عزيــــزي.. رافع الناصري

رسومــك تقـــول شيئـــا مختلفـا،
شيئــا لا يفــارق الأمــل..

وأنا أكتب اليك الآن أفكر بالطريقة التي يكون فيها الالهام البصري ممكنا في غياب مصادره. ما الذي يحدث حين يغلق الرسام باب مرسمه أو باب حياته؟ «تبقى في العين اشياء نائمة كثيرة. العين خزانة» ستقول لي. ولكني لا ارى في الوصف ما يُنجد دائما. يمكن للوصف أن يخون أيضا. هناك ما يختفي، لا لأننا نعجز عن وصفه، بل لأنه عصي على الوصف أو لأنه لم يُخلق لكي يوصف. حتى الشكل لذاته، فهو معبأ بما يجعله أسير لغزه. مُحيرا يمكنه أن يكون حين لا يهبنا فرصة للدخول إليه وتنفس هوائه وركوب لجته. أقصد ما يُمحى من الشكل لكي يكون بمثابة الثلمة التي نستطيع من خلالها التسلل إلى أعماقه. أعرف أن الرسامين يكرهون الشكل الكامل، فهو بالنسبة لهم شكل أبله، مُقيد لا يجلب تأمله إلا العته البصري.
ستسألني «وهل هناك شكل كامل؟» ليس أمامي سوى الدائرة، التي هي اختراع الهي. أتذكر أنك استغرقت زمنا في معالجة الدائرة بصريا. ساعتك الحائطية كانت تسخر من الوقت فيما كان تقويم روبنسن كروزو يستقر بشماتة على الجدار. أمامك يوم لم ينته بعد في ما لا تألفه الساعة من أوقات تقع خارج الزمن. للقدر طبول لا يسمع دقاتها إلا العاكفون على يأسهم. اشتغلت بأناقة وحرفة داخل الدائرة. محيط تلك الدائرة صنع حدودا لفتنة الفضاء الذي اخترعته من أجل نزهتك التي أخذتك الى سهوب شاسعة من النور. استدرجت يدك لتعينك على الالهام. في لحظة الاشراق بالمفردة الالهية لابد أن تكون الخادمة سيدة منزلها. لن تُطعم الخادمة طيورا ميتة ولن تستأنف خيالها بمكيدة بصرية. كانت بغداد كونا، وهي القلادة التي كانت تزين جيد بلقيس قبل أن يخطفها الولع بسليمان. الدائرة تُلهم وهي خزانة مثلها مثل العين في المنفى. كنت تجمع امتعتك كلها في قلب البذرة. هناك في انتظارك زمن ستقضيه في تأمل أغصان الشجرة التي ستنبعث من أرض لمستها يدك بحنان. صورة لبغدادك في كل زهرة. لنقل أنها زهور كثيرة فليست بغداد واحدة. يليق ببغداد أن تكون موجز الزهرة. عطرها المسافر عبر الأمكنة لا المكان الذي تنبت فيه شجرتها. ومع ذلك فان الزهرة لا شكل لها. هي الأخرى تتشبه بضوئها. أقصد المدينة لا الزهرة. وهو ما اقتفيت أثره وأنت تمشي بحثا عن العشبة التي قبض أخضرها على آخر شموس المدينة الغاربة. أنت هناك فيما يدك تبحث عن ذريعة للرسم في المكائد البصرية التي ينصبها الوحي لقرينه. لا تزال عينك تتلصص على حركة ذلك القرين. لا ترغب في أن تهزمه مثلما لا تريد له أن يُضلك. سيظن الآخرون أنه شبيهك. ولكني وقد خبرتك أعرف أنك حتى لا تشبه نفسك. أنت الآن الآخر الذي لم أره في كل المرات السابقة. أما قرينك فلا أظنه سيجرؤ على الاقتراب مني لو رآني. سيحمل بضاعته التي لا تلهمني إلا الذكرى. هناك شيء منك أعرفه لا يملكه. شبيهك الغريب عنك. ينوء بغربتك فيما تعجن أنت تلك الغربة بأصباغك. اليد تخون العين. لكل واحدة منهما تربيتها العاطفية. ما لا تراه العين تدركه اليد وما لا تلمسه اليد تصل إليه العين. العين تسبق في الخيانة إذاً. ولأن المنفى غير الوطن، فسأزعم أني أشبهك. على الأقل فان حكاياتنا نحن الاثنين تبدأ هناك. على أرض رخوة لا تنبت عليها الأشكال كاملة بل لا تستحي لحظة الخلق فيها من نقصانها الفصيح. النشيد مثلما يتهجاه أطفال المدارس والشهوة التي تباغت المراهقات. الشهقة التي تسبق الزهرة تملأ الفضاء عطرا. «لا بأس» سنقول ونحن نمضي بأقدامنا واثقين إلى المذبح. هل غدت القدم بديلا عن العين؟ تحفر أثرا وترى ذلك الأثر مقلوبا في المرآة. أنت أفضل حالا مني. تقنية يدك تسبق تقنية خيالي. «اليد خزانة هي الأخرى» تقول. لقد قُدر لي أن أرى يدك ويد شيخنا الراحل شاكر حسن ال سعيد وهما تعملان. تنكشف اليد اكثر من العين التي يمكن ان تمارس الخديعة. تهرب العين بودائعها. يعرف الرسام يده أكثر مما يثق بعينه. تلك المعرفة تنتقل مثل عدوى الى المشاهد. ولأن اليد لا تخترع فريستها فان غزلانا كثيرة كانت قد قفزت من باطن كفك وفرت بعيدا. قد يسرك ان تقلد الطبيعة رسومك ولكنك تعرف ان الاثنتين (تلك الطبيعة ورسومك) انما تصدران عن مكان واحد: مخيلة تسعى الى الانفصال عما سبقها، فلا شيء مما تفعله تلك المخيلة يشبه ذاته. لكنها لا تبخل بمباهجها على ما يلحق بها. ترسم الخط فيسيل حبره. يسعدك ان تنصت الى هذيان الاحبار. ليس أقل من ذلك الهذيان ما يمكنه أن يذيب الشكل. الفعل الذي يسم بصليبه ضالتك. كان ذلك الهذيان ممكنا داخل الدائرة، لكن بطريقة أخرى. الطريقة التي تصحو فيها بغداد على صيحة ديكها. تلك الصيحة التي تخط محيط الدائرة بحليب الأمهات. في هذه اللحظة، إذ ينكسر الغصن وتختفي الزهرة في هشيمها، إذ الدائرة لا تقوى على ترميم محيطها، إذ يضيق الهذيان فلا يملك الحصان من صهيله إلا خيطا خفيا يمده برجاء حيرته إلى الأفق، يشعر المرء بالحاجة إلى من يقلل الوصف ويكثر من الإيقاع على طريقتك. يمكن للرسوم أن تشفي وهي تشقى. يمكنها أن تُسر فيما الدمع، دمع تلك الرسوم، يضفي لمعانا على الأصباغ. لديك موعد يومي لا تتأخر عنه. حورياتك في المرسم لا يرضين بأقل من صباحك الشاسع مثل ضحكتك. لديك أمل في أن يكون الرسم ممكنا كل صباح. ولأن الحوريات لم يهربن فقد تخترع مزاجا ينسجم مع الفكرة التي تقول أن هذا النهار هو من تجليات نهار لم تعشه بعمق. لذلك نبدأ الرسم كما لو أنك تتعلمه، كما لو أنك لم ترسم من قبل، كما لو أنك تنسى. تأنس يدك إلى المكيدة فيما عينك تلتقط المواقع النضرة التي تثني على الرسام الذي كنته أمس. يتعبها أن تكون الآخر الذي يستفز مزاجها. الآخر الذي لم تتعرف عليه بعد. العين مدهشة في استرخائها غير أنها بعكس اليد تفضل الكسل. تفضل أن ترى ما يُسعدها. ما يكرر ضحكتها. سيكون علي دائما أن أتذكر أنك حفار لكي لا أزعجك بالتأويل. حورياتك هن الأكثر دراية بالمصائر المتقاطعة التي يبدأ منها فعل الرسم لديك. تفضل أن تكون شرقيا على أن تكون تجريديا. فلا معنى حقيقي لكلمة تجريد حين تكون الطبيعة هي التي تقلد الرسوم. مَن يخون مَن؟ في السابق من أيامي كنت أنفعل كثيرا حين أرى رسومك، الآن انفعل أقل، لكن بطريقة أفضل. كيف؟ يبدو لي أن رسومك القديمة صارت تنضج في أعماقي، لا لتهدئ من روعي، حسب بل وايضا لتهذب حساسيتي الجمالية. الجمال الذي كنت أظنه مدعاة للتشنج صار يطرق باب بيتي كل خريف. في كل لحظة عيش مترفة أذكر نفسي بأن نزق حريرك كان نبوءة حياة. هاأنذا أقيم في رسومك بعد أن مشيت الاف الكيلومترات. أعرف أنها نبوءة ناقصة. ما لم يتحقق منها هو ما أغمضنا أعيننا عنه: السواد الكثير. وهو ما صار يستدعيك بفوضاه إلى أن توسع من خطواتك كلما ضاقت  الطريق. ستقول لي «العين خزانة» ولكن عيني لا تكفي يا رافع. يدك تلمس جناح الفراشة فلا تفتته، فيما عيني تشعل نارا فيه. ولأن الدائرة اختراع الهي فقد كانت روح الصوفي العارف تحثك على المضي إلى أعماقها، حتى صرت تقف قريبا من البذرة، فلا تحتاج إلى النظر إلى المحيط الذي أنمحى. «لقد يئستُ» اقول لك. تبدو أكثر يأسا مني، لكن ياسك يغيظني. ليأسك زهرة لا يزال غصنها أخضر نضرا. لن تكون في حاجة إلى أن تحتمي بالماضي مثلما أفعل. الرسم أكثر الأفعال ثناء على اليأس، لذلك فهو لا يحتاج إلى ماضيه. أسلحة أطفاله تخترعها الطبيعة في كل لحظة اشفاق. الم أقل لك أن الطبيعة والرسوم تصدران عن مكان واحد: مخيلة حرفتها النسيان. أغبط رسومك لأنها تنسى. قرينك يزعجه أنك تدفع به إلى المرآة لتقول له: «أنت لا تشبهني في شيء. أنصحك في أن تزيل المكياج عن وجهك». أتذكر أن رؤية رسوم الايطالي كليمنته غمرتني برائحة التوابل فيما ضج رأسي بالتأوهات الجنسية وأنا أرى رسوم تريسي امين. الرسوم إذاً تطلق أصواتا وأبخرة وروائح. كيف يمكنها أن تفعل ذلك؟ رسومك الجديدة في منفاك صارت تفعل ذلك وهو ما لم تكن تفعله يوم كنتَ في بغداد. هل قلتَ العين خزانة؟ في هذه الحالة علينا أن نعيد النظر في مفهوم العين التي ترى ومن ثم تُري. يقول ماغريت: «لم أعد أتذكر» ليس مطلوبا من الرسام أن يتذكر. أنت مثلا تنسى أكثر مما تتذكر. أنا أفعل الشيء نفسه في الكتابة. حين ترسم الشيء من أجل الانصات إلى صوته والقبض على رائحته فلا يعني ذلك أنك تسعى إلى أن تتذكر ذلك الشيء، بقدر ما تحاول أن تنفيه معك، تخلصه من كثافته المادية ليسهل عليك حمله. خفة الأشياء المستلهَمة تضعنا في مواجهة مصير مختلف. حين يتخلى الشيء عن مادته تنمحي فكرة استعادته من أجل الذكرى. يمكنني أن أفهم لجوئك إلى الشعر، بديلا عن المرئيات التي صارت تعزف عن الظهور من خلال أشكالها. ليس من أجل دلالة الكلمات ولكن من أجل ما يوحي وجودها لذاتها. هو وجود يتوازى مع الذكرى. «الآن صار علينا أن نتذكر» قد تقول لي. شيء كثير منك يتخلل تلك الكلمات التي قالها سواك. كما لو أنها قيلت من أجلك. يعود الرسام الى رغبته في الاستيلاء. الرغبة التي تحتاج الى موهبة كبيرة لتبعد عن نفسها الشبهات. مَن سبقك الى الشعر من الرسامين العراقيين يعرف ذلك. لا بأس ببضعة مشاهد خيالية يغرم بها المرء ليستعيرها. لكن قبل ذلك عليه أن يهشمها ويعيد تركيبها وهذا ما فعلته أنت بالمتنبي. العراقي المنفي مثلك. لم يخذلك تعلقك بموسيقى الطبيعة وأنت تنصت إلى ايقاع يصدر عن مكان آخر. ما يجعلك تنتشي هو ذاته دائما: يدك التي تتماهى مع الحبر وهي تفرك العبارة من أجل خلق لحظة تماس مصيري مع شقاء تلك العبارة. بصيرتها الكامنة وقلقها. يمكننا أن نكون شعريين من غير أن نضطر إلى أن نُفتن بالكلام. أعرف انك أنت تبحث عما يمكن أن يُصطفى للرسم خالصا. قدرك الذي يمكنك من العيش. يُخيل اليك أن ضربة فرشاة واحدة في إمكانها أن تبعث في الكون صرخة اليوم الأول للخلق. أنت محق. فمَن يأتي مثلك من مدينة غنية في تنوعها لا ترضيه سوى البدايات. يهمك أن تكون رحيما في هذه اللحظة المضطربة من تاريخ بغداد. بداهتها الأولى تسكنك. هي أول الطريق إلى القيامة وهي آخرها. الدائرة نفسها يا صديقي. مبعث الحيرة ورجاؤها وجواب سؤالها أيضا. أنت الآن في بغداد أكثر من أي وقت مضى. علينا أن نثق بالأشباح دائما. ما يفعله الرسم بقوة. غالبا ما يحترف الرسامون صداقة الأشباح. ولإن بغداد لم تعد ممكنة، فقد صار عليك وأنت المنفي عنها أن تستحضر أشباحها مثلما كانت بُرك الماء تذهب إلى كلود مونيه في مرسمه. كان يرى تلك البُرك حتى بعد أن أصاب الكلل عينيه. قد نكون محظوظين يا صاحبي إذ أننا لم نغلق عيوننا على هلاك مدينتنا. بالنسبة لك فان بغداد التي تُرسم هي ذاتها التي اشتبك خيالها برموش عينيك. لا تحتاج إلى أن تستدعي أحدا. أتخيل أنك تجد الأشباح في انتظارك كل صباح في المرسم. تجدهم مبتسمين. مثلك تماما. الجمال لا يُهزم. مثل الخير، مثل الصداقة، مثل الطفولة. لكن ألا ترى أننا أيضا تحولنا إلى أشباح بالنسبة لسوانا؟ نحن وهم أشباح. مواد مختلفة لحلم واحد. حلم يمر بنا، يخترقنا ليقيم بعيدا عنا. أهذا ما يحدث في الرسم، حين تتحاشى الصورة أن تُرى كما لو أنها خاتمة؟ (أدعية لبغداد) كان عنوان معرضك في ثمانينات القرن الماضي، وكما تعرف فان الدعاء هو مخ العبادة. هو وسيلتها وغايتها في الوقت نفسه. الآن وقد حلقت بغداد بعيدا بجناحي فتنتها الأبدية انما صارت تقيم في تلك الأدعية، التي تذكرني بكتاب صغير حمله شيخنا آل سعيد معه إلى الطائرة الذاهبة بنا إلى بيروت وصار يقرأ فيه. لم أسأله يومها ماذا يقرأ. كان كمن يستحضر أشباحا فيما كانت شفتاه تتحركان بمتعة. لشيخه الجيلاني كان ذلك الكتاب. كنا يومها (أنا وشيخنا) شبحين يجلسان في الحضرة الطائرة. سأقول لك الآن ما يُدهشك: اشباح منك تزورني بين حين وآخر في منامي وفي يقظتي على حد سواء. واحد من تلك الأشباح هو الذي أمرني أن أكتب هذه الرسالة اليك. خمن ذلك الشبح حاجتي إليها بقدر ما رغب في أن أكتب إليك بالانابة عنه. أشباحنا تحن إلينا أيضا. أضع دفترك الذي صنعته على شكل اوكورديون على جهاز التلفزيون. أنظر إليه وأغبطه على موقعه الذي يجعله متاحا للنظر دائما. يتصل بالحائط غير أنه ينتمي إلى الفراغ أكثر. أهذا ما تسميه أنت بالأفق؟ لا يُمكننا أن نقيس المسافة دائما. هناك مسافات لا تُقاس. أفق حياتنا نحن المنفيين مثلا. كنت ترى في ذلك الأفق فكرة عن الرسم الخالص أيضا. الآن وقد اكتسبت يداك عادات ذلك الرسام الذي كنته لم تعد في حاجة إلى أن ترسم ذلك الأفق. صار ذلك الأفق جزءا من خيالك. لا يقلقك شبحه. ولا تقلقك الأشباح التي تذكر به أو تتذكره. على أية حال لن يكون الماضي دعابة خفيفة. ستكون حياتنا معبأة به دائما. ولكن رسومك تقول شيئا مختلفا، شيئا لا يفارق الأمل. في مشروعك (بوابات) عناء تصويري عظيم يهدف إلى اختصار المسافة التي تفصلنا عن الحكاية. كانت لبغداد أبواب مشرعة على العالم، لم يبق منها إلا باب واحد. ها أنت ذا تستعيد تلك الأبواب واحدة تلو الأخرى، بل وتصف إلى جانبها ابواب مدن عربية جديدة، لمست يدك خيالها. لا يقترح الرسام شكلا. أنت تشقى من أجل أن يكون لأصباغك قوة الكائنات التي تقول الحقيقة. هناك جمال منفي أنت وحدك تعرف الطريق إليه. جمال تهتدي إليه يدك وهي تغرينا بأن بغداد لا تزال ممكنة. أنت هناك يا صاحبي إذاً. لا أتوقع منك أن تقول «أنني لم أغادر». المدهش فيك أنك في كل الأحوال تحرص على أن تصون الكائن الواقعي فيك. ذلك الكائن المحروم من بغداد من غير أن يُخضعك لشروط حرمانه المادية. ما لديك يقويك على ذلك الكائن. يجعلك في حال أفضل من حاله. أقصد مهاراتك الروحية التي تعينك على تصفح غدك. اليوم الذي تكون فيه يدك اليمنى جاهزة لمصافحة أيدي أشباحك في مرسمك. درس آخر للرسم، تتمنى أن يكون شاكر حسن شاهده..

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …