أخبار عاجلة

غوتة والغزليات الرومانية

تحتل قصائد الغزليات الرومانية مكانا مميزا بين مؤلفات غوتة. وقد نظمها في السنتين 1788 و1789 بعد رجوعه من ايطاليا وهو في التاسعة والثلاثين من عمره. كانت اقامته في إيطاليا إحدى أهم فترات حياته الطويلة وذلك لأنها كانت تمثل ولادة ثانية بالنسبة له إنسانا وشاعرا. وكان قد نال الشهرة فجأة، سنة 1774، بروايته "آلام فوتر". لكن بعد هذا النجاح الأدبي المبكر بدأت أكبر أزمة في حياته، عندما احتل منصبا في خدمة دوق فايمار، وهي دوقية صغيرة في شرق المانيا. وكان غوتة بحاجة الى مدة طويلة للتعود على كونه موظفا عاديا. في هذه الفترة شرع بكتابة عدد من المؤلفات المشهورة مثل "فاوست" و"فلهلم مايستر" و "توركاتوتاسو" إلا أن قواه الشعرية لم تكن كافية لاكمال أي من هذه المشاريع الأدبية الطموحة. وكان يبدو له كأن "عبقر" هجره ويحس بالعقم. وكان هذا العقم يسيطر حتى على حياته الشخصية وخاصة في علاقاته مع النساء.

عندما وصل غوته الى فايمار في السنة 1775 كان مازال أعزب، بيد أنه سبق له أن أقام علاقات عميقة وجدية مع بعض الفتيات. وكان قد أوشك على الزواج مرة واحدة على الأقل، حين خطب ليلي شونيمان، وهي ابنة صاحب بنك في فرانكفورت، مدينة ميلاد غوتة. أحبها غوتة كثيرا وكانت هي ملائمة له من حيث وضعها الاجتماعي، لكنه كان يخاف من الحياة البرجوازية ومن مضاعفاتها التي من المحتمل أن تنتج عن مثل هذا الزواج.

وخوفا من ذلك انتهز دعوة بعض الأصدقاء له للسفر معهم الى سويسرا. وفي سويسرا كان له أن يتسلق جبال الألب حيث بلغ مضيق سنكت غوتهارد وتطلع من فوقه الى الطريق المؤدية الى ايطاليا تشوقا الى هذه البلاد التي كان قد حلم بالسفر اليها منذ طفولته على أنه رجع الى المانيا ليبدأ خدمته في فايمار، ربما لأنه لم يكن يخشى الحياة البرجوازية فحسب وانما أيضا الحياة البوهيمية الفوضوية التي كان يفضلها الشعراء الشبان المنضوون تحت لواء حركة "العاصفة والجموح" الأدبية التي كان غوتة أحد زعمائها.

التقى غوتة بشارلوته فون شتاين زوجة أحد نبلاء فايمار بعد وصوله الى هناك سنة 1775 فأصبحت صديقته وامتدت صد اقتهما حتى هجرة غوتة الى ايطاليا. كانت شارلوته تكبر غوته بسبع سنين وتمثل بالنسبة له دور الأخت والأم والحبيبة في شخص واحد، لكنها لم تكن ترغب في علاقة جنسية معه رغم محاولاته إغواءها واعجابها هي به. حاول غوته أن يكتفي بهذا الحب العذري كما حاول التعود على منصبا الممل والتصرف وفقا للتقاليد الاجتماعية المتبعة في أوساط نبلاء فايمار. لكن بعد عشر سنوات شعر بأنه كان في حاجة الى تغيير كامل في نظام حياته، وبدأ يحلم من جديد بالسفر الى إيطاليا. وخوفا من أن تثنيا شارلوته وأصدقاؤه الآخرون عن عزمه فيثبطوا مشروعه لم يحدث به أحدا، وكان يقوم خفية بالاعداد لهذا السفر، حتى أنه حين انطلق من فايمار لم يكن أحد يعرف أين يتجه غوته ومتى يعود.

كانت روما وجهة غوته الرئيسية ووصل اليها في 29من تشرين الأول سنة 1786، بعد رحلة امتدت سبعة أسابيع زار أثناءها البندقية حيث رأى البحر للمرة الأولى في حياته، ومدنا أخرى واقعة في الطريق الى روما.

امتدت اقامته في روما حتى ربيع 1788 ولم يتركها إلا مرة لزيارة نابولي وجزيرة صقلية وكان نشاطه الرئيسي في الأسابيع الأولى بعد وصوله الاطلاع على أثار روما القديمة، ولم يهتم بحياة الرومان المعاصرين على الاطلاق. وحتى نفهم تصرف غوتة في إيطاليا وتطوره الشخصي أثناء اقامته هناك من الضروري أن نعرف ما الذي كان يأمل به ويتوقعا في هذه البلاد. كان يأمل غوتة أن يعثر في روما على نوع من الوحدة بين الحياة والفن.كما كان يحلم بأن يتاح له القبض على تصوره الشامل للجمال المثالي في انتاجه الشعري. لكن ما وجده غوتة لم ينطبق على ما كان يحلم به، وأدرك أن القبض المباشر على الجمال غير ممكن، رغم كل ما كانت تدعيه النظريات الفنية والأدبية المعاصرة له. على أن غوتة لم يكن يشعر بخيبة الأمل بل فهم أن أمله كان وهما كمثل توقعاته وأن عليه أن يفرق بين الحياة والفن، وأن يدرس الفن كنن والحياة كحياة. ويبدو أنه أصبح أكثر واقعية في هذه الفترة ونلاحظ هذا خاصة عندما نولي انتباهنا الى التغيير الذي طرأ على علاقاته مع النساء.

عاش غوتة في روما ضمن جالية ألمانية صغيرة كان معظم أعضائها فنانين يمارسون حياة بوهيمية حرة خارج القوانين الاجتماعية العادية، وكان سهلا على غوتة أن يلتقي مثلا بإحدى النساء اللواتي يعملن موديلات لدى الرسامين لكنا كان يخاف من الأمراض الجنسية بشكل غير عادي (وتدل على هذا الخوف القصيدة السادسة عشرة من غزلياته الرومانية). ولذا لم يقم أية علاقة مع أمثال هؤلاء الفتيات البسيطات. لكن في ربيع سنة 1788 عندما أوشكت اقامته في روما على الانتهاء، أتيحت له الفرصة لادراك ما حرم نفسا منه طوال حياته السابقة ؟ التقى بأرملة شابة كان اسمها فاو ستينة، إذا صدقنا ما يقوله غوتة في القصيدة الثامنة عشرة.

كانت فاوستينة ابنة صاحب فندق ومن غير المحتمل أن تكون مصابة بأحد الأمراض الجنسية. وربما وعدها بالزواج حتى توافق على إقامة علاقة معه رغم أنه كان يدري أن اقامته قد أوشكت على النهاية. استلم غوتة في ازار سنة 1788 رسالة كتبها له دوق فايمار يطالبه فيها بالعودة الى المانيا، فاستجاب غوتة للطلب ورحل عن روما في نيسان التالي، بيد أن هذا الرحيل كان صعبا بالنسبة اليه ولم يكن يشتاق الى وطنه كثيرا قرر غوتة بعد رجوعه الى فايمار أن يغير حياته حسب ما تعلما في روما، وسهل له الوضع في فايمار تحقيق هذا القرار، إذ أن أصدقاء كثيرين له كانوا قد فجروها، وكان البعض ممن بقوا هناك يستغربون سلوكه الجديد وخاصة شارلوته فون شتاين التي كانت مازالت غاضبة من هجرة غوتة المفاجئة قبل سنتين. وازداد غضبها من غوته عندما بدأ علاقة مع امرأة متواضعة الظروف الاجتماعية وقليلة الثقافة أسمها كريستيانا فولبيوس وكان عمرها ثلاثة وعشرين عاما عندما التقى بها غوتة في تموز سنة 1781.

وأما الغزليات الرومانية فقد شرع غوتة بكتابتها بعد لقائه بكريستيانا وكانت هي التي أوحت اليه بهذه القصائد وليس فاوستينة أو أجواء روما الجنوبية. ومع أن الغزليات الرومانية ألفت في فايمار وليس في روما، فإنها تستحق صفتها "الرومانية" إذ أنها مكتوبة على نمو ذر الغزليات اللاتينية الكلاسيكية (انظر الملاحظة المتعلقة بالقصيدة الخامسة). أكمل غوتة الغزليات في سنة 1790 وهي تشتمل على 22 قصيدة، لكنها لم تنشر الا في سنة 1795 في مجلة أدبية كان صاحبها شيللر ومرد هذا التأخير في النشر يكمن في الالماحات المضمرة الى مواضيع كانت تعتبر إباحية في وقته. فكان على غوتة أن يحذف بعض القصائد ومن بينها القصيدة السادسة عشرة التي لم ترد في طبعة 1795. وأما كريستيانا فأنجبت ولدا لغوتة في 1789، فبقي معها حتى توفيت عام 1816، لكنه لم يتزوج منها إلا في سنة 1806.

غوتة: غزليات رومانية

Johamn Wolfgang Goethe: Römische Elegien

خبريني، أيتها الحجارة! كلميني أيتها القصور الشاهقة

يا شوارع قولي كلمة ألن تحرك ساكنا، أنت يا عبقر؟

الأشياء كلها تزخر روحا داخل أسوارك المقدسة يا

روما الأبدية

غير أن كل شيء إزائي مازال غارقا في الصمت.

آه من يوسوس لي، وفي أية نافذة يقع ناظري

على ابنة آدم العزيزة التي ستحرقني وتحييني؟

وأنا الجاهل الطرق التي علي أن أقطعها دائما وأبدا

وأبدا

وأعود عليها أدراجي مانحا لها قربان وقتي الثمين.

ومازلت، كما يفعل أي سيد ذو مقام جاء سائحا

اتملى القصور والكنائس وأجيل طرفي في الآثار والأعمدة.

غير أن كل هذا سينتهي قريب، ولن يبقى إلا معبد

وحيد-

معبد "أمور" (1) الذي يستقبل المريد.

عالم أنت يا روما ، لكن لولا الحب

لما كان العالم عالما، وما كانت روما هي روما.

القصيدة الثانية (الصيغة الأولى)

اسألوا من شئتم ، أنا في أمان منكم الآن

يا سيدات البلاط الجميلات وسادة المجتمع الأفاضل!

"إذن هل عاش فيرتر حقا؟ هل حدث كل شيء هكذا؟

أية بلدة يحق لها أن تعتز بأن لوته (2) تنتمي أليها؟"

أواه كم لعنت تلك الصفحات الطائشة

التي جعلت آلام شبابي ملكا مشاعا للجميع!

لو أن فيرتر كان أخي وقتلته

لما طاردني طيفه المنتقم الحزين كما يفعل الآن.

هكذا كان أن أغنية "مالبروغ" طارت المسافر

الانجليزي

من باريس الى ليفورنو أولا، ثم من ليفورنو الى روما

وجنوبا بعد ذلك الى نابولي

ولو أنه أبحر الى مادراس ، فالغنوة حتى هناك،

و "مالبروغ" حتى هنالك،

كانت ستحييه في الميناء، كنت محظوظا في هروبي!

فـ "هي" لم تسمع يفيرتر ولا لوته، ولا تكاد تعرف

حتى اسم الرجل الذي يعاشرها الآن.

أنها ترى في غريبا حرا معافى

يعيش في أحد البيوت الخشبية بين الجبال والثلج.

إنها تتقاسم اللهيب الذي أشعلته في صدره

فرحة بأنه يسخو بماله أكثر من رجال روما

فمائدتها الآن عامرة بالأطايب

ولا تنقصها الأزياء أو عربة تقلها الى الأوبرا.

الأم والأخت كلاهما تحتفيان بضيفهما
هذا البربري الذي يملك صدرا وجسدا من روما.
القصيدة الخامسة

تغمرني المسرة الآن وتلهمني هذه الأرض التليدة

الماضي والحاضر يخاطباني بصوت أعلى نبرة أكثر إثارة.

أتصفح آثار القدامى متبعا إرشادهم بيد مثابرة كل يوم

لكيما تؤنسني خفاياها، يوما بعد آخر، من جديد.

غير أن "آمور" عبر الليالي، يشغل بالي بأشياء أخرى

إذ، كلما قل درسي، ازداد لهوي، ألن أتعلم وأنا أرى

 
       

هذين النهدين الجميلين يتشكلان أمامي ويدي تمسدان

كفليها؟

الآن وحسب أفهم المرمر حقا، متأملا مقارنا-

أرى بعين مساسة أمس بيد رائية

فإذا ما سرقت مني حبيبتي عدة ساعات أخرى.

لا نكتفي بالقبلات وحدها بل نتبادل الأحاديث

الشيقة أيضا وحين تغرق في نومها أبقى ساهرا

مستغرقا

في خيالاتي وغالبا ما قرضت أشعاري وأنا بين

احضانها

ناقرا على ظهرها بأصابع خفيفة

وصرفت تفاعيلي بينما هي في إغفاءتها اللذيذة

تتنفس وتشق أنفاسها أعماق صدري كالجمر.

و "آمور" يوقد المصباح ثانية، في ذكرى تلك العهود

التي قدم فيها لشعرائه المختارين الثلاثة (3)، هذه

الخدمة بالذات (4).
القصيدة العاشرة

الاسكنر، قيصر، هنري وفريدريك الاكبر، هؤلاء

الأماجد

لوجدت عليهم بهذا السرير لليلة واحدة

لأعطوني نصف مجدهم عن اختيار.

لكن هؤلاء المساكين أسرى في قبضة الجحيم.

ابتهج، إذن، أيها الراتع في كنف الحب الدافيء

قبل ان يبلل "ليثه" (5) المريع بمائه قدميك اللائذتين
بالفرار.
القصيدة السادسة عشرة

ايها البيثون (6) وأنت أيها التنين اللرنائي، (7)

إنكما ثعبانان خطيران تندد بهما أجواق الشعراء

ويذكرهما العالم بارتياع منذ آلاف السنين.

لكن أيدي الآلهة النشيطة قضت عليكما،

ولن تخربا بعد بأنفسكما النارية

القطعان والمروج والغابات والبذور الذهبية

إذن أي إله معاد آخر قد بعث إلينا في غضبه

يمواليد هائلة جديدة استنسلتها الوحول المسمومة

فإذا بالتعبان ينسل الى الأمكنة، ويربض بدهاء في أكثر

الجنائن فتنة

ليوقع بذاك الذي يستسلم لسلطان اللذة في شراكه؟

سلاما لك أيها التنين الهيسبيري، (8) لقد أثبت شجاعتك

ودافعت بجسارة عن التفاحات الذهبية

لكن صاحبك "هذا" لا يدافع عن أيما شيء، ويحيث يوجد هو

فما من حديقة جديرة بالدفاع عنها، ولا ثمرة.

إنه يتلوى خفية في الشجيرة، يدنس الينابيع

مزبدا، محيلا أنداء "آمور" المنعشة الى سموم.

آه كم كنت سعيدا يا لوكريتيوس(9)، أنت الذي استطعت

أن تكف عن العشق، وأن تثق بكل الأجساد.

وكنت سعيدا يا برورتيوس: جلب لك عبدك البغايا

من تل آفنتينوس، من الغابة التريائية (10)

وحين فاجأتك خليلتك سينتيا (12) غارقا في أحضانهن

وصمتك بالخيانة، لكنك كنت سليما معافى.

والآن من من بينكم لن يتفادى أن يخل بعهود الزواج

المملة

إذ تفتح ربة الالهام لاهية و"آمور" ذلك المكار، شفتي

المغلقتين؟

آه كم يصعب إخفاء عيوب الملوك.

فلا التاج ولا القبعة الفريجية (18) بإمكانها أن تغطي

الأذنين الطويلتين لميداس (19)، ما إن يكتشفهما الخادم

الأقرب إليه فيخاف، ويضيق صدره بالسر

ويود آنذاك لو أنه دفنه في الأرض وتخلص منه

لكن الأرض لا تحفظ مثل هذه الأسرار

فإذا لم يمسكه العشق أمسك به الخوف من العواقب.

وحتى هناك في الزواج، من يدري؟ في كل ملذة جرأة.

والمرء أبدا مطمئن إذ يستقر رأسه في حجر المرأة.

سرير الزوجية ما عاد آمنا، والخيانة الزوجية ليست آمنة

بدورها:

القرين، القرينة الصديق، كلهم يعدون بعضهم البعض.

آه لذلك العصر الذهبي حينما هبط جوبيتر (13) من

الأوليمب (14)

وذهب الى سيميلي تارة، وطورا الى كاليستو (15)

وهو بالذات، من كان يعني بأن تظل عتبة المعبد المقدس

طاهرة إذ أنه كثيرا ما دخل إليه عاشقا متسلطا.

بأي غضب كانت تهدر "جونو" (16) لو أن زوجها صوب

إليها

هذه الأسلحة المسمومة

لكننا لسنا مهجورين تماما، نحن الوثنيين القدامى

فثمة إله لا يزال يحقلق فوق الأرض

سريع ومنشغل كلكم تعرفونه وتعجبون به!

هو ميركور(17)، ساعي جوبيتر الاله الشافي.

ولئن تهدمت معابد أبي الالهة، فلم تكد تشير الأعمدة

الى مكان البهاءات القديمة الذي شيد إجلالا له

سيقى معبد ابنه الى الأبد

سزوره المستغيث طلبا للشفاء والشكور الذي ناله.

لكنني لا أطلب إلا شيئا واحدا في الخفاء

وأرسل إليكن يا ربات الجمال الثلاث بهذه الصلاة الحارة

من أعماق صدري:

أحمين دائما جنينتى الصغيرة الظريفة هذه

وأبعدن عني، اذا مد لي أمور يده، كل شر.

آه، وامنحنني اللذة دائما بدون خوف وهموم أو خطر

يداهمني

ما أن أودع عند هذا الخبيث ثقتي.
القصيدة العشرون

حسن إن تحلي الرجل بخلق قويم، وأن يعلو رأسه تاج

الشكيمة

آه ولكن الأفضل من هذا وذاك ما أليق به أن يكون حافظا

للأسرار

أيها الكتمان يا فاتح العواصم! يا أمير الشعوب!

أنت، يا إلهتي العزيزة، يا من هديتني طوال حياتي

وقدتني في آمن الطرقات أي قدر قرر لي!

       

والقصب النامي يدوي ويهمس في الريح:

ميداس، إن للملك ميداس أذنين طويلتين

كم يصعب علي الآن أن أحفظ سري الجميل

ألا ليته لم يفلت، والقلب مترع، من لساني

لا يجور أن أسربه الى أية صديقة: ربما ستلومني

ولا الى أي صديق: ربما سيكون خطرا علي.

وما أنا بالغر، أو مستوحد لكي أبوح للغاية بافتتاني

أو للصخرة التي سوف تررد ما أقول

فلأبح إليك يا بحوري إليك يا تفاعيلي

 بالفرح الذي تمنحينني إياه نهارا، وكيف تسعدينني في الليالي.

هي المشتهاة، يبحث عنها الكثيرون، لكنها تتجنب الوقوع

في الأحابيل

التي نصبها لها الجسور بجسارته، والماكر في الخفاء

ذكية رقيقة تتسلل ولا تجهل الطرقات

حيث يستقبلها الحبيب، مصغيا بشغف.

ها هي تقبل، فانتظر أيها القمر، حتى لا يراها الجار

وأنت أيتها الريح، أهدري في الأوراق حتى لا يسمع أحد

ولتنمي وتزهري أيتها الأغاني الحبيبة

وتمايلي في نسمة خفيفة من هواء عاشق ورهيف

ثم بوحي أخيرا الأهل روما مثل هذا القصب الثرثار

بالسر الجميل المتبادل بين حبيبين سعيدين.
القصيدة الثامنة عشرة

هناك شيء واحد يزعجني أكثر من أي شيء آخر

وثان يبدو لي فظيعا يغضبني حتى تقف كل ليفة في

لمجرد التفكير فيه. أريد أن أعترف به لكم،. يا أصدقاء:

الرقود في السرير ليلا لوحدي هو ما يزعجني.

لكن الأفظع هو مخافة الثعابين الكامنة

تحت ورد الملذات في الطريق الى الحب

والهموم إذا اقتربت من رأسك المائل هامسة

في أجمل اللحظات عند الاستسلام للمسرة.

لهذا تسعدني فاوستينة كثيرا، إنها تشاركني سريرها

بغبطة

وهي وفية لا تخل بعهدها.

الشباب النزق يشتهي العوائق واجدا فيها الظرافة

لكنني أفضل التمتع مرتاحا بملكي الموثوف به، الطويل

الأمد.

يا للمباهج! نتبادل قبلات آمنة ونتساقى الأنفاس

والحياة، نسكبها ونستلها من بعضها البعض.

هكذا نستمتع بالليالي الطويلة

ونصغي، صدر الصدر، الى العاصفة والمطر.

وهكذا يظهر لنا الصباح جديدا وتأتي الساعات

بأزهار جديدة لتزين لنا النهار كأنه حفلة.

لا تضنوا علي. يا أهل روما بهذه البركة،

وليسبغ الله على الآخرين بالأول والآخر من خيرات الدنيا.

الهوامش:

1- آمور (Amor) اسم لاتيني لـ "ايرون" (Eros) اليوناني وكان في خيال القدماتء إله الحب، تصوروه صبيا عاريا له جناحان صغيران ويحمل قوسا وكنانة سهام إذا أصابت قلب إنسان فهو يعشق، ويظهر آمور في هذه القصائد كأنه المرشد والرفيق للشاعر . وقد اخترنا أن نبقي كلمة "آمور" كما هي ذلك أنها، إذا قرئت بصورة معكوسة، فهي "روما"  يوجد نفس الجناس المقلوب أيضا في النص الألماني. ويبدو كأن "آمور" و "روما" كانتا مترادفتين في ذهن غوتة.

2- لوتهك حبيبة فيرتر وهو بطل الرواية المشهورة "ألام فيرتر" التي ألفها غوتة في سنة 1774.

3- الشعراء المختارون الثلاثة: المقصود بهم الشعراء اللاتينيون كاتولوس (Catullus) وتيبولوس (Tibullus) وبروبرتيوس (Propertius). كانوا اكبر شعراء الحب في روما باستثناء أوفيد (Ovid) وعاشوا في القرن الأول قبل الميلاد. كتب غوتة "غزليات رومانية" مستوحيا هولاء وخاصة بروبرتيوس. وسيجد القاريء المطلع على الأدب اللاتيني مقتبسات كثيرة من هذا الأدب وعدة اشارات إليه في "غزليات رومانية".

4- كان يوحي آمور الى هؤلاء الشعراء بقصائد الحب وكان هذا الايحاء خدمة لهم.

5- ليثه: نهر يعبر عالم الموت حسب ما تقوله الأساطير اليونانية.

6- البيثون: تنين هائل في الأساطير اليونانية قتله الاله :آبوللو" وهو إله الفنون والعلوم.

7- التنين اللرنائي: قتل البطل الأسطوري "هيراكليس" هذا التنين الذي يسمى ايضا هيدرا (Hydra).

8- التنين الهيسبيري: حرس هذا التنين الحديقة الهيسبيرية الأسطورية قرب جبال الأطلس. وكان على هيراكليس أن يسرق التفاح الذهبي من هذه الحديقة ولذلك تقل التنين.

9- لوكريتيوس: شاعر لاتيني كتب ملحمة تعليمية عن تكوين العالم وعن الطبيعة. ويقول فيها أن العلاقات الجنسية بدون الحب أفضل من العلاقات العاطفية التي قد تسبب الكآبة.

10،11- مكانان قرب روما يتكلم عنهما الشاعر بروبرتيوس.

12- زوجة بروبرتيوس.

13- جوبيتر(Jupiter): أكبر الآلهة عند الرومان وعند اليونان الذين سموه "زفس".

14- أوليمب: جبل في اليونان سكن على قمته الآلهة.

15- سيميلي وكاليستو: حسناوان واقعهما جوبيتر حسب ما تقصه الأساطير اليونانية.

16- جونو: زوجة جوبيتر.

17- ميركوريوس: أحد أبناء جوبيتر وساعيه وساعي الآلهة الآخرين. يذكره غوتة لأن هذا الاسم هو أيضا الاسم اللاتيني للزئبق الذي استخدم لمعالجة الأمراض الجنسية وخاصة الزهري.

18- فريجي: نسبة الى "فريحيا" وكانت بلادا تقع قرب الساحل الشرقي لتركيا الحالية، في الفترة الممتدة من القرن الثالث عشر الى القرن السابع قبل الميلاد.

19- ميداس (Midas): ملك فريجيا الأسطوري، توجد أساطير كثيرة متعلقة به يشير غوتة الى أسطورة تقول أن ميداس لسوء حكمه الذي أطلقه عندما سئل عن رأيه في الموسيقى، نبتت له أذنا حمار. فحاول اخفاء أذنيه الطويلتين تحت قبعة طويلة اشتهر بها الفريجيون. لكن حلاق ميداس اكتشف الأذنين وأراد أن يبوح باكتشافه رغم المنعن وصعب الأمر عليه فحفر حفرة في الأرض وهمس بالسر للحفرة، ثم غطاها بالتراب فنبتت في الحفرة أعواد قصب وعندما كانت الريح تهب، كان القصب يهمس معها بائحا بالسر.
 
ترجمة: سركون بولص (شاعر من العراق)
وستيفان فايدنر (شاعر من المانيا)

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …