في المنظومة المفهومية عند الكندي العُماني

هو العالم المجتهد الفقيه أبو بكر أحمد بن عبدالله بن موسى بن سليمان بن محمد بن عبدالله بن المقداد الكندي الأفلوجي، من سمد نزوى. تلقى العلم على يد الفقيه أبي بكر النزواني و أحمد بن محمد بن صالح الغلافقي.
وقد ترك لنا آثارا في شتى العلوم والفنون، كان أهمها: كتاب «المصنف» في الأديان والأحكام يقع في اثنين وأربعين جزءا، وله كتاب «التخصيص» في الولاية والبراءة، وله كتاب «الاهتداء» في افتراق أهل عمان إلى نزوانية ورستاقية، وكتاب «التسهيل» في الميراث، وكتاب «التيسير» في النحو، وكتاب «التقريب» في اللغة، وكتاب «سيرة البررة»، وكتاب «الجوهر المقتصر»، وكتاب «الذخيرة»، وله سيرة يرد فيها على من اعترض على محاربة الإمام محمد بن أبي غسان لأهل العقر بنزوى، وله أشعار في الأدب والفقه. وهو الذي قام بترتيب أبواب كتاب بيان الشرع، وهو الذي سماه بهذا الاسم. ويعتبر خاتمة العلماء الفطاحل في القرن السادس.
وتوفي رحمه الله عشية الاثنين 15 ربيع الآخر 557هـ، ودفن بموضع المض، وقبره موجود إلى يومنا هذا. (معجم أعلام الإباضية، ص 56 ،67)
 
«التدفق المنطقي عند الكندي»
يرجع الكندي دائما إلى التعريف، « الحد» بلغة القدماء، ولا يقف أمام ظاهر اللفظ، فالتناقض هو عاقبة من( اشتغل بالألفاظ عن المعاني وتعسف المعارضات على جهل بالمثاني)(1)، يحثنا دائما على العودة إلى التعريف، وعندما يذكر «الجوهر» فلا يعتبره أكثر من رمز يحيل إلى معنى أو إلى «حد»، هذا الحد الذي يجب أن يتسم بالصرامة المنطقية ذاتها التي تتم معالجته بها فيما بعد، يقول مثلا (ولو عرف هذا المنازع لنا أن الجوهر في الحقيقة هو الجزء الذي لا يتجزأ وعرف الفرق بين الشيء ولا شيء، أن تجزئة ما يتجزأ شيء وتجزئة ما لا يتجزأ ليس بشيء …..)(2)، لو قام هذا المنازع بالعودة إلى التعريف كما نفعل لما وقع في الخطأ، لنرد كل شيء إلى «حقيقته» – إلى تعريفه – ولننطلق دائما من تعريف وما لا تعريف له فلنضع نحن له التعريف.
يتحدث خصم ما عن «تجزئة الجوهر»، ويعود الكندي إلى التعريف: الجوهر هو الجزء الواحد الذي لا يتجزأ، ومن خلال الإبدال بين الرمز الذي هو هنا الجوهر، بقيمته التي هي التعريف أو الحد، تصبح العبارة «تجزئة الجزء الواحد الذي لا يتجزأ» والتي تبدو خالية من المعنى المنطقي وإن كانت معبأة بالأفق المجازي، لكن الترف اللغوي ليس محط اهتمامه هنا على كل حال، يقال للرياضي س =0.5 ثم يقال له س تنتمي إلى ط (مجموعة الأعداد الطبيعية)، لا يسلم الرياضي بذلك إلا بعد إبدال الرموز بما تعنيه وهو لن يسلم لنا بذلك هنا.
يبدأ السؤال هكذا « هل يقدر الله …..؟ « ولا يخالج المؤمن شك في أن الله على كل شيء قدير، لذلك ضع في النقط ما شئت فإن الله عليه قادر، وتلك إشكالية مقلقة إذ جعل كل شيء ممكنا يعني أن لا وجود لأي قانون وبالتالي لا وجود لأي نتيجة، يتربى المؤمن على مجموعة من القوانين(3) التي تفتح له أبواب الجنة بعد الموت ملتزما بها، وبالتالي فإن أي خلل يجعل طريق الجنة مشكوكا به، ومن ثم تتوارد خواطر الإلحاد والشك عليه وذلك ما يخشاه الكندي، يتربص بك المشكك : هل يقدر الله أن يدخل المؤمن الصالح المغفور له جهنم ؟ وستذعن أنت بالتالي؛ لأن الله على كل شيء قدير.
يسأل الخصم : أيقدر البارئ سبحانه وتعالى أن يقسم الجوهر أم لا ؟، يقع التناقض هنا بين قدرة الله على كل شيء وهي عبارة صحيحة ومطلقة إيمانيا، وكون الجوهر لا ينقسم عقلا، والفكرة التي تؤسس لهذا التناقض وتعلنه ؛ العبارة التي نفترض أنها تقف في البنية السفلية من منظومة الكندي هي أنه لا إيمان بلا عقل ولا عقل بلا إيمان، وبين القدرة المطلقة والقوانين الكونية يجد المؤمن نفسه في موضع اختيار، لكن التمسك بأحدهما دون الآخر يهدم بنية الإيمان أيضا، وإذا كان الحال كذلك فلا بد من مراجعة السيناريو بأكمله حتى يتكشف الشَرَك الذي يحاول المنازع أو المُكفّر حشره فيه.
إن ساحة المعركة عارية إلا من خصمين الكندي ومنازعه، ليس المنازع في حقيقة الأمر ضمن أفق الكندي التحليلي أكثر من سؤال، قطعة فيروسية تحاول وضع جسده المعرفي في حالة نزيف وبالتالي تفكك وانهيار(4)، وما دام السؤال هو سلاح الخصم فلا بد من تفتيت هذا السلاح، إن ذلك يحدث بنفس الطريقة التي يتناول بها الكندي موضوعاته، (طريقة العودة إلى التعريف دائما)، بلغة أخرى بنفس الطريقة التي يعالج بها مُدخلات المنظومة ويعيد إنتاجها كمُخرجَات، يصبح «السؤال» هو القضية أو المُدخلة، وبالنسبة للسؤال – سلاح الخصم – فلا شيء يتغير فعوض أن تكون العودة إلى معنى الجوهر تصبح العودة إلى (معنى السؤال) صـ25، تقف الهوية المنطقية ثابتة بعناد، وتجد ببساطة التشابه المخبأ بين « الجوهر» و «السؤال»، من أجل ذلك يشرع الكندي في كشف طبيعة السؤال، ولأن العملية تنطلق دائما من التعريف (الحد) وحيث أن السؤال لا تعريف له هنا، يضع هو التعريف، لأن الحديث عن لا معرف هو تعسف للمعاني وذلك ما لن يقع فيه الكندي.
نسأل الرياضي هل يمكن أن نقسم على س ؟ يسألنا الرياضي بطريقة آلية ما هي س حتى نستطيع تحديد الإجابة ؟، يحتاج الرياضي دائما لقيمة معرّفة حتى يستطيع الإجابة.
جهاز الترشيح/آلية عمله
كيف دخل الكندي ساحة المعركة ؟ لا بد له من تكتيك ما، اختار تطويق سلاح الخصم، وقدم جهاز ترشيح من نوع متطور ؛ حواجز من الأغشية المنفذة التي تسمح بدخول بعض الأسئلة وتمنع البعض الآخر، وبهذه الطريقة يحتوي الخصم، ويبطل فاعليته.
ينجز جهاز الترشيح العملية على ثلاث مراحل، تقوم مرحلة الترشيح الأولى بقسمة المدخلات إلى «سؤال» و «ليس بسؤال» حيث ينفذ السؤال إلى عملية الترشيح الثانية في حين ترتد التي ليست بأسئلة عاجزة عن العبور، وتقسم مرحلة الترشيح الثانية الأسئلة إلى أسئلة صحيحة وأسئلة فاسدة وأسئلة محتملة (مخاتلة)، وفي هذه المرحلة تعجز الأسئلة الفاسدة عن العبور، تعبر الأسئلة الصحيحة مرحلة الفلترة الثالثة بسهولة في حين تتم إضافة تعديلات على الأسئلة المحتملة أو إلصاق قطع محددة بها حتى يسمح لها بالعبور، وبالتالي فإن ما يخرج من جهاز الترشيح ليجد الإجابة في منظومة الكندي المعرفية هي الأسئلة الصحيحة فقط، وبذلك ينجح الكندي في حماية منظومته من الانهيار، ويحافظ على بنية الإيمان صلبة، والعلاقة بين الإيمان والعقل قائمة بامتياز.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الشكل 1: رسم تخطيطي لجهاز الترشيح
عملية التشريح / استراتيجية المواجهة
ينجح الكندي في إخضاع سؤال الخصم، وبالتالي الخصم لشروطه، وعليه يجد الخصم نفسه بلا عدة أو سلاح، مجبرا على التحرك كما تسمح له أصفاد الكندي، لماذا اختار هذا المسار ؟ ولماذا وضع هذه الترتيبات بعينها في الرد على الخصم ؟.
يقوم الكندي عادة بعملية تشريحية أولية للخصم، هذه العملية مدفوعة بأسئلة من قبيل : علام يتكئ الخصم ؟ من أين يستمد قوته ؟، لنأخذ هذا المثال :
يقول الكندي : ( فقال النظام وهشام : إن الجزء يتجزأ أبدا ولا آخر له في التجزئة ……….. استدلوا على ذلك بأنه لو كان قول من قال : أن الجزء لا يتجزأ صحيحا كان في نفسه، لا طول له، فإذا حدث جزء ثان حدث لهما الطول ولن يعدو الطول أن يكون الواحد دون الآخر ولكل واحد )(5)، تلك هي حجة الخصم الذي ينطلق عكسيا حيث يسلم بصحة المقدمة المنطقية حتى يصل إلى نتائجها اللامنطقية فإذا ثبت فساد هذه النتائج ثبت فساد المقدمة.
يقول الخصم لنفترض أن الجزء لا يتجزأ، ينتج عن ذلك أن لا طول له وإذا أضفنا له جزءا آخر ظهر لهما معا طول، بالتالي نحن أمام أمرين: إما أن الطول في أحدهما فقط وذلك مستحيل بسبب تماثلهما، أو أن لكل واحد منهما طول وما له طول ينقسم، كيف يواجه الكندي خصمه أو خصميه في هذه الحالة ؟، يسأل علام يتكئ الخصم ؟ من أين يستمد قوته ؟، يقول الكندي : ( جعل علة وجود التجزئة وجود الطول وإنما أراد التثنية على طول الواحد لتصح التجزئة فيه، إذ لو كان عنده أن لا طول للواحد لما جعله علة لتجزئته وهو يقول أنه يتجزأ أبدا )(6)، إذًا فالخصم هنا يتكئ على فكرة أن الجزء الواحد له طول وحتى يتسنى له إصابة الخصم وتطويقه يجب هدم هذه الفكرة وهو يقول ذلك صراحة (فالذي عندنا أن الجزء الواحد لا طول له فينبغي لنا أن نبطله من حيث أوجبه هو)(7).
إذا فالاستراتيجية واضحة هنا كما هي في مناورة «معنى السؤال» حين اتكأ الخصم على ظاهر اللفظ محاولا صرف الكندي – عن وعي أو جهل – عن محمولاته ؛ عن المعنى.
هذا الذي نسميه هنا مكمن القوة يدعوه الكندي «العلة» فالتفكير عند الكندي انطلاق من التعريف وبحث في العلل، البحث عن العلة الصحيحة والصلبة فيما يقول وتوهية (من أوهى) علة الخصم فيما يقول الخصم، فالأمر عند الكندي حرب بالعِلل أو لنقل جهاد بالعلل لإعلاء كلمة الحق.
الدخول أعمق في بنية جهاز الترشيح
لنفرض أن مهندس تصميم أوكلت إليه مهمة وضع مخطط أولي (نسخة زرقاء) لجهاز فلترة، الفكرة الأولى التي تقفز إلى ذهنه هي : فلترة ماذا ؟ ما هي المادة المطلوب فلترتها؟ ماء، حصى، نفط … الخ، إن أشياء مثل الأبعاد الهندسية، والخواص الفيزيائية والكيميائية تكون ذات أهمية قصوى في تصميم جهاز الترشيح أو لنقل في وضع المفاهيم التصميمية الأولية للجهاز.
ذلك ما فعله الكندي، إن المادة – المادة المتدفقة – هي الأسئلة وبالتالي ما هي الأسئلة ؟ أو بالأحرى ما هو الذي بسؤال ؟ وما الذي ليس بسؤال ؟، إن الخواص الواصفة والمميزة للسؤال دون غيره ذات أهمية قصوى في تصميم جهاز الكندي.
لنعد الآن للمهندس والذي اكتشف الآن أن المهمة هي تنقية تدفق مائي من عوالق رملية معينة ؛ رمل، بالتالي فإن السؤال هو ما هو الماء ؟ ما هو الرمل أو ما هو الذي ليس بماء ؟، بالطبع هناك عدة إجابات : الماء هو إحدى نعم الله الباهرة، أو الماء هو شريان الحياة أو الماء هو أصل الكائنات، لكن من الواضح أن أيا من هذه التعريفات لن يكون مفيدا كثيرا، ولن يخدم غرضنا الذي نحن بصدده، على التعريف أن يكون غرضيا وموجها، بلغة بسيطة أن يكون عمليا، وسنكون سعداء جدا لو أن المهندس قال أن الماء عبارة عن جزيء يتركب من ثلاث ذرات يبلغ قطره أنجستروم واحد تقريبا(8)، وبالتالي يمكن أن يكون المرشح عبارة عن سطح ذي فتحات أكبر من هذا القطر وأصغر من قطر أصغر حبة رمل(9).
يبدو أن الكندي قد انتبه لهذه الفكرة، فكرة التعريف الموجه، أو طبيعة المفهوم ذات القيمة المتجهة، يقول في الباب الرابع ( أما السؤال فهو على معاني والذي قصدناه منها ها هنا فهو عبارة عن جملة متركبة من ثلاثة ألفاظ لا تتم إلا باجتماعها )(10)، هناك بالتالي احتمالات عدة لما يمكن أن يكون عليه التعريف لكننا سنعتمد التعريف الذي يخدمنا أكثر في عملية ترشيح وفلترة الأسئلة.
هل هو من قبيل المصادفة أن تكون الجملة الذرية التي هي الماء والجزيء اللغوي الذي هو السؤال يحملان بنية تعريفية متشابهة من حيث الشكل، تلك ليست قضيتنا هنا على العموم.
السؤال إذا جزيء (عبارة) يتركب من ثلاثة عناصر (ألفاظ) هي:
· لفظ الاستفهام.
· لفظ يتعين به الخبر المطلوب.
· لفظ يحدد المستخبر عنه.
يقول السائل : أيجب جهاد المشركين؟، يقول الكندي: (الألف لفظ حرف الاستفهام ويجب لفظ الخبر المطلوب المستخبر عنه وجهاد المشركين لفظ الشيء المطلوب خبره فمتى سقط أحد هذه الألفاظ فلا سؤال)(11)، وتلك هي المهمة التي تقوم بها عملية الترشيح الأولى.
هناك فكرة أساس، ثيمة أولية اعتمد عليها المهندس وهي خاصية فيزيائية للمادة : القطر أو الحجم، طبعا هذا المرشح لا يدرك إذا ما كان العابر ماء أو ليس بماء، يعرف فقط أن هذا القطر سيمر وذاك القطر لن يمر، نستطيع القول أن المرشح هنا يقوم على مفهوم كمي، فكرة عددية عن مقدار الحجم الموجود في المادة المسموح لها بالعبور.
لو أعدنا تصميم هذا المرشح انطلاقا من الثيمة التي قامت عليها المرحلة الأولى في مرشح الكندي فإن المفاهيم التصميمية يجب أن تكون قادرة على الإجابة على هذه الأسئلة : هل به ذرة أكسجين ؟ هل به ذرة هيدروجين ؟ هل به ذرة هيدروجين ثانية فقط تصنع زاوية قدرها 120درجة مع ذرة الهيدروجين الأولى ؟ وبذلك سنضمن أن لا شيء غير الماء سيعبر.
نمارس هنا- بالكندي – فلترة نوعية، تقوم على التعرف على هوية الماء من خلال تحديد عناصره المحدِدة لهويتهِ الخاصة، وهي أيضا كما كنا نصف الكندي عودة دائمة وسؤال عن التعريف وانطلاق منه.
ولو أردنا أن نقلب المسألة، أعني أن نبني مرشح الكندي حسب المفاهيم التصميمية للمهندس فلربما ظهر على الصورة التالية : إذا كان عدد حروف الجملة 40 حرفا أو أقل فهي سؤال (تعبر).
لا بد لنا إذاً من مقاربة أخرى تقوله لنا على أساس نوعي، مقاربة تكشف لنا التدفق الفِكَري عند الكندي عبر المسارات المنطقية التي يرسمها، يقول الكندي : ( فلو قال : أيجب ثم سكت أو قال : جهاد المشركين ؟ ثم سكت أو قال يجب جهاد المشركين لما كان سؤالا )(12).
يجري الكندي ثلاثة اختبارات متتالية، للتأكد من وجود أحد العناصر الثلاثة، كل اختبار يحتمل نتيجة سالبة أو موجبة، أو يحتمل إجابتين هما نعم أو لا، عندما يقول السائل : أيجب ؟ يسأل هو : هل به لفظ حرف الاستفهام ؟ هل به لفظ الخبر المطلوب ؟ هل به لفظ الشيء المطلوب خبره ؟، نتائج الاختبارات الثلاثة بالنسبة للعبارة : أيجب ؟ هي نعم، نعم، لا، على التوالي، وبالتالي تفشل هذه العبارة في أن تكون سؤالا، لو أردنا صياغة قانون هنا لكان كالتالي : إذا كانت نتائج الاختبارات الثلاثة نعم و نعم و نعم فهو سؤال أو أن نكتبه كما أراده الكندي في العبارة أعلاه : إذا كانت نتائج الاختبارات الثلاثة هي لا أو لا أو لا فهو ليس بسؤال.
ولو جاز لنا أن نصوغ القضية رياضيا وهو يجوز بالطبع لكانت كالتالي : لنفرض أن الاختبار الأول = س والاختبار الثاني = ص والاختبار الثالث = ع ونعم = 1 ولا = صفر وسؤال = ف والعبارة المختبرة = ك فإننا نقول :
إذا كانت س = 1 و ص = 1 و ع = 1 فإن ك = ف
أو إذا كانت س = صفر أو ص = صفر أو ع = صفر فإن ك ≠ف
نحن لا نقول هنا أن الكندي يدرك هذه الأشكال التعبيرية لكننا ندلل على إمكان قيام عملية ترجمة بين منظومات مفهومية مختلفة تنتمي لنفس الفضاء المعرفي والمثال أعلاه يمكن أن يكتب تقريبيا على الصيغة البرمجية أو الحاسوبية التالية(13) :
clear
x=input(<part1:>);
y=input(<part2:>);
z=input(<part3:>);
if x==1 & y==1 & z==1
char(< question <)
else
char(< not question <)
end
المخطط الانسيابي:
ذلك ما كنا نبحث عنه إذا، تتميز البرمجيات الحاسوبية ببنية منطقية دقيقة ومسهبة، وهي تنطلق من بنية أولية بسيطة، حيث يمكن التعبير عن أعقد العمليات بالرمزين (1.0) أو لنقل بالرمزين نعم و لا، من الطبيعي أن نحتاج إلى توظيف آليات معينة تهدف إلى تبسيط هذا التعقد المتنامي وهو ما منحنا مستويات هرمية من عمليات التواصل مع الآلة تبدأ من لغة الآلة (machine language) الثنائية وتنتهي بلغات البرمجة العليا (high level language)، ما يهمنا هو إحدى استراتيجيات مراقبة تدفق البيانات خلال السراديب المنطقية للبرنامج، أو النسخة الزرقاء للبرنامج والتي توفر بيئة صُوَريّة تشرح البرنامج نفسه للآخرين وتمنح المبرمج إمكانية تعقب أخطائه المنطقية قبل الشروع في صياغة الشفرة (code) :تلك الاستراتيجية هي المخطط الانسيابي (flow chart).
المخطط الانسيابي عبارة عن رسم تمثيلي للتدفق المنطقي للبيانات في مساراتها المفترضة، وهو يتضمن عادة نقطة بداية ونقطة نهاية ومُدخلات ومُخرجات وصناديق قرارات تؤدي إلى مسارات محددة.
لنفرض – وهذا مثال مشهور- أن مصباحا كهربائيا في غرفتك لا يضيء، ماذا تفعل ؟، لن تقوم بشراء مصباح جديد مباشرة بمجرد أنه لا يضيء، لا أحد يفعل ذلك عادة إلا إذا كان مهووسا بشراء المصابيح الجديدة، ستتأكد أولا إذا ما كان المصباح موصلا، ثم ستتأكد إذا ما كانت شمعة المصباح سليمة، بعد كل هذه الاختبارات واعتمادا على نتائجها قد تقوم بشراء مصباح جديد، كيف نمثل ذلك بمخطط انسيابي، كالتالي :
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الشكل 2: المخطط الانسيابي لعملية شراء مصباح جديد
 
استخدمت هذه المخططات لاحقا في شرح العمليات الإدارية والتجارية وذلك من أجل توفير وسط تواصلي واضح بين أطراف عدة والاستفادة من القدرات التعبيرية لهذه الرسوم والتي تضمن وتحافظ في الوقت نفسه على البنية المنطقية سليمة.
يقوم الكندي باستثمار عمليات منطقية وضعها للتصدي لسؤال الخصم – وغير الخصم بطبيعة الحال – وهو يحافظ بإصرار على مبدأ ثبات الهوية من خلال وحدة القانون مع اختلاف الموضوعات (المُدخلات)، نتوقع بعد ذلك أنه يمكن التعبير عن جهاز الترشيح المنطقي انسيابيا، دون مواجهة مشكلة، وبالذي يسمح لنا بمعاينة جلية للتدفق المنطقي عند الكندي.
إن المرحلة الأولى من جهاز الترشيح حسب المخططات الانسيابية ستتضمن مدخلا واحدا ومخرجين، متخذة الشكل التالي:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الشكل 3: المرحلة الأولى في جهاز الترشيح
 
تلك إذا مرحلة الفلترة الأولى والتي ستسمح بعبور الأسئلة عبر أغشيتها، وتتحول إلى جدار صلب تمنع ما ليس بسؤال من عبورها، هذه المرحلة التي لا تشكل مطلبا أساسيا من مطالب الخصم ما لو أغفلها الكندي، لكنها تقع في صميم المنظومة المفهومية للكندي، منظومة الدقة المنطقية، منظومة الانطلاق من التعريف والعودة إليه.
يضع الكندي «المطابقة» شرطا لمرحلة الفلترة الثانية، ( وأما شرط صحة السؤال فهو مطابقة الحكم المطلوب للمخبر به وذلك أن يكون ذلك الخبر يخبر به عن ذلك الشيء المذكور وينصف(14) به)(15)، يقول السائل: كم أساطين المسجد الحرام ؟ كم استفهام عن عدد وأساطين تتصف بالتعدد في حين لو قال أيجب أساطين المسجد الحرام ؟ فيجب تفترض وجوبا وأساطين لا تتصف بالوجوب، إنها بذلك تفقد شرط المطابقة، (إذ هي أجسام والأجسام لا يخبر عنها بالوجوب بل يخبر عن الأعراض )(16)وسيكون مخططها الانسيابي كما في الشكل(17):
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الشكل 4: المرحلة الثانية المختصرة في جهاز الترشيح
 
كما أشرنا سابقا فإن هناك أسئلة مخاتلة، ذات طبيعة خادعة وهي يمكن أن تكون صحيحة ويمكن أن تكون فاسدة، ليس عالم الفيروسات وحده القادر على التحول والمخاتلة، بل إن فضاءات اللفظ والمعنى تفعل ذلك أيضا، فهذا السؤال يتلون، (يشتمل على معنيين أحدهما يطابق والآخر ينافي )18، هي إذا تستمد قوتها (علتها) من إمكانات اللغة، من لعبة التأويل، وما دامت تلك علتها وذلك ما تنبني عليه، وجب الدخول عليها من الجانب نفسه ووضع الشرط المنطقي الذي سيضمن لنا استبعاد الجزء المخاتل واكتمال عملية الترشيح فـ (الاقتصار على الأغلب من الوجهين بعد الشرط أرجو أنه كاف لاستحالة السؤال في الوجه المحال )(19)، وستبدو المرحلتان الثانية والثالثة من عملية الترشيح كما في الشكل(5)، وعندما نقوم بجمع هذه المراحل معا، أعني عندما نريد تمثيل جهاز الترشيح بأكمله انسيابيا فيكون كما نراه في الشكل(6).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الشكل 5: المرحلة الثانية والثالثة في جهاز الترشيح
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الشكل 6: جهاز الترشيح
الهوامش
1 – أبو بكر الكندي،الجوهر المقتصر، صـ27
2- الجوهر، صـ21 3 – القوانين الشرعية
4 – الخصم على المستوى النفسي محاولة للإدانة والحسم بعدم استحقاقه للوجود الشرعي من خلال التكفير أولا ومن خلال الرفض العلني لتقبل منظومة الكندي المفهومية. 5 – الجوهر ، صـ60
6 – الجوهر ، صـ60،61 7 -الجوهر، صـ61
8 – الأنجستروم هو جزء من عشرة مليارات جزء من المتر.
9 – لدواع اقتصادية يكون حجم فتحات المرشح مبنية على حجم حبات الرمل وليس حجم جزيء الماء، وبالعموم فهذا مثال افتراضي لا أكثر.
10 الجوهر ، صـ25 11 – الجوهر ، صـ25 ، 26 12 – الجوهر ، صـ26
13 – استبدلت القيم اللغوية بقيم رقمية للإيضاح والتبسيط ، ولغة البرمجة من برنامج (MATLAB).
14 – هكذا وردت في الكتاب ، وربما كانت « يتصف منه « لأنها أقرب للمعنى ، ربما سقطت النقطة في المخطوطة أو في التحقيق.
15 – الجوهر ، صـ27 16 – الجوهر ، صـ27
17 – نستبعد الأسئلة المحتملة من المخطط حاليا للتبسيط.
18 – الجوهر ، صـ30 19 – الجوهر ، صـ32
 
 عبدالله المعمري شاعر وكاتب من عُمان

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …