبع لملاحظاتنا عن هذا التأليف الذي نوليه الأهمية في نوعه ومادته، انتبه أننا تجنبنا قدر الإمكان استعمال التسمية المصطلحية للنوع (السيرة الذاتية) بالأحرى ترددنا في إلصاقها بكتاب (سيرة الوقت)، بمعنى إلباس النص جلباب النوع مسبقا، صنيع نقاد متعسّفين سدنة القواعد، يخضعونه لسرير بروكست وهو ما يمنع من قراءة مستكشِفة ومنتِجة لنص جديد، لنقل حديث الصدور. نقد اعتاد أن يتقيد بالشروط والأقانيم المنصوص عليها في كتاب فليب لوجون» الميثاق الأوتوبيوغرافي»(31) بابًا ومفتاحًا لدخول بيت السيرة الذاتية بطريقة شرعيّة ومشروعة، علما بأن هذا المبحث النظريّ والتوثيقيّ المهم صدر متأخرا، أي سنة 1975، جميع تقعيداته واستنتاجاته مستوحاةٌ من نصوص حسم تاريخ الأدب في تجنيسها قبل ذلك، أو ألحقت بالنوع لغلبة سماته عليها من هذا النحو أو ذاك. ومن الحق أن فليب لوجون طوّر منهجه وشرَع بابه أوسع في أبحاث لاحقة، وهو ما لم ينتبه له سدنة عُمي، لذلك اقتنع بأن «أنا هو آخر» وأسلس القياد للتطور الذي اعترى النّوع متموِّها بصورة (التخييل الذاتي). حسن؛ ما الذي ينص عليه ميثاق لوجون؟ رغم سعة البحث نحاول اختزاله في الخطوط الآتية: يتكون التعريف بدءاً من جماع أربعة مراتب مختلفة: 1 – شكل اللغة، يتمثل في قصة ونثر. 2 – الموضوع المعالج: حياة فردية لشخص حقيقي يروي خصوصا تاريخه الفردي .3 – تطابق هوية المؤلف مع الشخصية والسارد. 4 – موقع السارد، من زاويتي هوية السارد والشخصية الرئيسة، ومن ناحية الأفق الاسترجاعي. هكذا، هي سيرة ذاتيّة إذ تلبي هذه الشروط حسب مراتبها الأربع، ويبنى عليها مفهوم ويبرم عقد «الميثاق الأتوبيوغرافي [السير ذاتي]» وهو التصريح داخل النص بتماهٍ ثلاثي؛ أسماء المؤلف والسارد والشخصية، تحيل إلى الإسم الموضوع على غلاف الكتاب. وهذا يفيد في خاتمة المطاف وجود تعاقد، أي نوع كتاب تعاقدي (Genre contractuel) بين كاتب وقارئ يلتزم فيه بدليل سير ولا شيء غيرها. هي سُننٌ محكمة من غير شك، تُستخلص نظامًا لنوع أدبي ضمن جنس السرد العام، والكتابة، الأدب تحديداً، يوجد داخل نظام وإلا أصبح أيُّ كلامٍ نصًّا وأدبًا، ويحتاج إليها الدارس والقارئ معا للاهتداء للنوع، والكاتب أيضا يستوعبها، ويتخطاها إذا اقتضت تجربته ورؤيته ذلك، فـ «الكلمات»(les Mots) (1965) لجان بول سارتر، و «الرجل[الإنسان] الأول»(le Premier Homme لكامو، نص غير مكتمل نشر بعد رحيله (1994) لم يتنزّلا على منوال تقعيد لوجون، والخرق الكبير أحدثه ألان روب غريي في ثلاثيته السير ذاتية المعنونة بـ(Romanesques) (32) كتبت بانزياحٍ كليٍّ عن ميثاق لوجون، ما أثار معركة نقديّة صاخبة بين الاثنين كسب منها الأدب، يكسب دائما ويتطوّر بالنصوص المجدّدة، وهي التي تتمثّل ما سبقها وتأتي بما (لم تستطعه الأوائل)(33).
15ـ وإذا نحن قابلنا بين «سيرة الوقت» والقواعد المذكورة، لكي نعرف مدى نسبها النظامي و(الكلاسيكي) لنوع السيرة الذاتية، وجدنا أغلبها حاضراً بدءاً بقاعدة التطابق الثلاثي وانتهاءً بالتعاقد، وإن بتفاوت يخلخل عناصر التطابق وعدم توازن بين المادة المعتمدة سيرة ذاتية محضاً، أي التي تخص الفرد بعينه قبل الآخرين، ويفضي فيها بعد معلومات الحالة المدنية ورسم مسار التربية والتعلم. نرى البوح والحميميّة فيها قليلان جدا، من غير أن نتطلّب منها بلوغ مرتبة (الاعتراف) لدى جان جاك روسو(1712ـ1778)، الجد الشرعي الحديث للنوع في سيرته الشهيرة» les confessions «(الذي افتتح كتابه بالآتي بهذه العبارات المؤسسة: «سأشكل عملا لم يسبق له مثيل، وإنجازه لن يقلده أحد. أريد أن أظهر لنظرائي إنسانًا بكل ما في الطبيعة من حقيقة، وهذا الإنسان، سيكون أنا»(34). هذه الـ « أنا» ببوحها وتجلياتها هي أقنوم السيرة الذاتية، في مثلث قائم الزاوية، ثم تأتي تمثيلاتها وطريقة صياغتها لتمنحها النسب الأدبي أو التاريخي، إذ ليست كل سيرة أدبية نوعا، سلفا. عدا ما ذكرنا، فإن حضور الـ «أنا» الزهرانية جزئي وعابر، فهو ابن مجتمع لا فردانية فيه، وكم كرّر أن يتمه هو ما منحه حق الوجود وحرية الاختيار من الربقة الأبوية، من ورائها هيمنة العشيرة وصوتها. أما الحميميّة، المشار إليها سابقا، التي باح بها فهي في عرف المجتمع أقرب إلى الحرام والفحش في مجتمع يكبت المشاعر قبل الغرائز. لذلك كانت جرأة حقًّا ذكر ووصف بعض الصور الشبقة (خاصة الاغتلام في قلب موسم الحج، ضرب من الرفث «فلا رَفثَ ولا فسوقَ ولا جدال في الحج» (البقرة، 197)). ومع هذا فُزنا بنصيب من سيرة ذات، الواقعة بين مرحلتي الطفولة والشباب في «التغريبات» داخل الوطن، هي ما نعدّه عصب هذا النص وقوامه الأدبي، والباقي المتحرّك جلّه في الفضاء الباريسي حواشي إخبارية، نحن نظن أن السيرة الذاتية حتى وهي تقتضي قول الحقيقة وتقصي الدقّة، وكذلك من شروطها السرد الكرونولوجي، يتدخل فيها الاصطفاء وليست وعاءً يتسع لكل ما عاشه الفرد الحقيقيّ الحاكي، خاصة إذا وضع مؤلفها نصب عينه كتابة أدبية. وعدا عن الموانع والكوابح سعت الأنا الساردة إلى رسم شخصية الأنا الفاضلة، ومحيطها الذي ستبرز وتنجح فيه، لذلك تركيزها على المثل والنماذج النمطيّة، والقيم، أيضا. هنا لا يفوتنا أن نسجل بأن (بطل) «سيرة الوقت» يتجلّى مناضلا ثقافيًّا منافحًا عن قيم بديلة وحياة أفضل لمجتمعه ووطنه، على الصعد كافة، وجبهة التعليم والتربية والثقافة معركته. أي صاحب رسالة، جهر بها بشجاعة مقدما شهادة عن جيل بخيباته ومطامحه لغد مشرق.
16ـ هل تكفي القراءة الواصفة والمحللة والواعية بمقتضيات بناء النص وشروط تكوينه، للوفاء بفهمه وتأويله، بما لا يخلّ بنوعه ومبناه ومراميه؟ لا، بكل تأكيد، لا سيما إن كان تأليفًا غنيّا بمحكياته وبتعدد طبقاته وتنوّع منظوراته، وطول الحقبة وتحولاتها التي يمتد فيها زمنيا.
لذلك لم نجزم بالأحادية ولا نميل إلى الحكم إلا ما يثبته التأليف ببيان، ونبقي على مقاربة تجمع بين الذوق بوصفه الملكة وثمرة الخبرة والمراس بالنصوص، والإحساس بالمتعة التي تتولد منها، يتفوقان معا على قراءة القواعد ونقدها، وعندي أنهما يكملانها ويسدان أي ثغرة إن وُجدت، ويمنعان من تقويم قطعي، جيد أو متوسط أو رديء، كلا، النص «هو هكذا»، وبعبارة رولان بارت، صاحب هذا الفهم، هكذا بالنسبة إليّ، لا ذاتي ولا وجودي، إنه نيتشوي، أي ما هو بالنسبة إليّ (35). يمنح « سيرة الوقت» للقارئ فسحة واسعة من المتعة، تولدها عديد عطاءات في النص، أما الالتذاذ البارتي فهو المتصل بالحميم شبه المستحيل، فابحث عنه (36).
17ـ هل كان بمقدور معجب الزهراني أن يفعل أكثر ولا نقول أفضل، فنصّه خارج حكم القيمة؟ للجواب نقول الآتي: إن الكتابة الأدبية، وأي كتابة ومعرفة هي نتاج بيئتها، ومحكومة بداهةً بما يسمى الشروط الموضوعية السائدة فيها. إن الرواية والسيرة الذاتية فرع من تعبيرها السرديّ، تقول أوليات سوسيولوجيا الأدب، ظهرا جنسا أدبيا في مجتمعات قامت فيها حركات فكرية وسياسية واجتماعية قوامها التحرر من قيود لاهوتية وكنسية وإقطاعية وحكمية استعبادية مقيدة للحرية وسالبة للحقوق، وانتصار تلك الحركات ابتداء من عهد الأنوار الغربي بدءا من القرن الثامن عشر مع نضالات اجتماعية حامية، أطلق الحريّات الفردية، وبدأ تبلور ثقافة جديدة من تعبيراتها إنسان يعبر عن أحاسيسه، ويقول أنا، فعلها روسو هو نفسه الذي وضع «العقد الاجتماعي» الجديد، وكان ذلك منطلقا لمدنية حديثة. لذلك، لا غرابة أن السيرة الذاتية نصّ محدود في تأليف العرب، أو نصّ مخاتل وحربائي، أو بتعريفي نص هجين، لن تتأتى كتابته إلا برسوخ الأسباب المساعدة على ظهوره في البيئة القابلة لتلقيه والإقرار عقيديا وقانونيا وفكريا واجتماعيا وعرفا بحق الكائن في التفكير والتعبير بحرية، وهذا أفضل من القول بأنه نص مستحيل، وعندئذ أجزم بأن معجب الزهراني قد فعل المستحيل، وهذا مكسب مدعاة للاهتمام بسيرته والالتفات بجدّ إلى هذا العمل من كل النواحي.

شاهد أيضاً

الكتابة وغواية الانتماء إلى شعرية اللامتناهي

رشيد المومني * عن تحوّلات المفهوم سيكون من الضروري على سبيل الاستهلال، التنويهُ بخاصية التفكك …