شهادات

آخر مرّة رأيته فيها
فينوس خوري غاتا
أعرف صلاح ستيتيّة منذ زمن بعيد. كان أستاذي في كلّيّة الآداب في بيروت العام 1957، ثمّ أصبح صديقي على طريق الكتابة والشعر. عرّفني وأنا طالبة بعدد من الشعراء ومنهم بودلير ورامبو وأبولينير. ثمّ عدنا والتقينا في باريس حيث جمعتنا أمسيات ولقاءات شعرية كثيرة، وخصوصاً في مهرجان الشعر السنوي في مدينة سيت في الجنوب الفرنسي.
أفتقد إليه الآن بعد أن كنت أسمع صوته كلّ صباح حين يتصل بي ليسمعني نصاً شعرياً أو نثرياً جديداً. آخر مرّة رأيته فيها كانت مع أدونيس. ذهبنا لزيارته في دار رعاية المسنّين في إحدى الضواحي الباريسيّة. أتذكّر هذا اللقاء ويتحطّم قلبي. تناولنا الغداء معاً ولم يتلفّظ بكلمة واحدة. أكل أمامنا كأنه يأكل وحده ولا يعنيه شيء آخر سوى الطعام. عندما ودّعناه وذهبنا لنستقلّ السيّارة، وجدناه يسبقنا إليها ويجلس على مقعدها الخلفي مثل طفل صغير يريد الهرب من المدرسة ليعود إلى المنزل. كان لا بدّ من إخراجه من السيّارة وكان الأمر محزناً للغاية.
هكذا بدأنا نذهب بعيداً، الواحد تلو الآخر. أندريه شديد ذهبت، والآن صلاح. بعد وفاة أختي مي منسّى، صرتُ أشعر أنّ كلّ يوم جديد يأتي هو هديّة من السماء لا أستحقّها. أشعر بالعزاء عندما أجد أنّ هناك جيلاً جديداً من الكتّاب اللبنانيين باللغة الفرنسية مثل هيام يارد وريتا بدّورة وألكسندر نجّار وشريف مجدلاني… مع هؤلاء ومع غيرهم ستبقى الشعلة متّقدة.

لغة ستيتيّة بين ضفّتين
إيف بونفوا
ما يستوقفني في شعر صلاح ستيتيّة هو طريقة تعاطيه مع اللغة والتفكير في العلاقة بين اللغات والواقع وما وراء الواقع. وهذا جانب مهمّ، أي التعاطي بكثافة مع الكلمة، مع المادّة التي تتألّف منها، ومع طبيعة وَقعها وموسيقاها، وما يمكن أن يرشح من ذلك كلّه في الشعر. يمكن للفكر المفاهيمي أن ينغمس في هذا النوع من الكتابة التي تتألّف من ارتباطات غامضة وقول ملتبس يمكن تسميته اللفظية البحتة، لكن عندما يتمّ تجاوز هذا الخطر، ويصير باستطاعة الكلمة أن تقول الشيء من دون أن تميل إلى قولبته واستبدال جوهره، تصبح الفائدة كبيرة، وتنفتح القصيدة على القليل من الفوريّة والقليل من اللانهاية. الكلمة هنا لا تصف ولا تشرح بل تحيل إلى علاقات صامتة. هكذا لا تعود الكلمات تجسيداً لفكرة محدّدة، بل طاقة يكون في مقدورها أن تقوّض الفكرة وتفكّكها بوسائل مختلفة. هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل الواقع هو نتاج اللغة؟

ستيتيّة كما عرّفت به موسوعة «أونيفرساليس»
جيل كينسات
يتميّز شعر صلاح ستيتيّة بحسّيّته من خلال المتعة التي يختبرها في جعل الكلمات تنضح بالموسيقى، وفي التفاعل بينها، وفي تذوّقها بكلّ ما في معانيها من امتلاء، وفي نبرتها الاحتفاليّة، وتدفّقها خطوة وراء خطوة، وقصيدة بعد قصيدة، عبر ترتيب للكلمات التي توجّهها وتعطيها زخماً. وبذلك تشبه حركة كتبه رسماً لانهائياً لفنّ التوريق العربي حيث لا فصل بين العناصر التي تكوّنه، بل الكثير من التكامل.

ضوء القصيدة الغامض
ميشال دوغي

يوجد عند صلاح ستيتيّة هذا المزيج الخاصّ بين النبرة الاحتفالية من جهة، والغرابة القويّة من جهة أخرى، كما يوجد هذا المنحى المثير وغير المُطَمئن حيال ضوء القصيدة الغامض. فالقصيدة تخوض هنا معركتها الروحية، والجمال هو الذي يجمع بين اللغة والكائن. أمّا الشاعر، اذا كان لا يزال ثمّة شاعر، فهو الذي يجعلك تحلم من خلال قصيدته، وليس من خلال أيّ شيء آخر، بأنك ربّما تكون، كما ينبغي أن تكون، بجانب السؤال المتعلّق بوجودك.
العمليّة الشعرية تجعل العالم ممكناً، وكذلك الواقع.

شاهد أيضاً

سلاح وحيد.. ومعارك في كل اتجاه

حسن طلب هناك الكثير مما ينبغي قوله عن «أحمد عبد المعطي حجازي» ونحن نحتفل ببلوغه …