عيسى

إسحاق الخنجري

1 ـ
كأن أنهارًا تتفجر داخلي
كأن حياة أخرى
تشدّني إليها
كلما حاولت أن أتهجى ألمي
وأكتب عنك

ماذا أكتب عنك
وأنا لا أملك شيئا
غير هذه الروح الناقصة
وأنت النشيد الكامل
في الألوان القزحية

في دمك
تلمع جواهر الأنبياء والصلوات
والأزهار البرية
ونسائم الملائكة

في دمك
الأماكن نوافذ للزمرد الأزرق
والأيام كلمات حالمة
في خيام الأبرياء
تبتسم فتسقط الأمطار
تضحك
فتغرق الأرض بالحدائق
هي روحك الطليقة
التي تحرك الغيم وتتسامى

في دمك
لا وجود للأشواك
ولا للغرباء الذين أنهكتهم
ذئاب الأبدية
ولا للصحراء القاحلة
ولا للحرب
كل جهاتك
تقود إلى الماء والياسمين

في دمك
ما شفه القمر
من حكايات صافية عن الماضي
وأسرار القدامى
كيف يشعلون الوحي في الظلام
وينثرون الأنوار
كيف يعيدون للمنازل حكمتها
وللبحيرات
جمالها الخالد

في دمك
وحده الصمت يشعل القناديل
كي تهدأ الحواس
من الكلام الجارح
ليعود الوقت في مرابع الحياة
حالما وشفيفا
ويخفت التاريخ

في دمك
السنوات خفيفة
مثل طائر القطرس
تطير بها الأجنحة
إلى جزر بلا ذاكرة
خالية من الشوارع والقلق
وأنفاس المعذبين
والأبراج الضارية

في دمك
بهجة العشب
ونشوة العصافير أمام الأنهار
كأنني أراك الآن
تبسط قلبك على الأحلام
وعينيك على الرياح البعيدة
أرى خطواتك
التي صنعتها من الذهب
تعبر العالم
أيها الصغير في القبر
الكبير في أحاديث النجوم

أنت السر الوحيد
لمرايا النرجس
الخيال لعائلة ريفية
غارقة في الحنين
الصوفي الذي يدل المشردين
على الينابيع والأشجار
البلبل الهائم
الضياء في مواكب زحل
بعد الغروب
الغريب السائر على طرقات الثلج
مؤمنا أن الطمأنينة
تكمن في البياض
عاشق المروج
الهادر بالضحكات النديّة
وطن الأطفال
والفراشات والغرقى
الربيع الذي
يتدثّر به اليتامى
بعيدا عن جراحهم
أنت أغنية المدى
أنت الأشياء الرقيقة كلها

أسمعك هناك
تردد قصائد خضراء
عن الوطن والأصدقاء
والرحلات التي تومض في أعماقك
عن نداوة الكلمات
وهي تورق الشجيرات حول بيتك
عن السفن المهاجرة
حين تحن عليك
وتصطفيك من جحيم الصحاري

أسمع أجراسك
تنادي قطعانا من الوعول
وأسرابا من اليمامات

أسمعك تهمس:
ما أجملها هذه الحقول
وهذه العواطف النقية
لا أحقاد ولا فخاخ
لا شمس حارقة
ولا عواصف
لا قراصنة يسرحون
ولا ضباع تزمجر
لا شواطئ مظلمة
ولا دلافين تربك الزوارق

قل لنا يا أخي:

هل الموت
سرير معلق في هواء بارد
أم شرفة تطل على ذكريات
أم موسيقى النباتات البحرية
أم السكون
الذي يؤدي إلى هديل السماء

أين ضواحي آدم وحواء
ملتقى الأغنيات في أرواحنا
نراهما
في كل جوقة تغني
عن الحب والنيازك
والموج والأصداف

أي القوافل
مشت بضوء القمر
ودلت يوسف على السكينة
قادته إلى وجهه الجميل
وجه الخزامى الذي لا يذوي
أمام الرمال

أما زالت
عصا موسى فاتنة كالبرق
تهش أوراق الشجر
وتسمو في البراري

قل لنا :

متى تتجمد الفصول
وتقوم القيامة
تنهد الممالك كلها
ولا يبقى شيء عدا الرماد
ما هذه الدنيا
سوى أصبع صغير في محيط
نملة تجرها أفيال
ورقة صبار
شمعة العاشق المهزوم
عازف مصاب بالخذلان

ما شكل هذه الروح
التي تعصف بنا
من ضباب إلى ضباب
ومن متاهة إلى متاهة
تعبنا وانكسرنا
وتهنا خلف الثعالب في الوجار

أنت الآن حر
تجلس
على أغصان سدرة المنتهى
تنظر إلى مساكن بيضاء
وغلمان من زنابق
ونبيذ بلا رائحة
ونساء قاصرات الطرف

أنت الآن حر
ونحن الأسرى
المعذبون بالأحلام

2 ـ
كنت الشمس والغدير
كنت قصيدة الندى
كنت الطير الأنيق
كنت العشب الهادر فوق الجبال
كنت الملاذ
حين يرتجف العالم
وينتشر الضباب
كنت ربابة الوقت
كنت الفنارات
كنت بداية البحر
مأخوذا بأغصان المدى
كنت الملاك الذي يربت على خطانا
ويستثير أحلامنا
كنت الأقاصي
كنت القدر الأخضر
كنت الشجر
وكنا أسراب يمامات صغيرة
تمشي على ظلالك

شاهد أيضاً

قسوة ومحبة

ظبية خميس رغم أنك تظن أنك ممتلئ بالمحبة كم هي قاسية أحكامك وألفاظك وأحيانا نظراتك. …