أخبار عاجلة

شعراء عمان في الجاهلية وصدر الاسلام

حفل إقليم عمان عبر السنين على حركة أدبية وعلمية بلغ صداها بلاد العرب وضمت تلك الحركة شعراء مبدعين تركوا بصماتهم في الأسفار الأدبية التي طواها الزمن، واندرست ابداعاتهم وقصائدهم الوافرة من الذاكرة الجمعية، لأنها لم تجد من يكشف عنها غبار السنين أو من يمد يد العون لانتشالها من الضياع الأبدي، ولم يكن حظ قبائل عمان كحظ قبائل نجد والحجاز والعراق التي كانت قريبة من مراكز الرواية في البصرة والكونة والمدينة المنورة.

ويذكر في هذا الصدد أن أقدم ما وصلنا من شعر عماني قديم هو لمالك بن فهم الأزدي وأولاده ومن عاصرهم. لكن السؤال المطروح هو: هل هذا الشعر هو كل ما قاله أهل عمان؟ والجواب يكون بالنفي قطعا، حيث نرى المصادر العربية قد أهملت اقليم عمان في ذكرها لتاريخ الجزيرة العربية قبل بزوغ فجر الاسلام، ولولا أخبار الردة المعروفة والتي أعادت بعض الاعتبار لهذه المنطقة العربية الهامة لسقطت أخبار عمان من ذاكرة الرواة العرب.

وتأسيسا على ذلك الاهمال بشأن الحركة الأدبية في عمان، فإن الباحث أحمد محمد عبيد في كتابه الموسوم بـ "شعراء عمان في الجاهلية وصدر الاسلام" والصادر حديثا عن المجمع الثقافي في أبوظبي للعام 2000، بصفحاته التي تجاوزت المئة من القطع المتوسط، انما حاول المؤلف بهذا المطبوع انتشال ما طراه النسيان من أشعار العمانيين خلال فترتي الجاهلية وصدر الاسلام. وقد قسم المؤلف كتابه الى قسمين الأول خصه للشعراء بينما عقد القسم الثاني للشعر، علاوة علي المقدمة والتمهيد والمصادر المعتمدة.

وأوضح المؤلف في تمهيد كتابه أن هناك كتبا قديمة كتبت عن عمان لكنها لم تصل الينا مثل: كتاب أيادي الأزد لأبي عبيدة معمر بن المثنى، وكتاب تفرق الأزد لهشام بن محمد الكلبي، وكتاب أنساب أزد عمان لمحمد بن صالح النطاح، وكتاب أبي سعيد السكري المعروف بأشعار الأزد. كذلك أشار المؤلف الى أن المصادر العربية لم تلتفت الى أشعار العمانيين، لكنها أوردت نتفا من أشعارهم والتي تفوقت في صفحات المصادر الكبيرة نحو كتب الصحابة والتاريخ والأدب، كالإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر العسقلاني، والمؤتلف والمختلف للحسن بن بشر الآ مدي، ومعجم الشعراء للمرزباني والحماسة للوليد بن عبادة البحتري، وتاريخ الموصل ليزيد بن محمد الأزدي، ويرى المؤلف أحمد محمد عبيد بأن كتاب الأنساب للعوتبي يعد من الكتب المهمة في هذا المقام والتي حفظت كثيرا من أخبار العرب في عمان وأنسابهم وانتشارهم ونيل قبيلة الأزد نصيبا وافرا من كتاب العوتبي.

الجمحى وقلة الشعر

واستشهد أحمد محمد عبيد في ذلك بمحمد بن سلام الجمحي الذي يعزو قلة الشعر العماني مقارنة الى أشعار عبد القيس في البحرين الذين كانوا أشعر العرب قبيلة بقوله: (والذي قلل شعر قريش أنه لم تكن بينهم ناثرة، ولم يحاربوا، وذلك الذي قلل شعر عمان). وعلى الرغم من تلك القلة فإننا نجد في عمان أياما وحروبا تعتبر كافية لإذكاء قرائح شعر ائهم قبل الاسلام مثل: يوم سلوت بين العرب والفرس، ويوم الرئال بين الأزد وبني ناجية، ويوم جنوب بين الأزد وعبد القيس، كذلك كانت حروب الردة في الاسلام ملهمة لإذكاء قرائح الشعراء العمانيين.

القسم الأول: ترجمة لتسعة عشر شاعرا

وتضمن القسم الأول من كتاب شعراء عمان في الجاهلية وصدر الاسلام ترجمة لتسعة عشر شاعرا اتسمت بالايجاز والاستشهاد بما توافر للمؤلف من أبيات نادرة لبعض الشعراء حيث ترجم للشعراء: الأشتر الحمامي، وللأعور بن عمرو الأزدي، ولأوس بن زيد مناة العبدي، ولثعلبة بن بكر الأزدي، وللجلندي بن المستكبر الأزدي، ولجواس بن حيان الأزدي، ولربخة بن لؤي القرشي، ولسليمة بن مالك الأزدي، ولعائذ ابن سلمة الأزدي، ولعامر ابن ثعلبة الأزدي وللناجي ولعدي بن وداع الأزدي، ولعقبة بن النعمان العتكي، ولمازن بن غضوبة الطائي، ولمالك بن فهم الأزدي، ولمسلية بان هزان الحداني، وآخرهم للشاعر هناءة بن مالك الأزدي.
الثاني: واحد وعشرون شاعرا

أما القسم الثاني من الكتاب فخصه المؤلف عبيد للحديث عن الشعر فأورد لواحد وعشرين شاعرا ذاكرا ما بين القصيدة الواحدة بأبيات معدودة وما بين القصائد التي يصل أطولها الى ست قصائد للشعراء: للأشتر الحمامي الذي قال في قصياته من الوافر:

لمن دار عفت بالساريات         وتصريف الأمور السائبات؟

ذكريات بها المليحة أم عمرو ودمعي كالسجال الواهيات

على السربال تحسبه جمانا         تخرم من سلوك الناظمات

وكذلك للشاعر الأعور بن عمرو الأزدي، وأوس بن زيد مناة العبدي، وثعلبة بن بكر الأزدي، وجواس بن حيان الأزدي، وربخة بن حارث الأزدي، والجلندي بن المستكبر الأزدي، وسامة بن لؤي القرشي، وأما الشاعر سليمة بن مالك الأزدي فقال من الطويل:

كفى حزنا أني مقيم ببلدة               اخلائي عنها نازحون بعيد

أقلب طرفي في البلاد فلا أرى         وجوه أخلائي الذين أريد

وللشاعر عامر بن ثعلبة الأزدي، وعائذ بن سلمة الأزدي، وعباد الناجي، واختار لعدي بن وداع الأزدي ست قصائد من البسيط والسريع والرجز والوافر والسريع، فمن قوله في الوافر:

وكنت فتى أخا العزاء فيهم         لرهطي لو وقى العينين واق

تعظم ندوتي فيهم وأثني              مودتهم بأخلاق رماق

وتمثل المؤلف لعقبة بن النعمان العتكي الذي رثى النبي محمدا – صلى الله عليه وسلم – عند وفاته بقوله من الكامل:

يا عمرو ان كان النبي محمد         أودى به الأمر الذي لا يدفع

فلقد أصبنا بالنبي وأنفنا            والراقصات الى الثنية – أجدع

وقلوبنا قرحي وماء عيوننا         جار وأعناق البرية خضع

يا عمرو إن حياته كوفاته         فينا ونبصر ما نقول ونسمع

فأقم فإنك لا تخاف رجوعنا         يا عمرو ذاك هو الأعز الأمنع

وقدم للشاعر مازن بن غضوبة الطائي، وأربع قصائد لمالك بن فهم الأزدي، حيث جاء في مطلع القصيدة الرابعة قوله:

الا من مبلغ أبناء فهم                بمالكة من الرجل العماني

وبلغ منهبا وابني خثنيس         وسعد اللات والحي اليماني

ومن أبيات قصيدة الأزدي، الأبيات التالية المشهورة، والتي لم يعرف قائلها عند الغالبية اليوم وهي:

شربت الماء من قطري عمان         فلم أر ماء البيذجان

فيا عجبا لمن ربيت طفلا         ألقمه بأطراف البنان

جزاه الله من ولد جزاء               سليمة أنه شرا جزاني

أعلمه الرماية كل يوم                 فلما اشتد ساعده رماني

وكم علمته نظم القوافي                 فلما قال قافية هجاني

أعلمه الفتوة كل وقت            فلما طر شاربه جفاني

ولمسلية بن هزان الحذاني، والنعمان بن عقبة العتكي، وهناءة بن مالك الأزدي، ويزيد بن الرومي العتكي وأخيرا قصيدة لامرأة من الأزد.

وهكذا نجد كتاب شعراء عمان في الجاهلية وصدر الاسلام قد ساهم بجزء بين في الكشف عن كنوز الأدب العماني، وفي تتبع لفترة أدبية توثيق لأقليم كان ومازال يفيض بعطاءاته الأدبية المختلفة ورفد المكتبة العربية عن جزء فاعل في المشهد الثقافي العربي اليوم.
 

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …