شاعر اليوتوبيا المفقودة

لقد نشأ أحمد عبد المعطي حجازي وصعد نجمه كشاعر في زمن الأحلام الكبرى وحقبة الأطروحات الفكرية العظيمة، حيث مشروع ثورة يوليو، والحلم بالقوميّة العربية والتطلُّع لتحقيق عدالة اجتماعية نادت بها الثورة؛ لذا كان المجتمع العادل والمدينة الفاضلة حلمًا جميلاً بهيًّا يلوح في أشعار حجازي الأولى، بالرغم من شعوره بالاغتراب المديني وإحساسه بقسوة هذه المدينة.
اليوتوبيا هي الحلم ونشدان النموذج المثالي الذي ينبغي أن يكون عليه العالم، سواء العالم الموضوعي، بسياقاته الاجتماعية ونظمه الفاعلة، أو العالم الجمالي الذي يرتبط بالعالم الواقعي الموضوعي ويتجاوزه في آنٍ. اليوتوبيا فلسفة اقتراحية تحلم بعالم أفضل. يمكننا، باطمئنان، أن نحسب أحمد عبد المعطي حجازي، شاعر الحلم الدائم، هو شاعر «اليوتوبيا» والتطلُّع إلى وجود مثالي وكون يكاد يكون مفارقًا وفردوس مفقود، يتشكَّل في وعي الشاعر وعبر مخيلته، لكنَّ ثمة إشكالية كبرى تبزغ في احتكاك الشاعر بالواقع الذي لا يمنحه ما يريد ولا يحقق أحلامه. لذا يبدو حجازي هو «شاعر اليوتوبيا المفقودة».

1 – التخلي عن الناصرية ونقد دولة يوليو
برغم إيمان حجازي المخلص بالأيديولوجيا الناصرية لما كانت تمثُّله له ولجيله من يوتوبيا تحررية تنشد الكرامة ومجد الوطن وتحقيق عدالة اجتماعية على الصعيد الوطني وإرساء مبادئ الحرية والاستقلال وعدم الانحياز على صعيد عالميّ بما يكفل لمصر مكانة مرموقة عالميًّا وزعامة إقليمية وقاريّة- فقد توارى مع الوقت والتجربة الاعتقاد الأيديولوجي الذي كان قد ترسَّخ لدى حجازي باليوتوبيا القوميّة والعروبيّة في المشروع الناصري حتى تداعى الحلم حد الانهيار الفادح مع هزيمة يونيو 1967.
من القصائد التي تحمل التحوّل الحاد في موقف حجازي من الناصرية وتأييده الجارف لعبد الناصر، قصيدة «مرثية للعمر الجميل»:
هذه آخر الأرض!
لم يبقَ إلا الفراقْ
سأسوي هنا لَكَ قبرًا،
وأجعل شاهده مِزقةَ من لوائكَ،
ثم أقول سلامَا!
زمن الغزوات مضى، والرفاقْ
ذهبوا، ورجعنا يتامَى
هل سوى زهرتين أضمهما فوق قبرك،
ثم أمزق عن قدمي الوثاقْ
إنني قد تبعتك من أولِ الحلمِ،
من أول اليأس حتى نهايتهِ،
ووفيت الذمامَا
ورحلت وراءك من مستحيلٍ إلى مستحيلْ. (أحمد عبد المعطي حجازي، الأعمال الشعرية الكاملة، ديوان مرثية للعمر الجميل، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، طبعة 2018، ص ص332- 333).
من العنوان «مرثية للعمر الجميل» يرثي الشاعر عمر الشباب الجميل الذي أخذ يشعر بتبدّده في أحلام عريضة، بيوتوبيا كان ينشدها وظن أنَّه بلغها ولامس أحلامه التي طالما عاش لأجلها مع الأيديولوجيا الناصريّة؛ حتى اكتشف أنَّه أضاع عمره سدى جريًا وراء أوهام، فيُعلن الشاعر من بداية قصيدته قرارًا بالقطيعة: (هذه آخر الأرض!)، الآخر يعني المنتهى والحسم واللابعدية، ولكن هل تكون «هذه آخر الأرض» التي تبقت للذات بعد أن خسرت كلّ الأراضي، كل الأحلام واليوتوبيات التي طالما تغنّى بها في العهد الناصري؟ أم «هذه آخر الأرض» التي يتبع فيها الشاعر بطله وزعيمه الذي اكتشف وهميّة أحلامه التي علقها عليه؟ لذا فـ»لم يبقَ إلا الفراقْ»، لم يبق إلا القطيعة، ليعلن الشاعر موات التعلُّق ببطله السابق وزعيمه الراحل: (سأسوي هنا لَكَ قبرًا) في استعارة تؤكِّد انتهاء الاعتقاد السابق لدى الشاعر بكاريزمية ناصر وزعامته، أما شاهد هذا التخلي عن أيديولوجيا الزعيم: (وأجعل شاهده مِزقةَ من لوائكَ)، فالشاعر يعلن عن تمزُّق الراية الأيديولوجية أي المبادئ والشعارات التي كان يرفعها رمزه اليوتوبي الراحل.
ومع وضع الشاعر وردتين فوق قبر الزعيم الراحل، ما يعني عدم شخصنة الخلاف معه، يعلن تمزيق ذلك الوثاق الذي جعل قدم الشاعر مكبَّلة ومقيّدة بالزعيم وتابعة له، بلا حرية أو قدرة على السير بإرادتها الذاتية، لكنَّ حجازي يعبِّر عن انكسار الحلم الناصري: (إنني قد تبعتك من أولِ الحلمِ،/ من أول اليأس حتى نهايتهِ،/ ووفيت الذمامَا/ ورحلت وراءك من مستحيلٍ إلى مستحيلْ)، بعد ما أخلص لحلمه اليوتوبي منذ بدايته، وحتى في اليأس من تحقيق حلمه هذا، حيث التحوُّل من الحلم إلى اليأس والتخلي عن الآمال الكبرى التي أدرك الشاعر أنّها ضرب من المستحيلات، كان يلهث وراء بطله اليوتوبيّ متوهمًا تحقيقها. كما يتبدى من استعارة: (ورحلت وراءك من مستحيلٍ إلى مستحيلْ) آلية أسلوبية أثيرة في صياغات حجازي الشعرية يُمكننا أن نسميها بـ»التداول الوحدوي» بتكرار وحدة ما تُمثِّل وحدة لفظية ودلالية ككلمة (مستحيل)، ليُشكِّل تكرارها نبضًا إيقاعيًّا ذا تبئير دلالي، فثمة إلحاح على تبعية الذات/ الشاعر لبطله اليوتوبي في تطلعاته المستحيلة؛ فقد أمسى المستحيل مدى للذات، مبتدأً ومقصدًا وأفقًا، أو كمحطات تمر بها الذات، أو غاية تتجدد وتتكاثر في تأييدها للزعيم الذي مثَّل لها أيقونة الحلم اليوتوبي.

2 – انهيار اليوتوبيا وسقوط الشاعر
مع تمادي الشاعر في أحلامه اليوتوبية يبدو أنَّ اصطدامه بالواقع أمر حتمي ولا مفر منه، إذ يجده معوِّقًا لأحلامه بمثالية منشودة وبعدالة اجتماعية وكونية متوخاة، وحجازي الذي عاش ببراءة ونبل الحلم القومي سواء على الصعيد الوطني المصري أو العروبي في المستوى العام أو على صعيد شخصي في شعور الشاعر بالعجز عن تغيير الواقع وتقويمه قد أدرك بأنَّ العالم مُجهِض لحلمه اليوتوبي، وبأنَّ الواقع ليس ملائمًا لأمانيه وتطلعاته لعالم أفضل.
تبلغ ذروة الشعور المأساوي بتضييق العالم الخناق على الشاعر أو الإنسان بعامة في حلمه اليوتوبي وبعدم مواتاة العالم ليوتوبياه بل وعمله ضدها في قصيدته الشهيرة «مرثية لاعب سيرك» (1966)، التي تتأسس على أسلوب التعبير الأمثولي وتقنيات التصوير الأليجوري في التمثيل لمأساة الإنسان/ الشاعر الذي أدرك عدم مناسبة العالم لحلمه اليوتوبي بلاعب السيرك الذي يسير مخاطرًا على الحبل مغامرًا بحياته التي يحتمل أن يفقدها في أي لحظة سقوط:
في العالم المملوءِ أخطاءَ
مُطالبٌ وحدكَ ألا تخطئَا
لأنَّ جسمَكَ النحيلْ
لو مَرةً أسرعَ أو أبطأَ
هوى، وغطى الأرضَ أشلاءَ!(ص315).
يعتمد التشكيل الشعري ضمير المخاطب في بث التلفُّظات النصية، ويبدو ضمير المخاطب، هنا، مراوغًا، بل شديد المراوغة، إذ يحمل ثلاثة احتمالات بالنسبة لعائده، فهو قد يشير إلى لاعب السيرك، أو قد يشير إلى الذات الشاعرة الممثلة للشاعر، أو قد يشير إلى الإنسان بعامة في هذا الوجود الذي يمثِّله، هنا، المتلقي. من مستهل القصيدة تكثِّف الرؤية الشعرية لُب المشكلة وجوهر الأزمة في فساد العالم الملآن بالأخطاء في مقابل مطالبة لاعب السيرك/ الشاعر/ الإنسان بعدم الخطأ، بما يشي ضمنًا بغياب العدالة عن هذا العالم وقسوته. وتُدل صيغة اسم المفعول (مُطالب) المسند إليها عبر ضمير الخطاب في الحال (وحدك) بالإشارة إلى اللاعب/ الشاعر/ الإنسان، عن كون الأخير مفعولاً به، في وضعية جبرية بضرورة عدم الوقوع في الخطأ للنجاة والخلاص، وأنَّ خطأ واحدًا فقط سوف يودي بحياة مرتكبه: اللاعب/ الشاعر/ الإنسان، كما يشير الحال (وحدكَ) إلى عزلة الإنسان/ الشاعر/ اللاعب واغترابه في هذا العالم الذي يتربص به ليهلكه، ويبدو أنَّ ثمن الخطأ أو بالأحرى الهفوة في إيقاع اللاعب/ الشاعر/ الإنسان ولو لمرة واحدة باهظًا جدًا، حيث السقوط والهلاك والموت ميتة شنيعة، تَمزُّقًا، بشكل مأساوي سيكون نهاية قاسية للجسم النحيل الذي هو من متطلبات لاعب السيرك لكنَّه قد يشي في الآن نفسه بهشاشة الوجود الإنساني وضآلته في فضاء هذا العالم الماهول الرهيب.
في شعر حجازي كما في هذه القصيدة، «مرثية لاعب سيرك»، ثمة تعددٌّ في طبقات الدلالة التي تبدو كبنية أركيولوجية، إذ توجد الدلالة الأولى المباشرة أو المعنى الأول لتلفُّظات الخطاب الشعري، كما يبدو هنا، في احتمالية سقوط لاعب السيرك لأي خطأ يحدث، في عالم مملوء أخطاء ليبقى اللاعب هو الوحيد المطالب بعدم الخطأ، فيعتمد المعنى الأول، أو الطبقة الدلالية الأولى، على قانون اللعبة، بإلزام اللاعب بعدم الخطأ لينجو من الموت في عالم حافل بالأخطاء.
لكنَّ المعنى الغائر أو الطبقة الدلالية الأعمق وفق البنية الأمثولية للدلالة التي تسربل النص الشعري برداء أليجوري يذهب إلى احتمالية أن يكون اللاعب، هنا، هو مُعَادِل أمثولي للشاعر/ المثقف أو الإنسان في هذا العالم الحافل بالأخطاء لكنَّه يُلزِم الشاعر/ الإنسان بعدم الخطأ وإلا سيكون الموت مصيره، فثمة موازاة تصويرية إذ تتحول الحكاية/ الصورة كلها إلى رداء رمزيٍّ لمعانٍ أخرى، وكذلك فإنَّ حلبة السيرك هي رمز للعالم أو الوجود الذي قد يفضي سعي الشاعر/ الإنسان فيه إلى أداء عمله ورسالته من أجل إسعاد الآخرين وإمتاعهم أو حتى إفادتهم إلى سقوطه وهلاكه، كما تبدو هذه السقطة المهلكة كعلامة رمزية لها إحالاتها الأخرى فقد تعني سقوط الشاعر بأثر تطلعاته وأحلامه التي غامر من أجلها وجازف وخاطر بكل غال وثمين، مثلما قد يعني سقوط اللاعب رمزيًّا سقوط الشاعر أو الإنسان من أعلى خط الحلم اليوتوبي المُغَامِر، فنجد أنَّ «الشاعر يسبق الحوادث في السرد لأنَّ الزمن يتعقبه، السقوط حتمي لأنَّ الكمال مستحيل. من الذي لا يخطئ؟ هل هذه هي سقطة التمثيل في السيرك، أم سقطة السياسة في مشاريعها الوهمية أم سقطة الشعر في تعلّقه بالمثل الأعلى الذي لا وجود له؟ تصلح الأمثولة لجميع هذه الاحتمالات وهي تشير إليها بينما تصنع هيكلها الدلالي»(1)، فثمة بنية دلالية مزدوجة في التعبير الأليجوري والنسق الأمثولي، فتحيل الأليجوريا كاستعارة تصريحية أو نسق استعاري من الرموز أو الاستعارات التصريحية المعادلة في العمق الدلالي لمعنى الصورة إلى دلالات أخرى خفيّة أو ورائية مغايرة للدلالة الظاهرة المباشرة ومعادلة وموازية لها.
تبدو سقطة اللاعب/ الشاعر/ الإنسان، هنا، أشبه بسقطة البطل التراجيدي في الدراما اليونانية القديمة التي تكشف عن تسليم الشاعر أو لنقل استسلامه لقدرية وجودية باحتمالية السقوط في أي لحظة والوقوع في مصير الهلاك المفني، وثمة ازدواجية أخرى في استراتيجية التعبير الشعري تتمثل في الجمع بين مشهديّة الحركة الخارجية والانفعالات النفسية للبطل التراجيدي، لذا فمن بداية القصيدة ومن مقطعها الافتتاحي ثمة ترشيح للنهاية المحتومة المنتظرة في أي لحظة.
تبدو جمل حجازي، من خلال هذا المقطع، شديدة التكثيف لغويًّا والإحكام في البناء، وأيضًا رهافة الاستعمال القافوي الذي يمثِّل البعد الخارجي للموسيقى، فيأتي صوت (الهمزة) المفتوحة حرفًا للروي مرة مسبوقًا بصوت (الألف) إسنادًا له في السطر المفتتح للمقطع والسطر المختتم: (أخطاءَ/ أشلاءَ)، وكأنَّ الابتداء الذي يقرّ بقاعدة أخطاء هذا العالم، تفضي في النهاية إلى تمزق الإنسان/ اللاعب بعد سقوطه أشلاء، ومرة ثانية يكون صوت (الهمزة) المفتوحة حرفًا للروي متبوعًا بصوت (الألف) كوصل له كما في (ألا تخطئَا/ أسرعَ أو أبطأَ) ببيان القاعدة الحتمية المفروضة على اللاعب/ الإنسان بوجوب عدم الخطأ، مع احتمالات كسر هذه القاعدة المفضية إلى هلاكٍ سواء بالإسراع أو الإبطاء ولو لمرة واحدة، أي باختلال المحافظة على آلية الإيقاع الحركيّ الذي يؤدي إلى اختلال التوازن، وبالتالي، السقوط والهلاك.
ثمة انتقال عند حجازي، في هذه القصيدة، من الإجمال إلى التفصيل، من الحكم الحتمي على اللاعب بالموت، إلى تفاصيل استعراضه ولعبته الخطرة كلَّ ليلة:
في أيِّ ليلةٍ تُرَى يقبعُ ذلك الخطأْ
في هذه الليلةِ! أو في غيرها من الليالْ
حين يغيضُ في مصابيح المكانِ نورُها وتنطفئْ
ويسحبُ الناسُ صياحَهم،
على مقدمِك المفروش أضواءَ!
حين تلوح مثلَ فارسٍ يجيلُ الطرْفَ في مدينته
مودِّعًا. يطلبُ ودَّ الناسِ، في صمتٍ نبيلْ
ثم تسيرُ نحو أوٌلِ الحبالِ،
مستقيمًا مومِئَا
وهم يدقُّون على إيقاع خطوِك الطبولْ
ويملأونَ الملعبَ الواسعَ ضوضاءَ
ثم يقولون: ابتدئْ!
في أيِّ ليلةٍ تُرَى يقبعُ ذلك الخطأْ! (ص ص315-316).
من مستهلّ هذا المقطع يشدّ النص، من خلال التساؤل: (في أيِّ ليلةٍ تُرَى يقبعُ ذلك الخطأْ) أوتار التوتر النفسيّ الرهيب الذي يعيشه اللاعب/ الشاعر/ الإنسان إزاء خطر الموت المحدِق به والسقوط الحتمي المنتظر. ذات تتعاورها المنيّة وتعيش موتها كل ثانية وتنتظر حتفها في أي لحظة. أما إجابة التساؤل تكون سؤالاً آخر يتولَّد عنه: (في هذه الليلةِ! أو في غيرها من الليالْ) حيث انفتاح زمني، فالزمن كله مرشح للموت، والزمن ليلي، زمن اللعب والمغامرة والمخاطرة، بما يرمز له الليل من الانتهاء والموت والغياب.يأخذ سيناريو القصيدة في التصوير المشهدي لحركة اللاعب والتفاصيل الدقيقة لاستعراضه المتكرر كلَّ ليلة، مغامرته اليومية المستمرة إلى حين سقوطه المُنتظَر، فيكون اللاعب محور الحدث وبؤرة الإضاءة ومركز انتباه الناس، فثمة تدقيق في الوصف التصويري لحركات عناصر المشهد، كما في وصف تذبذبات الإضاءة بين الإنارة والانطفاء: (حين يغيضُ في مصابيح المكانِ نورُها وتنطفئْ)، فيكشف التعبير (يغيضُ) بمعنى يقل الماء ويذهب ويغور في الأرض، أي ينضب، تعبيرًا عن الانخفاض التدريجي للضوء في المصباح، عن أثر الخيال المائي، قرين الخيال الريفي المُشبَّع بالارتباط بالأرض الزراعية الطينية، حين تمتص الماء وتشربه، في الوصف التصويري الحجازي؛ حيث الضوء استعارة تصريحية عن الماء والمصابيح استعارة تصريحية أخرى عن الأرض. ولكن هل يكون الاستبدال الإحالي في وصف انبثاق إضاءة المصابيح بغيض الماء مجرد تعبير تراسلي يُجسِّد تراسلاً عناصريًّا أم أنَّ ذلك لارتباط دلالي غائر بين الضوء والماء؟ فإذا كان الضوء وانبثاقه، هنا، مرتبطًا باستعراض اللاعب المحفوف بمخاطر الموت المحتمل فإنَّ ثمة خيطًا رمزيًّا شفيفًا يربط الضوء بالماء، فكلاهما من العناصر الشفافة، كذلك نجد «أنَّ الماء أيضًا «نموذج للقدر»، وليس فقط قدرًا وهميًّا لصور هاربة، قدرًا وهميًّا لحلم لا يكتمل»( 2)، فهل يكون الضوء كالماء بإسناده إلى الفعل يغيض، قدرًا لحلم البقاء عاليًّا للاعب/ الشاعر/ الإنسان، الذي لا يكتمل ويتهدده خطر السقوط والموت؟ ثمة ارتباط رمزي بين الماء والتحول الوجودي، حيث إنَّ «الحركية الهيراقليطيسية فلسفةٌ «محسوسة»، فلسفةٌ «شاملة»، لا تستحمّ في نهر مرتين، لأنَّ قدر الكائن البشري، في عُمقه، هو الماء الجاري. الماء هو حقًا العنصر الانتقالي. إنَّه التحوُّل الكائني الجوهري بين النار والتراب. والكائن الذي قدَرُه الماءُ كائنٌ دائخ. فهو يموت كلَّ لحظةٍ، ومن دون توقُّفٍ… لا نهائي هو عذاب الماء»(3)، فيبدو أنَّ تَمثُّل الشاعر الضوءَ الذي يكتنف اللاعب ماءً يغيض، جلاء للموت كل لحظة نفسيًّا، انتظارًا للموت والسقوط في أي لحظة.

ويبدو صياح الناس/ الجمهور أثرًا ولازمة من لوازم اللعبة الخطرة ومغامرة اللاعب، مع مقدمه ودخوله حلبة السيرك، إنّه المكافئ الأمثولي لدور الجماهير القابعة في المكان الآمن، بينما تتابع لعبة المخاطرة التي يخوضها/ اللاعب/ الشاعر/ المثقف/ الإنسان المُبَادِئ، حيث تأجيج الإثارة والصخب انتظارًا لمقدم اللاعب.
أما إطلالة اللاعب على جمهوره فيصفها الشاعر: (حين تلوح مثلَ فارسٍ يجيلُ الطرْفَ في مدينته)، فاللاعب في مطالعته فضاء اللعب هو فارس يتفقَّد مدينته، فالحلبة هنا، هي المدينة التي يخوض اللاعب/ الشاعر مغامرته في فضائها ومن أجل ناسها، حيث يعتمد البناء الأمثولي على ازدواجية الإشارات (العناصر)، وإحالتها المرواغة بين الدلالة المباشرة والمستوى السطحي للمعنى، والدلالة الأخرى البعيدة والرمزية، فالفارس في الإشارة إلى اللاعب تفتح التأشير الإحالي للدلالة إلى من يُمكن أن يوسم بالفروسيّة، كالشاعر أو كأبطال الإنسانية، أما المدينة التي هي هنا مشبهًا به للحلبة، فتجلي التعادل الأمثولي بين الحلبة والمدينة، تلك المدينة التي تعني «العالم المملوء أخطاء»، فتعتمد الأليجوريا على «قرائن دالّة على حضور معنى خفيّ طيّ المعنى الظاهر»( 4)، ويبدو الرابط الضمائري في (مدينته) كإشارة لانتماء الشاعر/ اللاعب للمدينة أو لامتلاكه لها بفنه المبهر الذي يدفع ثمنًا له المخاطرة.
ويكشف هذا المقطع عن العلاقة الجدلية بين اللاعب/ الشاعر أو المثقف/ الإنسان البطل والجمهور، حيث ظفر اللاعب/ الشاعر بالأضواء، ليكون بؤرة اهتمام. وانتمائه وامتلاكه للمدينة باعتباره ملهمًا للجماهير، في المقابل ثمة ضجيج وضوضاء يلحقان باللاعب/ الشاعر جراء تعلُّق الجماهير به، فإنَّ «تقابل الموقع التركيبي بين ضوضاء وأضواء يكشف عن تراسل الصوت والصورة في منظومة الشهرة بقدر ما يكشف عن فداحة الثمن المنتظر»( 5)، والجماهير أيضًا هي التي تُحمِّس أو تُحرِّض اللاعب/ الشاعر/ الإنسان البطل على ابتداء المغامرة، لكنَّها لن تشاركه الثمن الباهظ الذي سيدفعه حال سقوطه.
ولنا أن نلاحظ البنية الدائرية في تركيب هذا المقطع حيث يُختتم بنفس الجملة التي استُهِلَّ بها: (في أيِّ ليلةٍ تُرَى يقبعُ ذلك الخطأْ) للدلالة على دائرية ذلك المصير المُهلِك ومحاصرته للاعب وإحاطته بأفعاله، هذا المعلوم المجهول. معلوم باحتمالية حدوثه حد الحتمية. ومجهول، بتحديد توقيت مُحدَّد للحدوث، لكنه سيقع في أي ليلة، فنجد هذا «المقطع يشد وتره الغنائي عبر تقنية أليفة هي تكرار البداية في النهاية «في أيِّ ليلةٍ تُرَى يقبعُ ذلك الخطأْ» وهو ليس تكرارًا صوتيًّا بقدر ما هو مصيري قدري يتربَّص باللاعب والمشاهد والمخاطب بشكل لا فكاك منه، كل ما هنالك أنّنا لا نعرف موعده. ولأنَّ وقوع البلاء أخف من انتظاره تصبح القصيدة إرهاصًا مرهقًا بالخطأ ومرثية حارقة لضحيته، هنا تتحول الإرادة الصانعة إلى أداة مُسخِّرة والفن الرفيع إلى مجرد تمهيد للسقوط»( 6)، ليُعبِّر هذا التساؤل عن حيرة الشاعر حول المصير الدامي المنتظر، وما سببه، إذ «أين يكمن الخطأ في الشعر؟ في الرهان على الجياد الخاسرة؟ في الرهان على الزعيم الذي انقهر ومات؟ في الرهان على زمن التحرير الذي ولى وخلَّف عصرًا آخر؟ في الرهان على ما في العمر من «جمال» سياسي وعاطفي زائل؟ أم في الرهان على التعلُّق الشديد بإعجاب الآخرين وهو متحوِّل لا محالة إلى رثاء وإشفاق»( 7). إنَّ هذا الخطأ وذاك السقوط هو سقوط اليوتوبيا وهلاك الحالم بها، كما سقوط اللاعب على حلبة لعبه أمام الجماهير التي طالما شجعته وصفقت له، لكنها لن تنفعه حال سقوطه وتمزُّقه أشلاء.
يتبدى الاقتدار الشعري لأحمد عبدالمعطي حجازي، كما في هذه القصيدة، «مرثية لاعب سيرك»، في إتقانه البنية الأمثولية التي تصبح من خلالها القصيدة بناءً صوريًّا عميقًا ومتعدد الطبقات الدلالية في التشكيل الأركيولوجي لدلالته، و«لعل تحويل الوقائع إلى أمثولة تحتمل التأويل وتعدد المعنى هو العبور من الزائل إلى الدائم، من اللعب إلى الفن، من البهلوانية إلى الشعر الرصين الحكيم»(8 )، حيث تصبح العلامة الشعرية/ التلفُّظ الشعري دالاً متعدد المدلولات ويستحيل المدلول في النص الشعري، أي المعنى الأول، دالاً آخر، في تمدد علاماتي يُكرِّس لـ«لامحسومية» الدلالة النصية وإرجاء المعنى الشعري وتكاثره.
وفي نظام التقفية لهذا المقطع، بل وفي هذا النصّ الشعري نلاحظ تنويع الصياغة الحجازية التشكيل الصوتي على نفس الصوت (الحرف) للروي، حيث صوت (الهمزة)، لكن يأتي ساكنًا هذه المرة في أول المقطع ومختتمه كما في كلمة (الخطأْ) بما يُجسِّد حالة الترقُّب واحتباس الأنفاس، انتظارًا لوقوع ذلك الخطأ المُهلِك أو متابعةً لتلك المغامرة الخطيرة. كذلك ثمة تكرار لحرف الروي هذا مرتين، في هذا المقطع، في (تنطفئ) و(ابتدئ) وكلاهما إشارتان إيذانًا ببدء اللاعب استعراضه: إحداهما ضوئية بانطفاء الأضواء في صالة العرض، والأخرى صوتية بمطالبات الجماهير للاعب ببدء مغامرته الاستعراضية، وكأنَّ ثمة رابطًا ما بين هذا الابتداء وذلك الخطأ، فابتداء المغامرة الخطيرة هو الذي سيفضي حتمًا إلى ذلك الخطأ المميت في ليلة ما. ثم تكون هناك الهمزة المفتوحة صوتًا للروي مسبوقا بصوت مد (الألف) كإسناد، فيما يُعدُّ تكرارًا أو استمرار لتلك الحركة الصوتية التقفوية من المقطع السابق في كلمتي (أضواءَ) و(ضوضاءَ)، إبرازًا لاستحقاقات النجومية والمغامرة ما بين أضواء التلقي وضوضاء المتابعين، وتتبدى المراوحة المنوِّعة في صوت الهمزة بين التسكين والفتح كحرف للروي بشكل لافت كإبراز صوتي دال على المراوحة المتوترة للاعب بين الحياة والموت، احتمالات النجاة والسقوط، وهو ما يوضِّحه حجازي:
وفي «مرثية لاعب سيرك» حاولت أن أجعل القافية الهمزية بأشكالها المختلفة ذروة لإيقاعات الخطر الذي يقترب ويبتعد في حوار الإنسان مع الموت، ولعل مكان الهمزة في الأبجدية العربية وشكلها في الكتابة هو الذي ألهمني اتخاذها رمزًا للتفوق الرهيب أو للذروة الزلقة(9 ).
فيتجلى استثمار الصياغة الشعرية الحجازية لأبعاد الحرف واعتصارها لطاقاته، الصوتية والخطية، تدعيمًا للدلالة وتجسيدًا للمعنى المتوخى من الخطاب النصي، فتبدو المراوحة بين التسكين والفتح لصوت الروي هي تشكيلاً إيقاعياً يجسِّد التذبذب النفسي والتوتر المحتدم نتيجة التعلق المصيري بين الحياة والموت.
ينتقل الخطاب الشعري إلى تمثُّل هوية ذلك الموت الذي ينتظر تردي اللاعب وسقوطه أثناء مغامرته:
مُمَدَّدًا تحتك في الظلمةِ،
يجترّ انتظارَه الثقيلْ
كأنه الوحشُ الخرافيُّ الذي ما روَّضَتْ كفُّ بشرْ
فهو جميلْ!
كأنَه الطاووسُ
جذابٌ كأفعى،
ورشيق ٌكالنَّمِرْ!
وهو جليلْ!
كالأسدِ الهادئِ ساعةَ الخطرْ
وهو مخاتلٌ، فيبدو نائمًا
بينا يعدُّ نفسَه للوثبةِ المستعرَةْ
وهو خفيٌّ لا يُرى
لكنه تحتك يعلك الحجرْ
منتظرًا سقطتكَ المنتظَرَةْ. (ص ص317-318).
يقوم الخطاب الشعري بترسيم الموت، الذي هو مفهوم مجرد، بإبراز تموضعه الزمكاني تربصًا باللاعب، فهو متمدد في الظلمة، في الخفاء، لا يمكن إدراكه، ويبدو منتظرًا ومتلهفًا لقنص فريسته، كما تمضي الرؤية الشعرية في أسطرة الموت فيبدو «كأنه الوحشُ الخرافيُّ الذي ما روَّضَتْ كفُّ بشرْ»، وتشبيهه بصور الحيوانات التي هي كائنات السيرك وأبطال عروضه.
تميل استراتيجيات حجازي الشعرية في رؤية المفاهيم المجردة، كالموت، إلى التجسيم، بتجسيد هذه الأفكار في صور مادية ملموسة، ما يعكس رهافة الوعي الحجازي وتمثُّله الحسي في ترجمة المفاهيم. كما في وصف حجازي الموت، وسما «الجميل» و»الجليل»، المفهومان الفلسفيان اللذان برزا بقوة في فلسفة إيمانويل كانط، حيث يبدو «الجميل» وسمًا نسبيًّا يغلب استعماله في الحكم على النسبيّات، أما «الجليل» فيبدو ملحقًا بالكليّات والميتافيزيقيات، ولا غرابة هنا في وسم الموت بالجميل، فقد يكون «الجميل» مميتًا، أو قد يكون الجمال شركًا مفضيًا إلى التهلكة ومصيدة أو فخًا للإيقاع بالضحايا. ويبدو هنا، أنَّ في وصف الموت بالجميل والجليل إشارة إلى أنَّ ما قد يبدو جميلاً أو جليلاً كفكرة «اليوتوبيا» نفسها، أو مغامرة الإنسان المبادر، بروح جسور، من أجل تحقيق «يوتوبيا» ما يرى فيها جمالاً وجلالاً قد يكون هو الموت نفسه والهلاك بالنسبة له.

وبعد تَمثُّل ماهيّة الموت ينتقل الصوت الشعري في الشطر الثاني من مقطع القصيدة الرابع إلى تَمثُّل لحظة التردي والسقوط:
في لحظةٍ تغفلُ فيها عن حسابِ الخطوِ
أو تفقد فيها حكمةَ المبادرَةْ
إذ تعرِضُ الذكرى!
تغطي عريَها المفاجِئَا
وحيدةً معتذرَةْ
أو يقفُ الزهوُ على رأسكَ طيرًا،
شاربًا ممتلئَا!
منتشيًا بالصمتِ، مذهولا عن الأرجوحةِ المنحدرَةْ
حين تدورُ الدائرَةْ!
تنبضُ تحتك الحبالُ مثلما أنبضَ رامٍ وترَه
تنغرسُ الصرخةُ في الليلِ،
كما طوَّحَ لِصٌّ خنجرَهْ
حين تدور الدائرَةْ!
يرتبك الضوء على الجسمِ المهيضِ المرتطمْ
على الذراعِ المتهدلِ الكسيرِ والقدمْ
وتبتسمْ!
كأنَّما عرفتَ أشياءَ
وصدقتَ النبأْ! (ص ص318-319).
تتمثَّل أسباب السقوط المُرشِحة لاحتمالاته في خطأ حساب تقدير خطوة قادمة وحركة تالية، فقد يفضي عدم تقدير اللاعب/ الشاعر/ الإنسان البطل المُغامِر إلى سقوطه وهلاكه، أو في حالة فقدان زمام المبادرة أو حكمتها، فليس كل مبادرة يُمكن أن تُكتَب لها السلامة والنجاة، أو عند مشاغلة ذكرى ما للاعب/ البطل المغامر، فقد تكون منازعة الماضي ومزاحمته للذات في الوعي بالحاضر سببًا في السقوط والفناء. أو قد يكون سبب السقوط مشاغلة طير الزهو للاعب، أي الإعجاب المفرط بالذات والانشغال الزائد بالأنا، والزهو بما أُنجز قد يوقع الذات في هوة التردي المميت، إنَّها لحظات الضعف الإنساني التي قد يتعرَّض لها أي بطل مغامِر فتؤدي إلى سقوطه وترديه.
هكذا، فقد تودي لحظة خطأ بعمر كامل من الإنجاز والبراعة، وقد تمحو لحظة خطأ واحدة تاريخًا مجيدًا من الانتصارات، قد يتبدد الحلم اليوتوبي ويهلك صاحبه، في لحظة سهو أو إساءة تقدير، أو تراخٍ بسبب الزهو بالماضي والمفاخرة به، فيبدو الحكم بالسقوط غير عادل، لكنَّها قواعد اللعبة وقوانينها الحاكمة التي تفرِض على كل لاعب/ شاعر/ إنسان مُغامِر أن يحسب حسباته جيدًا ويعي احتمالات الخسران في أي لحظة. يتبدى تعدد استراتيجات التصوير لدى أحمد عبدالمعطي حجازي وتنوع مصادره، ففي تصوير أثر الذكرى وفعلها الإلهائي للاعب/ المغامِر عن التركيز في لحظته الآنية في اللعبة الاستعراضية الخطرة يشبّه الذكرى بامرأة تتعرى: (تعرِضُ الذكرى!/ تغطي عريَها المفاجِئَا/ وحيدةً معتذرَةْ)، فتتبدى المرجعية الأيروتيكية للصورة، بيانًا لمغالبة شهوة الذكرى وفعلها الإغوائي للذات وتشتيتها انتباه اللاعب عن وضعه الآني وحساب خطوته القادمة، فكأنَّ رؤية حجازي للحياة تؤثِر اللحظة الآنية وحساب اللحظة القادمة (المستقبِل) وعدم التعلُّق بالماضي مهما كان إغراؤه وشهوته المراودة الذات. ثم صورة أخرى للزهو: (يقفُ الزهوُ على رأسكَ طيرًا) التي تبدو مستلّة من التراث، حيث حديث البراء بن عازب في وصف مجلس رسول الله على المقابر، «قال: فجلس (كأنَّ على رؤوسنا الطير)» (سنن ابن ماجة ١٥٤٨)، هذا التعبير الكنائي عن الصمت للتركيز، لكنَّ حجازي ببراعة تصويرية يوظِّف ذلك التعبير التراثي، من الحديث الشريف، الذي يذهب مدلوله إلى معنى التركيز الشديد في اتجاه معاكس، حيث يمسي هذا الزهو الذي يقف على رأس اللاعب طيرًا مُفقدًا الانتباه والتركيز ومُفضيا إلى السقوط والتردي. ثم تكون الصورة الختامية لسقوط الضوء على جسد اللاعب الذي هوى ميتا: (يرتبك الضوء على الجسمِ المهيضِ المرتطمْ) في استعارة مكنية تُشخِّص الضوء، وتحيل إلى حركة الأضواء في الدخول الاحتفالي للاعب البطل، حيث يكون مقدمه مفروشًا بالأضواء، في مقابل النهاية الأليمة حيث ارتباك الضوء على الجسم المهيض الميت، إعلانًا عن النهاية المأساوية للاعب.
تبدو قصيدة «مرثية لاعب سيرك» نموذجًا ناصعًا واستثمارًا فنيًّا بارعًا للبنية الأمثولية التي شملت القصيدة بأكملها، في التمثيل لمأساة إنسان هذا العصر ومأساة الشاعر المثقف في تطلعه المثالي وحلمه بيوتوبيا تحتاج المخاطرة التي يقبلها من أجل الجماهير، وفي صعود الشاعر المثقف تكمن المخاطرة، فبقدر البعد المسافاتي عن الأرض، أرض الواقع، بقدر ما يكون الخطأ مهلكًا ومميتًا، هذا السقوط الذي قد يكون لخطأ بسيط في حركة وفي تقدير الموقف أو بسبب مشاغلة الذكرى وبزوغ آثار الماضي التي تعطِّل من يتأثر بها عن الخطو السليم، أو كذلك بسبب الزهو الذي قد يفقد صاحبه الاتزان في تقدير الصواب، فالتمثيل الأليجوري يجعل النص بمثابة استعارة كبرى موازية للدلالة المقصودة أو هو سلسلة أو حزمة من الاستعارات التصريحية التي تمثَّل أقنعة رمزية لمرموزات أو لنقل إنَّ النص باعتباره علامة لغوية لها إحالتها، تستحيل دلالته الأولى مدلولاً يكون بمثابة دلالة أخرى ثانية تحيل إلى مدلول آخر، متوارٍ، غير أنَّ ثمة رابطًا شفيفًا يجمع بين الدلالة المُصرَّح بها والدلالة المتوارية في ديناميكية صورية.

3 – صدمة المدينة والتخلي عن اليوتوبيا
مثَّلت المدينة فضاء الحلم بالنسبة للشعراء النازحين إليها من الريف بأحلامهم العريضة، فترجع صدمة المدينة لاختلافها القيمي ومغايرة طبيعتها للحس الرومانسي المُشكِّل لتكوينهم في حياتهم الريفية السابقة.
وفي قصيدة «الأمير المتسول» من ديوان لم يبق إلا الاعتراف يتبدى اكتشاف الذات إخفاقها في مسعاها للتوافق مع المدينة، وتبدُّد يوتوبياها التي كانت تنشدها، حيث تتخذ هذه القصيدة قالب التمثيل الدرامي والسمت الأليجوري:
أقفرت الآن شوارعُ المدينةْ
وانفضّ عنكَ الناسُ أيها الأميرْ
فاحمل بقاياك الثمينةْ
واحمل تماثيلَ الأميرةِ السجينةْ
واذهب.. فقد جاءَ تِرَامُنَا الأخير! (ص205).
ثمة تناقضيّة ما بين عنصري العنوان المبني من تركيب وصفي؛ فكيف أنّ الأمير متسول؟ فيبين العنوان عن سخرية ما، فالإمارة تعني وضعية مميزة اجتماعيًّا وماديًّا وسلطويًّا، وفعل التسول يعني العوز الشديد والفقر المدقع وعدم القدرة على الكسب الذاتي، ويضع صاحبه ضمن تقدير اجتماعي متدنٍ.
من البداية ثمة اعتراف ضمنيّ بالهزيمة، وإدراك متيقن بإقفار شوارع المدينة، إذ فقد الشاعرُ الشارعَ، وفقد الجماهير، وهو ما يجبره أن ينسحب من الشارع رغم قيمة ما يحمله، من أحلام وآمال وإبداع جمالي. وقد مثَّل حجازي، غير مرة، للمدينة بالأميرة، هذا التمثيل التخييلي الذي يأتي رُبما من أعطاف وعي شعبي أسطوري، إذ ترمز الأميرة في خطابات التراث الشعبي إلى المرأة الحلم، والمرأة بعيدة المنال لفوارق اجتماعية شاسعة بينها ومن يحلم بها ويسعى إليها راغبًا في الاقتران بها، ولكن لِمَ وصف الشاعر الأميرة/ المدينة بالسجينة؟ هل يعني أميرة/ مدينة مفارقة، يوتوبيا من صنع خياله تظل سجينه فكرة دون أن يجدها على أرض الواقع؟ وما هي تماثيل الأميرة السجينة التي سيحملها الشاعر معه مغادرًا المدينة؟ هل تكون التماثيل هي القيم والمثل العليا والأحلام اليوتوبية التي كان يتمناها لمدينته؟ ثمة شعور مرير بإخفاق الشاعر المثقف في أن يجد المدينة الحلم التي تمناها، أو أن يستحوذ على المكانة التي تليق به في المدينة، ما يوجب عليه المغاردة والانسحاب. أما الترام الأخير فيعني الفرصة الأخيرة التي تحمل ضمنًا فرضية الخيار الأخير أو الفعل الإجباري المتبقي الأوحد، لمغادرة المكان.
يعتمد الاستعمال الشعري للضمائر في هذه القصيدة على مراوغة «العائد» من الضمير، لذا «نجد أنَّ شعر الحداثة قد نمَّى ظاهرة لافتة، يُمكن أن نطلق عليها (استعارة الضمائر)»(10). وفي استعمال الصياغة الشعرية لضمير «المُخاطَب»، الضمير السردي الثاني، تعبيرًا عن الذات إبرازٌ لانشطار الذات، الذات التي تحادث أناها الأخرى وتُجرِّد منها ذاتًا مقابلة أو ذاتًا بديلةً، في ضمير المخاطب إتاحة للبوح وتنفيس الأنا عن مكبوتاتها بالتداعي المنهمر، فيبدو استخدام ضمير الأنت كمحاولة من الوعي لاجتراح الوعي العميق واستكناه اللاوعي، واستنطاق الذات أناها الأخرى.
ويبدو الحديث في هذا الخطاب توجيهًا، على نحو ما، من الذات الخلفية، التي تنظر أكثر بعين حياديّة وموضوعيّة وعمق نحو الواقع الذي خذل أحلام الذات الأخرى التي تتحدث إليها، التي تمثَّل الذات البديلة، التي كانت بتطلع إلى العالم بشيء من المثالية والحلم، بيوتوبيا ما، فيبدو ضمير المخاطب، هنا، تبدّيًا من تبديات الوعي الشقي أو «الوعي التعس» الذي يتبدى في «الوعي عند من يأخذ بمذهب الشك الفلسفي بأنّه وعي منقسم على نفسه، أو أنّ صاحبه كائن مزدوج متناقض، إذ أصيب بالاغتراب عن ذاته، بعد أن أُحبِطت تطلُّعاته إلى الانتماء إلى العالم»( 11)، فكأنّ صوت ضمير المخاطب، هنا، هو صوت الوعي المُسائِل أو الوعي الموضوعي الكابح جموح الذات المثالية في تطلعاتها اليوتوبية التي نفاها الواقع.
والبادي، هنا، أنَّ صوت الوعي الداخلي العميق الذي يبدو محُبَطًا بأثر إخفاقات الشاعر في أن يجد يوتوبياه في الواقع- يدفع الذات في تجليها الحالم أو المثالي وفي طورها الرومانسي في رؤية العالم والحلم بعالم مجاوز ومدينة مثالية، سجينة الفكر، إلى الانسحاب بما تحمل من تطلعات وأحلام، فيمثِّل ضمير المخاطب نافذة للصوت المضاد أو المُحَاكِم الذات في حلمها اليوتوبي.

شاهد أيضاً

عن شاعر يحرس المدينة

جرجس شكري التقيته في مدينة بلا قلب منذ ما يقرب من ربع قرن، ورحت أقرأ …