غائبون لشراء بطاقات هواتف

خمس دقائق لحضنك مرتين
أعطنِي خمسَ دقائق لأثبتَ لك أنني لا أبالغ كالشعراءِ صانعي التماثيل من وسخ أظافر الشيطان،
وذابحي الطيور التي بالغ السجناء في عدّها؛ بشعاعاتٍ استلّت من تلاقي الشمس والشيطان الذي لا ينام.
نحن لم ننم كسائر المرضى، لكن إذا فكرنا في النوم ننام. و لم نسافر في التفاصيل، إلا لنسرعَ في وصف الأجندةِ بالحبلى!
خمسَ دقائق أوسع من أيّ عتبة و من كل هدنة.
خمس دقائق زمنا لحضنك مرتين، لا على عتبة بيتٍ ولا على سلّم مقهى ولا تحت صيف مزراب قديم.
خمس دقائق لتصريف دموع عاشق غادر مراياه، وراء ظهرك؛ لأجل الصمود في وجه عاشقة لم تغادر المرآة.
خمس دقائق قبل أن يجمدَ ماء النشيد، قبل أن ينقص في عين ويغلي في أخرى،
و قبل أن تحز في نفسي زاوية الغياب.
أعرفُ لا تحبّين الأخطاءَ الجديدة ولا الضحكَ الثقيل…
لم أسرق من لسانك معرفة الظلال، لكن حضوراً فائضاً كالرمل عن رقبتك اللدنة الظمأى،
والأشبه بخشبةِ رقّ العجين ما زال عليها غبارُ القمح و صدى الأساور وأثرٌ من رائحة الجوع هناك؛
لكن احتمالاً عالياً كموجة السمّان… يقول:
خمس دقائق كافية أيضاً، ليؤمّنَ السقوطُ غيمةً من خمس دقائق تشربُها كثافةُ شَعرك الذي يكفّ جمالُه ساعةَ الحائط عن التطلع في المرآة.
خمس دقائق للعاشق، كي يخبّيء الماء في اسفنج كتفيك،
ويعيد التطابق بين ظهركِ والقميص الشفاف الفضفاض.
لا وزن لغيابكِ
لا وزنَ لغيابِكِ…
هو بخفّة الكأس التي انقلبت على أريكة من إسفنج.
هو ثقيلٌ كدعابة امتلأت بنوايا السماء في عينيكِ.
هو مجدول كظهر كرسيّ يحجب رؤيةَ الساعة المتروكة
على الطاولة ليومين، بجانب كِسرة خبز وزجاجة طحلبيّة.
لا وزن لغيابكِ…
هو قطار سريع تقوده عواطفُ الراكبين.
ومن قلقي أسمّي كومة الماء تحت القصيدة رئةً تتنفّس هواء ستارةِ تحرّكها الرموش،
وأبرّر سقوط الثلج بغزارة على جناح الغابة القريب!
لا وزن لغيابكِ…
هو ليس قاموساً في حقيبةٍ، ولا خارطةً أو رأساً في خيال.
هو ظلّ كلمةٍ عند البحيرةِ صارت بيتاً كالمثلثِ من خشبٍ، سطحُه انقلابُ قاربٍ(هكذا مازحني صديقيّ العراقيّ)، وصححتُ، رغم غيابك هذه الليلة أيضاً:
(البيتُ قاربٌ إذا أتى الطوفان)!!
أشياء لامعة
سأخبرُ ذهابَكِ الإضطراريّ، هذا الليل، أنَ صوتك الذي أعادَ نظرتي إلى الساعة؛
دليلُ عينيّ التي قابلتِ المرآةَ عرَضاً وهي تبحثُ عن أِشياء أوّلها: مفتاحُ الزجاجة للامع كجناح طائرة في نافلة السحاب.
سأخبرُ ذهابك الإضطراريّ، هذا الليل، أنّ يديَ الصافنة فوق ركبتي مركبٌ على جبل.
وسأخبرُ ذهابَك الإضطراريّ عن ريح عمّرتِ المسافةَ بين وجهي ووجهكِ برسومٍ جلبتْها من كراريس الصغارِ:
جرسٌ ببُحة اللون الشفيفِ، وحصانٌ ممسوسٌ من رقبته بما يشبه طريقّاً من ظلّ تمشي عليه الحياةُ
مُحمّلة بنهرٍ رياضيّ؛ على أسماءِ روافدِه تقع هدايا يُغلّفها حدسٌ يُعمّد كلّ أشيائي في يديك، وأولها: مفتاحُ الزجاجة اللامع كجناح طائرة في نافلة السحاب…!
لا ندم في القصيدة
الليلة أيضاً، سأخبرُ طريقَ القدْس التي تقصدينها غداً أن لا ندم في القصيدة؛ لأنّ النارَ التي حرَقت أصابعي أبعدَتْ فمي وطهّرته من دم الأخطاء.
وأحتاج أن أقول لهبوبٍ في رجوعكِ الإضطراريّ، قَسَمَ بخصلةِ شَعرِكِ الحُرّ سطوعَ جبهتك الجميلة أنّ:
ثمة تاريخ للأمل في لسانٍ إمراةٍ تشبهك استراحَ على سطح لساني، قبل أصباغ الشراب.
حتى بعد القهوةِ هو لوحٌ لكتابةِ أسماء الشهداء بأسنانٍ بيضاء تجرفُ الليل، وتقضم التفاحة،
وتقدحُ.. وهي تَطأ حافة الفنجان!
غائبون لشراءِ بطاقات هواتف
وهذه الليلةَ عندي لعينيك خبرٌ جديد:
ربحتُ الجولةَ في لعبة الورق. عشرةُ قلوب حمراء منحتني حبّ التمغّطِ في وجه الصديق.
اثنانِ يطحنا الحنينَ في الهواء: شاعرٌ من «غزة» ورجلٌ واقعيّ طيّب من «دار فور».
لكلّ واحدٍ منّا لكْنَته التي تَتَصرّفُ بلغةِ Grethe: المُدرّسةِ المَرحة.
هو يضرب كعْبَ يده بركبته التي لا تصلّي، وينفخ بخارَ الشاي عن لحظة التخمين.
وأنا أحدّقُ في كومة القلوبِ على الخشبةِ، وفي منافض الغائبين لشراء بطاقات هواتف من وراء الجبل.
حين ألقيتُ بيدي تحتَ الطاولةِ، ونَقرتُ بإظفر الشاهدِ على مفصل رِجْلها؛ خمّنَ الرجلُ الواقعيّ الطيّبُ
أني أخبّيءُ ورقة العَشرةِ قلوب، قبل بداية الجولة!
لأقابل الشهداء في يدك
الأحرى أن يُعدّوا القصيدةَ للعقابِ،
لأنّ مدينةً دفعَتْ في عيدها الوطنيّ أرواحَ موتاها لأكشاك الورود، وتثاءبت أثناء إيقاد الشموع!
أمّا أنا من غير شرّ هذه الأيامِ أنامُ مبكّرا؛ لأقابلَ الشهداءَ في يدكِ التي زرعتْ
ورداً مَشاعاً ليتامى ذلك البلد الصغير!
أو لأصحو على عجل الحياة أكتب عن صَغيرتكِ الواقفة كَحَلّ إلى جانبكِ،
ووردةُ شَعرِها تطلعُ من ركْبتك!
ولكي تكسبي ضحكَ الحياة بجانبي، إنتقي لي صوتاً غريباً من لسانِها،
وهو يَحملُ بلّورَةَ الحلوى أثناء تجريب اللغةِ. ثم قولي واضحكي:
«هذا هو اسمك» في مذاق ابنتي!
 
نصر جميل شعث
شاعر من فلسطين 

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …