أخبار عاجلة

صليب الدويهي اللوحة بصمة إيجاد شعري

انقطع هاتف الدويهي بعد آخر لقاء بيننا جرى منذ أشهر قريبة، وتوقف اثر ذلك العمل في النص النقدي الذي كلفني به ، ثم غرق مشروعنا فى حداد مديد، وتشبث حضوره ق الذاكرة يعاند الغياب ، مثله مثل تراثه اللوني الذي استمد غذاءه -خلال نصف قرن – من شموس المتوسط وصقيع جبل لبنان .
لقد هيأت لي لقاءاتنا الأخيرة " فرصة اعادة النظر في روابط مراحله الثلاث المعروفة واعادة سبر حركته التشكيلية بشكل عام . اسمحوا لي بالعبور الموجز في خصائص هشه المحطات حتى نحكم سياقها من جديد.
***
تلفف الدويهي أولى مشاهداته للريف اللبناني في جنان ضيعة طفولته إهدن ، فصورها عند مشارف وادي قاديشا المسكون بمعجزات القديسين والزهاد، وتوغلت فرشاته في تكورات التلال المتتالية المزروعة بالدور والأديرة ذات القرميد الأحمر، في غابات الأرز وجذوع الفلاحين ، مستمدا اشراقاته اللونية المبكرة من انعكاسات البحر والشلال ، الثلج والغيم ، كان يرسم امتداد هذه المناظر في الذاكرة متخليا بالتدريج عن المنظور الخطي واللوني ، فالقرميد البعيد يشابه لونه القريب ، وقد دعم أستاذه حبيب سرور توجهه اللوني الذي يعتلي السلالم اللونية المتخمة بالحرارة والبرودة، ثم نجده يحافظ على هذا المزاج في مسطحاته الوحشية الباريسية ( ما بين 1932 و 1936 ) منتهجا مساحات ماتيس وجوجان وفويارد وغيرهم . .
يستخرج فناننا في المرحلة الأندلسية التالية سطوحه الملونة من . الحقول المتقابلة في الظل والنور والمستطر على جدران العمائر الغرناطية، يزداد أثناءها اختزاله للشكل كما يزداد التقشف في التفاصيل مسجلا بداية التحول الحاسم من المنظرالعيني الى المشاهدة القلبية، منتقلا من دلالات الهياكل المعمارية إلى اشرعة المساحات المقصوصة، والمتحالفة مع المقصوصات الورقية الملونة الأخيرة التي أنجزها ماتيس في محترفه
المتوسطي في مدينة نيس ، وذلك قبل وفاته عام 1954، منشئا فيها الشكل واللون بمقص واحد. وقد اجتمع الدويهي مع ماتيس حول عقيدة
التزامن الموسيقي البصري بخصوص مقابلات اللون الحادة التي تقع بين
جوابه وقراره المتباعدين .
لم يكن الدويهي في أية مرحلة رساما وصفيا ولا حتى انطباعيا، فمناظره مثل تجريداته تعاف التشبيه ، وسرعان ما تسامت تشكيلاته عن الحساسية البصرية إلى أوقيانوس البصيرة في تجريده اللاحق ، ولن تتعدى هذه البدايات حدود البحث الحثيث عن النواظم التجريدية التي سيعرف بها خلال الأربعة عقود الأخيرة . فإذا ما عدنا إلى الخمسينات ، وجدناه يتبع مسار أترابه من طلائع الفن المعاصر، أولئك الذين تراوحت تجاربهم وأسفارهم مثل الدويهي بين باريس ونيويورك ، ولعله من الجدير بالذكر انه كما حمل ذ اكرته الموشومة بصقيع الجبل وسعير المتوسط وذخائر الإيقونات والمنمنمات وبصمات الإيجاز الشعري وتنزيهات رياضة الصفر والواحد أقول انه قد حمل معه الى نيويورك ما علق في روحه من لهاثات ألوان كل من استيف وإيف كلاين في باريس ، لقد عرف هذا الأخير بصباغته اللونية الأحادية المتخمة والقريبة من رذاذ الإشعاعات الذرية أو اللدائن الملوثة .
ولكن تحالفه اللاحق مع الثلاثي الأمريكي نيومان ، وروتكو، وستيل ، سيكون أشد إلتصاقآ بطبائع تجربته ، خاصة وأنهم يشاركونه تعلقه بمقصوصات ماتيس المسلوخة عن هيكلها الخطي ، واستمدادهم من ذخائر مؤسس الحركة أرشيل غوركي ذلك الأرمني الذي تحفل حقائبه اللونية بفراديس الشرق .
إستعار الدويهي هيئة الشريط الكهربائي الملتمع في فراغ نيومان عموديآ، ووافق لوليس نقله المركز البصري إلى محيط اللوحة، كما إلتحم مع المنهج الجرافيكي الذي طبع تجارب كل من ستيلا وكيلي ، مقتحما بقية كوكبة النسق الهندسي ، مما دفع بتاليفاته بإتجاه "المينمال آرت " ، دون أن يتطابق معها بسبب تمسكه بأصول اللوحة القماشية وفن الحامل ؟ وإذا كانت حساسية مدرسة نيويورك التجريدية المحدثة قد شاركت في تحديد ملامح تأليفاته في الستينات فهي لم تخرج عن صبواته المسبقة في الإيجاز اللوني ، وكما تحالف في باريس مع المسطحات الأورفية لاسطوانات دولونوي التي جابهت مادية المنهج التكعيبي ،فقد
عكس لقاؤه مع مسطحات نيومان تناقض طبعه التصوفي مع التعبيرية التجريدية التي كان يقودها جاكسون بولوك ، وسيجابه صراحة سيطرة "البوب " و"الأدب " على الساحة التشكيلية الأمريكية معتبرا الأول تقليدا مبتذلا للصور الإستهلاكية الشعبية متهما الثاني بتضليل الإدراك عن طريق الخداعات البصرية، ولعله من الواجب الإشارة في هذا المقام إلى استخدامه الهامشي – رغم ذلك – للالتباسات الهندسية واللونية خاصة وأن مسطحاته توحي بالتمدد والتقلص النسبي الفلكي والمجهري في آن وتحتمل بالتالي شتى القياسات ، ناهيك عن بعض السلوكات الهندسية في جوانب اللوحة والتي تتناقض مع دلالاتها الفراغية. وبالإجمال فإن –
الألوان تحقن بطريقة تدرجية أوركسترالية، تتوضع عبرها طبقات
الأكريليك ، حتى تصل إلى درجة التشبع المناسبة، تخفي المساحة
الأخيرة ما تحتها ولا تعثر في جسدها على أدش أثر للفرشاة، فالسطح
صقيل والقرارفيه هادىء مستكين كالوان البحار من الداخل . تسبق التكوين النهائي مجاهدات تحضيرية على الورق تتصيد احتمالات خرائطه ، حتى يصل إلى إحكامه النهائي فيبدو وكانه لا يمكن أن يكون إلا كما انتهى اليه .
تشتمل تكويناته المهندسة بشكل عام على ساحة مركزية تتحلق حولها
شظايا شريطية عمودية مستقيمة الحدود، ربما وفدت بشكل لا واع من
نواظم البيت المحلي وفنائه الذي تحوم في فلكه الحجرات ، وستبدو هذه
المقارنة المعمارية أشد وثوقية عند تأمل حزمة الأشرطة التي يستخرج
تطورها من التبسيط المعماري للقاء الجدران والمشربيات الأندلسية، أما
تجاربة التي تعتمد هياكلها أشباح الحروف السيريانية أو الكوفية أو
غيرها فتعكس رغبته في الخروج من النمطية التي وقع فيها معاصره من
التجريديين الهندسيين .
***
لا تتطابق لدى الدويهي أماكن أسفاره وإقاماته مع تقسيمات مراحله الفرضية، فمناظره اللبنانية لم تكن بعيدة عما يجري في باريس في
بداية القرن ، ودراسته الباريسية تحفل بمناظره اللبنانية، أما فريسكاته
في كنيستي الديمان وماريوحنا فتعتمد على مشاهداته للفريسكات الكلاسيكية خلال إقامته في روما، أما المرحلة الأندلسية التي يدعوها
الدويهي نفسه بالمخضرمة فقد كانت تعوم في تجاربه التجريدية ذلك أنه
قطع إقامته الأمريكية ليزور غرناطة .
وسيقطعها من جديد لينجز تصاميم الزجاج المعشق في ديرمار مارون
1972 فما عنايا، ثم يختم إقامته فما نيويورك ، كان عليه أن يعتزل في
مرسمه ست سنوات ، وبالمقابل فهو لم يتخل عن مخزونات ذاكرته عن
الطبيعة اللبنانية عندما عبر إلى التجريد هو نفسه يؤكد في أكثر من
مناسبة قائلا: "الجديد إختصار للقديم ". والواقع أن مسيرة فناننا لا
يحكمها خط متصاعد بقدر ما تقوم على المراجعات الدؤوبة، والتمسك
بتطابق مراحله مع أماكن اقامته أدت الى تعسف إنساب مناظره التشخيصية الى المحترف اللبناني ثم سحب هوية التجريد وإلحاقه بركب
المدرسة الأمريكية، ولعله ليس من باب المصادفة أن معرضا تشخيصيا
قد أقيم العام الفائت في غاليري أبروف البيروتية متزامنا مع المعرض
الاستعادي الذي أقامه معهد العالم العربي في باريس لتجريداته ، وإذا كان من باب الإفتراض أنه يصور مناظره وتجريداته في نفس الوقت فهو اثبات آخرأنه يستمد من نفس المعين وينضح من ذات مختبره السابق
واللاحق خاصة وأننا شهدنا تخلف الذوق العام عن اللحاق بطليعيته
اللونية والتنزيهية.
لعل فناننا كان يتبع المثل الفرنسي الشائع : "علينا أن نتراجع خطوة إلى
الوراء حتى نتمكن من القفز إلى الأمام "، قد نحتاج نحن أيضآ إلى مثل
هذه الخطوات المتراجعة والتي ستسمح لنا ببلوغ أنوار الدويهي الباطنة، والمحجبة بسكون هندسة الظاهر.

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …