أخبار عاجلة

علّيســـــــــــــــــــــة .. مأساة بحجم عظمة « قرطاج»

بدايات النهار أو بدايات التاريخ… من منّا يزعم فكّ اختلاط الخيط الأبيض  من الخيط الأسود …فجر طالع بين الحقيقة والخيال … الشمس التي تلوح في أفق الزّمن القديم تشبه الشمس التي تغيب …..كلاهما تولد أو تموت في بحر من الدّم السّماوي … أو في فراش من الورد الخرافي …
ورد «لعلّيسة» ( أليسار ) القادمة  من مشرق السّحر و منبع الأنبياء .
 هناك حيث تتشابه الحقائق و الأخيلة. حيث لا معنى لحقيقة بلا خيال …حيث لا معنى لخيال لا يبني له بيتا من الحقيقة … هكذا تبدو «علّيسة» للنظرة الأولى : بطلة تحمل قدرا مأساويا بحجم عظمة قرطاج . 
من أين جاءت ؟ و إلى أين مضت ؟ ماذا فعلت بقدرها ؟ أو ماذا فعلوا بها ؟ كيف ومن أين دخلت ذاكرتنا ؟… من كانت ؟ أميرة متآمرة ..أم تاجرة محتالة ؟ …قائدة جيش أو زوجة بارّة ؟….أم ترى لاشيء من كلّ ذلك ؟…امرأة لا وجود لها ؟…. تمثال خيالي صنعته الأساطير القديمة… ؟
 في البدء كانت صور …
كتب المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب يقول : «لا يعلم على وجه التحقيق متى وكيف تأسست «قرطاجنّة «؟ إنما قيل : أن أميرة فينيقية تدعى « علّيسة» (ديدون) هاجرت من مدينة «صور» ونزلت بساحل افريقية بمن كان معها . فاشترت من البربر القاطنين هناك ساحة عظيمة أقامت بها قرية سمّاها الفينيقيون «القرية الحديثة» حرّفها العرب إلى «قرطاجنّة».
وأماّ المؤرخ « شارل أندري جوليان»  فهو يرى: « أنّ بعض المستعمرين القادمين من «صور» و«قبرص» الذين تعتبرهم الأسطورة خطأ على ما يبدو لاجئين هم الذين أسّسوا حوالي 814 م . في عهد الملك» بيجماليون «قرط حدشت» أي مدينة حديثة ، في الخليج الذي تنصب فيه  مياه «وادي مجرده» ووادي «ميلات» ملتقى جانبي البحر الأبيض المتوسط . ويقال أنّ أخت بيجماليون «علّيسة» أو (ديدون) ملكة «صور»ّ هي زعيمتهم ، إلاّ أنّ وجودها وإن كان ممكنا فهو مشكوك فيه.
 قصّة هروب ّعليسة 
في الزمن الموغل في القدم وغير بعيد عن سواحل طروادة ، كانت هناك عدة مدن صغيرة يعمّها البذخ و الرخاء ،من بينها مدينة «صور» الفينيقية ، المعروفة ــ بين سكان البحر الأبيض المتوسط  ـ  بأهلها كأمهر الناس في التجارة. وأقدرهم على قيادة السفن و اختراق مجاهل البحر…
كان يحكم «صور» ملك يدعى  «نيرون» مات بعد أن تقدمت به السنّ .
مخلّفا وراءه ابنين: الأول وَلدٌ في الحادية عشرة من عمره و اسمه « بيجماليون « و الثانية تكبره قليلا ، وهي في غاية الجمال و الفتنة اسمها «علّيسة» . وقد أوصى الملك قبل أن يموت بان يتم إشراك ابنيه الاثنين في الحكم من بعده . إلاّ أن الشّعب بعقليته الباترياركية لم يكن راضيا على ذلك النظام ورأى أن يُسقط وصيّة الملك من اعتباره ، و يعزل «علّيسة» عن الحكم ويرفع إلى السلطة «بيجماليون» محيطا إيّاه بعدد من الأوصياء و المستشارين ممن كانوا يناضلون ضدّ مصالح الطبقة الارستقراطية  القديمة .
 و إذ أُقصيت «عليسة» عن الحكم فقد تزوجت خالها «عاشرباص» أو «عاشربعل» و هو كبير كهنة  معبد «ملقرط»، والشخصية الثانية في المدينة بعد الملك مباشرة .وزعيم المعارضين ورأس حربة  الساخطين على نظام الحكم  وكان وافر الثراء ويملك كنوزا خرافية. أثارت شهية الملك الشاب «بيجماليون» وملأت قلبه طمعا وحقدا. ولما لم يجد سبيلا للاستيلاء عليها قرّر قتل صهره . إذ زاره فجأة ذات يوم فوجده قائما ، يتعبّد أمام المذبح المقدس في ساحة قصره . فأتاه من خلف وخنقه غدرا.
ولكنه بحث ونقّب في زوايا القصر فلم يعثر على الكنز، ذلك أن « عاشر باص» ،كان قد احتاط من جشع صهره الملك ، فدفن كل أمواله في سراديب عميقة لا يعرف سرّها غير زوجته «علّيسة».
هل كان ذلك طمعا بالمال وحسب؟ لعلّ هناك سببا آخر يتمثّل في بروز «عاشر باص» كمنافس خطير، أو على أي حال ، كزعيم للساخطين على «بيجماليون» وهكذا يبدو أن شهوة المال وحبّ السلطة قد اجتمعا . وحين يجتمع هذا الثنائي في رجل واحد ، تصبح أشنع الجرائم هيّنة .
وغدت «عليسة» تنام وتصبح على بركان من الغيظ و حبّ الانتقام ،لا تنتظر سوى أوّل فرصة تسنح للانفجار والتدفق. وأصبح لديها أكثر من مبرر للتفكير في افتكاك السلطة. وها هي تحرّك خيوط مؤامرة كبرى تستهدف قلب نظام الحكم لصالح ـ العراقة الارستقراطية القويّة ـ . ودخل في حلفها أعضاء مجلس الشيوخ ورؤساء العائلات الارستقراطية الكبرى وأعيان صور، الذين تضرروا من حكم «بيجماليون». ولم تكن «علّيسة» تفتقر إلى الدهاء . فأقبلت على أخيها توهمه أنها لم تعد تطيق سكنى بيتها الذي يذكرها بكلّ ماهو مؤلم ومزعج وأنها تود الرجوع إلى القصر للإقامة معه فيه . فسقط « بيجماليون» في الفخ و أبدى سروره بعودة أخته إليه . ولعله ظنّ انّه سيضرب عصفورين بحجر واحد : فلم يشك أنّ أخته ستعود إلى القصر بأموال «عاشر باص» وهكذا يمكنه أن يراقبها ويراقب أموالها عن كثب ، في انتظار اليوم الذي يضع فيه يده على أموالها كلها . فأرسل لها خدمه لمساعدتها على نقل متاعها إلى القصر . ولكن خبر المؤامرة سرى بسرعة عجيبة إلى القصر متناهيا إلى سمع  «بيجماليون» ، فلم يبق أمام المتآمرين سوى الفرار آو الموت . فاستولوا على  عدد من المراكب ورحلوا عن طريق البحر …
وحين أوغلوا  في البحر أمرت «علّيسة» من كان معها من الخدم بان يلقوا في اليّم أكياسا ، كانت أعدّتها من قبل وملأتها حجارة ورملا وربطتها مليّا لتوهمهم أنها تحتوى الأموال التي كانت وما تزال مطمع الملك . وفيما راحوا ينفذون أوامرها ويقذفون بالأكياس في قعر البحر شرعت «علّيسة» تبكي وتنادي زوجها «عاشرباص» ، بصوت ملؤه الحزن والأسى متوسلّة إليه أن يتقبل منها كهديّة الموتى ، تلك الأموال التي كانت سببا في قتله .
ثمّ التفتت بعد ذلك إلى الخدم وقالت لهم : «ها انتم تفرطون في الأموال التي ما زال «بيجماليون» حريصا عليها وبأيديكم تلقونها في البحر، وانتم تعرفون الان أنكم لو عدتم إلى «صور» فان «بيجماليون» سيقطع أيديكم وألسنتكم، ويسلّط عليكم العذاب الأكبر ، فماذا انتم فاعلون ؟
 وهكذا شرع الخدم يتوسّلون إليها أن تتركهم يهاجرون معها إلى حيث شاءت .
 و أمّا الملك « بيجماليون» فلمّا بلغه فرارها اهتاج غضبا و اعتزم أن يطاردها أنّى حلّت حتى يظفر بها و يُلحقها بزوجها …. و لكن أمّها توسلت إليه أن يعدل عن مطاردتها و التمست عنده العفو عنها و الغفران لمسلكها فاستجاب لها . و لم يكن ليفعل ذلك لو لم يخف أن تلحقه لعنة الآلهة و يدركه انتقامها … وقد تنبأ العرّافون ،و اخبروه نبأ المدينة التي ستنشئها أخته  بعد حين و حذروه من مقاومتها ، وأن الشرّ ينتظره في غده إن مانع في تأسيس هذه المدينة ،التي سيقدّر لها أن تكون أعظم مدن الأرض حظّا ، و أوفرها في القوة نصيبا .
حينما كانت هذه المسائل تبحث في قصر الملك كان المهاجرون قد أرسوا على سواحل» قبرص « :  جزيرة» أفروديت « آلهة الجمال ، حيث استقبلهم سكّانها بالترحاب في احتفال كبير شارك فيه جميع الأهالي بالرقص و الغناء . و كأنما أرادت «علّيسة « تخليد هذه الصداقة الوليدة مع شعب الجزيرة فزوّجت ثمانين من بحّارتها  بصبايا قبرصيات، اختارتهن هي بنفسها من عذراوات المعبد بمباركة  الكاهن  وزفتهن في عرس مشهود . و أقلعت « عليسة « من ميناء قبرص في جمع اكبر… لتحملها المراكب إلى مصيرها المكتوب . حيث نفخت الريح في قلاعها دافعة «عليسة « إلى المصير المقدّر…و لم يدم السفر طويلا إلى أن باتوا ذات ليلة و أصبحوا فبانت لهم من بعيد شواطئ افريقية و كأنها تتهيأ لاحتضانهم ….
من بقعة بمساحة جلد ثور إلى مملكة تقارع الرومان
 و هكذا تقدمت «عليسة «أو» ديدون» إلى سواحل افريقية  ووجدت أن الناس فيها يميلون إلى الغرباء  و يحسنون استقبالهم و يقبلون على التجارة معهم بالمقايضة و المعاوضة . و أرادت الملكة آنذاك ، ابتياع قطعة ارض، لترتاح هي و من معها من أتعاب السفر …
و تقول الأسطورة الشائعة التي كتبها المؤرخ « جوستين  « أنّ «علّيسة» فاوضت حاكم البلاد لمنحها قطعة ارض ، تبني عليها مدينتها ،غير أن الملك أبى أن يمنحها أكثر من مساحة جلد ثور. فقبلت ذلك أمام دهشة مرافقيها ، إلا أن الأميرة كانت تضمر خطة ذكية ، ستمكنها من بلوغ غايتها و تأسيس واحدة من أشهر المدن ، عبر التاريخ و هي مدينة «قرطاج» .
.و بعد حصول الاتفاق على البيع ، الذي ينصّ  على أن يدفع لهم الثمن أقساطا سنويا، أمرت «عليسة» أتباعها بقدّ ذلك الجلد قدّا رقيقا ، في صورة سير طويل، أحاط بقطعة اكبر بكثير من التي كانت تٌظهر الاقتناع  بها . لذلك أطلقوا على ذلك المكان اسم «بيرصة» ومعناه باليونانية الجلد .
وقد توافدت على ذلك المكان ، جموع من البقاع المجاورة، يجلبهم الأمل  في الربح ، وعرضوا بضائعهم الكثيرة وراحوا يبادلونها مع بضائع الوافدين الجدد . ثمّ استقروا بأنفسهم في ذلك المكان: وأتت وفود من «الفنيقيّين» الذين قطنوا «أوتيكا» ، وهي المستعمرة «الفنيقيّة» القديمة، في افريقية بالهدايا لمواطنيهم وحثّوهم على تأسيس مدينة على ذلك الساحل الجميل  .
و هكذا بدأوا يحفرون ، لوضع أسس المدينة الحديثة «قرط حدشت» التي سمّاها اليونانيون «قرخدون» والرومانيون «قرطاغو» والعرب «قرطاجنة» ونسمّيها اليوم «قرطاج». وتروي الأسطورة أنهم حين  حفروا للوهلة الأولي ، عثروا على جمجمة ثور فاعتبروا ذلك شؤما . ووقع الاختيار على قطعة أخرى، من الأرض مجاورة و لما حفروا هناك عثروا على جمجمة حصان،  فتفاءلوا به كرمز للقيمة الحربيّة والقوّة . فكان ذلك هو المكان الملائم ، وهكذا بنيت «قرطاج».
 نهاية «علـــــــــــــــــــيّسة»
 ازدهرت المدينة بعد هذا ، وشاع أمرها طولا وعرضا وكان الناس يتسابقون في الحديث عن ملكتها «علّيسة». و يتبارون في الكلام عن فتنة جمالها وعذوبة صوتها ورشاقة قوامها وظرف حديثها ، وإن لم يكونوا قد رأوها بعد . وبلغت أحاديثهم سمع  «يرباص» : ملك «اللوبيين» فأرسل في طلب عشرة من أعيان المدينة الجديدة . وحين مثلوا بين يديه قال لهم : «عودوا إلى ملكتكم، وسلوها رأيها في زواجي بها ، فإن أبت ، فقد وطّنت العزم على أن أثير في وجهها حربا طاحنة ، تملأ بالها قلقا و ضيقا ، وتنتهي بمدينها الناشئة إلى الخراب العاجل» . 
وأسقط في يدهم. كان ذلك العرض و التهديد الذي تضمّنه ، أكبر من أن  يبَلغوه إلى ملكتهم دون مجازفة . ولكنهم خافوا في نفس الوقت أن ينفذ «يرباص» وعيده . فلما عادوا إلى «قرطاج» احتالوا في عرض ذلك المطلب ، على مسمع علّيسة . وقالوا لها إن الملك البربري يبحث عن شخص يقدر على تهذيب شعبه . وبثّ آداب المتمدنين في رجاله ونسائه ثمّ أردفوا : «ولكن من الذي يرضى بهجر أهله ، إلى شعب يشبه أبناؤه الوحوش، خشونة وجفافا، ليهذب مشاعرهم و يرقق طباعهم و يحمّل نفسه كل هذه المشاق والأتعاب؟ «فلامتهم على تقاعسهم وأخذت تشرح لهم بأن احتمال الحياة العسيرة والثقيلة يهون في سبيل الوطن ، وأن ما يعود على الشعوب المجاورة من خير على يد الفاتحين مرده لهم و مرجع فضله إليهم .
قالوا لها : «قد حكمت بلسانك أيتها الملكة ومن أشار بأمر كان أحرى باتّباعه وأطلعوها على رسالة الملك وبسطوا لها حقيقة الأمر وما يريد بها . فأحّست بان كلامها أوقعها في الشرك ، لأنها كانت تكبر عهدها وتحترم وعدها وتعتبر نفسها مثلا اعلي يقتدي به شعبها .و لكنها من جهة أخرى لا تستطيع الاستجابة لهذا الإثم .فهي لم تتجسّم مشاق السفر و لم تتحمّل أخطار الهجرة وعذاب الاغتراب إلاّ مرضاة لزوجها في قبره . والتزمت الصمت قليلا. ومرّ بخاطرها طيف زوجها المقتول، فانفجرت باكية ترثيه مردّدة اسمه . ثم أعلنت أنها سوف تذهب حيث يناديها قدر «قرطاج» . ولكنها طلبت آن يمهلوها ثلاثة شهور.  وحين اقترب الأجل ،أمرت بإقامة كومة كبيرة من الحطب في طرف المدينة وأشعلت النار فيها وقدّمت لها القرابين… ثم تقدمت «علّيسة» من النار وقد استلّت خنجرا والتفتت إلى شعبها قائلة : «أتطلبون مني أن اذهب إلى زوجي؟ ها أنا ذاهبة إليه».
ثم غمدت الخنجر في صدرها وسقطت في اللهيب .
 الأسطورة و التاريخ 
إن الروايات التي تقصّ أخبار تأسيس «قرطاج» تعتبر بلا شك مهمّة من الناحية التاريخية .إلا أنها محاطة أحيانا بشيء من الغموض و مكتنفة بهالة من الأسطورة . أين تنتهي الأسطورة ،و أين يبدأ التاريخ ؟ ذاك هو السؤال . لذا ليس من السهل أن نضبط بدقة تاريخ و ظروف و أسباب تأسيس «قرطاج». 
إن العديد من المعطيات حول هذا الموضوع بلغتنا عن طريق أشخاص إن لم يكونوا منتسبين إلى أمّة معادية  «للفنيقيين»، فهم على أية حال لم يتعاطفوا دوما معهم . من بين المؤرخين القدامى الذين رووا مغامرة «عليسة» ينبغي أن نذكر خاصة : «تيموس تورومينيون» .
هذا الإغريقي الصقلي ، الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد ولم تكن «قرطاج» قد تحطّمت بعد . ولا شك أن مكاتباتها ووثائقها كانت لتزال قيد الوجود.
كان بوسعه قراءة النصوص «البونيقية» والاتصال بـ«القرطاجنيين» أنفسهم لمعرفة قصة تأسيس مدينتهم من المعين ، هل ذلك ما فعل ؟ لا نملك إجابة عن هذا السؤال. ولكن من المؤكد أن «تيميوس» كان مرجعا لعدد من المؤرخين و الكتاب و الشعراء أمثال: «تروك بمبيوس» و«جوستينيوس» وفرجيليوس ويذكر أيضا في هذا المجال : «مينذرديفزيوس» بداية القرن الثاني ق.م الذي يستند في شهادته على الوثائق الصورية نسبة إلى مدينة صور .
ورغم ما يحيط بقصّة «علّيسة» من شكوك فهي لا يمكن أن تكون محض اختلاف برمتها  .إذ أنها تضمّنت عناصر لا يشك في مرجعيتها التاريخية مثلا : يروي «مينذر دي فزيوس» عن ملوك صور،أن «بيغماليون «خلف أباه على العرش و انه عاش 56 عاما ، قضى منها 47 في الحكم و في السنة السابعة من حكمه ، هربت أخته ، وأسّست على السواحل الليبية (أو اللوبية ) مدينة «قرطاج». 
كذلك عندما تعطي الرواية «لعاشر باص» المرتبة الثانية في المدينة ، بعد الملك ، فهذا يعني أن مؤلفها أو مؤلفيها ، كانوا يعرفون الأهمية العظمى لديانة «ملقرط» في صور. وأنهم يعرفون أيضا أن الكهنوت وراثة في العالم الفينيقي.
ولدى الإرساء في قبرص ولاشك أن إقامة «عليسة» وأصحابها لم تكن قصيرة  وهناك حديث  عن عادة البغاء المقدس المرتبطة بديانة «عشتار» وهذا ما رواه أيضا المؤرخ : « هيرودوتس» بتفصيل ، حيث يقول أن «الفنيقيين» كانوا أوّل من اوجد في قبرص معابد «افروديت» كبغيّ مقدسة تعطي جسدها للغرباء فترة من الزمن قبل أن تتزوج ، حيث كان الجنس يمارس بكل أبّهة الطقس الديني وجديّته ، بعيدا عن أي مظهر من مظاهر الدعارة الرخيصة أو إظهار الميل الشخصي . 
ويروى أن «سيرنياس» الفينيقي ملك قبرص الأسطوري ، هو الذي أوجد هذه الطقوس وكانت بناته من بين بغايا المعبد . 
من ناحية أخرى كيف يمكن  تبرير سلوك «علّيسة» في قبرص ؟ ومفاوضاتها مع الكاهن لتزويج الفتيات الثمانين واجتذابهن إلى مشروعها ؟ واصطحاب الكاهن معها كان مجانيا .  ولكن من اجل تأسيس مدينة في بلاد غريبة ومن اجل  الحفاظ على تلاحم المجموعة البشرية التي تصطحبها ثمة عنصران لابد من توفرهما :الدين والمرأة . ففي مجتمع «فينيقي» أصيل لا بد من توفر تقاليد فينيقية . والدين والمرآة هما العنصران اللذان يحفظان التقاليد .
إذا مهما كان موقفنا إزاء تاريخية هذه الرواية ، يجب الاعتراف أن سلوك «عليسة» معقول من الناحية السوسيولوجية .
ولا شك أيضا أن رواية تأسيس «قرطاج» أدخل عليها  العديد من التعديلات أو الإضافات ، قد تكون شاركت في صنعها و نقلها  أوساط  «يونانية « او «قرطاجنية»، متأثرة باليونان فقصة جلد الثور «بيرصة» أو جمجمة الحصان ، هي من أصل إغريقي حسب بعض المؤرخين . ولعل بعض الإغريق الذين لاحظوا عملة «بونيقية» مكتوب عليها  من ناحية :(بيرصة باللغة الفينيقية). و( لها طبعا دلالة أخرى لدى الفنيقيين ، وهي الحصن آو القلعة) ومن ناحية أخرى  : رأس حصان ، قد قدموا تفسيرهم الخاص  للقصتين معا .
وليس من السهل تحديد سبب تلقيب «عليسة» بـ«ديدون» فحسب «تيموس» لقبت كذلك من طرف أهالي السواحل «اللوبية» عندما أرست هناك وبسبب رحلتها الطويلة وهناك من يقول أن «ديدون»  تعني الهاربة .
أما مشكلة السنة التي تأسست فيها «قرطاج «فحولها يختلف المؤرخون . فهي وقعت حسب «فيليوس باتيركلوس» قبل تأسيس روما بخمس وستين عاما. وباثنين و تسعين عاما حسب « تيتليف » .وبمائة و تسعة عشر عاما حسب «سولينيوس» . وهناك من المؤرخين من يعتقد مثل «جوزاف ومينيندردي فيزيوس «انها سبقت روما بمائة وأربعين سنة . أيا كان الأمر فان المتفق عليه عموما أن تأسيس» قرطاج وقع بين الأعوام 900 و818 ق. م  وعلى العموم أيا كانت التغييرات التي أدخلت على الرواية من أطراف خارجية فان جوهرها يبقى فينيقيا صرفا . وحتى إذا كانت تاريخيّة الرواية موضع شك فذلك لا يمنع أنها تساهم في إعادة تشكيل الماضي «الفينيقي». بحيث نجد فيها عددا من العناصر المنسوبة للثقافة الفينيقية بمفهومها الشامل .
 التضحية بالملك تجديد للقوّة المقدسة 
الانتحار قربان 
إن  أسطورة موت «عليسة» تتفق تمام الاتفاق مع عادة متبعة في الطقوس الدينية القديمة . فكثير من الأقوام البدائية كانت تعتقد أن سعادة القبيلة وازدهارها وعمران الطبيعة نفسها مرتبط بوجود قوّة مقدسّة أو طاقة كامنة ومجسمة في شخص رئيس القبيلة . وهذه الطاقة تتضاءل وتتناقص مع الأيام و السنين وطول المدة . ولا يمكن تجديد أو إرجاع تلك القوة إلا بوسيلة واحدة و هي التضحية بالملك . الذي يجب أن يجود بنفسه وأن يتقدم قربانا للآلهة .ثم بعد موته تقام له الشعائر الدينية … ويروي المؤرخون : أن «عليسة» صارت تقدَس في «قرطاج» بعد موتها مثلما تقدس الآلهة . ويقع تقديم هذا القربان  البشري في الغالب إثر زواج ديني ، يقترن فيه العاهل بآلهة تمثل الأرض التي هي بمثابة أمّنا. ومفعول هذا الاقتران المقدس نوع من الإلتقاح يعمّ كل شيء وينجم عنه إخصاب التربة و إكثار النسل و الحيوانات ايضا  … وهكذا فالملك «الليبي» أو «اللوبي» الذي أرادوا أن يزوجوه «علّيسة «يمثل القوّة و الطاقة المسيطرة بالأرض الإفريقية والتي ينبغي استمالتها واستعطافها لفائدة القادمين الجدد حتى يتم التوفيق بينها وبينهم  . وإن انتحار «عليسة» واحتراقها وسط النيران يمثل التضحية و يعتبر قربانا تكون عاقبته خيرا و نتيجته ازدهار المدينة ورضا الآلهة  عنها. ونحن نعرف أن «الفينيقيين»  كانوا يتعاطون التضحية الملوكية وهي عادة تركت أثرها في مصر و جزيرة «كريت». 
 
« قرطاج» ملجأ « الصوريين» في الأيام الصعبة 
 
وعلى أية حال وأيا كانت القيمة التاريخية لهذه الرواية فلا شيء يسمح في المطلق بإنكار وجود أميرة «صورية» قد تكون ساهمت بشكل  مباشر أو غير مباشر في تأسيس »قرطاج» بل هناك من يرى أن « عليسة» وجدت و أنها أسّست قرطاج بقرار من سلطات مدينة  صور نفسها . و دون ذلك لا يمكن أن نفهم علاقات التبعية التي كانت تربط  «قرطاج» بـ«صور» والتي تمثلت في دفع غرامة مالية لمعبد «ملقرط الصوري» لفترة طويلة كما يشهد على ذلك نص «لجوتنيسيوس ؟» في القرن الرابع ق. م . وهنا نذكر بعض الوقائع التاريخية :منها أن المدن الفينيقية مثل «صيدا» و«صور» كانت تعيش تحت التهديد المتواصل الآتي من  «الاشوريين «من جهة الشرق ومن «الاغريق» من جهة الغرب . و إزاء هذا الخطر الداهم من الجهتين  كان على «الفنيقيين» أن يسلكوا سياسة جديدة . فلم يعد واردا الاكتفاء بالموالي والمستعمرات الصغيرة التي أسّسوها على طول السواحل «الافريقية» وسواها … بل كان ينبغي إنشاء مركز تجاري كبير مفتوح للتبادلات بين الشعوب على أن يكون في الوقت نفسه قاعدة عسكرية قوية بحيث يزول معها الخوف من «الاشوريين» و«الاغريق» . وبالفعل فقد وقعت «صور» تحت سيطرة «بخطنصر»  ملك البابليين سنة 574 ق م ثم تحت نفوذ الفرس  339 ق م ثم في نهاية الأمر في قبضة  «اسكندر الأكبر المقدوني» سنة 332 ق .م  و قد هدّم « الاسكندر الأكبر» مدينة «صور» وفرّ اغلب أهلها إلى «قرطاج» أي المدينة التي كانت أنشأتها وهيّأتها مدينة «صور» لمثل هذه الأيام العصيبة ويمكن أن نقول إن عظمة «صور»انتقلت إلى «قرطاج «التي كان عليها أن تلعب دور الحارس لمناطق النفوذ «الفنيقية» في البحر الأبيض المتوسط و قد قامت بهذا الدور فعلا حتى أواسط القرن الثالث ق م . حيث كان على الحوض الغربي للمتوسط أن يخضع للقوّة الصاعدة : « روما» .
 
 
 
 
 
المـــراجـــع :
محمد حسين فنطر: الحرف والصورة في عالم قرطاج، تونس 1999..
خلاصة تاريخ تونس لحسن حسني عبدالوهاب
شارل اندري جوليان :تاريخ شمال افريقيا  
أوروسيوس: تاريخ العالم، الترجمة العربية القديمة، تحقيق عبد الرحمن بدوي، 
فرانسوا دوكريه : قرطاجة الحضارة والتاريخ .  ترجمة يوسف شلب الشام
 أحمد الفرجاوي : بحوث حول العلاقات بين الشرق الفينيقي وقرطاجة، تونس 1993، 
محمد الصغيرغانم : التوسع الفينيقي في غرب البحر المتوسط، الجزائر1979
 عصفور محمد أبو المحاسن: المدن الفينيقية، بيروت 1981 . 
 
 
 
 
 
 

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …