أخبار عاجلة

شعرية الكتابة الروائية استراتيجية الاختراق عند الخطيبي

تدخل الكتابة عند عبد الكبير الخطيبي ضمن استراتيجية محكمة، أساسها التنوع والاختلاف، بحيث يتعذر علينا تصنيفه واختزاله. هذا المسافر الكبير في المعرفة وفي الأجناس الأدبية الذي يرفض أن يضع بينها حدودا، فمن الفلسفة وعلم الاجتماع إلى النقد الأدبي والتصوف والشعر والرواية… في كل مرة نجده يقتحم مجالا من هذه المجالات، فاتحا أبوابا لم يسبق أن فتحت من قبل، ومنيرا فضاءات ظلت معتمة مهمشة في الثقافة العربية… يكفي أن نذكر كتابه النفاذ «جرح الاسم الشخصي» لنرى كيف يخترق الذاكرة العربية بأدوات معرفية جديدة، وذات فعالية في فهم الذات في تمفصلاتها الصغرى وفي منعطفاتها المهمشة؛ فهو يقرأ الجسد العربي من خلال كل تلويناته وفي كل أبعاده، وذاك ما جعله ينوع كتاباته ضمن استراتيجية واحدة تعتمد النقد والنقد المزدوج، الذي لا يهادن ولا يفرق بين نقد الذات ونقد الآخر: إنه «مجابهة بين الميتافيزيقا الغربية والميتافيزيقا الإسلامية». فمن خلال مسار كتابة يتبين أن الخطيبي يفتح مشاريع للعمل سواء في القراءات النقدية التي أسسها أم في الإبداع الأدبي الذي ينخرط فيه، أساسها التفكيك والهدم، مُزيحا كل «هوية عمياء» و»اختلاف متوحش»، معتمدا «النقد المزدوج» كاستراتيجية فعالة تستوجب معرفة عميقة بالثقافة العربية والغربية معا، وذلك من أجل إنسان عربي يستطيع مواجهة العالم من داخل خصوصياته، مستفيدا من الآخر باعتباره يأتي من الذات لا من خارجها…
ورغم تنوع كتابات الخطيبي تبقى للرواية المكانة المرموقة والمرتع الخصب لممارسة استراتيجية في النقد، لأن «حصيلة رحلته النقدية ستكون هي مِقفزة نحو فضاء الكتابة الروائية» (محمد برادة). وبذلك فآراؤه الفلسفية والنقدية ستجد مسكنها في إبداعاته الروائية. كيف؟ ذلك ما سنراه عن كثب عند الباحث المغربي عبد الرحيم بلاوي في بحثه المعنون «شعرية الكتابة الروائية عند عبد الكبير الخطيبي»(أطروحة دكتوراه ناقشها بجامعة السوربون بباريس).
نحو شعرية مفتوحة
منذ البداية يؤكد الباحث أنه «من داخل الإنتاج الأدبي للخطيبي تبقى الرواية هي الفضاء المفضل، حيث العمل على اللغة بارز باستمرار» (ص2). ومن هنا جاء هذا الاختيار حول شعرية ما للكتابة عند الخطيبي، ترتكز على «هذه العلاقة نقد – إبداع التي يربطها الكاتب مع اللغة» (ص2). إذن فعمل هذا البحث سيركز على اللغة الروائية في إنتاجات الخطيبي، والبحث عن أبعاد ذلك من خلال كل عمل على حدة. فكل رواية ستقرأ انطلاقا من بنيتها الداخلية التي ستقود عمل الباحث في اتجاه دون آخر. هكذا سيتم تقسيم العمل إلى خمسة أبواب. الباب الأول: شعرية الخطاب الأتوبيوغرافي في «الذاكرة الموشومة». الباب الثاني: شعرية المتناص الصوفي في «سِفر الدم». الباب الثالث: شعرية الجسد المضاعف في «عشق اللسانيين». الباب الرابع: شعرية محكي الرحلة في «صيف في ستوكهولم». الباب الخامس: شعرية المحكي السياسي في «ثلاثية الرباط». كل هذه الأبواب ترتكز على مصطلح «شعرية»، فما القصد منها في هذا البحث؟ وهي الأكثر لَبسا وتحولا في تاريخ نظرية الأدب. انطلاقا من هذا الإشكال سيقوم الباحث بضبط المصطلح (الشعرية) معتمدا أربعة تحديدات يعتبرها أساسية: أرسطو، الشكلانيون الروس، المنهج الشعري في الثمانينيات، الشعرية اليوم؛ وهذه الأخيرة التي ستستفيد من المراحل السابقة لتطوير هذا الاتجاه في القراءة، ستجعل حقلها منفتحا على مجموعة أدبيات مجاورة (التداوليات، نظرية التلقي…) دون أن تحصر نفسها فقط في البحث عن القوانين الداخلية للنص. هكذا نجد أن الش    عرية أصبحت، بعد تحديدها لأدبية النص، فضاء لتقاطع محافل أخرى (القارئ، النص الموازي، التفاعل النصي…) تشارك بطريقة أو بأخرى في إنتاج المعنى والتدليل (la signifiance)» (ص34). من هذا المنطلق سيتم تحليل كتابات الخطيبي، حيث أن لكل نص روائي خصائصه الشكلية والتيماتية التي ستفرض على المحلل قراءة نقدية معينة، لأن كل عنصر هو «تفجير لتيمية مركزية ولشكل جديد». إنها قراءة تعتمد على ما يؤسس أصالة كل رواية، سواء على مستوى التيمات أو الكتابة. فهي قراءة نصية إذن، دون إغفال لخارج النص، انطلاقا من النص الموازي إلى الخطاب الاجتماعي، وذلك لأن الهدف ليس إعادة ما قيل، بل قراءة تقوم على إغناء النص والإضافة إليه، فاتحة أمامه باب التأويل وتعدد القراءات. فهذه الشعرية المعتمدة هي، حسب جيرار جينت، «شعرية مفتوحة» تقوم على إنتاج النص بدل استهلاكه.
شعرية الخطاب الأتوبيوغرافي
في «الذاكرة الموشومة»:
إن موضوع السيرة الذاتية أثار – وما يزال- عدة إشكالات لها صلة بالبنية التعبيرية لهذا الجنس الأدبي الذي عرف تطورا أقل ما يمكن أن نقول عنه أنه يوسع من حدوده المتاخمة لأجناس أدبية أخرى. فكثير من المفاهيم والتصورات تم التخلي عنها بعد دراسة فرويد ولاكان للذات، وسبر أغوارها، والتوغل في مجاهلها، من أجل فهمها، مما جعل كثير من البدهيات في السيرة الذاتية التي يحكي فيها الكاتب عن ذاته تتم مناقشتها وتصحيحها. ومن بين هذه الأشياء هناك مشكل الصدق والأمانة، والتعبير عن حياة بعيدة (الطفولة) بنوع من الوثوقية، لاغية المسافة التي تصبح من خلالها الذات مُبَنْينة بوعي معين اتجاه موضوعها، وتسرب مجموعة من المكبوتات إلى سطح الشعور بعدما كانت تختفي لسنوات طويلة فيما اكتشفه فرويد: اللاشعور. واللغة هي المكان الذي تنكشف فيه الذات بدون قصد الكاتب ورغما عنه، إذن فكل ما يحكيه كاتب السيرة الذاتية سيكون بعيدا عن مسألة الصدق، لأنه يدخل في نظام من الرموز يشتغل داخل اللغة، هذا المجهول الذي يفضح كثيرا من الأوراق التي تغيب عن الكاتب نفسه. هكذا فالسيرة الذاتية التي تحكي حياة صاحبها بكل أمانة وصدق غير موجودة، لأن ما يخطه لا يعدو أن يكون سوى طموحاته وأحلامه، والرغبة في ملء ثقوب حياته، الشيء الذي سيجعله يستمر من الماضي إلى المستقبل مرورا بوعي الحاضر اتجاههما: فـ»لا وجود مطلقا لذلك التخييل المطمئن لدى شخص يكتب حياته بنفس الوثوق الهادئ الذي يكتب به محضرا؛ «ليس هناك حكاية حياة، بل هناك حياة حكاية» (إدموند عمران صالح)، وذلك لأننا «لا نتوفر على ذلك الماضي محفوظا مثلما هو؛ فذكرياتنا ليست أشياء مماثلة لما تنقله وتحكيه. وبعد ذلك يتحتم أن يكون واضحا أننا نعيد تكوين ذلك الماضي الذي هو ماض مزيف، مخترق بالراهن من حياتنا، منفوخ ومغذى بالرغبة المسقطة على ما ليس كائنا، وعلى مستقبل الاستلهام، يتحدد فيما تمليه لحظة الإلهام» (المالح).
هكذا فحكاية الماضي مرتبطة بالرغبة والاشتهاء، والبحث عن آثار معينة لحياة شخص آخر كنّاه، ذلك الطفل، ونحن ننظر إليه بوعي الكاتب، ومن داخل شبكة جد معقدة يشتغل ضمنها الإبداع الأدبي…
يكتب الخطيبي سيرته الذاتية بعد استلهامه لهذه المعرفة الفلسفية والنقدية التي أضحت اليوم عادية ومن المسلمات، ولكنها تعتبر خطوة جريئة ومغامرة، إذا ما قورنت بالنصوص المكتوبة قبلها، وبالنسبة للسنة التي كتبت فيها (69/70). إنه يدخل إلى السيرة الذاتية بعد قراءته قراءة نقدية متفحصة لنصوص كثيرة (انظر كتابه: «الرواية المغاربية») جعلته يبني تصورا يعتمد أسسا نقدية في كتابته. هذا ما سيجعل الباحث يقدم لنا تعريفا كلاسيكيا للسيرة الذاتية ليقيس عليه مدى اختراق الخطيبي لمعاييره وهدمها، مؤسسا لكتابة جديدة لا تؤمن بالقوانين المعيارية بل تخلق قوانينها الخاصة؛ يقول التعريف: «السيرة الذاتية هي حكي بضمير المتكلم حيث المؤلف – الشخصية الرئيسية – يحكي لنا حياته وذكرياته الطفولية انطلاقا من علاقة ثقة يربطها مع القارئ». إن الباحث يضع عدة فرضيات من قبيل أن «هذا الحكي ]الذاكرة الموشومة[ لا ينطلق من المعيار إلا لاختراقه، وذاك ما يؤسس شعريته». إذن أين تجلت جمالية الكتابة في «الذاكرة الموشومة»؟ وكيف أسست لشعرية في الكتابة السير الذاتية؟
إن أول ما يواجهه الباحث عند قراءته «للذاكرة الموشومة» هو هذا النص الموازي: الغلاف حيث حرف العين (ع) على غلاف النص الفرنسي؛ هذا الأخير الذي يشير إلى الحرف الأول من اسم الكاتب، ومقابلته بحرف (A)؛ الشيء الذي يبين تعذر قراءة الاسم كما هو في لغته الأصلية؛ العين (ع) تصبح (أ) في الفرنسية، وهذا يحيل على التمزق العميق الذي يعيشه الكاتب كمستعمَر سابق في لغة المستعمِر، مما يجعله يشكك في هويته (الشك في هوية الكاتب غير مطروح في السيرة الذاتية الكلاسيكية). ف»مساءلة اسمه يعني قول اللامفكر فيه في كتابته الخاصة، مؤسسا في الوقت نفسه خطابا مغايرا، حيث لم تعد الذات بعيدة عن تعدد المعاني، وضمير المتكلم لم يعد يُحيل الحكي- الشهادة على حياة الكاتب، ولكن على اسم متحول، بمعنى أنها تنتمي إلى نص يكون فيه التخييل فوق الوثيقة» (ص41). إن الخطيبي يمارس هدمه حين لا يتبع في كتابته على حياته تسلسلا زمنيا كرونولوجيا، بل يعتمد كتابة المقاطع مركزا على الاشتغال على اللغة بالدرجة الأولى، مبتعدا عن كل نظام خطي، مسائلا فعل الكتابة ذاته، ومعتمدا ما سماه بارت «الإيهام بالواقع» حيث لم يعد النص يعكس حياة الكاتب، بل يسائل كتابة حياته، إنه يضع القارئ في الشك بدل اليقين، وهكذا «فالسيرة الذاتية كما هي قي «الذاكرة الموشومة» ليست النسخة المطابقة للواقع، بل هي سيمولاكر هذا الواقع» (ص56)
ولأن الخطيبي ما يفتأ يسائل اليقينيات، ويشكك فيها من داخل الكتابة، سيعتمد توظيف الباروديا انطلاقا من نصين أساسيين: النص القرآني (الثقافة العربية) والنص الاستعماري (الآخر)، وهذا يضعنا أمام كتابة طِرسية لأنها تنكتب من خلال نصوص أخرى، موظفة إياها ضمن استراتيجيتها الخاصة. «فالذاكرة الموشومة» كسيرة ذاتية مغايرة ستوظف النص القرآني ضمن تصور معين للكتابة، وانسجاما مع الخطاب الذي تبنيه؛ إنها تتناص مع مجموعة من النصوص، ومن ضمنها القرآن الكريم، فتقوم بتحويله بشكل كلي لصالحها، معيدة كتابته. هكذا فالخطيبي في هذه السيرة الذاتية لا يحتفظ سوى بالإطار العام للنص بعد أن يفرغه من المحتوى الأصلي، ليُضمِنه دلالات جديدة يبررها نسق الكتابة ذاته، لنكتشف أن «النص الجديد يجلو ما يُخفيه النص القرآني» (ص114) ممجدا صيغ الأفعال التالية: الأمر والمستقبل، بدل الماضي (imparfait/passé simple)، مما يبين أن هذه الباروديا تعني «التحول في اتجاه مجهول» وكتابة يتم بناؤها على أثر ما تقوم بتحويله» (ص114).
بجانب النص القرآني هناك النص الاستعماري؛ الطرف الآخر المقابل له، لأنهما معا يدخلان في استراتيجية كتابة تواجه الهوية والاختلاف. فإذا كان للنص الأول أهداف معينة من داخل الثقافة التي تُكتب فيها السيرة الذاتية، فإن الثاني (الاستعماري) يتم الاشتغال عليه من أجل خلخلة ثوابته وتأزيمه من داخل لغته، ومساءلته في كثير من البدهيات التي يمتلكها باعتبارها يقينيات لا مجال للشك فيها. هكذا فالخطيبي بتوظيفه النص الاستعماري سيجعل الآخر غريبا في لغته، وبذلك يكون قد اخترق نص المُعَلِم (Maître) ولغته السلطوية، وقام بتكسير كثير من القوالب النحوية في الفرنسية، وإدخال مجموعة من الألفاظ الغريبة عن هذه اللغة، مما سيجعل أسطورة تفوق الآخر واهية ولا أساس لها. إن نص «الذاكرة الموشومة» يشتغل على توظيف نصوص – انطلاقا من تصور فلسفي نقدي؛ فيقوم بتحويلها وخرقها من أجل تأسيس كتابة تخترق المعايير والثوابت، سواء داخل الجنس الأدبي أم ضمن النسق الثقافي العام.
نخلص إلى أن «الذاكرة الموشومة» هي نص متاهي حيث اختراق المعايير والقاعدة الأساس للكتابة: فالاستعارات، والسرد، والباروديا اشتركت كلها في تأزيم الحكي الأتوبيوغرافي التقليدي، وفي إعداد نص آخر؛ شعري وغير مخاتل» (ص115).
شعرية المُتناص الصوفي في «سِفر الدم»:  
يأتي كتاب «سِفر الدم» كنص روائي اتبع فيه عبد الكبير الخطيبي نفس الاستراتيجية في الكتابة، كما في سيرته الذاتية، وهي اعتماد الاختراق في تأسيس نص إبداعي خارج المعايير والقوانين، والبحث عن أفق انتظار جديد، يتفاعل مع نص يراهن على المغامرة، ينبني على أسس ثقافية عربية-إسلامية… هذا ما جعل الخطيبي في روايته هذه يبذل مجهودا كبيرا في كتابتها. أتذكر هنا رسالته التي وضعها مارك غونتار (Marc Gontard) تقديما لكتابه «عنف النص» يقول فيها ما معناه أنه لا يستطيع أن يُقَدم لهذا الكتاب في الوقت الحاضر لأنه منهك بعد كتابة «سِفر الدم»، ويحتاج إلى وقت لاسترجاع قواه. هذا يوضح مدى عنائه، واشتغاله بعمق من أجل كتاب يحيل على اسمه – وذاك، ربما، سر العنوان. لقد كان دائم الحلم برواية عربية مبنية من داخل الثقافة العربية الإسلامية، تستثمر هذا التراث الغني في مجال الكتابة؛ الشيء الذي جعله في إحدى حواراته، حين صدور رواية الكاتب التونسي محمود المسعدي: «حدث أبو هريرة قال..»، يقول: «نحتاج إلى نصوص مثل هذا النص لنتوفر على رواية عربية، تعتمد على التراث العربي في بنائها شكلا ومضمونا، بعيدا عن التقليد الذي يُراكم نصوصا تعيد استنساخ الرواية الغربية»؛ إنه يريد رواية تجعل الآخر يتقبلنا من داخل خصوصيتنا الثقافية، ويقوم بمجهود لقراءتنا. ذاك ما تراهن عليه رواية «سِفر الدم» التي تشتغل من داخل النص الصوفي، لتقوم ببناء نص متاه آخر يبحث في الذات ليؤسسها معتمدا استراتيجية الاختراق: اختراق الكتابة الصوفية باستثمارها، وتأزيم البنية الميتافيزيقية التي تحكمها.
لم تعد اليوم أدبية النص تتأسس على العلاقات اللغوية الداخلية فقط، بل من خلال نصية النص أيضا، أي في العلاقات التي يربطها نص ما مع نصوص أخرى خارجية. لذلك دأبت الشعرية على الحفر في هذا الجانب منذ ظهور مفهوم «التناص» مع جوليا كريستيفا، التي استخلصته من دراستها لأعمال الناقد الروسي ميخائيل باختين. هذا المفهوم سيعرف، مع الوقت، تطورا وتحولا كبيرين، بحيث ستظهر مجموعة من المفاهيم توسع من التناص، وتفتح مجالاته، ومن بينها «الُمتناص» (intertexte) الذي نجده متضمنا في النص الذي نحن بصدد قراءته: فليس هناك أي نص لا يربط علاقته مع نصوص أخرى؛ فمهما حاول الكاتب إخفاءها فإنها تظهر للقارئ النبيه المتمرس، إلا أن الخطيبي، مثل بورخيص، يعلن عن متناصاته في ثنايا كتاباته؛ لنتذكر «المناضل الطبقي على الطريقة الطاوية» و«النبي المقَنَع»، لنكون على بينة من عمل صاحب رواية «سِفر الدم»، الذي يؤكد دائما على عمل القراءة الكبير في عملية الكتابة. إذن كيف اشتغل الخطيبي على النص الصوفي؟ وما هي استراتيجية هذا الاختراق في هذه الرواية الرائعة؟
تستثمر رواية «سِفر الدم» معارف كثيرة، وتفتح مسارب جوفية في الثقافة العربية – الإسلامية، لاستعادة مكبوتاتها، واستنطاق لاوعيها، ورفع الحجب عن أحلامها ورغائبها؛ وهو ما يجعلها إلى جانب شاعريتها الرفيعة تبدو صعبة المنال، حيث ترتكز على متخيل غني، وثري بالرموز والإحالات، وهذا ما يؤكده الباحث حين يقول: «إن هذا النص الذي يسائِل معارف عديدة (التحليل النفسي، الثقافة الشعبية، الأساطير، الفلسفة، الدين، الخ) يتمركز أساسا حول التصوف الإسلامي باعتباره مُتناصا؛ وهنا تكمن شعريته» (ص116). وبذلك فاشتغاله على هذه الرواية سيعتمد العلاقات المنسوجة بين النصين (الرواية – الصوفية). و»للكشف عن ميكانيزمات اشتغال هذه الكتابة باعتبارها إعادة كتابة، وللوقوف على كيفية تشكل رواية «سِفر الدم» انطلاقا من نص آخر» (ص116) يشتغل الخطيبي على نص ينتمي إلى التراث العربي انطلاقا من تصور فكري مغاير؛ مما سيجعله يمارس عملية التحويل التي تهدم النص الأول (النص السابق) لتأسيس نص آخر (النص اللاحق). ولتبيان ذلك كان لابد من فحص مجموعة عناصر أساسية تَجلى فيها هذا الهدم من الداخل، بإفراغها من دلالاتها السابقة، وإعطائها دلالات أخرى تتوافق والتصور الفكري الرًوائي. 
هكذا نجده يستثمر شخصيات العالم الصوفي (الشيخ النديم مُثنى Muthna من التصوف الهندي) معتمدا على عملية إفراغ الحمولة المعرفية لكل شخصية، وملئها بدلالات أخرى؛ فإذا كان الشيخ (Maître) في التصور الصوفي هو الذي «يرشد التائهين إلى طريق الله، ويقترح عليهم نموذجا للوصول إليه» (ص128) فإن هذا الأخير (الشيخ) في «سِفر الدم» يُصبح أكثر شهوانية، ومثلي جنسي، وكل رغباته جسدية: «الشيخ لا يرشدنا نحو الأعلى بل نحو الأسفل». وإذا كان النديم في التصوف يساعد على إدراك الوجد، ويحيل جماله على جمال الله، فإنه عند الخطيبي في روايته يصبح «الاستعارة الحية لإيروس». نستخلص أن «الأسماء في «سِفر الدم» لا تعكس الشخصيات؛ إنها أسماء – قناع، مأخوذة من التصوف الإسلامي والهندي، ومُشغَلة حسب فكر مغاير الذي بقدر ما يحيل على عمقها الميتافيزيقي، يؤكد على الجانب الجنسي الذي تكتبه وتُحوًله من الداخل، حيث لا تُبقي سوى على السيمولاكر» (ص133). ونفس الشيء بالنسبة للمكان: فالملجأ الذي يلتجئ إليه الصوفي للصلاة والتعبد يصبح في الرواية مكانا للإيروسية: «فقوة الرغبة الشبقية تكمن في التحول الجذري للحمولة الرمزية لفضاء الملجأ إلى نقيضه» (ص141)؛ وكذلك الحانة، باعتبارها فضاء الحرية التي يتمكن فيها الصوفي بأن يختلي بحبيبه للتقرب إلى الله، تصبح في «سِفر الدم» مكانا للرغبات العشقية وللافتتان بالآخر. أما الزمن في النص الروائي فيحيلنا على زمن العالم الصوفي الذي هو الليل؛ يقول الباحث: «لدينا في الرواية إشارات تبين بأن زمن التخييل هو أساسا زمن الليل والربيع؛ الشيء الذي يستدعي الرمزية الصوفية بشكل جلي» (ص148). فالليل والربيع في التصوف لهما دلالة اللقاء العشقي مع الأعلى الذي هو الأصل؛ أما في الرواية فالليل يحيل على ليل الأزمان الذي هو الفقدان وغياب الأصل. أما الربيع فإنه يحتفل بالجسد المكبوت: هكذا «يمكننا أن نقول إن زمن التخييل في هذه الرواية يُحوًل الزمن الصوفي نحو زمن ديونيزوسي؛ زمن حيث الكائن فانٍ في الإلهي؛ زمن يصطاد فيه المرئي اللامرئي، ويفتح الجسد الصوفي على مادية الحياة كقوة للمقاومة في مواجهة الموت» (ص152). هذه عناصر من بين أخرى كثيرة اشتغل عليها الباحث مثل موضوعة «الخنثى» (Androgyne) التي تحتل مكانة أساسية في الرٍواية، وانطلاقا منها يتحرك الحكي، وتمَ من خلالها استثمار العالم الصوفي من شخصيات ومكان وزمان وأشياء… انطلاقا من تصور يخترق الميتافيزيقا لتجاوزها والقبض على الجسد في عتماته.
إذن، نصل مع الباحث إلى أن الخطيبي، في اشتغاله على «التعالق النصي» انطلاقا من المتناص الصوفي، مارس عملية تحويل وقلب لهذا النص تجلت في مجموعة وظائف:
– فتح النص الصوفي على ما يكبته ويخفيه، من رغبات الجسد وشبقيته المحظورة في الخطاب الديني؛
– وضع التصوف الإسلامي في مواجهة مع مذاهب دينية أخرى، ثم استثمرها، هي أيضا، من وجهة نظر الهوية والاختلاف، لزحزحته من الداخل؛
– تحويل النص الصوفي إلى نص سيمولاكر، إلى نص مرآة تشوه ما تعكسه، حيث لم يعد النص الصوفي في خدمة الإلهي: «إنه جسد؛ حيث الكلمات تخفي- تجلو رغبته الشبقية»؛
– هدم النص الصوفي يؤكد العلاقة النقدية مع الذات، حيث الكشف يعمل عبر آثار الجسد الذي يوضحه ويفتحه على الرغبة التي يُخفيها.
شعرية الجسد المضاعف في «عشق اللسانين»:
حين تحليل الباحث لرواية «عشق اللسانين» وجد نفسه أمام سؤال أساسي، هو: كيف عالج الكتاب المغاربيون – الذين يكتبون باللغة الفرنسية – إشكالية العلاقة بالآخر، بمعنى علاقة الرجل العربي بالمرأة الغربية في إطار ما يسمى بـ»الزواج المختلط»؟ إنه يريد أن يضع رواية الخطيبي في سياق هذه الكتابة، ليكشف عن شعريتها الاختراقية في مقابل ما كتب قبلها. هكذا نجده يقوم بتحليل مركز لرواية «موت بكندا» لإدريس الشرايبي ورواية (Agar) لألبير ميمي. إذن كيف عالج هذان الكاتبان هذه المسألة؟ وما هي خصوصية نصيهما على مستوى الكتابة؟
يلاحظ الباحث أن النصين معا يعالجان حكاية حب مختلط؛ والعلاقة صراعية؛ وكل التنازلات التي يقوم بها الواحد للآخر لا تؤدي سوى إلى الافتراق؛ ولا يستطيع هذا الحب أن يعيش طويلا: إنه يهدم أكثر مما يبني. فإدريس الشرايبي يقارب الموضوع بشكل شمولي «انطلاقا من رؤية واعية بأهمية الحضارة في تكوين الفرد، وفي تشكيل متخيله»؛ إلا أن ألبير ميمي ينطلق «من تصور سوسيولوجي للعالم»، يتحكم فيه الاستعمار الذي يحدد علاقة المضطهَد بالمضطهِد؛ وبشكل عام فهي علاقة الشرق بالغرب حيث الأول يقع تحت سيطرة الثاني. أما على مستوى الكتابة فيخلص الباحث إلى أن النصين «يطمسان عمل الكتابة تحت هم «مشابهة الواقع»، حيث أن الحكي يتأسس انطلاقا من المنطق التقليدي الذي همه الأساس هو «الإيهام بالواقع» (ص205) إذن كيف عالج الخطيبي هذا الموضوع؟ وما هي خصوصية رواية «عشق اللسانين» على مستوى شعرية الكتابة؟
خلافا للطريقة التي عالج بها الشرايبي وميمِي موضوع العلاقة بالآخر، يطرحها الخطيبي في شتى تعقيداتها، حيث أن فشل العلاقة بالآخر (المرأة الغربية في إطار الزواج المختلط) لم يعد هو ذريعة النص، بل سيصبح مكان تفكير عميق حول اللغة واللغة المزدوجة في «نص ذي شاعرية كبيرة»، وهو ما سيتم التركيز عليه في التحليل لتبيان اختلاف هذا النص عن النصوص السابقة عليه، خصوصا وأن «نص «عشق اللسانين» يظهر باعتباره نصا حيث شعرية الخطاب هي أصل تفجير الحكي وتأزيمه» (ص209). لذلك فهو نص لا يحكي عن حب الآخر، باعتباره تجربة تمت في الماضي، يتكفل الحكي بسردها من بدايتها إلى نهايتها: «هناك بالأحرى إخراج لعشق اللسانين هذا باعتباره صورة للمتعذر روايته» (ص209). هكذا لم يعد الحكي يحتل المكانة المركزية في «عشق اللسانين»، بل خطاب السارد حول الازدواج اللغوي، الشيء الذي جعل النص يعتمد على نمطين من التلفظ، انطلاقا من صوتين سرديين، الأول: ضمير الغائب، والثاني: ضمير المتكلم. ففي الجزء الأول (72 صفحة) من النص نجد النمط الأول مهيمنا، حيث يُكلف بالحكي سارد يحكي حكاية حب بين ضمير الغائب (هو) وأنثى غربية. وبخلاف النصوص الكلاسيكية التي يكون فيها السارد عالم بكل شيء، مما يجعله يمحو أثر تلفظه حتى يوهم بالواقع، نجد أن نص «عشق اللسانين» يبرز هذه الآثار؛ مما يدل على أننا أمام تلفظ ليس بمحايد ولا بريء. إن الحكي «بضمير الغائب يسمح للسارد أن ينكشف من الخارج كما من الداخل باعتباره مضاعف الآخر، مضاعفا مفقودا»؛ وهو ما يشير إليه ضمير الغائب بالعربية، أي الغياب. أما «الآخر فهو هذا الجسد الذي لا يُمكن بناؤه إلا باعتباره شذرات»، وهو ما تدل عليه الشذرات العشرون بضمير الغائب التي توضح تمزق السارد، وصعوبة مهمته تجاه الآخر. أما في الجزء الثاني من النص فنجد أن ضمير المتكلم هو المستعمل (42 صفحة)، حيث ينزلق الحكي من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم متمما نفس الموضوع، إلا أنه هنا يبدو سيريا ذاتيا بشكل كبير. إن تناوب الحكي بين ضمير الغائب وضمير المتكلم «يكشف لنا الغموض المرتبط بموضوع الكتابة: هذا الجسد المجزأ هو ذاته وفي الوقت نفسه هو غيره، فهو لا يتوانى عن أن يُرى من الخارج باعتباره غائبا، ومن الداخل باعتباره المكان الفارغ لتلفظ يتيم عن أصله» (ص252). وجرح هذا الحب يتجلى أيضا في الزمن الذي هو الليل، وليس هناك أية علامة أخرى للزمن في النص وذلك لتبئير هذا الغياب للجسد المزدوج الممزق بين لسانين. وعلى مستوى الخطاب فزمن التلفظ هو المضارع باعتباره الزمن الرئيسي في النص، مما يجعل السارد يركز على الجرح الذي يعاينه في الحاضر: التجربة القاسية بسبب فقدانه اللغة الأم من داخل العلاقة العشقية مع الآخر.
شعرية محكي الرحلة في «صيف في ستوكهولم»:
إن قارئ عبد الكبير الخطيبي سيخيب أفق انتظاره أمام رواية «صيف في ستوكهولم»، بدءا من العنوان (الذي هو واضح ودال بالمقارنة مع عناوين الروايات الأخرى)، فهو يحيل على الرحلة وما تتطلبه على مستوى الكتابة، أي الانصياع «لأثر الواقع»، وإنتاج حكي مشابه للواقع، يعتمد على المرآوية، وهذا ما لم نعهده في الخطيبي، الذي بينا أن كتابته تشتغل على الاختراق، لا على اتباع المعيار، وذاك ما سيعمل الباحث جاهدا على تحليله وتوضيحه، لأن كل المؤشرات التي تحيلنا على المحكي الرحلي التقليدي المعروف المرتبط بالطريقة الواقعية المباشرة في الحكي هي خادعة ومضللة. كيف ذلك؟
يعمل الخطيبي جاهدا، أثناء اشتغاله على الكتابة، في «صيف في ستوكهولم» على الإيهام بالواقع، وقد بين الباحث ذلك حين رأى أن في النص تغييرا للفضاء، أي انتقالا من مكان إلى مكان آخر، «وبين بداية النص ونهايته هناك إعادة إنتاج لتقليد كلاسيكي، يخضع لمعايير المشابه للواقع» (ص295)، بالإضافة إلى أن الروائي يُكثر من الإشارات السير ذاتية التي تحيل القارئ مباشرة على «الذاكرة الموشومة» (وقد قام الباحث باستخراج كثير من المقاطع في نص «صيف في ستوكهولم» وقارنها بأخرى مشابهة لها في «الذاكرة الموشومة»)، وذلك لجعل القارئ يعتقد بأن النص الذي أمامه هو نص سير ذاتي بالأساس، وأن الرحلة هي فعلا واقعية، قد قام بها الكاتب فعلا، وأن السارد في النص هو الكاتب الحقيقي، لكن في نفس الوقت فـ«السارد يقلق القارئ بمجموعة من آليات الكتابة، حيث يمده بالشك لا باليقين، مرغما إياه على أن يضع مسافة نقدية بينه وبين ما يُقرأ» (ص295). فالخطاب لا يتوقف على خلخلة الحكي من أجل خلخلة القارئ؛ وعوض إنتاج نص رحلي تقليدي فإنه يؤزمه من الداخل، منتجا محكيا مغايرا ذي شاعرية متميزة.
هكذا، فبتحليل البنية السردية للرواية ولمستوياتها التلفظية يكشف الباحث بأن السارد – الشخصية الرئيسية – هو الذي يوجد في مركز الحكي، وليس المدينة (ستوكهولم) التي يزورها (وهذا يؤكد أننا أمام نص تخييلي إبداعي، لا «روبورتاج – وثيقة»). وبين في تحليل دقيق أن زمن الخطاب يجلو عكس ما يظهره زمن الحكي: فإذا كانت لهذا الأخير وظيفة تثبت المشابهة بالواقع من خلال الحكي فإن الأول له وظيفة الاختراق والتأزيم لكل القواعد التي تجعل من النص الروائي انعكاسا لمرجع ما؛ وهذا يُبينه أيضا السارد الذي يستحضر عند تَعَبُّدِه «نص رحالة عربي قديم يحكي عن طقوس احتفالية عجيبة للموتى في شمال فيكينغ (Viking)» (ص315)؛ إلا أن «هذا النص لا وجود له؛ إنه حكاية مخترعة على الطريقة البورخيصية، فلا واحد من الرُّحل العرب القدامى كتب رحلة قام بها للبلدان الشمالية» (ص 316)، لكن الحكاية هي تحوير لنص الرحالة المشهور ابن بطوطة الذي كتب عن الهند وطريقة احتفالهم بالميت. إننا أمام نص يعمل ما في جهده، عن طريق حكيه حكاية لها بداية ونهاية، على تكسير رتابة السرد، وأن يقول لنا، في كل مرة، إن ما نقرأه ليس واقعا، بل تخييلا. إنه يعمل على توضيح أن الكتابة هي سيمولاكر وليست انعكاسا للواقع، «فالكتابة تحيل على نفسها، ولا تشهد سوى على إنتاجيتها، باعتبارها مادة دالة» (ص365). فأمام استحالة حكي رحلة بالطريقة التقليدية يجد النص نفسه ينفتح على كتابة مغايرة يهيمن فيها المغالط والمخادع؛ فهو حكي يعتمد على «شعرية التضليل» من داخل علاقة عشقية فاشلة، مستخدما كل الأشكال الممكنة (الرسائل، الحوار، الخطاب الأكاديمي، الأحلام، الأساطير…)، مُحوِلا الفضاء السويدي (suédois) إلى «أثر يحيل على المسافة والتباعد والافتراق، كاشفا، في الوقت نفسه، عن سيرورة الكتابة» (ص370).
إن «صيف في ستوكهولم» ليس محكيا رحليا، بل هو رحلة داخل المحكي باعتباره لغة؛ و»مسألة اكتشاف مدينة، يعني خلق مكان يستطيع فيه السارد ابتكار أراض أخرى للُغة حبه وكتابته» (ص369).
شعرية المحكي السياسي في «ثلاثية الرباط»:
منذ نهاية الثمانينيات بدأنا نلاحظ عودة الرواية المغاربية المكتوبة بالفرنسية وبالعربية أيضا إلى المشكلات السياسية المباشرة التي كانت في السبعينيات، لأن إشكالية الكتابة هي المهيمن الأساس، والنص السياسي ما هو إلا جزء من مادة خام يتم استعمالها (رغم أهميتها في النص) لصالح النص التخييلي، لا على حسابه. إذن فإذا كانت رواية «ثلاثية الرباط» (1993) لصاحبها عبد الكبير الخطيبي تستحضر السياسي كموضوع، الشيء الذي لم نعهده في كتاباته السابقة، فذلك له سياقه ومجاله، وهو ما جعل الباحث يقدم لنا قراءة للروايات التي سيطرح فيها السياسي بطريقة خاصة، بمعنى تتم «معالجته من داخل كتابة مهمومة، قبل كل شيء، بشكلها الخاص باعتبارها أدبا، وذاك ما سيوضح، فيما بعد، أصالة نص الخطيبي» (ص372). إذن سيتم التركيز على كيفية تشغيل الخطاب السياسي في نصوص أدبية (روائية)، وسيكون المتن المعتمد هو الطاهر بن جلون في روايته L’homme rompu (1994)، وإدريس الشرايبي في روايته «مكان في الشمس» (1993)، وعبد اللطيف اللعبي في روايته «تجاعيد الأسد» (1989). تمنحنا هذه النصوص الثلاثة تصورا ولو أوليا عن علاقة الأدب بالسياسة في المغرب، ويبقى عبد اللطيف اللعبي «الأكثر تجديدا في هذا المجال لأنه يمزج التخييل بالميتاتخييل، ويكشف عن آليات مقاربة جديدة للسياسة (…) انطلاقا من الوعي بأهمية اللغة (…) وبعيدا عن أي كتابة متفق عليها سلفا» (ص400). أما بالنسبة لابن جلون والشرايبي- يؤكد الباحث – فرغم إدماجهما السياسي داخل الحكي، إلا أنهما كانا أكثر وفاء للقواعد الكلاسيكية للكتابة.
وتتميز رواية «ثلاثية الرباط» بتناولها الخطاب السياسي بالمغرب انطلاقا من عدة مستويات تكشف عن كثير من التناقضات، التي تتطلب من القارئ أن يحدد موقفه تجاهها، وأن يقرأ ما بين السطور لينتج معرفة تملأ ثقوب النص، لأنه إذا كان الخطيبي، في الآونة الأخيرة، طرح آراءه في كتابات فكرية سياسية بطريقة مباشرة، تتميز بالوضوح والشفافية (يُنظر كتاباه: «التناوب والأحزاب السياسية» و»التسامح والسياسة») فإن منطق الفن الروائي يختلف عن منطق التحليل السياسي، لأن الرواية لا تقارب موضوعها إلا انطلاقا من مجموعة من الآليات، ولا تقدم تصورا واحدا، بل تقابل كثيرا من التصورات فيما بينها، مُستخدمة اللعبة السردية وعلاقات الشخصيات والسخرية الخ. ووحده القارئ الفطن هو الذي يستطيع أن يقبض على المسكوت عنه في النص، انطلاقا من فك كل خيوط العمل السردي، والوصول إلى عُقد هذا النسيج الحكائي المتشابك، والذي لا يتوفر عليه إلا العمل الروائي الذي يستحق هذا الاسم. لابد من الانطلاق، لفهم «ثلاثية الرباط»، من أهم مكوِن في الرواية وهو الشخصيات، لأن هذا النص مليء بالشخصيات، أغلبها ثانوية، وتبقى ثلاثة منها هي الأساسية: إدريس، (أ.ل)، نفيسة. ومن خلال العلاقات المعقدة بين هذه الشخصيات يتضح النضال السياسي، وتنكشف كثير من الأوراق، ف(أ.ل) سيعرف «بجرأته التي تعتبر نموذجية في مجتمع يسود فيه الكذب وليس الحقيقة، الرياء وليس «الشفافية»، إنه رجل الوضوح في عالم يسود فيه الظل» (ص416)، أما إدريس فهو مضاعفه، ويمثل المثقف الذي سيخرج من سكوته وثباته إلى الحركة والفعل، ويتضح تصوره من خلال شخصية ثانوية وهي (عَلي) الانتهازي، الذي يردد شعارات لا علاقة لها بما يمارسه. ضد هؤلاء الذين يبعدون الناس عن القيم الحقيقية يتأسس العمل المشترك بين إدريس و(أ.ل) اللذين سيقومان بمحاربة الرشوة، وكل أنواع الفساد التي تُعيق تطور المجتمع من أجل الحرية والحقيقة.
إن «ثلاثية الرباط» هي محكي لا تنفصل فيه شعرية الكتابة عن إنتاج خطاب روائي مغاير حول الوضعية السياسية في المغرب؛ إنه يطرح المشكل السياسي من خلال مقاربة فنية تسلط الأضواء على مناطق الظل التي تهيمن على الحقل السياسي، بعيدا عن أي نضال أعمى؛ «فهذا الخطاب السياسي المغاير يطمح إلى أن يخرج من الظل إلى الضوء، وأن يبرز ما يعيق العمل الداخلي للنسق السياسي» (ص471) من خلال كتابة روائية واضحة وشفافة، لكنها خادعة، لأنها استطاعت أن تقدم لنا رسالتها بشكل غامض، وهو ما يؤسس شعريتها التي تمثلت في ثلاثة مستويات: 1) شخصيات النص ليست نمطية لأنها تثير حذر القارئ، وتستفزه، وتحتفظ بأشياء كثيرة في الظل؛ الشيء الذي يجعلها تبقى في الطرف المناقض لشخصيات الحكي الواقعي. 2) استثماره «النسر السحري» الذي هو اختراق للرمز التقليدي للطير، وهو على أية حال استعارة للحياة والمقاومة، وله دور أساسي في تشكيل دلالة النص. 3) تعدد تدخلات السارد، حيث تكمن وظيفته الأساس في إظهار تخييلية المحكي وتكسير الإيهام بالواقع؛ فإذا كان السارد في النص الروائي التقليدي يخفي أثره فإنه في هذه الرواية يحاول ما أمكن إبراز عمله كصانع لهذا الإيهام.
خلاصة وتركيب:
نستخلص مع الباحث، من خلال رحلته في العالم الروائي للخطيبي،.أن شعرية الكتابة عند هذا الأخير تكمن في اعتماده استراتيجية الاختراق كمبدأ أساسي في كل رواية، رغم تحولها وتغييرها لمواقع العمل: ففي كل نص روائي تتخذ شكلا معينا، حسب خصوصية الكتابة المزمع اتباعها. فمن خلال هذه الاسترتيجية كشف الباحث عن انتقال الخطيبي التدريجي من الخطاب إلى الحكي، حيث نجد في الروايات الثلاثة الأولى، «الذاكرة الموشومة» و»سِفر الدم» و»عشق اللسانين»، أن الخطاب هو المهيمن، «وهو في الوقت نفسه نقدي تدميري، متعدد الأصوات؛ يهشم إيديولوجيا المشابه للواقع، ويخترق الطابوهات، ويعري المسكوت عنه (…) فالحكي الخطيبي يتأسس على آثار ما يفجره من الداخل» (ص470). فإذا كان الخطاب في الروايات الثلاث الأولى مهيمنا فهذا لا يعني غياب الحكي، فقط يبقى ذريعة لتفكير مغاير، وتختفي وراءه المساءلة المستمرة لكل ما يعرقل كينونة الكائن، من خلال تحليل جراحاته الداخلية، وعلاقاته مع اللغة (الازدواج اللغوي) والآخر والعالم.
لكننا نلاحظ في الروايتين الأخيرتين، «صيف في ستوكهولم» و»ثلاثية الرباط»، أن الحكي يسترد مكانه أمام تراجع الخطاب، حيث «لم يعد السارد يبحث عن تدمير إيديولوجية التمثيل، بل الأساس هو بناء عالم تخييلي له قوانينه، وخصوصياته» (ص481)؛ ويتجلى ذلك، حسب الباحث، في الحضور القوي للشخصيات التخييلية التي لها خصائص ووظائف، واسم يميزها، وتُشارك بأفعالها وحركاتها وكلامها في جريان الأحداث، وكذلك وجود عالم تخييلي بأشيائه وبنياته، وناسه الخ؛ لكن الباحث يتساءل: ألا يستسلم الخطيبي لجمالية المشابه للواقع، وهو يعلن عودته لنصوص تقليدية؟ ذاك ما أجاب عنه التحليل في الفصول الخاصة بالروايتين، مؤكدا أنه رغم رجوعه للحكي «لم يكن رجوعا مجانيا: فهو يخفي، بالنسبة إلينا، رغبة الذات المتلفظة في إقامة مسافة بينها وبين ما تقصه، وينمحي باعتباره ساردا (شخصية) تخييليا، أو باعتباره ساردا بدون اسم، ويصبح أقل تحمسا، وأكثر حيادًا على ما هو عليه في الروايات الثلاث الأولى» (ص482)؛ فإذا كانت معرفة هويته في هذه الروايات ممكنة فإن ذلك في الروايتين الأخيرتين غير ممكن.
أخيرا فإن الحكي عند الخطيبي يشتغل اعتمادا على قارئ قادر على المساءلة والمشاركة؛ فسواء هيمن الخطاب أو الحكي، فإنه ملزم بالمساهمة في تشييد العالم الروائي.
أعمال الخطيبي الروائية المدروسة:
«الذاكرة الموشومة» « La mémoire tatouée) (1971) ترجمها إلى العربية بطرس الحلاق.
«سفر الدم» « Le livre du sang » (1979).
«عشق اللسانين» « Amour bilingue ». (1983).
«صيف في ستوكهولم» « Un été à Stockholm » (1990) ترجمها إلى العربية فريد الزاهي.
«ثلاثية الرباط» « Triptyque de Rabat » (1993) ترجمها إلى العربية فريد الزاهي.      
 

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …