عناصر سوريالية.. الذهاب إلى الجوهر

الحرية:
شدّد أندريه بروتون في البيان السوريالي الأول على معنى كلمة «حرية» باعتبارها أساس السوريالية، قائلا: «إن كلمة حرية وحدها هي كل ما لا يزال يثير حماستي».
في ما بعد، تكلم عن الحرية باعتبارها الدافع الرئيسي للنشاط السوريالي، والهدف الجوهري للفعل السوريالي.
لم تكن السوريالية، بالنسبة لهم، مذهبا جماليا، بل كانت تجسد إمكانية تحرير الانسان تحريرا كاملا.. لذلك دعوا إلى تقويض الحواجز الاجتماعية والسياسية، وتحرير الانسان.

إن السوريالي يمارس إرادته لتحرير نفسه من الأشياء المألوفة التي تحيط به، ولتحرير الإنسان من الأعراف الاجتماعية ومن النزعة العقلانية ومن جميع أشكال الضوابط التي يفرضها عالم منفعي. السوريالي يدعو إلى التمرد ضد الواقع، ضد قيود العادة والامتثال، ويدعو إلى الإطاحة بكل القيم المسلـّم بها.
الحرية هي غريزة عميقة في الإنسان، تنزع إلى تحطيم كل ما يشده إلى العالم، والذي يتمثل في قوانين العائلة والمجتمع والدولة.
كل كتابة هي فعل حرية.. وحرية الفنان، في نظر بروتون، تعني التحرر من قواعد الفن، وتحرير الكلمات والروح الشعرية.
الحب:
الحب في حركة دائمة – بما أنه يتكوّن من الرغبة، الأمل، اليأس- والإنسان بدوره لا يستقر، في حالة الحب، بل تأخذه الحركة إلى حيث لا يدري ولا يتوقع.
الحب وسيلة لبلوغ المثال وتجاوز الحدود الزمنية.. أيضا وسيلة للكشف عن الذات. إنه قوة قادرة على اختراق الزمن والمكان، وعلى اقتحام حصون العقل.
في الحب الإنساني يتوحّد الكائن مع ذاته، يلتقي بحقيقته، ويتحرّر من جميع الأعراف التي تكبّـل انطلاقه نحو كونٍ يراه الأرحب والأكثر بهجة. في الحب أيضا تتحقق معرفتنا بالعالم على نحو أعمق، بل أن العالم نفسه يتجدّد.
الحب، كما الحلم والخيال، أحد مصادر الإلهام الأساسية بالنسبة للسورياليين الذين يرون في الحب صعودا نحو المقدس والسامي. حيث تتاح للكائن تجربة التواصل مع الخارق. «الحب العظيم مدعوّ لتأليه الكائن الإنساني».. يقول بنجامان بيريه.
بالنسبة لبروتون، الحب هو المبرّر الحقيقي، شبه الوحيد، للحياة.. تلك العلاقة التي تطلق الشرارة الخالدة، شرارة الدفء الإنساني والتحوّل والاستمرار الخلاق. إن أحداً، كما يعلن بروتون، «لا يجرؤ أن يواجه، بعينين مفتوحتين، وهج الحب الساطع الذي فيه تتمازج، من أجل التبصر السامي للإنسان، فكرتان لحوحتان هما فكرة خلاص النفس وهلاكها. (..) وإذا كانت هناك فكرة استعصت، حتى اليوم، على أية محاولة تقليص، وقاومت أشد المتشائمين، فهي فكرة الحب القادرة وحدها على مؤالفة كل إنسان (مؤقتاً أولا) مع فكرة الحياة».
الحب، من بين كل استجاباتنا، ربما هو الأقل عقلانية وتماشيا مع المنطق. الحب عندما يسود ويرشد السلوك، يصبح عامل إلهام ويكتسب قوة الوحي. وفي الوقت نفسه يصبح عامل تمزيق، يوقع الفوضى في ما هو قائم ويمزق صلات ما هو مترابط، محطماً فتنة الماضي ومشجعاً على مواجهة المستقبل بتفاؤل. في غضون ذلك، يطيح بالتوازن، والعالم اليومي يفقد ثباته واستقراره، تاركاً للرجل والمرأة الأمل بالتحكـّم في قدرهما الخاص.
الإنسان سوف يستفيد من تخلل الحب في حياته، فالحب هو المفتاح إلى الحرية، القادر على قهر كل العقبات والعوائق أمام أولئك الجسورين الذين لن يمنعهم أي باب.. مهما أحكم إقفاله.
الحب وحده قادر على حل جميع التناقضات لأن به يتوحّد الجوهر والوجود، ويجتمعان في تناسق وتناغم. كذلك ينحلّ التناقض بين الذات والموضوع، الرجل والمرأة، الحياة والموت، بما أن الحب قوة قادرة على تكثيف العالم إلى حد انعدام الوزن، كما يقول والاس فاولي.
في ما يتعلق بأهمية ودلالة المرأة في المنظور السوريالي، فقد دعم بروتون ورفاقه أملهم في نجاة الإنسانية على قدرتها في إعادة إيلاج الشغف في كل نشاط، من الجنسي إلى اليومي والعادي. ليس عبر الاستقطاب والمنافسة، لكن عبر الاتحاد مع الأصل الأنثوي، يمكن للإنسان – والمجتمع ككل- أن يتغلب على فضيحة الوضع الإنساني. هذا التوحيد والتكامل للقوى كان شرط الوحدة الإنسانية مع الطبيعة.
من خلال الوحدة مع المرأة، صار لدى الرجل هاجس التحقق الأخير في الوحدة مع الطبيعة. إنها طريقة أخرى للقول بأن الرؤية الداخلية هي فراغ إن لم تلق ضوءا على السفر نحو «الآخر».
التمثيل السوريالي للمثال الأنثوي هو استثناء أخاذ. المرأة يُنظر إليها بوصفها أكثر مرونة، أكثر انفتاحا على الوقائع المادية، لذلك هي بمثابة الوسيط، ليس لغرض ارتكاب أي تعمية وإرباك بل كدليل نحو تنقية أي تشوّش.
الحب، بالنسبة للسورياليين، تعبير عن أعماق الشخصية الإنسانية. العلاقة الروحية والجسدية التلقائية مع المحبوبة تجعلها الوسيط بين الحساسية الإبداعية للشاعر والأحاسيس التي ينبغي استحضارها من الأرض. في المرأة ينعكس جمال العالم المادي وانطباعات الشاعر. والحب يجعل الحواس أكثر حدّة واتقادا، والمخيلة أكثر رهافة إذ تحرّر الشاعر، على نحو أفضل من أي شيء آخر، من مفاهيم الزمن والمكان.
في احتفاء بروتون بالحب، هو رأي في الصلة الحميمة بين الرجل والمرأة توافقاً مع انصهار الروح والجسد. وقد كتب في Arcane 17 يقول: «إذا طرحنا جانبا كل الأفكار الخاطئة والمغالطات بشأن الخلاص، فمن خلال الحب تحديدا، الحب وحده، يمكن أن تظهر تلك الدرجة الأعلى من الاندماج بين الوجود والجوهر. إنه الحب الذي يستطيع أن ينجح – في تناغم وبلا التباس- في التوفيق بين هذين المفهومين واللذين، بدون الحب، يظلان مصدرا للعداء والقلق. إنني، بالطبع، أعني ذلك النوع من الحب الشامل، الذي يشمل الأمد الكلي للحياة».
إن الحب يوصلنا إلى الجوهر، إلى طبيعة الإنسان العميقة التي تتجلى في علاقته بالآخر.. حب فريد يجعل من الآخر، من المحبوب، عالما مصغراً وحيـّاً يُتاح له التلاشي فيه. وهو أيضا يُظهر الصلة الحميمة بين الإنسان والطبيعة. يقول بروتون:
« الحب، المتبادل والكلي، الذي لاشيء قادر على إفساده، الذي يجعل الجسد ينقلب إلى شمس وختم باهر على جسد هو مصدر غناء دائم، غير قابل للتغيير، ودائما حيّ، والذي ماؤه يشق طريقه ويجري بين عبّاد الشمس والإيقاع الشعري».
عبر المرأة تحدث المصالحة مع الحياة، والالتحام بالكون.. هذه المرأة التي – حسب تعبير بروتون- لن يكون أحد بمنأى عن نظرتها التي تمثـّل الخطر الجميل.
السوريالية تعيد كلمة الحب إلى معناها الحاضر والمخيف، معنى التعلـّق الكلي بمخلوق بشري، المبني على الاعتراف الإلزامي بحقيقة الإنسان في روح وفي جسد هما روح وجسد هذا المخلوق. وليس ثمة فصل بين الحب الجسدي والحب الروحي، كلاهما كلّ غير منقسم. الحب تجربة سامية يزول فيها التعارض بين الجسد والروح. الحب ليس محض شهوة يستنفدها الإشباع.. والشهوة الجنسية نفسها ليست إلا مظهرا من مظاهر الحب. إن الحب أوسع من أن ينحصر في الرغبة الجنسية.. فهو «المحرّر الأول للإنسان، والمجدّد الأول للعالم». إنه يتيح القضاء على الشعور بالإثم في ما يتعلق بالتعبير عن الرغبة.
لقد احتل الحب المكانة الأولى بين مشاغل السورياليين، حتى أن فلسفة الحب – كما يقول والاس فاولي في «عصر السوريالية»- هي التي أوحت بمعظم روائع بروتون وإيلوار. كانوا يؤمنون بفكرة انقسام الكائن إلى شطرين والسعي إلى التوحيد بينهما عبر الحب، الذي هو أيضا التركيب بين الذاتي والموضوعي. وكان بروتون يرى بأن الخلق الفني لا يضاهي في أهميته الرؤى التي تتكشّف له بفعل تجربة كتجربة الحب.
لكن السورياليين يدركون أن هناك عقبات جسيمة تقف حائلا دون تحقيق الحب على الوجه الأكمل، وهي ناجمة عن متطلبات الحياة الاجتماعية. إن سبب هجومهم المتكرر على المجتمع يكمن في أنه لا يسمح بتحقيق تام وحر لرغبةٍ يراها المجتمع مدمّرة.
لقد نادوا بالحب الذي يحطم كل الحواجز، كما ينتهك المحرّمات والقيود التي يفرضها مجتمع مؤسس على قيم زائفة. أرادوا أن يجعلوا من الحب قوة ثورية تحطم في طريقها جميع العقبات التي تمنعها من التحليق وتفجير طاقتها. لقد احتفى السورياليون بالحب المجنون، بالشغف الذي يجعل من الرجل والمرأة خارجين على القانون وفي ثورة عارمة ضد مجتمع قمعي.
بالنسبة للسورياليين، الحب المجنون.. كما دعاه بروتون، أو «الحب السامي».. كما تحدث عنه بيريه، أو «المبدأ الخارج على القانون».. حسب تعبير أراغون، هو نوع من الإحساس – المتعذر كبحه- بانتهاك المحرّم، بازدراء الممنوع. إنه الشغف الذي لا يضبطه ولا يحكمه عقل أو حافز تعبيري أو باعث لاعقلاني، بالتالي هو الذي يميل إلى توكيد الحرية. مثل هذا الحب، غير الخاضع للنزعة الوجدانية، يساهم – من زاوية السوريالية الثورية – في تأسيس علاقة جديدة.
لقد أبدى السورياليون احتقارا شديدا للحالة الوجدانية، للإفراط في العاطفة، ولم يثقوا بالوجدان أو رقة الشعور. بالنسبة للذهنية السوريالية، الوجدانية تدل على الخضوع والامتثال، القبول المطلق بالمعايير الاجتماعية والأخلاقية، المصالحة مع – بل وحتى الاستسلام لـ – القوى التي تنتهك الحرية الفردية. لهذا السبب، الحب لا يثير حماسة السورياليين إلا عندما يجد تعبيره كثورة.
إن ثيمة الحب هي واحدة من أكثر الثيمات جمالا وحساسية في الأدب السوريالي، منذ الأشعار السحرية الأولى وحتى النصوص الأكثر قابلية للفهم في سنوات الحرب والمقاومة. تلك النصوص التي أهداها أراغون إلى إلزا، وأهداها إيلوار إلى نوش، وأهداها بروتون إلى إليزا. فالحب هو الإحساس العميق بالذات، بالمعنى المادي كما بالمعنى الروحي للكلمة، بما أن الفارق لفظي أكثر مما هو حقيقي بالنسبة للسورياليين.
لقد كان بيريه يصرّح بأن المرء لا يستطيع أن يكون شاعرا إذا لم يستطع أن يحب حبا ساميا. وبيريه، مثل العديد من رفاقه السورياليين، عُرف عنه استغراقه الكلي في الحب، ومثلهم كان مخلصا جدا إلى الحب «الواحد والوحيد». قوة الحب، كما يراها بيريه، متأصلة على نحو حميم في حالته كشاعر. الشعر هو «المحل الهندسي للحب والثورة». وفي نظرهم حل الحب محل مفهوم المقدّس المرتبط بالوجد الديني أو الانجذاب الصوفي.
الرغبة:
يعود الفضل إلى فرويد في معرفة كيف أن الرغبة في الإنسان قد تجد منفذا أو متنفسا بطرق ملتوية أو غير مباشرة. والرغبة، وفق فرويد، هي المحرّك السرّي الأول للإنسان.
السوريالية أرادت أن تعطي شكلا ومعنى لهذا المفهوم (الرغبة) الذي هو متعدّد ويحتمل تأويلات عديدة. ومثلما ينتظر الإخفاق أي شخص يفسّر الحلم ضمن معنى واحد فقط، كذلك سيكون الإخفاق مصير من يحدّد هوية «الرغبة» حصريا ً في غريزة التملـك المتمثلة في التوق الجنسي.
في الواقع، يصعب إعطاء مظهر ومعنى لهذا المفهوم، حتى في شكله الأقل تملـّصا ومراوغة.. أي الشغف الجنسي. ذلك لأن الرغبة، في جوهرها، متغيّرة الشكل.. وثورية.
الرغبة هي العنصر الخارق الذي يحتفظ بتأثيره وقوة جاذبيته. إنها المحرّك الأكبر والموحّد الأكبر أيضا، فهي التي تعبّر عن الإنسان وتؤلف جوهره. وعبر إدراك الرغبات المكبوتة، تحاول السوريالية تنمية الشخصية الإنسانية، وتحرير الفرد من الإحساس بالإثم.
لكن لا يكفي الإعلان عن قوة الرغبة الخارقة بل ينبغي إيصالها إلى الضوء والاعتراف بها ثم إطلاقها. ينبغي تحريرها من العقبات التي تحول دون تحقيقها، هذه العقبات والحواجز التي ينصبها المجتمع، والتي تتصل بالمصير الإنساني.. مجتمع لا يكف عن مهاجمة الرغبة بعنف ومحاولة أسرها وتقييدها.
الثورة الحقيقية، في نظر السورياليين، هي انتصار الرغبة، هي تحطيم القيود التي يفرضها المجتمع على النشاط الحر للشعور، وإلغاء التوجيهات المفروضة على علاقات الفرد بالآخرين. بمعنى آخر، الرغبة هي تعبير عن التمرد على القانون الشكلي الذي تفرضه المفاهيم الأخلاقية.
يقول بول إيلوار في مقالة له عن الرغبة، نشرت في العام 1932: « إن أنبل الرغبات هي الرغبة في مقارعة كل الحواجز الموضوعة من قِبل المجتمع البورجوازي أمام تحقق رغبات الإنسان الأساسية والحيوية.. لا المحظورات المفروضة على الجسد وحده بل على المخيلة أيضا».
لقد كان السورياليون على قناعة بأن تحطيم التخم الذي يفصل الوعي عن كل ما يكمن عميقا في ذاتية الفرد سوف يجعلهم في تناغم أكثر مع الرغبة.
الرغبة والحلم، عند السورياليين، مظهران للباعث المحرّك ذاته: أن تمتلك أكثر مما يكفله لك وضع الإنسان في هذا العالم، وأن ترى ما لا تمتلكه بعد.. بواسطة الفعل الشعري.
يعترف إيلوار في المقالة ذاتها أن «الشغف، بالنسبة لي، يمثل جوهر الرغبات، في النوعية كما في الكمية، إلى حد أنه – في أحوال كثيرة- يصعب عليّ أن أماثله مع المفهوم البسيط للرغبة.. الرغبة في أن تكون سعيدا، أن تكون تعيسا، أن تطابق الآخر مع ذاتك، أن تفقد ذاتيتك، أن تعمّر، أن تموت، إلخ. كل ما يؤلف الشغف يفضي إلى المغالاة في تقديري له».
ويقول مان راي:
« هل يمكن للمرء أن يتخيّل في الواقع لقاءً بين اثنين أكثر إلحاحاً من اكتشاف الرغبة المشتركة؟
من الإيماءة الأولى لطفل يشير إلى شيء ما ويعطيه اسما، إلى العقل المتطور الذي يبدع صورة تثير مشاعرنا حتى المستوى الأعمق من لاوعينا بغرابتها وواقعها، كانت يقظة الرغبة هي، على الدوام، الخطوة الأولى نحو المشاركة والتجربة. كل تأثير تحثه الرغبة يجب أن يرتكز على طاقة آلية أو ما دون الوعي، والتي تساعد في تحققه. من هذه الطاقة نحن نمتلك ذخائر غير محدودة. كل ما هو مطلوب، الإرادة في الوصول إلى ذواتنا، متخلصين من كل إحساس بالكبح والاحتشام».
الجمال:
إن رفض الجماعة السوريالية للمعايير التقليدية للجمال، قادهم من البداية إلى توجيه عناية خاصة بالمثال الذي ضربه لوتريامون في كتابه «أناشيد مالدورور»:
«جميل مثل لقاء تصادفي، غير متوقع، بين آلة خياطة ومظلة على طاولة تشريح»..
وقد استجاب السورياليون بحماسة وحساسية شديدة إلى هذا المثال/الصورة/التشبيه، الذي قدّمه لوتريامون. وعلى هذه الشاكلة تم ابتكار تشبيهات أو تعريفات أخرى للحب، مثلا، ولعناصر أخرى.
في تحديد بودلير، الجمال هو «شيء مضطرم وحزين، غامض قليلا، يترك الفنان للتخمين».
وقد أشار بودلير (حسب سوزان برنار في كتابها: قصيدة النثر) إلى أن «الجميل» ينطوي على عنصرين، الأول أبدي لا يتغيّر، والثاني نسبي مرتبط بالحقبة والظروف.
هذه الملحوظة الخاصة بالجميل التصويري يمكن تطبيقها أيضا على الجميل الشعري، ففي الشعر عناصر جمال أبدية وجوهرية، لكن هناك أيضا عناصر نسبية تتنوّع مع العصور، ولا يمكن للقارئ أن يتذوّق الأعمال بذات الطريقة، ولا للكاتب أن يكتبها وفقا لذات الجمالية.
الدعابة:
الضحك، بالنسبة للسورياليين، كان أفضل سلاح للتمرد على الرياء وسخف العلاقات، ومن أجل التحرر من الضغوط الاجتماعية ومن سطوة العالم. وإذا كان الضحك قناع اليأس، فهو كذلك رفض الانصياع للأحكام المسبقة.
بما أن الدعابة كسر للعلاقة المألوفة مع الأشياء، وتعبير عن الرغبة في التحرر والانطلاق، فإنها بالتالي فعل ثوري. الدعابة واحدة من القوى القادرة على رجّ المجتمع، وتحطيم الحواجز التي تقيمها العقلانية والأعراف والعادات المتبعة. وفي نظر السورياليين، الدعابة وسيلة للانتصار على العالم والتفوق عليه، ولو لبرهة وجيزة، وللانتقام من الحياة والموت، ولو جزئيا. للدعابة، إذن، مفهوم فلسفي. بروتون يرى فيها «تمرداً سامياً للروح على عبثية الأشياء» و«ثورة العقل الأسمى»، ويقول عن الدعابة أن «بوسعها تجسيد العنصر السامي الذي، وفقاً لفرويد، هو متأصل فيها ويتخطى أشكال الهزل».
إن فرويد لم يتوقف عند التحرر فحسب بل أشار إلى التسامي في حضور الدعابة، إذ يقول: «الدعابة لا تتضمن، شأن الذكاء والهزل، شيئا من التحرر وحسب بل تضيف شيئا من التسامي والعلو (..) فالتسامي ناجم عن انتصار النرجسية في مناعة الأنا التي تتأكد بشكل ظافر. فالأنا ترفض أن يلحق بها الأذى، وأن تفرض عليها الوقائع الخارجية الألم والمعاناة».
إذا كان أنتونان أرتو يعتبر الدعابة وسيلة لتحرير القوى الغريزية في الكائن البشري، فإن السوريالي اليوغوسلافي ماركو ريستتش يرى أن الدعابة في جوهرها «نقد حدسي وضمني للآلية الذهنية المتعارف عليها، وقوة تستخلص واقعةً، أو مجموعة وقائع مما يُفترض أنه نمطها المألوف، لتدفع بها في سلسلة مدوّخة من العلاقات غير المتوقعة وفوق الواقعية. ويمكن للدعابة، والدعابة وحدها، بمزيج من الواقع والخيال يتجاوز سائر حدود الواقع اليومي والمنطق العقلي، أن تضفي على كل ما حولها جدّة مضخّمة وطابعا هذيانيا من اللا موجود في المألوف، كما تعطي أهمية مضللة إلى جانب حس فائض فريد لكنه كلـّي».
الدعابة الموضوعية، حسب بروتون، هي «تأليف بين محاكاة الطبيعة بأشكالها العارضة من جهة، والدعابة من جهة ثانية: الدعابة باعتبارها انتصارا لمبدأ اللذة على الشروط الواقعية».
ولقد اكتشف السورياليون منابت الدعابة الموضوعية في أعمال سويفت، لويس كارول، الفريد جاري، جاك فاشيه، روسيل، دوشان، ريغو، وآخرين.
تشير سوزان برنار، في كتابها «قصيدة النثر»، إلى أن الدعابة عند بودلير كانت شكلا من الروحية العدوانية، وعند لوتريامون هي مجال اختصاص أساسي للآلة الجهنمية التي يمتلكها، وعند الفريد جاري هي أسلوب حياة، فقد «كان عليه في النهاية أن يصنع من وجوده قصيدة دعابة لاامتثالية»، أما عند السورياليين فهي وسيلة للتحرر من ضغوط العقلانية.
إن الدعابة، كما يقول ميشيل كاروج، قوة سلبية وشاشة تفصل بين الوعي والنظام القائم في العالم الذي يفقدها الشفافية من جراء انجذابها إليه. وهي تسعى إلى نسف جميع العادات التي نجمت عن هذا الانجذاب والتي شددت من قبضته، وتحرر الوعي من الدوران في فلكه، وتمكنه من التأثر بمغناطيس ساحات القوى المنبعثة من اللاوعي.
في العام 1939 قام أندريه بروتون بجمع النصوص التي تشكـّل منتخباته في الدعابة، من حيث هي نزوع إلى نفاذ البصيرة وتسامي الروح، لتؤلف انطولوجيا هامة، مكتشفا في تلك النصوص دعابة سوداء تتسم بالمزاح الجارح والسخرية الضارية والتهكم المرّ الحزين.
الدعابة، كما الحال مع الشعر، لا يمكن تحديدها، ويصعب تقديم تعريف لها. مع ذلك، فقد ظلت الدعابة السوداء حقلا ثريا يحلو للسورياليين ارتياده وسبره. وقد حاول بروتون ذلك في كتابه «انطولوجيا الدعابة السوداء»، الذي صدر في شكله النهائي سنة 1966. ومن خلال هذه الانطولوجيا، قدّم بروتون ما يناقض الفكرة الرائجة عن الدعابة السوداء باعتبارها نوعا جديدا من النكتة التي تجد قبولا ورواجا. لقد تحدث عن الدعابة بوصفها عملية تتيح لنا إزاحة الواقع جانبا أو التحرر من قبضته.
الدعابة السوداء، وفق المفهوم السوريالي، هي قهقهة مريرة غالباً ما تتـّخذ شكلا هزليا. إنها ضحكة إنسان يعلم أنه مسحوق تحت آلة جهنمية، وهو يضحك لهذا السبب تحديدا. إنها ضحكة التحدي، الضحكة المليئة بالبذاءة والشتيمة، المنطلقة من أعماق الأنا الثائرة لتستثير – ولتتحدى أيضا- الآخرين والقدر الكوني. بالدعابة السوداء يتمكن الإنسان من تأكيد تحديه واستخفافه في وجه كون جائر، قمعي، يسعى إلى تحويل البشر إلى ضحايا.
الإنسان، هذا الساخر من العالم والمجتمع، هو ساخر من نفسه أيضا.. ساخر من يأسه. وفي ميله إلى الدعابة السوداء يجد نوعا من التعويض. ليس ثمة فكرة مدروسة تحرّك هذا الساخر بل الغريزة الخارجة على العقل، وهو إذ يأتيه التهديد من كل صوب، تدفعه إرادة قاهرة في إنقاذ ذاته وتحصينها.
خوان ميرو، الرسام الذي سحرنا كثيرا بدعاباته المتألقة، اعترف بأنه مأساوي بطبيعته وقليل الكلام: «أنا متشائم. أعتقد أن كل شيء سوف ينتهي بشكل سيء جدا. إن كان ثمة عنصر فكاهي في لوحاتي، فذلك لم يكن مقصودا بوعي. هذه الدعابة تنشأ ربما من الحاجة التي أشعرها للهرب من الجانب المأساوي لمزاجي الخاص. إنه رد فعل، لكنه رد فعل إلزامي».
دعابة ميرو، كما يقول رولاند بنروز في كتابه عن ميرو، غالبا ما تحوي نكهة عنف، وكثيرا ما تثير إحساسا بوحشية مقلقة جدا. إنه إسباني حتى النخاع. هجومه على الصورة الإنسانية، بصريا وإدراكيا معاً، هو تدميري ومماثل لتحريفات بيكاسو العنيفة. إن التواءات وتعبيرات أشكاله تثير الضحك بسبب الهزل البريء والساذج الذي تتسم به، والضحك الذي يسبّبه شيء غريب أو متنافر هو – كما يقول بودلير- «يمتلك خاصية عميقة، فطرية وبديهية، وهو أقرب إلى الحياة البريئة وإلى البهجة المطلقة من الضحك الذي يسببه هزليّ في سلوك إنسان».
الدعابة هي الوسيلة التي بها ننتقل من مستوى إلى آخر، والتي تقدم شكلا من أشكال الهرب. وميرو يستخدم الدعابة على نحو غريزي ليقودنا إلى ما وراء العادي والمبتذل، عارفا بأن ذخيرة التفاهة والابتذال التي تحيط بنا هي المادة الأولية التي يستفيد منها في الرسم.
في حديثه عن الدعابة السوداء، يقول السوريالي المصري جورج حنين: «هي أروع عملية تفكيك للوعي. هي ليست هزلا ولا تهريجا ولا تتحدد بانفجار الضحك أو العويل، بل يجب تناولها كإحدى ثوابت السلوك وكقدرة استقبالية لدى الإنسان تجاه ما يحيطه. إنها طريقة خاصة لرد الفعل تجاه كل ما تنقله الأحاسيس (..) الدعابة هي رؤية نقدية، متشائمة. حدّتها في نمو متواتر مع انفتاح مجال الحريات الإنسانية وتوسعه».
ويؤكد هنري ميشو هذا المنحى في قوله:
«من خلال الدعابة يحقق الإنسان حريته فيها».
إن ميشو – حسب رأي سوزان برنار- هو أفضل من يمثـّل دعابة الفنتازيا التي تحاكي تعاقبات الوقائع أو الأفكار التي نلقاها عادةً في نصوص السرد، من أجل توحيدها على نحو أفضل.
وتقول سوزان برنار: «الدعابة هي مظهر هذه الفوضى الهدامة التي تقوّض، من الأساس، الواقع المعطى لتحرير الفرد بشكل أفضل، والمطالبة بتسامي الفكر على ما يحيط به. ولأنها تحديدا شكل عدواني فإن هذا النوع من الدعابة السوداء يمكن أن يرقى إلى الشعر.. لدى ميشو والفرد جاري ولوتريامون».
العجيب أو المدهش:
وفقاً لما يقوله مابيل: «العجيب يعبّر عن الحاجة إلى تخطي التخوم المفروضة». من جهة أخرى، وكما يلحّ مابيل، فإن العجيب هو «اتحاد الرغبة والواقع الخارجي» أكثر مما هو مجرد «توتر الكينونة المفرط».
السورياليون يرون العجيب بوصفه معطلا أو منتهكا لواقع مسلـّم به، وفي الوقت نفسه، كمحفـّز ثمين بواسطته يمكن استمالة وحث الواقعي على التعجيل بحدوث ما فوق الواقع (السوريال).
في البيان السوريالي الأول نقرأ: «العجيب ليس هو نفسه في كل مرحلة. إنه يشارك بطريقة غامضة في نوع من الكشف العام، والذي فقط تفاصيله تصل إلينا».
بنجامان بيريه قدّم تعريفا للعجيب أو المدهش بوصفه: «القلب والجهاز العصبي للشعر».
لوي أراغون صرّح بأن «الحرية تبدأ من حيث يولد العجيب».
أما روبير ديسنوس فقد رأى في العجيب «الهدف الأسمى للعقل البشري بما أنه توصل إلى حيازة القوة الخلاقة الممنوحة له من قِبل الشعر وملكة الخيال».
لقد سعت السوريالية إلى إعادة إدخال العجيب في الاحتمالات اليومية. وكانت ترى بأن الواقع، إذا بدا باهتا وبليدا جدا، فذلك لأن الإنسان لم يتعلـّم كيف يرى. إن رؤية الفرد العقلاني للعالم هي سطحية، ولكي يبلغ العجيب فلا بد له من أن يغيّر تأويله للعالم الذي يحيط به. من هنا كانت السوريالية تطلب من الشعر أن يساهم في تحرير الجنس البشري من العقلانية.
لكن كم هو مراوغ ومتملص معنى العجيب.. فبينما يجري حديث كثير ومتعدّد عن هذا المفهوم ضمن الأوساط السوريالية، إلا أننا نلاحظ بأن لكل منهم معناه الخاص وتأويله الخاص. وترد مدلولات كثيرة، فقد يدلّ هذا المفهوم على الانهماك في الشؤون الدنيوية والمادية ومظاهر الثورة، وقد يدلّ على تجلي التفكير اللاواعي والرغبة.
مع أن العجيب هو نقيض المألوف، أي كل ما يخرج عن المألوف والعادي، إلا أنه يمتزج بالعادي واليومي بطريقة طبيعية جدا. الأحداث غير الواقعية تصير هنا عادية.
الشعر هو مجال العجيب الذي يغدو أليفا حتى أنه يصير حقيقيا. ويدرك السورياليون بأن التعبير عن أعمق الانفعالات في الكائن لا يتحقق إلا بالاقتراب من العجيب والمدهش، حيث تجلـّي ما وراء الواقع في الواقع، حيث يفقد المنطق فعاليته، ويتم التحرر من كل ضغط زمني، حيث «العجيب جميل على الدوام. كل عجيب جميل، بل لا جميل إلا العجيب».. كما عبّر بروتون في البيان السوريالي الأول.

المصادر:
Towards The Poetics of Surrealism, J.H.Matthews
Surrealism: The Road To the Absolute, Anna Balakian
From Enchantment To Rage, Steven Kovacs
Languages Of Surrealism, J.H.Matthews
 
ترجمة وإعداد: أمين صالح
      كاتب وقاص من البحرين

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …