أخبار عاجلة

صيف هيلكا في أصيلة

انضممت الى أترابي وانشغلت معهم بلعبتنا المدهشة.. ننتظر اكتمال علو موجة البحر، فنقفز في وسطها، وأحيانا نزحف فنرافقها الى أن تلقي بنا في اليابسة، ونعيد الكرة مرات ومرات تضيع في العد.

في ذلك اليوم بالذات كنا قد انجذبنا لنشوة القفز في الأمواج، فأخذتنا اللعبة الجميلة كما تأخذ الفراشات لعبة أضواء المصابيح.

بعد أن أثلج البرد صدورنا الصغيرة توقفنا وهرولنا واحدا تلو الأخر لنحتمي بالرمال الساخنة.. انبسطنا على بياضها نحتضن منها كل ما تحويه أيدينا وأذرعنا، فندفيء صدورنا وشراييننا وحتى عصافير أفكارنا الصغيرة. على بعد خطوات من مكاننا جلس ثلاثتهم.. رجل وامرأة وطفلة لا يزيد عمرها على أعمارنا.. نشروا على رملة اليابسه مناديل كبيرة ملونة، وألقوا فوقها مجلات وحقائب يد، وأشياء من أغراضهم الخاصة.

الرجل تمدد فوق منديله الملون فبدا طويلا كبير السن. ربما في الثلاثينات من عمره، لكنه بالنسبة لأعمارنا كان شيخا. والسيدة الجالسة بجانبه وضعت فوق رأسها قبعة بمناكب عريضة تشبه قبعات البدو، لكنها ذات قماش مطرز بألوان زاهية. أخفيت اندهاشي وأنا أرقبها، فلأول مرة أبصر مايوها مجزءا الى قطعتين، كل قطعة تحجب بالكاد ما ينبغي حجبه. وكان على عيني أن تقفز الى الفتاة الصغيرة ذات الشعر الأشقر المرسل الى ظهرها، هي أيضا ترتدي نفس المايوه.. بطنها أملس كوجه المرمر.

لم نكن في حاجة الى التهامس فيما بيننا بأن هؤلاء ليسوا اسبانيين.. فالاسبان ألفناهم بالرغم من رحيل حكامهم وعساكرهم وفئات كثيرة منهم ولا زلنا نتعلم لغتهم ونحفظ أشعارهم وأغانيهم، لكن هؤلاء يتحدثون كلاما غريبا، ليس اسبانيا ولا فرنسيا ولا انجليزيا.

– لماذا لا ندنو منهم ؟.. قال أحدنا.

– لماذا لا "نتحلق " حولهم في شكل دائرة ؟.. قال أخر منا.

 وضحك لنا الرجل الغريب الذي يشبه أبطال أفلام السينما وهو لا يزال منبطحا على بطنه. وقد فطن الى أننا نتهامس عنهم، وفعلا كنا نتهامس عنهم.

وحذت السيدة حذوه فابتسمت لنا في عذوبة.. فتبادلنا نظرات فيما بيننا نحن الغرباء عنهم وضحكنا.

وأخذنا نزحف نحوهم مثلما يزحف العساكر في معركة حربية بكثير من الحيطة والحذر. لكننا لم "نتحلق " حولهم في شكل دائرة وانما في شكل نصف دائرة.

ووجه لنا الرجل الغريب كلاما لم يفهما أحد منا.. وقلنا لهم كلاما لم يفهما أحد منهم. وكررت الفتاة الصغيرة لغطا وهي تشير الينا، توقعنا أنها تسأل إن كان أحدنا يتحدث الانجليزية، فحركنا رؤوسنا بالنفي وضحكنا.

يستحيل أن نتحاور، هم يتحدثون  فيما بينهم وينظرون الينا ونحن نتحدث فيما بيننا ونراقبهم.

لكن حوارا من نوع أخر كان يسودنا، والا ما اسططفناهم ولا استلطفونا. هكذا قلت في نفسي. عاد أصدقائي الى البحر جريا وكانت الأمواج قد أخذت قامتها تكبر وتعلو.

فبقيت وحيدا أرقب الغرباء الثلاثة. وخلتهم حيوانات أليفة تدعو الى الشفقة ثم خلت نفسي حيوانا شرسا بداخل قفص يرقب مشاهديه بوقاحة، فغضضت الطرف عنهم.

بعد حين استلقت الفتاة الصغيرة على ظهرها عارضة جسدها الطري الى قرص الشمس المشع في كبد السماء. وقد حجبت رأسها وعينيها بقبعة صغيرة بيضاء.

مر زمن كنت خلاله قد اصطحبت الفتاة الجميلة عبر الشاطيء.. مشينا الى أن احتجبنا عن الأنظار، وكنا أثناء الطريق المبكر نتحدث لغة واحدة واضحة الفهم. وملأني زهو غريب لذيذ حين جلسنا في مواجهة أمواج البحر فشعرت بأصابع يدها تضغط على أصابع يدي.

رفعت رأسي وشاهدت الفتاة وهي لازالت مستلقية على ظهرها قبالتي، وأنا في مكاني منبطح على خطوتين منها. لكنني استعذبت هذا المشهد الذي حلمت به، وتمنيته حقيقة وقعت. أنا الذي لم تشدني اليها أي فتاة أحلم بهذه.. لكن هذه من نوع أخر.. غريبة ومدهشة، فحين أمسكت بأصابع يدي، غمرتني لذة مترفة بالرغم من أن ما حدث لم يحدث في الواقع.

شيء خارق يجذبني اليها ولا أعرفه.. أو بالأحرى لم أكن أعرفه من قبل.

وظللت أرقبها الى أن لسعتها حرارة الشمس، فتململت واستقامت على رجليها، خلعت قبعتها البيضاء ومشت بتثاقل الى حافة الشاطيء، بللت رجليها ويديها وبدت مترددة في اقتحام البحر. لكنها غلبت ترددها وقفزت في الماء.

سرت وراءها وتعمدت أن أجعلها تحس بوجودي، فاستطعت أن أنتزع من شفتيها ابتسامة، ومن فمها كلمات لم أفهمها، لكنها فهمتني حين أشرت عليها بيدي الى ولوج وسط البحر.. سبحت ورائي لبضعة أمتار ثم عادت الى الشاطيء، فرجعت أنا أيضا الى الشاطيء.

في ذلك اليوم بالذات، وقفت في السوق أشاهد كتبا ومجلات صفت فوق حصير على الأرض. كنت حديث التعرف على القراءة غير المشكولة، فزاغت عيناي تبحثان عن أي كتاب مناسب غير "حذاء الطمبوري" أو "السندباد البحري"، فهذان كنت أحفظهما عن ظهر الانجليزية في أسبوع واحد بدون معلم ».

أسبوع واحد!.. قلت في نفسي..

التقطته من فوق الحصير وأدرته في يدي باحثا عن سعره، درهمان ونصف !.

درهمان ونصف وأمتلك مفتاح التحاور مع الفتاة الجميلة الغريبة.. رددت مع نفسي.

انقدت البائع الواقف ثمنه، وأسرعت الى مكان خال من الناس، أحفظ الكلمات والعبارات الغريبة.

وهمس الشيطان في أذني: وفرضا أنك لن تجد الفتاة غدا في الشاطيء، كأن تسافر مثلا هذا المساء، أفلا تكون قد أضعت وقتك في حفظ كلمات وعبارات لن تنفعك ؟

وأجبت الشيطان في نفسي: مستحيل أن تسافر!.. هي لن تسافر قبل أن أراها.. وان التقيت بها غدا، فماذا يكون مصيري بدون معرفة كلمات من هذا الكتاب ؟

ما اسمك ؟ كم عمرك ؟ أنا سعيد بمعرفك.. أنا تلميذ. وقفت عند السور المطل على البحر أحفظ هذه الكلمات وغيرها.. وتملكني زهو وخيلاء وأن أخال اندهاشها بعد أن تعلم أنني في يوم واحد تعلمت عشرات الكلمات والجمل لأخاطبها.

ونظرت الى قرص الشمس قبل بداية غوصه في البحر المرتعش أمامي.. ما كنت أعرف أن الغروب شيء أخر، غير المغيب. وما كنت أعلم أن المرء قد يحس سعيدا حتى إن وجد بدون رفاقه.. وتبين لي أن خيوط الشعاع المنبعث من الشمس تشبه خصلات شعرها. وخيم الظلام على البحر والسور.. المدينة وحدها ظلت ترسل ضوءا دامسا جعل كل من حولي أطيافا.، وبدون قصد. راعني جمال الظلام ورائحة الطحالب وهدير البحر يقرع السور من تحتي، واكتشفت بالصدفة أن بي شوقا لصباح يوم الغد، وحنينا الى تلك الفتاة الغريبة التي لا أعرف اسمها ولا من أين جاءت. في دارنا القديمة كان عبدالحليم يغني "بحلم بيك "، رفعت صوت الراديو وأوفيت حواسي لكلمات الأغنية.

أشياء كثيرة رائعة هوت أكتشفها عن طريق الصدفة.. أشياء قريبة مني، لصيقة بي، لم أكن أراها ولا أحسها ولا أعيرها أي اهتمام. لم يسبق أن وقفت أمام المرأة طويلا، ولا اخترت بعناية شديدة ما ارتديه من لباسي.

لكنني في ذلك اليوم بالذات فعلت كل ذلك.. صوت شخصا أخر.. شخص ألقي به في عالم غير عالمه.. في دنيا تستفز حواسه، تخلق مشاعره حتى أنها توقظها.

أحسست برغبة شديدة في أن أناس في فراشي، فبذلك سأختصر مسافة الزمن لأنبعث في صباح الغد.

وجاء الصباح. فكنت أول من وطئت قدماه شاطيء البحر. كان البحر طفلا نائما.. لا يسمع له هدير ولا خرير. انكمشت أطرافه، فتركت فضاء شاسعا رحبا لم تدنسه خطوات بشر بعد. سرت بجانبه أحفظ الكلمات التي علي أن أنطق بها أمام الفتاة الصغيرة الجميلة.. طريقي امتد أمامي وكأنه ذاهب الى ما لا نهاية.. لكنني لم أتوقف، بل سرت وسرت، يطوقني شعور جميل ورائع ولذيذ.. خلت نفسي أطوقها بذراعي.. أشياء كثيرة خلتها.. ولم تعد لذة وقرح العصافير في أفخاخنا المنصوبة خارج أسرار المدينة ذات قيمة أمام ما أنا فيه.

وحين التفت خلفي وجدت المدينة قد ابتعدت فاحتجبت عني، فعدت اليها.

وصلت وكان النهار قد انتصف والشاطيء قد اعتلا بالمصطافين مقاربة واسبانيين، إلا الغرباء الثلاثه. وحدهم لا وجود لهم. وقفت في لحظة الصفر، بين الجنة والنار، أذني على دقات قلبي وعيناي زائفتان تبحثان عن غريمي.

أي غم تحدثه لحظة الحسم وقد طالت.

وأبصرتهم يعودون من البحر الى اليابسة. فسرت في بدني رعشة تشبه رعشة من يحصل على كنز حسبه قد ضاع. وعرفت أن اسمها "هيلكا"، تلميذة مثلي، قادمة من ألمانيا، والرجل الوسيم زوج أختها.

وكما تخرج الأجنة من رحمها، أخذت الكلمات الغريبة تنزلق من فمي.. ربما مشوهة بدائية، لكن "هيلكا" كانت رحيمة بها. ياه، كم هو جميل ورائع أن تتعلم على يد من تعشقه !

لكن من قال بأني كنت أعرف العشق.. أنا لم أكن أعرفه.. كنت أحسه فقط.

في ذلك المساء بالذات، كنت أولهم في بهو الفندق الصغير في مدينتي الصغيرة.

ومثلما خطفت "هيلكا" عقلي ونومي وأحلامي، خطفتها.. عدنا الى الشاطيء، كان الوقت قبل بداية الغروب.. شاهدنا الأسماك الصغيرة تقفز من شباك الصيادين مرتعشة.. قالت لي إن رائحة البحر تستهويها.. قلت لها إن رائحتها تستهويني أكثر من رائحة البحر.

في يوم آخر خطف كل منا الآخر، فذهبنا الى حيث النهر.. سرنا اليه عبر الشاطيء، والتويت بها عبر الوادي المفضي الى الادغال الصغيرة الموحشة ومنعطفات الصخور بين الممرات الضيقة المعشوشبة، وجدنا أطفالا يعومون في النهر، فعلت مثلهم فقفزت من علو الصخرة وعبرنا النهر الى الضفة الأخرى، فمكثنا طويلا تظللنا شجرة تين برية.

ثمانية أيام.. كأنها ثمانية قرون.. كل لحظة منها آسرة، لكنها كومضة حلم وردي أشعت فانطفأت.

وقال لي الرجل الوقور ذو الحاجبين المعقودين، سافروا جميعا هذا الصباح.

يستحيل أن أصدق.. لكن عيني فاضتا بالدمع

أسبوع وأنا أرقب عودتها.. عشرون عاما.. لكن «هيلكا" لم تعد أبدا. فكنت مضطرا أن أبحث عنها في كل امرأة.. لكنها ما كانت في امرأة واحدة.
 
بهاء الدين الطود (كاتب من المغرب)

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …