فينوس خوري ـ غاتا (بعد عبداللطيف اللعبي) تفوز بجائزة الغونكور للشعر – 2011

تقديم:
وُلِدت الشّاعرة والرّوائية الفرنكوفونية فينوس خوري _ غاتا سنة 1937 في بشرّي، بلبنان. اشتغلتْ في البداية بجريدة النّهار اللبنانية، وكانتْ تكتب متابعات أدبيّة بالعربيّة، وتترجم إليها قصائد من الشّعر الفرنسي…. كان ذلك قبل حوالي 40 سنة… وفي سنة 1972 هاجرتْ إلى باريس، وهنالك أصبحت تكتب الشّعر والرّواية بالفرنسيّة، وقد صدرَ لها حتّى الآن ما يزيدُ عن 20 مجموعة شعريّة و20 رواية. من بين مجموعاتها، نذكر: «في جنوب الصّمت»، «أراضٍ راكدة»، «الظّلالُ وصرخاتُها»، «مونولوغ الميّت»، «رأفةُ الأحجار»… ومن رواياتها: «بيت على حافة البكاء»، «سبعة أحجار للمرأة الزّانية»، «عشيقة الوجيه»… وقد أصْدرتْ سنة 1997 «أنطولوجيا شخصيّة»، تضمّ، إضافة إلى قصائد لم تكن نشَرَتْها من قبل، مختارات من سبعٍ من مجموعاتها… وقد حصلتْ فينوس خوري-غاتا على العديد من الجوائز الأدبية، من بينها: جائزة غيوم أبولينير، جائزة مالارمي، جائزة جول سوبرفييل… وأخيرا جائزة غونكور للشّعر –لسنة 2011- عن مجموع أعمالها.
 بقيتْ فينوس خوري غاتا مرتبطة بطفولتها «القاسية»، وبلبنان، وبالشعر العربي، رغم أنّ عربيتها ضعُفتْ، أو، كما قالتْ هي نفسُها: «ابْتَعَدتْ عنّي العربيّة حينَ ابْتعدْتُ عنها!». وقد كان للحرب الأهلية اللبنانيّة أثرٌ عنيف عليها. ومن الذكريات المؤلمة التي ترسّختْ في نفسِ فينوس من زمن طفولتها، ذكراها عن أخيها فيكتور الذي قالتْ عنه مرّة: «أخي فيكتور كان مأساة طفولتي وحياتي وأكثر ما استطعتُ أن أفعل من أجله هو أن أجعله بطلاً في رواياتي…»، فهذا الأخ كان قد تعرّض لمعاملة قاسية جِدّا من أبيه، وبقي زمنا طويلا جِدّا في مستشفًى للأمراض العقلية، هو الذي كان يُحبّ أن يكتب شِعرا، والذي قالتْ بصدده فينوس خوري غاتا إنّها، نوعًا ما، تولَّت الكتابة مكانه…

تَحْصُر حقلََكَ داخل دائرةِِ دُخان:

فيما يلي ترجمة لقصائد مختارة للشّاعرة من: «أنطولوجيا شخصيّة»، ومن: «رأفة الأحجار»:
 
-1-
إنّ نجمةً ما
هي من اختراع شُعلة
وهي نَزوةُ شرارة
رأيٌ لقنديلٍ يُعْوِزه الخلود
مناورةٌ سرّيّةٌ
كَشَفتْها المعاجم.

-2-
كان متوقَّعًا من قديم أن نَرِثَ هذه القطعة
من الزُّرْقة السّماويّة التي تُشْرِفُ على بيوتنا
كنّا قد خطّطْنا لِلَقْطِ الأمطار
لِتوزيعِ الضّوء
ولِنَقْل القمر إلى مكان أكثر ظُهورًا
تَعلّمْنا أن نتهجّى اسْمَ الله في الظّلمات
أن نَعْجِنه بِمِلْحِ شِفاهنا
أن نُذيبَه فَيَصيرَ صَلَواتٍ تُؤْكَل
يصيرَ أناشيدَ
أدخنةً
جاهلينَ أنّه يَكْفي المرءَ إطفاءُ قنديله بِنَفْخة
لِيَلِجَ مِساحةَ الأثير والخُلود
التي هي له.

-3-
 يَنْبَغي أن نَجْعَلَ الفجر يرتفع
 لِنرى الشّاعر جالسًا فوق المَشْهد
إنّه لا يقولُ سوءًا ولا يُقَرِّظ
بل هو شاحبٌ لأنّ أمّه
حبلتْ به في وقتٍ كانتْ خلالَه الثّلوج
تتساقطُ بشِدّة
وجهُهُ دائريّ
فأمّه كانت قد جلستْ على القَمر
لتُخْرِج حصاةً من فردة حذائها.

-4-
تَحْصُر حقلَكَ داخل دائرةِ دُخان
وذُرّيّتَك داخلَ مثلّثٍ أحمر
تَمدُّ حَوْلَ خوْفِكَ خَطًّا
يربطُ جَسدَك بالأفق
تتخوّف من المحيط الذي
يَنْبَحُ أمام بابك
من أسلافِك الذين
يَصْرُخون في مرآتك
من الرّياح المقيمة
من الرّياح المترحّلة
تنطقُ كلمةَ صَقْر لتُعْلن أنّ بيتَك
قدْ خُرِّب ونُهِب
تقولُ مِشْذَب لِتصفَ أُفولَ الغابة
ولتُعلن عن نهايتك تقولُ مِشعل
فيُنْزِلُ الليلُ
ظُلمتَه شِبْرًا.

-5-
تتعثَّرُ بِظِلِّك فتقلبُ بيتَك
تُعيدُ بناء جدارٍ أوّل بِيَدِكَ في الشّرق
وجدارٍ ثانٍ بيدك في الغرب
تربطُ بينهما بصرخة مستقيمة
تُعَوّل على البرق ليرسُمَ بابَك
على الرّياح لتُوَسِّعَ حقلك
تبقى بلا حراك في ظِلّك
تعتقد أنّك ضروريّ
لِعموديَّةِ النّهار.

-6-
تقول حين يحدثُ أن تموت
إن الظَّلامَ لا يُخيفُ إلا الليل
إذْ يَحبسُ الفزِعون من بين الأموات
أنفاسَهم السّوْداء.

-7-
ذلك كان فصلاً غيرَ مُسَجَّل على جبين الأرض
كان تحليقُ الطُّيور المُهاجرة
يتجمّد وسط السماء
وَحْدَهَا البيوتُ كانتْ تَمْشِي.
كانتْ توابيتُ تُلْقي مراسِيَها أمام أبوابنا
وموتى لا مناعةَ لهم ضدَّ البرد
يُنَشِّفونَ فوق سطوحِنا أصابعَهم الصَّدِئة
وَحْدَها بيوتنا كانت تمشي.
كان رجالٌ لهمْ أشكالُ خيوطٍ يضمُّون دُمًى
وكانت نساءٌ يَمْطُطْن أجسادهنّ
حتّى أرصفةِ الميناء
كان أطفالٌ من ورق يُعلِّقُون بالدَّبابيس
بعضَهم البعض على جُدران المدارس
وَحْدَها البيوتُ كانت تمشي.

-8-
يَمْلِكُ قفصًا وليس له كنَاريّ
لديه مرآة وهو مِنْ دُونِ وَجه
بَيْتُه مقلوب
هُو غني بِشمعة
بِحَبْل
بِسُلّم له درجة واحدة.
لديه طَبشورٌ ليرسمَ الفراغ
فَحمةٌ ليرسمَ المَلاء
بتلاتٌ متعدّدات الوجوه
وأصواتٌ يملأ بها الثُّقوب
بين امتدادات صمته
هو غَني بشمسٍ مُختزلة في نقطة.

-9-
خوفًا مِنْ أَنْ تهربَ شجرتُه الوحيدة
رَبَطَها إلى قائمة حصانه
من أن يُصابَ بيتُه بدُوار الأرض
بَناهُ على مستنقع
من أن ينتحرَ جدولُه بداخل النَّهر
سمّاه ماءً راكدًا وَحَبَسَهُ في بِئر
من أن تتبعَ حديقتُه الرّياح الأجنبية
طواها وأخفاها في عِلِّية بيته
خوفا من أن تُهاجر طيورُه
سخََّن الخريف
سمّر الأوراقَ إلى الفروع.
لينبعثَ مع الفصول
سمّى أرضًا امتدادَ جسده.

-10-
استضافَ البحرَ في قارِبِه
أَجْلَسَه في أكثر زوايا حوضِ القارب يُبُوسةً
هيَّأ له حَساءً من طحالب
أَوْقَدَ له نارَ شَمْسٍ غارِبَة
ثم أنََامه لمّا تثاءبَ بتهذيب
جاعلاً كفّه أمام فمه.
وأيقظَه بضرباتِ مجذاف حين
بكى أثناء نومه
وردَّدَ على مسامعه تهويدةً
تُنَوَّمُ بها الأسماك اليتيمة.

-11-
كان اقتحامُ الشَّمْسِ لِشُرفتها
يجعلُ الحليبَ يفيض
وماءَ الوضوء يغيضُ من إنائه
كانت تَعدّ مرّاتِ غُدُوّها ورَوَاحِها
وَتُخْطئ فتُعيد الكَرّة
وتقارنُ النّاتجَ بعدد أوتادِ حَقْلِها
حين يهوي كتفاها في
نفسِ وقتِ سقوطِ السّياج
تكونُ الشّمسُ أكثرَ عددًا
إنّها نُقْطةُ نهاية
على مُسْوَدّة السّماء
طريقةٌ كان يعتمِدُها الأسلاف
لِدَحْرَجَةِ النّار
-12-
أُقْصِيَتِ الجُدرانُ بعد الهجير الأخير
الشّموس التي تأكُلُ الحَصَى
كانت تُعيدُ بَصْقَها على المارّة
أحجارًا
رِياحٌ مُتَعقِّلة شيَّدَتْ بيوتًا تراها الخطاطيف
وكان من ينامُ يشعر أنّه
يتخطّى عتبة
كان الإنسان يركضُ من حلم إلى آخر
دون أن يُعلنَ عن هُوّيته
والأسماءُ التي هي من مقطعٍ واحد
كانتْ تتآكّل إذ تحتكّ بالشّفاه
كان الكلامُ أُعطيةً من أجنبيّ
يَحْملُ الأقلامَ ونساءً من كُلّ الألوان
 خُطاهُنّ كانت ترسُمُ على
التّراب حدائقَ جهنّمياتٍ
لقد كُنّ نساءً ساذجات
يعتقدن أنّ نهاية الطَّريق
هي نهايةُ العالَم

-13-
الطِّفلُ الفَزِعُ يرى الليل ينتفخُ كخَميرة
يفيضُ كحليبٍ على النَّار
غاسلاتُ الموتى اللواتي يعرفْنَ ذلك
يَنْقَعْنَ القُماشَ في الملاّحات
فالمِلْحُ هو الأخ الأكبر للدّموع
مُنْحَنِياتٍ على المياه الرّديئة
يُدِرْنَ ظهورهنّ للقمر الذي
يَكْسُو الأكفان بالصُّفرة
الذي يُطاردُ مصابيح الشّارع
يَعْبُر أَسِرَّة العُشّاق دون أنْ يتوقّف
قبلَ أن يدفنَ شعاعَه الأخير
في السَّفح الفقيرِ للأفق

-14-
تفتحُ الباب في الحُلْم لِحَامِلِ النَّبَأ الطَّيِّب
لكنّها تُغْلِقُه
في وجهه في الواقع
مِسْعارُها لا يألو جهدًا لإعادةِ رَسْمِ النّار
جَمرةٌ ميتة تَجْعلُها تبكي
مِنْ علّيّة بيتها تفوحُ رائحةُ البابونج
والورق المُبَلّل
والملاكُ الذي لم يكفُفْ
عن نَقْل الرّسالة
ينفتحُ على المقبرة
الثّلجُ الذي سقط على الثّلج جَرَفَ القبور
وهو يجعلُ المرأةَ التي تَكتبُ النّار
تعتقد أنّ الشّتاء
سيكونُ أطولَ من السّنة
وأنَّ ذوبانَ الجليد
سيجعل مجرى دموعها
أكبرَ حجمًا.

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …