أخبار عاجلة

فاطمة المرنيسي والفصاحة النسوية

يراد بالفصاحة في الثقافة العربية: سلامة الألفاظ، وتجنّب الإبهام، وحسن التأليف، والبيان عن المقاصد بألفاظ دقيقة لا تقبل اللبس. والفصيح هو الطليق في القول، والمتمكّن من استخدام الألفاظ القادرة على إظهار المعاني. وقد اشترط العرب لفصاحة الكلمة: خلوّها من تنافر الحروف، ومن غرابة الاستعمال، ومن مخالفة القياس، ومن الكراهة في السمع. أما فصاحة الكلام فتشترط فصاحة كلماته المفردة، وعدم تنافرها مجتمعة، وقوة التأليف فيما بينها، وخلوّها من التعقيد اللفظي والمعنوي، وتجنّب تكرار الكلمات، والابتعاد عن الإضافات المتداخلة، وهي الشروط نفسها لفصاحة الخطاب المكتوب، وإذا تحقّ كلّ ذلك يكون الخطاب بليغا، لأن البلاغة، هي: الوصول إلى المبتغى والكشف عنه، أي أنها القدرة على بلوغ المعنى بأفضل الاحتمالات الممكنة. تترادف، في العربية، الفصاحة مع البلاغة، وبهذا فالفصيح هو البليغ في قوله، لأن قاعدة البلاغة هي الإبلاغ، والأفكار بحاجة لمن يبلغ عنها بطرق جديدة، ويعرضها بجلاء.
أردت بهذا المدخل، عن الفصاحة، أن أقارب ما أصطلح عليه «الفصاحة النسوية»، أي قوة البيان الفكري والمنهجي في التعبير عن عالم المرأة، فالفصاحة المقصودة في هذا السياق هي فصاحة تمثيل وتحليل واستنطاق، وإبلاغ عن المقاصد بجلاء لا ركّة فيه، وما وجدت مثالا يعبّر عن مضمون هذا المصطلح أفضل من التركة الفكرية لفاطمة المرنيسي، ففصاحتها لصيقة بالمرأة، وبلاغتها مشتقّة من نهمها إلى استكشاف التحيّزات الثقافية والدينية ضدّها، فقد شُغلت بالشأن النسوي، وعُنيَتْ به، طوال حياتها الثقافية والأكاديمية، وراجعت حال المرأة في المجتمعات التقليديّة المحكومة بنسق قيميّ شبه ثابت لا يقبل الحراك، ويعزف عن التغيير، فكلّ عمل ينبغي أن يتطابق مع تقليد راسخ أو نصّ دينيّ موروث؛ فالبحث عن المطابقة في المجتمعات التقليدية أهمّ من التحوّلات التاريخية. وقد ظهرت صورة المرأة معقّدة في «المجتمعات التأثيمية» التي تريد النيل من أفرادها بدل دعمهم وتعزيز مواقعهم، ولطالما أخفى الرجل كينونة المرأة وراء حجب ولاستبعاد، إلا أنه كان يستدعيها وقت المتعة. ومن الطبيعيّ أن تتلاعب هذه الأمواج في البنية الذهنيًة للمرأة، وتجعلها ترى ذاتها منعكسة في مرايا متعددة.
معلوم أن المرنيسي عكفت على نقد بنية المجتمعات التقليدية، ومنها العربية والإسلامية، ونقد الخطاب الداعم لمقوّماتها، فتوزّع عملها بين بحث استقصائيّ مُحكم عُنى بإعادة رسم صورة المرأة في التاريخ، وتمثيل ثقافيّ لدورها في مجتمع تقليديّ، واشتبك كلّ من البحث والتمثيل معًا بهدف تعويم صورة المرأة في ثنايا التاريخ والواقع، وأبانت عن مقدرة جديرة بالتقدير في كلّ بحث قامت به حول ذلك. وقد انجزت وعدها في تحليل حال المرأة في مجتمع يتحرّج من اعتبارها فردا سويا فيه، ويحول دون حقوقها، ويكبح تطلعاتها الخاصة والعامة؛ ففي كتابها «الخوف من الحداثة: الإسلام والديمقراطيّة» طوّرت حفرًا أخّاذًا في الجانب المغيّب من الثقافة العربيّة، وبذلك فتحت كوّة على عالم المرأة الذي جرى تناسيه وطُمر في طيّات من الاحتيال والتهميش، فمن أجل تغيير بنية المجتمع التقليديّ ينبغي أوّلاً تغيير شروط العلاقة بين المرأة والرجل، فالحداثة في جوهرها تغيير في نمط العلاقات، والانتقال بها من التبعيّة إلى الشراكة، وكلّ محاولة تغفل ذلك مصيرها الفشل.
برهنت المرنيسي بأن ثمّة خوفا عامّا من الحداثة، لأنّها تقوّض النمط التقليديّ من العلاقات الراسخة بين الأفراد، وتقترح نمطًا مختلفًا، ولكي تفتح سبل التغيير، ويقع الانتقال من مجتمع تقليديّ إلى مجتمع حديث، فمن اللازم أن يفسح تفسير الدين مكانًا للديمقراطيًة، وبالمقابل فالديمقراطيًة ستحول دون شيوع التفسيرات المتعصّبة للظاهرة الدينيّة، أي أنّها ستوقف جموح اللاهوت المتطرّف الذي جرّد الدين من حقيقته التاريخيّة، فنزعُ اللاهوت عن الظاهرة الدينيّة يعيدها إلى نبعها الأصليّ، باعتبارها تأمّلات تقوية ذات أهداف أخلاقيّة واعتباريّة غايتها التهذيب والإصلاح؛ فاللاهوت- وهو جملة من الممارسات السجاليّة المجرّدة التي تغذّت على الحواشي المعتمة للظاهرة الدينيّة – احتكره الرجال، وصاغوه طبقًا لرؤاهم ومصالحهم، وتجلّت فيه لغتهم واصطلاحاتهم، وفيه درجة عالية من التضامن ضدّ النساء، وهو تضامن اتّخذ شرعيّته من تكييف خاصّ لإيحاءات الظاهرة الدينيّة ونصوصها. ولئن كان اللاهوت من نتائج ثقافات القرون الوسطى القائمة على الجدالات المنطقيّة، والادعاء باحتكار الحقائق، فإنّ العصر الحديث الذي تبنّى مبدأ النسبيّة، لم يبقَ بحاجة إلى فروض اللاهوت المجرّدة عن التاريخ. وجدت الحداثة الدنيويّة نفسها في تعارض مع لاهوت ذي بطانة دينيّة، وتحريرُ العلاقات الاجتماعيّة من أنساقها الموروثة، سيجعل المجتمعات تقبل علاقات مغايرة، تحتلّ فيها المرأة مكانة فاعلة لا صلة لها بنوعها الجنسيّ، إنّما بدورها الاجتماعيّ.
ولكي تفصح عن مقاصدها ذهبت المرنيسي إلى الشخصية المؤسسة للتقاليد الإسلامية، فحلّلت في كتابها «الحريم السياسي» حالة الرسول قبل هيمنة التصوّر الإقطاعيّ للإسلام الذي عزل بين الجنسين، أي حالته فردًا تواصل مع أسرته ومحيطه الاجتماعيّ بمنأى عن الضخّ الأيدلوجيّ الذي ولّده الإسلام المتأخّر، حيث لم يكن ثمّة انفصال بين الفرد وعالمه. ثمّ انعطفت إلى وصف دور النساء في حياته بعيدًا عن التجريد اللاهوتيّ الذي استقام وتصلّب فيما بعد، وكشفت طبيعة التواصل بين النبيّ والنساء، وبخاصة زوجاته، ودرجة الترابط فيما بينهما، ثمّ سلّطت الضوء على السخاء العاطفيّ الذي اتّصف به تجاه نسائه، وتتطلّع الرسالة الضمنيّة في ذلك إلى تثبيت الفكرة الآتية: إذا كان الرسول قد تميّز بتقدير شخصيّ وعاطفيّ للمرأة، فما هي الوجوه الشرعيّة للاهوت اختزل المرأة إلى كائن تابع سوى التفسيرات الضيّفة للظاهرة الدينيّة؟ إلى ذلك فقد سلّطت ضوءًا كاشفًا على نساء الرسول، ومنهنّ خديجة وعائشة، وهما امرأتان لعبتا دورًا بالغ الأهميّة في حياة نبيّ الإسلام، وفي تاريخ الإسلام بصورة عامّة، وذلك يبرهن على أنّ دور المرأة لم يكن ثانويًّا، إنّما جرى بالتدريج تقليص ذلك الدور.
على أنّ المرنيسي، فضلا عن ذلك، ارتحلت بفصاحتها المنهجية في شعاب الماضي باحثة عن دور المرأة في التاريخ العربيّ والإسلاميّ في كتابها «سلطانات منسيّات» فظهر دور عظيم للمرأة اختزلته كتب التاريخ، ثمّ قدّمت قراءة لصور الحريم في الثقافات عمومًا، كما ظهر ذلك في كتابها «هل أنتم محصّنون ضدّ الحريم؟» فالنساء قادمات لا محالة في عالم تقصّد استبعادهنّ حينما ابتكر شبكة حدود منعتهنّ من الظهور في المجال العام نظير الحضور الذي كان الرجل عليه. وعالجت في كتابها» العابرة المكسورة الجناح» قوة العبور عند المرأة، ممثلة بشخصية شهرزاد، فلكي تنجح في تحويل غرائز ملك قاتل، بالسرد، إلى انتصار للحبّ، يجب عليها أن تتحلّى بثلاث مزايا، هي: المعرفة الواسعة، وخلق التشويق قصد شدّ الانتباه، ثم الهدوء للتحكّم في الموقف على الرغم من الخوف. وهذه الخصال، هي على التوالي ذات طبيعة: ثقافيّة، ونفسيّة، وقدرة على التحكّم بسلوكها في لحظات الخطر. وبذلك يتكشّف الدور المهمّ الذي يمكن تلعبه الخرافة المرويّة بلسان المرأة في استئصال شأفة أكثر الأمراض فتكًا في التاريخ: الرغبة المحمومة في إبادة جنس النساء.
وفي كلّ ذلك انفتحت المرنيسي على آفاق واسعة فيما يخصّ قضيّة المرأة في المجتمع التقليديّ، فكانت تلحّ على الاندماج الطبيعيّ بين المرأة والرجل في عالم يقوم بتحديث نفسه، لكنّه منشطر بين غرب يسعى لتحويل التحديث إلى عمل مستحيل، من خلال تمزيق الأنساق التقليديّة للعلاقات الاجتماعيّة التي لا بدَّ لكلّ تحديث أن يقوم بتفكيكها، ومجتمع ذكوريّ يتعمّد إقصاء نصفه كعورة فاضحة ومبتورة ومطمورة، ولكنّه نصفٌ مثير للشبق والرغبة، وهو قطاع النساء. وعلى هذا فكلّ من الغرب والذكوريّة العربية يتبادلان المصالح ويقهران المرأة، وسلسلة الانهيارات المعاصرة في سلّم القيم يراد بها الحيلولة دون تقبّل المرأة كآخر.
من بين كتب المرنيسي الكثيرة جاء كتاب «نساء على أجنحة الحلم» وثيقة سرديّة- تخيّليّة استكشفت عالم الحريم في النصف الأوّل من أربعينيّات القرن العشرين في المغرب. عُرض ذلك العالم برؤية طفلة في السابعة من عمرها، صرّح الكتاب مرّة واحدة باسمها «فاطمة». ومثل أيّ نصّ يريد إنتاج سيرة ذاتيّة مستعادة تتداخل فيها مستويات الحقيقة بمستويات التخيّل، فإنّه بقدرته البارعة على الاختلاق، يوهم بالحقيقة. حمل النصّ أفكار المرنيسي عن المرأة، لكنّه عبّر عنها من خلال تجربة شخصيّة للمؤلّفة في طفولتها وصباها، ودعم النصّ بهوامش توثيقيّة، وحرص على إنزال الأحداث في إطار تاريخيّ يعود إلى النصف الأوّل من القرن العشرين، مع التركيز على وقائع الحرب العالميّة الثانية من خلال الوجود الفرنسيّ والإسبانيّ والأمريكيّ في المغرب، وكلّ ذلك جاء بوصفه خلفيّة لإعطاء معنى لمضمون النصّ، فالرسالة التي تنبثق من خضمّ النصّ أرادت كشف النسق الثقافيّ السائد في عالم الحريم، ثمّ بداية تخلخل ذلك النسق بسبب المؤثّرات الثقافيّة الخارجيّة. ولكيلا يقع المتلقّي في وهم الوثائقيّة التي يوهم بها الكتاب، سارعت فاطمة المرنيسي إلى الإعلان عن الصفة التخيّليّة لكتابها «هذا الكتاب ليس سيرة ذاتيّة، وإنّما أحداث متخيّلة على شكل حكايات ترويها طفلة في السابعة».
زاد هذا التوضيح اللبس في هُويّة الكتاب، لأنّ النصّ تخطّى التبسيط الذي أكّده التوضيح، فهو سيرة روائيّة تعتمد السرد لكشف العالم المغلق الذي عاشت فيه المؤلّفة: قصدتُ بالعالم المغلق ذلك الكيان القصيّ الذي دارت حوله خطابات رغبويّة شغلت بإثارة الشهوات، لكنّها أخفقت في تمثيل التراتب الثقافيّ فيه، ولم تتجرّأ على الدخول في تفاصيله النفسيّة، وفي كشف نمط العلاقات السائدة فيه، وفي تأثير العلاقة المتكسّرة بينه وبين العالم الخارجيّ الذي احتلّ الرجل المركز الأساسيّ فيه. لا يمكن لكتاب توثيقيّ أن يؤدّي هذه المهمّة، فعالم الحريم مجاز رمزيّ لا يعبّر عنه بلغة وصفيّة، لكونه قد غادر بفعل الزمن حقيقته الموضوعيّة، وأصبح موضوعًا مشبعًا بتقاطع الرؤى الأيدلوجيّة المتنازعة التي تصدر عن منظورين ثقافيّين متعارضين، أحدهما: مشغول بالحفاظ على الهُويّة الثقافيّة بمعناها التقليديّ، والنظر إلى المرأة كقطيع من الحريم، والآخر: مهموم بفكرة تدّعي التغيير، بتأثير من استعارة نماذج أخرى دون النظر في اختلاف السياقات الثقافيّة. الأوّل يريد إعادة صياغة ذلك العالم بما يطابق التهميش الثابت لدور المرأة، والثاني يسعى إلى إلغاء هذا المفهوم من أساسه. يريد التيّار الأوّل تكييف دور المرأة بما يوافق تعليمات «الماضي»، ويريد الثاني إعادة دمج المرأة في الوسط الاجتماعيّ استجابة لتعليمات» الآخر. وتتقاطع هذه الرؤى والمواقف في وعي الطفلة الصغيرة «فاطمة».
ثمّ فجّر النصّ مشكلات أعمق، فالطفلة التي ترعرعت في عالم الحريم منقسمة على ذاتها بين الاستجابة لرغبات الأمّ الحالمة بأن تكون ابنتها منفكّة من قيود الحريم، ومتخطّية لأسواره، وبين الامتثال لروادع «للاّ ألطام» التي تتعهّد دروس التربية الدينيّة، التي زرعت في قلب الطفلة فكرة مؤدّاها: كلّ خرق لسياج الحريم إنّما هو خرق لسياج الدين. لكنّ النصّ يثير إلى مشكلة إجرائيّة، فمن الواضح أنّ فاطمة المرنيسي اسقطت وعيها اللاحق بوصفها إحدى العاملات في مجال قضايا المرأة على طفولتها المبكرة، فجعلت من تلك الطفولة مجالاً لمناقشة هذا الموضوع البالغ الأهمّيّة، وقد صرّحت في الكتاب بأنّ تلك الطفولة مختلفة عمّا ارتسم في صفحاته، «لو حاولت أن أحكي لكم طفولتي لما استطعتم إتمام الفقرتين الأوليين لأنّ طفولتي كانت مملّة إلى حدّ كبير».
ركّب الكتاب لكي يلامس التشكّل الداخليّ لعالم الحريم، وليضيء الأزمة الداخليّة فيه بسبب المتغيّرات العصريّة، ولينتهي عند البوّابة المشرّعة للتحديث، لكنّه لا يهمل بأيّ معنى من المعاني عوامل الجذب الكامنة في ذلك العالم، تلك العوامل التي تسوّغ شرعيًّا، وعبر منطق صارم لكنّه مغلق، التمسّك بعالم الحريم، أو في الأقلّ بأشكال من العلاقة لا تتقاطع معه. وكلّ هذه الأفكار تترشّح عن الكتاب، وتنهض كخلفيّة للجدل الموجود فيه. طرح كتاب «نساء على أجنحة الحلم» قضيّة الحريم وسط دائرتين متراكبتين: دائرة مدينة فاس كبؤرة رمزيّة للأحداث، ومن ورائها ينبثق المغرب في صراعه ضدَّ الفرنسيّين والإسبان في أربعينيّات القرن العشرين، وكيف أنّ الرجال يتخطّون وجود الغرباء وينشغلون بالحفاظ على «الغريبات»، فيبدو الرجل – بدلالته الذكورية والأبوية- خائفًا من نصفه الآخر أكثر من خوفه من الغريب الذي يحتلّ البلاد، ويقسّم المدينة إلى قسم فرنسيّ وآخر مغربيّ. فالرجل مشغول بحجز النساء في «البيت الكبير»، ولكنّه لا يظهر تململاً من وجود الأجنبيّ الذي يحتل أرضه، حتى إنّ المرأة «طامو» هي وحدها التي تخترق حاجز الخوف، وتكاد تغيب صورة الرجل في الصراع ضدَّ الأجانب. ودائرة أخرى أكثر سعة يمثّلها الصراع الثقافيّ بين نمطين من القيم: القيم الموروثة من الماضي كتقاليد وفلكلور،والتي تؤمن بشريعة حبس النساء كحريم، ويمثّلها الرجال إجمالاً، ومعها فئة متنفّذة من النساء، مثل: «للاّ ألطام» و»للاّ مهاني» و»للاّ راضية» وهنّ الجيل الأكبر، جيل الجدّات، وقيم مستحدثة غزت الجيل الأصغر بفعل المؤثّرات الغربيّة، وبفعل الحركة الوطنيّة المغربيّة الناهضة في تلك المرحلة، وهي تريد تخليص المرأة من الأسر الاجتماعيّ، ثمّ دمجها في مسار المجتمع كعنصر فاعل، ويناصر هذه القيم كلّ من: الأمّ والخالة «شامة».
تبدو الحرّيّة لنساء أسرَهنّ مفهوم الحريم ضربًا من الأحلام المستحيلة، ولهذا يلجأن إلى محاكاة أولئك الذين يتمتّعون بها، تقوم بهذا الدور «شامة» إذ تعيد عبر التمثيل والحكي عالم الحرّيّة الخارجيّ داخل أسوار بيت الحريم، ومصادرها الكتب الخرافيّة والسحريّة والإذاعة التي يُسترق إليها السمع سرًّا، حينما يخلو البيت من الرجال، وتفلح النسوة في اقتحام غرفة الذكور، حيث يقبع المذياع الكبير القديم، الذي يخترق صوته هذا الجدار الصلب لعالم الحريم، وثمّة عرض مسرحيّ أو حكائيّ شبه يوميّ، تتعهّده «شامة» أمام الحريم اللواتي ينزلقن بسهولة بالغة إلى التماهي مع الأحداث والشخصيّات، التي تقوم «شامة» بعرضها بالسرد أو التمثيل المباشر، والحكاية الأثيرة مستلّة من «ألف ليلة وليلة»، إنّها حكاية الجارية «بدور» والبحث المثير عن الحبيب الغائب.
في كتاب «نساء على أجنحة الحلم»، إفصاح سرديّ عميق لهذه المعضلة الاجتماعيّة-الثقافيّة، إذ تقوم «شامة» بتلك المهمّة تحت وهم امتصاص الإحباط التاريخيّ المخيّم على نفوس الحريم، لكنّ تلك المحاكاة تتحوّل إلى ممارسة مغلقة، وفي النهاية تختفي «شامة». ووحدها «فاطمة» تواجه الواقع. فمن تعارض القيم الممثّلة بقطبين: التقليديّ الذي تمثله «للاّ ألطام»، والحديث الذي تمثّله «شامة»، تركّب «فاطمة» خِيارها الفكريّ. ومن أجل الوصول إلى هذه النتيجة كان من اللازم عليها أن تمرّ في حالة الازدواج الحقيقيّ، وقد ارتسمت التفاعلات غير المرئيّة في نفوس بشريّة تقطّعت سبل اتصالها بالحاضر، بالدرجة نفسها التي تقطّعت بها سبل انفصالها عن الماضي، فُبترتْ عن حاضرها وعن ماضيها، وظلّت معلّقة في الأفق كطيف لا يختفي، وشاهدٍ على التوتّر العميق في البنية الاجتماعيّة للمجتمع العربيّ في القرن العشرين.

عبدالله إبراهيم

شاهد أيضاً

قريب من الروح

منى المعولي* نساجون أنتم وغرباء يا من لا تفارق ألسنتكم كلمة «جميل». راؤون أنتم يا …