في مسألة الاستبداد ومقولاته بين رؤية الفلسفات المعاصرة وتطبيقاته في التراث العربي الإسلامي

قبل الشروع في المقاربة النقدية لمقولة المستبد العادل التي قالها بعض الإصلاحيين المسلمين، يجدر بنا ان نناقش مفهوم الاستبداد في المدارس الفكرية الإنسانية بعمومها.. ما هو مفهوم الاستبداد ؟ وما هي منطلقاته ؟ وما هي الرؤية العربية الإسلامية لمقولة الاستبداد ؟.
 كلمة المستبد ( despot) مشتقة من الكلمة اليونانية ديسبوتيس التي تعني رب الأسرة، أو سيد المنزل، أو السيد علي عبيده. ثم خرجت من هذا النطاق الأسري، إلى عالم السياسة لكي تطلق على نمط من أنماط الحكم الملكي المطلق الذي تكون فيه سلطة الملك على رعاياه ممثلة لسلطة الأب على أبنائه في الأسرة، أو السيد علي عبيده.(1)

والاستبداد [despotism] يعني انفراد فرد أو مجموعة من الأفراد بالحكم أو السلطة المطلقة دون الخضوع لقانون أو قاعدة.دون النظر إلى رأي المحكومين. (2)
وهذه السلطة المستبدة التي يتأثر بها الفرد أو بعض الأفراد هي تلك التي تمارس الحكم «دون أن تكون هي ذاتها خاضعة للقانون. فالقانون في نظر هذه السلطة قيد على المحكومين دون أن يكون قيداً على الحاكم… ومن هنا ففي وسع هذه السلطة أن تتخذ ما تشاء من اجراءات أو مواجهة الأفراد لمصادرة حرياتهم أو ممتلكاتهم «. و«تكون السلطة استبدادية ما دامت لا تخضع في تصرفاتها للقانون، ولا يجد الفرد قضاء يبطل تصرفاتهم إذا صدرت على خلاف ما يقتضي به القانون القائم».(3)
ويميز بعض فقهاء القانون الدستوري بين الدولة القانونية والدولة البوليسية Et.Police على أساس أن الحاكم في الدولة البوليسية على خلاف الدولة الاستبدادية يكون مقيداً من حيث الغاية، لأن حريته في اتخاذ ما يراه من إجراءات مشروطة بأن يتغيأ مصلحة الجماعة وليس مصلحته الشخصية (4)
أما مفهوم الاستبداد في القاموس العربي الإسلامي فلم يكن له ذلك المضمون السلبي الذي أشرنا إليه آنفاً في المرجعية الغربية ولا يتقارب معه بشكل من الأشكال فقد كان «الاستبداد» كمضمون في القاموس العربي الإسلامي «يعني الحزم وعدم التردد في اتخاذ القرار وتنفيذه. ومن هنا تلك العبارة الشهيرة: «إنما العاجز من لا يستبد «.هذا هو معنى الاستبداد في المرجعية العربية خصوصاً عندما يقرن بـ «العدل «. فالعدل يفقد مضمونه مع العجز عن تطبيقه. أما الاستبداد من دون عدل فكان له اسم آخر في المرجعية العربية وهو «الطغيان».(5)
جاءت مقولة «المستبد العادل» في إشارة إلى سيرة الخليفة عمر ابن الخطاب ( رضي الله عنه) في الحكم والإدارة، ولكنها جاءت هذه المقولة محرفة عن معناها بحيث لا تعبر عن المفهوم الذي أشرنا إليه آنفاً وهو «الحزم» و«عدم التردد في اتخاذ القرار» وإنما بمعنى الاستبداد وفق المفهوم الغربي وهو الانفراد بالرأي والسلطة دون أن تكون هذه السلطة خاضعة للقانون ودون النظر إلى رأي المحكومين الخ :
فكيف انتقل هذا المفهوم «الاستبداد» بمضامينه وحمولته الفكرية الغربية إلى المفهوم العربي الإسلامي؟ ومن هو قائل هذه العبارة؟ وهل قصدت عبارة المستبد العادل بمعناها الغربي بتلك المضامين السلبية ؟.
شاعت مقولة الاستبداد في القرن التاسع عشر والقرن العشرين بين الإصلاحيين الإسلاميين من خلال بعض كتابات ومقالات مختلفة ومن هؤلاءعبد الرحمن الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد)، وجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده من خلال مجلتهما مجلة «العروة الوثقى» التي كانت تصدر في باريس ويورد د/ إمام عبداللـه الفتاح إمام أن مقولة «المستبد العادل» انتقلت من أوروبا إلى الشرق.. فالحل الذي ارتآه جمال الدين الأفغاني لمشكلات الشرق إنما هو «المستبد العادل» الذي يحكم بالشورى وقال ما نصه: «لن تحيا مصر، ولا الشرق بدوله، وإماراته، إلا إذا أتاح الله لكل منهما رجلاً قوياً عادلاً يحكمه بأهله على غير تفرد بالقوة والسلطان».(6)
وهذه المقولة التي قالها الإمام جمال الدين الأفغاني لاتعني أنه أيد الاستبداد بمضامينه المعروفة، إنما في اعتقادنا قصد الحزم والقوة والعدل في ظل الظروف التي يعيشها العالم الإسلامي في فترة تكالب الدول الاستعمارية للسيطرة عليه.فهذا القول لا يؤكد أنه يؤيد الاستبداد السلبي بمفهومه الديكتاتوري المتسلط.
كما أورد الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه [المشروع النهضوي العربي..مراجعة نقدية] أن الشيخ محمد عبده تحدث عن نموذج «المستبد العادل» وقال ما نصه «إنما ينهض بالشرق مستبد عادل»، مستبد «يتمكن به العدل أن يصنع في خمس عشرة سنة ما لا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرناً» (7)
الواقع أن مقولة «المستبد العادل» التي قالها الشيخ محمد عبده أو الحاكم القوي العادل التي قالها جمال الدين الأفغاني في مناسبة واحدة فقط لا تعبر عن موقف ثابت من مسألة الاستبداد من هؤلاء الإصلاحيين المسلمين، حتى وإن كان مفهوم الاستبداد الذي قصداه يتوافق مع مفهومه في الغرب ولربما جاء قبل أن تتكشف لهما الآثار الوخيمة للاستبداد، أما إذا كان مقصدهما الاستبداد بمعناه العربي الإسلامي كما أشرنا فإن المسألة واضحة وتتقارب مع ما طرحاه في كتاباتهما ومقالاتهما الإصلاحية.
وهذا أيضاً لا يستقيم إن كانت الإشارة المستبد العادل قصد بها سياسة اتبعها الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وهذا ما يعد مخالفاً لسياساته ومواقفه وأعماله العظيمة في الشورى والعدل والمواقف الإنسانية الأخرى التي تخالف مفاهيم الاستبداد وتطبيقاته العملية.ولنا وقفة مع بعض المواقف التي سنأتي عليها لاحقاً، والأجدر بنا أن نتجول قليلاً في كتابات الإصلاحيين الإمام جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده حتى يمكن أن نتعرف على مضامين رؤيتهما لقضية الاستبداد ومخاطره على الأمة والنهضة والتقدم. (8)
فقد كتب جمال الدين الأفغاني في مجلة العروة الوثقى العديد من المقالات هاجم فيها الاستبداد هجوماً عنيفاً واعتبر أن الاستبداد أساس بلاء الأمة وشقائها ومما قاله «أن الأمة التي ليس في شؤونها حل ولا عقد، ولا تستشار في مصالحها، ولا أثر لإرادتها في منافعها العمومية، وإنما هي خاضعة لحكم واحد إرادته قانون، ومشيئته نظام، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، تلك أمة لا تثبت على حال واحد، ولا ينضبط لها سير» (9)
ويعلق د/ عبد الإله بلقزيز على طرح الأفغاني بقوله: إن «نقد الاستبداد في الفكر الإصلاحي الإسلامي الحديث.. جرى الاعتناء في الأولى بالكشف عن جذور هذا الاستبداد في أزعومة الحق الإلهي، التي قامت عليها فكرة السلطة الدينية في الإسلام، وكان الاستذراع بها من قبل الحكام طريقاً لهم إلى إطلاق يدهم في الدولة وحقوق الرعية. أما في الثانية، فجرى الانصراف إلى تعيين أشكال الاستبداد السياسي المختلفة، والكشف عن نظامه أو عن نمط اشتغال آلياته ( بلغة عصرنا).(10)
وفي مقالة الأفغاني حملت عنوان «الحكومة الاستبدادية» نشرت في جريدة [ مصر ] عام 1879 قال فيها جمال الدين: «إن من يساسون بالحكومة الدستورية تستيقظ فيهم الفطرة الإنسانية السليمة التي تحفزهم للخروج من حياتهم البهيمية الوضيعة لبلوغ أقصى درجات الكمال والتخلص من نير الحكومة الاستبدادية التي تثقل كواهلهم» (11)
كما أن جمال الدين الأفغاني عند المنصف الأمين كما يشير د/ محمد عمارة لا يدع مجالا للشك في انحيازه إلى مبدأ «الأمة هي مصدر السلطات» في سياسة المجتمع «بما يعنيه ذلك من ضرورة» استمداد السلطة الزمنية قوتها من الأمة «، والتزامها بتحقيق مصالح الأمة وحقوقها، وخاصة «في الأمن.. والعدل «.. وذلك بالمبدأ القائل وفق ألفاظ الأفغاني ـ: «أن الإرادة الحرة للشعب الحر هي القانون» !.. وفي هذه المعاني المحددة والواضحة يقول جمال الدين: «إن السلطة الزمنية، بمليكها أو سلطانها، إنما استمدت قوتها من الأمة لأجل قمع أهل الشر، وصيانة حقوق العامة والخاصة، وتوفير الراحة للمجموع بالسهر على الأمن، وتوزيع العدالة المطلقة، إلى آخر ما في الوازع والسلطان من المنافع العامة.» (12)
ولم يتوقف إيمان جمال الدين الأفغاني بالحكم الدستوري النيابي بل واصل دعوته القوية المزلزلة فيقول :» لا تحيا مصر ولا يحيا الشرق، بدوله وإماراته، إلا إذا أتاح الله لكل منهم رجلاً قوياً عادلاً، يحكمه بأهله، على غير طريق التفرد بالقوة والسلطان، لأن بالقوة المطلقة: الاستبداد، ولا عدل إلا مع القوة المقيدة. وحكم مصر بأهلها إنما أعني به: الاشتراك الأهلي بالحكم الدستوري الصحيح. وإذا صح أن من الأشياء ما ليس يوهب، فأهم هذه الأشياء: ( الحرية) و( الاستقلال). (13)
صحيح أن جمال الدين الأفغاني عاصر مشكلات الأمة الإسلامية الصعبة، وأوضاع الخلافة المتردية المتخلفة، فركز جل اهتمامه لتقوية الخلافة واشتداد عودها تجاه تكالب الغرب عليها لضعفها، فكانت وحدة الأمة هي شغله الشاغل بقلمه وفكره ووجدانه في إمكانية «بناء دولة إسلامية قوية هنا أو هناك تأخذ على عاتقها مهمة تحرير الإسلام والترقي به وتوحيده للوقوف في وجه الغرب. ومن ناحية أخرى لم يكن التأييد للحكم الحميدي ويقصد السلطان عبد الحميد العثماني الذي عبر عنه الأفغاني تأييداً غير مشروط، فهو قد ربطه بعدد من المطالب الإصلاحية الجوهرية المتصلة باللامركزية والحكم الشوري التمثيلي والسير في طريق الحرية المبددة للاستبداد» (14)
فكانت له آراء رائعة في الإصلاح السياسي والخروج من الراهن السلبي الذي وقعت فيه الدولة الإسلامية آنذاك، إذ أدرك «مبكراً أن كسب المعركة مع العدو الخارجي رهن بإنجاز إصلاحات داخلية جذرية: في المركز كما في الأطراف (الخديويات) في الجيش كما في الإدارة. وذلك على الأقل ما يكشف عنه مشروعه الإصلاحي الذي تقدم به للسلطان عبد الحميد الثاني، وسائر ما حرّره في موضوعات الشورى والدستور والحرية (:) وإذا كان الأفغاني قد أطلق آخر صيحة تحذير في وجه هذه الدولة قبل أن تقع الواقعة، فتدول وتؤول إلى زوال، فإنه فتح الباب على مصراعيه أمام نقد الأسس التي عليها قوام تلك الدولة… وأزمتها: الاستبداد.» (15)
ولذلك فإن جمال الدين الأفغاني ركز على إشكالية «الاستبداد» باعتباره رأس البلايا الذي ترزح تحته الأمة الإسلامية في ذلك الوقت ولم يدر في خلده الجمع بين «الاستبداد والعدل» أو الترويج لفكرة «المستبد العادل» التي روجها البعض تحريفاً لفكره ونظرته العامة لمسألة السياسة والحكم والدستور. ومن هنا فإن «الأفغاني يفهم الاستبداد بأنه غياب العدل والشورى وعدم تقييد الحكم بالدستور» فقد أخنى الدهر على الشرق بكلكله ومرت عليه زلازل العسف والجور، وأشكال الاستعباد حتى تأصلت في نفوس أبنائه بذور الذل والاستكانة والخلود إلى الرقاد «. ويرى بأن «إشراك الأمة في حكم البلاد عن طريق الشورى وانتخاب نواب عن الأمة «هو البديل لهذه الحال والعلاج لذلك الداء» (16)
ولهذا جاء تركيز جمال الدين الأفغاني على أولوية قيام سلطة مدنية خالصة بدون أن تتداخل فيها عناصر الاستبداد وتوابعه تحت مسميات أخرى تتجاذب معه هنا أوهناك «تستمد شرعية وجودها من خلال حفاظها على مصالح المجتمع. وإن إرادة الشعب تشكل القوة التي تخضع لها هذه السلطة. بكلمة أخرى، يقيم الأفغاني السلطة على أساس من إرادة الأمة، ولم يتوخ من أجل تأكيد شرعيتها البحث عن أساس ديني لها» (17)
وهناك الكثير من الآراء الرائعة والقوية التي تجعل الأفغاني أحد المنافحين عن الدستور والحرية والديمقراطية والرافضين للاستبداد بصورة لا تقبل الجدل، أما الشيخ محمد عبده فلم يكن أقل من أستاذه جمال الدين الأفغاني في نقده وهجومه على الاستبداد وآثاره السلبية الخطيرة على الأمة بأكملها وكتب العديد من الآراء الجديرة بالتقدير في السياسة والحكم والشورى ونبذ الاستبداد، ومن ضمن ما قاله أن الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم «ولا هو مهبط الوحي ولا من حقه الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة. نعم شرط فيه أن يكون مجتهداً أي أن يكون من العلم باللغة العربية وما معها مما تقدم ذكره بحيث يتيسر له أن يفهم من الكتاب والسنة ما يحتاج إليه من الأحكام، حتى يتمكن بنفسه من التمييز بين الحق والباطل، والصحيح والفاسد، ويسهل عليه إقامة العدل الذي يطالبه به الدين والأمة معاً (:) فالأمة أو نائب الأمة هو الذي ينصبه والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها فهو حاكم مدني من جميع الوجوه «. (18)
وعند الشيخ محمد عبده في مسألة التمييز بين السلطة المدنية في الإسلام والسلطة الدينية كما وجدت في الغرب قبل قيام حركة الإصلاح الديني في القرن السابع عشر أنه في الإسلام لا يجوز «لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج ( ثيوقراطياً) أي سلطاناً إلهياً فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة عن الله وله حق الأثرة بالتشريع وله في رقاب الناس حق الطاعة، لا بالبيعة، وما تقتضيه من العدل وحماية الحوزة بل بمقتضى الإيمان فليس للمؤمن ما دام مؤمناً أن يخالفه، وإن اعتقد أنه عدو لدين الله، وشهدت عيناه من أعماله ما لا ينطبق على ما يعرفه من شرائعه» (19)
من هنا كان الشيخ محمد عبده واضحاً وناجزاً في مسألة التمييز بين السلطة المدنية والسلطة الدينية وعندما كان يساجل ضد فكرة وجود سلطة دينية في الإسلام كما يقول د/ عبد الإله بلقزيز «لم يكن يجاري المستشرقين ( رينان، هانوتو..)، ولا كان حتى يقارعهم بحجتهم، بل كان يتوجه بالخطاب إلى أولئك الذين تذرعوا بالمسألة ليؤسسوا عليها حكماً سياسياً استبدادياً، على خلفية قولهم إن الإسلام لا يقيم فاصلاً فيه بين الدنيوي والروحي، الزمني والديني.فإذ ينكر محمد عبده «جمع السلطتين في شخص واحد «: أي السلطة الزمنية والسلطة الدينية، يذهب أبعد من ذلك إلى التأكيد على أنه ليس في الإسلام «تلك السلطة التي كانت للبابا عند الأمم المسيحية، عندما كان يعزل الملوك، ويحرم الأمراء، ويقرر الضرائب على الممالك،ويضع لها القوانين الإلهية..» (20)
ولذلك فإن الشيخ محمد عبده قد اهتم بالجانب السياسي الإصلاحي البعيد
عن مقولة «المستبد العادل» التي قيلت عنه، وقد أرجع الشيخ محمد عبده فساد الأوضاع السياسية كما يقول د / برهام غليون «إلى سبب رئيسي هو فساد تربية الحاكم والمحكوم معاً، حتى جهل الأول مسؤولياته تجاه الأمة، وغابت عن الثاني حقوقه على الحاكم. ولذلك اعتبر أن إصلاح التربية الإسلامية هو الطريق إلى إصلاح الأوضاع السياسية، وقد أقام على هذه الرؤية نظرته التي تجعل من تكوين الرأي العام وتقدم تربيته حجر الزاوية في العمل السياسي من أجل التغيير. ومن الطبيعي أن يؤدي به ذلك إلى تبني الليبرالية ورفض الثورية والانقلابية التي تعتقد أنها بمجرد تغييرها للمراسيم القانونية قادرة على تغيير المجتمع وإصلاحه» (21)
وقد أوضح الشيخ محمد عبده في كثير من الأفكار التي طرحها في مدنية السلطة في الإسلام المؤسسة على الشورى واجماع الأمة: «إن أفضل القوانين وأعظمها فائدة هو القانون الصادر عن رأي الأمة العام، أعني المؤسسة على مبادئ الشورى، وإن الشورى لا تنجح إلا بين من كان لهم رأي عام يجمعهم في دائرة واحدة «.(22)
 ولا يستطيع باحثٌ عادلٌ ومنصفٌ أن ينكر ما أكد عليه الشيخ محمد عبده في قضية مساوئ الاستبداد ومخاطره على الأمة والدولة وبالتالي المجتمع تأثيره على التماسك الاجتماعي بصفة عامة وقد أكد على مدنية «السلطة في المجتمع، ومدنية مؤسسات هذا المجتمع التي لا تفرّق بين المواطنين بحسب معتقداتهم، بل بحسب موقفهم من المجتمع ودورهم فيه.والمجتمع المدني عنده هو مجتمع المواطنين الذين قد يختلفون في العقيدة والمذاهب، إلا أنهم يتكلمون لغة واحدة ويحرثون في أرض واحدة، الجميع إخوان، حقوقهم في السياسة والقوانين متساوية. تمسك بالشورى كأداة لكبح جماح السلطة والحاكم» (23)
ومعنى المستبد هنا الذي قصده الشيخ محمد عبده كما يقول برهان غليون ليس المتعسف وإنما «أن يرجع الأمر في تنفيذ الشريعة إلى فرد واحد، فهو غير ممنوع في الشرع ولا في العقل. لكن تقييد الحاكم بالشريعة غير كاف، إذ لا بد من طائفة تتحقق بمعاني الشريعة فيقومونه عند انحرافه ويحضونه على ملازمتها «(24)
وهذا يعني أن مفهوم المستبد المقصود هو الشخص الحازم العادل. الذي يضع الأمور الموكولة إليه في حزم وعدل وقوة دون تردد في اتخاذ القرار، وقد تم توضيحها آنفا في تحديد المفهوم السلبي للاستبداد في التاريخ الأوروبي، والتفرقة بينه وبين مفهوم الاستبداد في التراث العربي الإسلامي.
إذن فإن تهمة الترويج لفكرة الاستبداد ومقولة «المستبد العادل» من قبل المصلحين الكبيرين جمال الدين ومحمد عبده ليست دقيقة وظالمة في أحيان ٍكثيرة. والآراء التي سردناها من قبل عن هذين المصلحين يكذبان ما قيل عنهما أنهما دعيا إلى فكرة «المستبد العادل» مع أن الاستبداد لا يجتمع مع العدل وتلك قضية محسومة منطقياً وعقلانياً. (25)
وإذا رجعنا إلى التراث الإسلامي وما قيل أن الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه تنطبق على فترة خلافته فكرة «المستبد العادل» كما أشار البعض، فإن الآثار عن مواقفه وسياساته التي اختطها هذا الخليفة الملقب بالعادل تخالف وتناقض هذه الفكرة وإن صح أنها قيلت عن خلافته، فهذا الخليفة رضي الله عنه
عرف عنه الحزم والإقدام والعدل والشورى والديمقراطية بمقاييس عصرنا، لكنه لم يعرف عنه التعسف والاستبداد والظلم وفق المضامين المعاصرة.
ولم يعرف أحدٌ يرفع من قدر الشورى في كل عصور التاريخ كما قال خالد محمد خالد كما «رفع من قدرها إيمان «عمر» بها. وأسلوبه في تطبيقها..أن تطور الحياة السياسية في المدينة لم يكن يومئذ قد أن للمؤسسات الديمقراطية أن تظهر، من «برلمان» وغيره.. ومع هذا فقد ظفرت الديمقراطية من ذلك الرجل، وفي تلك البيئة وذلك العهد. بخير فرص التألق والازدهار.. لم يحاول عمر قط أن يفرض رأيه، أو أن يملي مشيئته، ولم ينفرد ساعة من نهار بحكم الناس دون أن يشركهم معه في مسؤولية هذا الحكم مشاركة فعّالة صادقة..» (26)
ومن أقواله الخالدة في الشورى ونبذ الاستبداد واحتكار القرار رضي الله عنه ما قاله في آخر اجتماع، وكان «عمر قد دعا فريقاً من الأنصار المشهود لهم بالحنكة ونضج التجربة. فتح باب المناقشة، وخشى «عمر» أن يجامله أحد في رأيه بوصفه أمير المؤمنين.فبدأ الحديث قائلاً :
«إني دعوتكم لتشاركوني أمانة ما حملت من أموركم، فإني واحد كأحدكم، وأنتم اليوم تقرون بالحق. خالفني من خالفني، ووافقني من وافقني. ولست أريد أن تتبعوا هواي، فمعكم من الله كتاب ينطق بالحق. فو الله لئن كنت نطقت بأمر أريده، فما أريد به إلا الحق «. (27)
ومن المواقف الشهيرة على عدم استبداده واعترافه بالخطأ والرجوع عنه وهو في قمة السلطة والجاه عندما «رأى إحجام شباب المسلمين عن الزواج بسبب ارتفاع مهور النساء.. ورأى حلاً لذلك أن يحدد للمهور حداً أعلى وما زاد على ذلك تأخذه الدولة كضريبة ويضاف إلى بيت مال المسلمين.. ووقف عمر يعلن رأيه على المنبر.فتصور من الذي عارض الخليفة وأعلن أنه بذلك يتعدى على سيادة القانون (وهو القرآن) لقد تصدت له امرأة في المسجد وقالت له: ليس ذلك يا عمر.. فإن الله سبحانه وتعالى يقول: (وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً) سورة النساء الآية 20. وهنا يعلن الحاكم على الملأ في تواضع ويسحب مشروعه من المجلس ويقول: «أصابت امرأة وأخطأ عمر «.(28)
وكان الخليفة الثاني رضي الله عنه حريصاً على تفادي الأخطاء ويرغب في الاستماع إلى ما يخالف آراءه ويرتاح إلى نقده فيما يتخذ من مواقف وسياسات قد تكون خاطئة ويتسمّع «همس الناس حول شدته وصرامته حتى يخلو بنفسه مفكراً، ويدخل عليه «حذيفة» فيجده مهموم النفس باكي العين. فيسأله: ماذا يا أمير المؤمنين ؟ فيجيب عمر: إني أخاف أن أخطئ فلا يردني أحد منكم تعظيماً لي.. يقول حذيفة، فقلت له : «والله لو رأيناك خرجت عن الحق. لرددناك إليه «. فيفرح «عمر «، ويستبشر ويقول :
«الحمد لله الذي جعل لي أصحاباً يُقومونني إذا اعوججت» ..
إن أعظم مظاهر التكريم للمعارضة،نراها في مواقف هذا العاهل الفذ منها..في ولائه الوثيق لها،وتوفير كل فرص الطمأنينة والأمن بل الإكبار لذويها..
يصعد المنبر يوماً فيقول:
«يا معشر المسلمين،ماذا تقولون لو مِلْتُ برأسي إلى الدنيا هكذا» ..؟؟ فيشق الصفوفَ رجل ويقول وهو يلوح بذراعه كأنها حُسام ممشوق:
«إذن نقول بالسيف هكذا.. فيسأله عمر:إيّاي تعني بقولك..؟؟
فيجيب الرجل:نعم إياك أعْني بقولي..! فتُضيء الفرحة وجه «عمر» ويقول:
«رحمك الله..والحمد لله الذي جعل فيكم من يقّوم عوجي» ..ّ!!
لم يكن هذا الموقف من أمير المؤمنين موقفاً استعراضياً،فعمر أكثر قوة وأمانة،من أن يلجأ لمثل هذه المواقف،إنما كان سلوكاً صادقاً،ونهجاً تلقائياً مخلصاً،ينشد «عمر» من ورائه الوصول إلى الحق والطمأنينة إلى أنه يحكم أمة من الأسُود،لا قَطِيعاً من النعاج..!!» (29)
ومن الأمثلة الرائعة التي تدحض مقولة الاستبداد في سياسة الخليفة عمر ابن الخطاب التي اتسمت خلافته بالعدل والشورى أو ما نسميه بمفاهيم عصرنا بـ«ديمقراطية الحكم» التي سار عليها الخليفة الثاني، القصة المشهورة المروية عند إقدامه على عزل خالد بن الوليد، فعقدت أمام الصحابة جلسة حوار ومناقشة بين الخليفة عمر والصحابي المعزول عن ولاية قنسرين خالد بن الوليد «فجاءه خالد يحاسبه عن سبب عزله.. فقال له عمر: «لا أناقشك يا خالد هنا في بيتي، ولكني أناقشك في مسجد رسول الله وأمام جمع المسلمين.. فإن كنت على حق أنصفك الصحابة مني وإن كنت أنا على حق فليس لك أن تتكلم بعد اليوم في الأمر أو تثير فتنة «. وعندما اكتمل مجلس الصحابة في مسجد رسول الله وقف عمر يقول خطبته المشهورة :
«أيها الناس.. لقد سألني خالد بن الوليد أن أجمعكم اليوم ليناقشني أمامكم وأناقشه، وقد أشفق بعض ذوي الرأي من ذلك على كلمة المسلمين أن تفترق، فنصحوني ألا أقبل، ولكني استخرت الله فقبلت، لا بطراً بعلم الله ولا رياء ولا استخفافاً بالفتنة أو استدراراً لها.. ولكني نظرت فوجدتني بين أمرين: إما أن أصدع بالحق ولا أخشى الفتنة وإما أن أخشى الفتنة فلا أصدع بالحق.. وأريد أن أجعل نفسي حجة على من يلي هذا الأمر بعدي فلا يأبى أحدهم أو يستنكف أن يناقشه أحد على رؤوس الأشهاد أبداً».
وبعد أن انتهى الخليفة العادل من إعلان هذا البيان والتعهد الديمقراطي الرائع جلس قليلاً. فوقف غلام من أقارب خالد وقال: أتأذن لي يا أمير المؤمنين ؟ فأذن له أن يتكلم. فقال في جرأة: «إنك يا أمير المؤمنين لم تنصف خالداً وإنك لتحقد عليه..» فلم تغضب هذه الكلمات القاسية الخليفة.. بل قال في حلم: «يا بني إنك حديث السن.. ومغضب من أجل قرابتك فاصبر حتى تسمع الرأي «.. وظل خالد وعمر يبدي كل منهما رأيه وحجته يوماً كاملاً أمام مجلس الصحابة حتى اقتنعوا بحجة عمر وأسبابه في عزل البطل العظيم خالد بن الوليد. وفي نفس الوقت فإن عمر لم يسلم في ذلك المجلس من نقد الصحابة له بسبب شدته.. فقال لهم عمر: هل هي شدة في الحق أم في الباطل.. فقالوا له جميعاً: والله ما علمنا إلا أنها في الحق.. فقال عمر: اللهم زدني شدة ما دمت على الحق».(30)
وهناك الكثير من الآثار العظيمة لسيرة الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه تجعل من مقولة «المستبد العادل «كذبة كبرى جعلها البعض متكأ لا تخلو من الأغراض الخبيثة لتشويه سيرة هذا الصحابي الجليل، وللتغطية على مساوي النظم الشمولية الاستبدادية في العصر الحديث التي تم اقتباسها من الغرب نفسه كالتوتاليتارية والبسماركية والشيوعية والنازية والفاشية التي انتشرت أفكارها في العصر الحديث، ولم يكن التراث السياسي الإسلامي مطروحا للتطبيق في هذه الدول العربية قبل وبعد استقلالها من الاستعمار، سواء في الدولة العربية التقليدية التي تبنت الأفكار الليبرالية الرأسمالية، أو الدولة الوطنية التي اختار اغلبها النظم الشمولية.
وإذا ما دقق الباحث الأمين في النظم المعاصرة في عالمنا المعاصر التي تخلصت من الاستعمار في منتصف القرن الماضي وبعده، يرى أن هذه الدول اقتبست فكرة الاستبداد من الغرب نفسه وربما أنه أي الغرب شجع البعض بصورة أو بأخرى على هذه الأفكار الاستبدادية ربما بهدف الانتقام من هذه الدول وشعوبها التي ناضلت لنيل الاستقلال. ودخلت في مساوئ الاستبداد.(31)
إذاً مسألة قضية «المستبد العادل» التي روج لها بعض العلمانيين المتطرفين الذين ركزوا على مقولة تأثير فكرة «المستبد العادل» على مجمل المشكلات السياسية غير الديمقراطية القائمة في عالمنا العربي، وهي مقولة أقرب إلى الأسطورة الوهمية من الحقائق الواقعية.
وهذا الاستبداد يرفضه الإسلام وينكره تماماً باعتباره أسلوباً سيئاً للإدارة والحكم، فالاستبداد السياسي مثلاً يعد أكثر ألوان «الاستبداد ظهوراً يقوم فيما يقوم على خنق حرية الرأي في مستوى التعبير عن الرؤى التي تعالج مظاهر الشؤون العامة للأمة في توصيف أسبابها، وبيان طرق معالجتها، والحجاج عن تلك الرؤى، ومعارضة ما هو مطروح من قبل الجهات الرسمية في ذلك. وقد يتجاوز الاستبداد السياسي مرحلة المنع لحرية الرأي إلى مرحلة البطش بمن أتيحت له فرصة للتعبير بطريقة أو بأخرى. وكلّ هذا أمر سائد في كثير من البلاد الإسلامية،وقد يختلف من جهة إلى أخرى بالدرجة، ولكن يتفق في النوع.» .(32)
والاستبداد السياسي الذي وقعت فيه الكثير من الشعوب الإسلامية لأمد طويل «وظلت إلى اليوم ترسف في قيوده، ليس مرده إلى أن الإسلام نقصته عناصر معينة، فأصيب معتنقوه بضعف في كيانهم كما يصاب المحرومون من بعض الأطعمة بلين في عظامهم أو فقر في دمائهم.
كلا.. ففي تعاليم الإسلام وفاء بحاجات الأمة كلها وضمان مطمئن لما تشتهي وفوق ما تشتهي من حريات وحقوق، إنما بطشت مخالب الاستبداد ببلادنا وصبغت وجوهنا بالسواد».(33)
والاستبداد في نظر الفكر الإسلامي مرحلة من مراحل العودة لعصر الطغيان، ويعرقل مسيرة البناء الحضاري للأمة، كما أنه يحول بين الإنسان وبين الإبداع «على مختلف المستويات، لأن الحرية من شروط الإبداع، فالمفكرون لا يشعرون بالأمان، ولا يستطيعون أن يعملوا في بلدان فقدت فيها الحرية، فالطغيان والإرهاب يجعل كل بحث عقيماً، ويطفئ هذه الشرارة غير الصلبة التي هي الفكر المبدع.»(34)
ومن هذه المنطلقات حارب الإسلام الاستبداد بمفهومه الحديث المعاصر وعمل على التحذير منه ومن مخاطره على التقدم والنهوض، «وإذا كانت بذرة الاستبداد ومصادرة حرية الإنسان هي بداية الطريق الذي أدى إلى الانحطاط الحضاري في الإسلام، فإن النهوض الحضاري الجديد لا بد أن يبدأ من العودة إلى تحرير الإنسان المسلم من كل الأغلال والقيود، بناء على صحة القول القائل بأن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها. وكان صلاح أول هذه الأمة قد تم عبر إرساء مفهوم الحرية، بمعناها الواسع، حين جاء القرآن إلى الناس بمفهوم «ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) الأعراف :7/157.(35)
والنظم الاستبدادية إياً كانت تسميتها من الناحية الأيديولوجية والفلسفية تفرز أخلاقاً سلبية في المجتمع منها «تحول النفاق إلى طبع مغروس، وعادة تمارس بلا تفكير.. وصار الدرهم والدينار قبلة الناس وكعبتهم.. فخرجوا وهم لا يشعرون إلى وثنية حقيقية تتسلل إلى نفوسهم مع أنفاس كل يوم يعيشونه في ظلال الخوف والقهر.. حتى ينتهي بهم الأمر إلى عبادة فرد أو أفراد.. وإلى اسقاط كل القيم الموضوعية التي ترتبط بها حياة الأحرار والمواقف والمشاعر والأفكار.. وهذا منتهى التدني وقاع الهبوط ؛ وهو أول الشرك الذي يصفه النبي (ص) بأنه أشد خفاءً في تسلله إلى النفوس «من دبيب الذر على الصفا (أي الحجر الأملس) في الليلة الظلماء «.(36)
صحيح كان هناك بعض الحكام المستبدين في تاريخ الإسلام، لكن الذي يدركه كثيرون كما يقول فهمي هويدي ولا يلحظونه أن هؤلاء «المستبدين جميعاً لم يستخدم واحد منهم سلطة التشريع لتمكين استبداده أو إعطائه صفة شرعية، ولم تسمح له الشريعة بذلك.
إن الحاكم المستبد بقي في شريعتنا مستبداً خارجاً عن القانون وسيبقى كذلك إلى الأبد.. إن استبداده يبقى في نظر الناس جميعاً استبداداً خارجاً عن القانون، وخروجاً على الشريعة وقوانينها.(37)
الخلاصة أن مقولة «المستبد العادل» التي قيل أن لها أصل في التراث العربي الإسلامي ونقلت عن بعض المفكرين المصلحين المسلمين في العصر الحديث تحتاج إلى مراجعة عادلة وحفريات فكرية في هذا التراث الكبير، تناقش من خلالها حقيقة هذه المقولة، ومفهومها الذي يتناقض مع التراث الإسلامي السياسي نفسه ومع كتابات هؤلاء المصلحين والمفكرين قديماً وحديثاً.(38)
ونعتقد أن هذه المقولة «المستبد العادل» جاءت في سياقات غير دقيقة وفهمت في غير مرادها، فإذا كان المقصود بعبارة «المستبد العادل» الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فإن تاريخ هذا الرجل يتنافى مع هذه السياسة ويتناقض معها، كما إن العبارة نفسها «المستبد العادل» تتناقض مع نفسها إذ نعتقد أنه لا يجتمع العدل مع الاستبداد وأن الحزم والقوة وعدم التردد لا يعني الاستبداد والظلم والتعسف.
الإحالات والهوامش:
1 كتاب الطاغية..دراسة فلسفية لصور الاستبداد السياسي د/إمام عبد الفتاح إمام كتاب عالم المعرفة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت (183) ط1 1994 ص52
2ـ موسوعة السياسة – الجزء الأول(1) تحرير مجموعة من الباحثين الناشر المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط3 1990 ص 166.تحدث الكثير من المفكرين والفلاسفة الغربيين عما أسموه بـ «الاستبداد» أو «(نمط الإنتاج الآسيوي» وهي هيمنة الدولة في سياساتها المطلقة وملكيتها لوسائل الإنتاج والتي تسيطر على كل المقدرات الاقتصادية في هذه الدول، وأن هذه الأفكار التي تحدثوا عنها في مسالة «الاستبداد الشرقي» انطلقت بعد حركة التنوير في الغرب،وبروز الإيديولوجيات المناهضة للبابوية بعد إقصائها عن الحياة العامة، وفي اعتقادنا أن الاستبداد عرفته كل الشعوب والحضارات والأيديولوجيات، ولم تستثن منه أي حضارة لكن بمقاييس مختلفة ومتعددة.. فقد وجد الاستبداد في الغرب كما وجد في الشرق، وهذه مسألة لا تحتاج إلى مزيد من الاستقصاء والبحث. انظر :عادل عبد المهدي دولة الاستبداد الشرقي.. دولة الغرب في الشرق الفصل الثامن كتاب [إشكالية الإسلام والحداثة ] دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع ط1 2001 بيروت ص117 238).
3ـ إشكاليات التجديد ماجد الغرباوي دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ط1 2001 ص156.عرّف عبد الرحمن الكواكبي الاستبداد تعريفاً موافقاً للتعريف الغربي بحكم أنه اطلع على مضامين الاستبداد في الفكر والسياسة في الغرب ومما قال في تعريف الاستبداد: هو [غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النقيصة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة. انظر الكتاب [الكواكبي] دار العلم للملايين بيروت ط1 1982 ص28. انظر كذلك كتاب [طبائع الكواكبي في طبائع الاستبداد] دراسة تحليلية الدكتور جورج كتورة المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ت بيروت ط1 1987 ص 27 32.
4ـ الوسيط في النظم السياسية د/محمود عاطف البنا دار الفكر العربي القاهرة ط1 1988،ص96. يرى د/ محمود عاطف البنا: إن هذه التفرقة بين الدولة الاستبدادية والدولة البوليسية لا تؤثر في موضوعنا المطروح، فكلاهما دولة غير قانونية، حيث لا يخضع فيها الحاكم للقانون، وليس للأفراد حقوق تجاه الدولة. وإذا كان للإدارة في الدولة البوليسية سلطة تقديرية مطلقة في اتخاذ الإجراءات التي تحقق الصالح العام للجماعة، فإن الحاكم في الدولة مهما بلغت درجة الاستبداد قلما يعترف بأنه يمارس السلطة لمصلحته الشخصية.
5ـ المستبد العادل..بديلاً للديمقراطية!ـ د/محمد عابد الجابري جريدة الاتحاد الإماراتية بتاريخ 4 يونيو2002،ص10.
6ـ الطاغيةـ مرجع سابق ص72
7ـ مركز دراسات الوحدة العربية بيروت  ط1، 1996 ص130، ( الغريب أن د/ محمد عابد الجابري أشار إلى مقولة «المستبد العادل» في هذا الاقتباس المشار إليه آنفاً بأنها تعني الاستبداد مع العدل، لكنه في مقالة سابقة أشرنا إليها في مستهل تحديد مفهوم الاستبداد، خالف هذا الرأي واعتبر أن مفهوم «المستبد العادل» في التراث العربي الإسلامي يعني «الحزم وعدم التردد في اتخاذ القرار وتنفيذه» . وهذه الإشارة حول مسألة «المستبد العادل» كررها في هذا الكتاب مرتين ص79،78، وكذلك ص130 في نفس الكتاب، ثم تراجع عنها في مقالة له بجريدة الاتحاد الإماراتية بتاريخ 4 يونيو 2002، وقال فيها أن كلمة «المستبد العادل» لم يكن لها في المرجعية العربية القديمة ذلك المضمون السلبي الذي لها اليوم، واستشهد بالعبارة العربية المشهورة «إنما العاجز من لا يستبد» ، ثم عاد د/محمد الجابري مرة أخرى وتراجع عن الفكرة السابقة، وكتب في مقالة حديثة بنفس الصحيفة بتاريخ 17 أغسطس 2004 حملت عنوان (الإصلاح السياسي بين واقعية» أرسطو» وسلفية محمد عبده!). وقال ما نصه: «لقد وجد الشيخ محمد عبده في نهاية مطافه السياسي والإصلاحي حلاً لهذه المشكلة في ذلك المصطلح الذي جمع فيه بين متناقضين مصطلح» المستبد العادل» ! وهو مصطلح يحيلنا إلى «أفلاطون» الذي انتهى من تحليله ومناقشته لمسألة الحكم العادل إلى القول: «أنه لا يصلح أمر المجتمع إلا فيلسوفاً حكيماً» .وفي فقرة أخرى من نفس المقالة قال أيضاً «كان محمد عبده يعتبر المطالبة بالحريات الديمقراطية من طرف التيار الليبرالي المصري خطأ وخطراً. ففي مقالة له مشهورة كتبها بعنوان :» إنما ينهض بالشرق مستبد عادل» نجده يقرر بكل قوة وإصرار أن الحكم النيابي البرلماني لا يفيد، ولا يصلح لمصر ودول الشرق وإماراته، بل لربما كان ضرره أكثر من نفعه. والحكم الأمثل في نظر هو حكم «المستبد العادل» ، فهو يستطيع أن يفعل في خمسة عشر عاماً مالا يستطيع النظام النيابي أو غيره عمله في قرون» . (ونحن نقول من جانبنا ماذا يعني هذا التناقض في طرح د/ الجابري ؟، فهل هذا يعني المقدرة على التلاعب بالألفاظ والمصطلحات ؟ أم مجرد عدم بذل الجهد في البحث والاستقصاء في القضايا التي له فيها أحكام مسبقة، ولا يريد أن يحيد عنها ؟!)
8 بعض العلمانيين روج لمقولة ( المستبد العادل) بأنها نتاج الفكر الإسلامي في السياسة والحكم وشنوا حملة على الإمامين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده حول هذه العبارة واعتبروا أن فكرة «المستبد العاد» جوهر فكرهما الإصلاحي ومن هؤلاء:د/لويس عوض الذي هاجم الأفغاني في كتابه المعروف [جمال الدين الأفغاني:الإيراني الغامض في مصر ] ورد عليه:د/عمارة في كتابه [جمال الدين الأفغاني المغترب عليه].
9ـ الدولة في الفكر الإسلامي المعاصرـ د/عبد الإله بلقزيز مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ط1 2003 ص47
10ـ المرجع السابق ص 47،48
11ـ الأفغاني المفتري عليه د/ عمارة دار الشروق القاهرة ط1 1984 ص205،206 (لم يكن د/ محمد عابد الجابري موفقاً في نقده لجمال الدين الأفغاني عندما قال عنه في كتابه: [ المشروع النهضوي العربي.. مراجعة نقدية ] ص 74 «لقد رفض رفضاً صريحاً عنيداً الديمقراطية الغربية ومجالسها النيابية بدعوى أن الشعوب الإسلامية متخلفة وأن الانتخاب على الطريقة الأوروبية لا يمكن أن يسفر إلا عن مجالس لا تمثل الأمة ولا أهدافها ولا مصالحها الحقيقية. وفي هذا المجال أيضاً لم يقدم أي بديل ولا مشروع بديل» ونحن نرى هذا القول تنقصه الدقة لان للأفغاني آراء عظيمة ورائعة في مسألة «الأمة مصدر السلطات «كما سردنا آنفاً ولا أدري لماذا هذا التجاهل والتقليل من جهود الأفغاني الإصلاحية ؟ ولم يقتصر الجابري في نقده في هذه المسألة بل تعداها إلى قضايا كثيرة لا يتسع المجال لمناقشتها، لكنها لا تصمد كثيراً عند الباحث المنصف والأمين.ومن الحق أن نذكر أن د/ عبد الإله بلقزيز في كتابه الجديد [ الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر ] كان في غاية الدقة والعمق والحفر المنهجي العادل في مسألة الدولة في الفكر الإسلامي. ويعتبر في اعتقادنا أحد الباحثين المعاصرين القلائل الذين أعطوا جهود هذين المصلحين الكبيرين الأفغاني وعبده حقهما من الإنصاف والتقييم العادل بعيداً عن المغالاة والابتسار).
12ـ المرجع ص207
13ـ مرجع سابق ص209 (اسقط د/إمام عبد الفتاح إمام، الفقرة التي قالها الأفغاني:» لان بالقوة المطلقة: الاستبداد.. ولا عدل مع القوة المقيدة»  أنظر كتابه [الطاغية] مرجع سابق ص72. (وهذا يعني أن الأفغاني لم يقصد بالحاكم القوي العادل «المستبد العادل» إنما الحزم والقوة المقيدة بالدستور مع العدل.. وكأنه يشير إلى الأوضاع المتردية في مصر في ظل الاحتلال البريطاني في ذلك الوقت).
14ـ أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث د/فهمي جدعان المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت ط2 1981 ص256
15ـ الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر مرجع سابق ص46، 47
16ـ مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي د/أحمد شكر الطبيحي مركز دراسات الوحدة العربية بيروت، ط1 2000، ص58.
17ـ المرجع السابق ص59.
18ـ الإسلام دين المدنية تأليف: الشيخ محمد عبده تحقيق ودراسة الدكتور عاطف العراقي دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة ط1 1998 ص134.
19ـ المرجع السابق ص135.
20ـ الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر مرجع سابق ص48.
21ـ العرب والسياسة بحث في فكر د/محمد جابر الأنصاري عبدالله علي العليان و(آخرون) كتاب [ الأنصاري وسوسيولوجيا الأزمة] المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت ط1 2000 ص221، انظر كتاب الوعي الذاتي: برهان غليون، فصل [ محمد عبده مصير الفلسفة الإصلاحية ] ص68،67.
22ـ الوعي الذاتي مرجع سابق ص69،68.(من ضمن النقد الذي يوجهه د/ محمد عابد الجابري إلى المصلح الشيخ محمد عبده قال أنه يشكك في جدوى الحريات الديمقراطية فقال: «لقد كتب في هذا الشأن مقالة مشهورة بعنوان: «خطأ العقلاء «، يحذر فيها من إطلاق الحريات الشخصية قبل أن تترسخ التربية الصالحة في نفوس الناس، وكان يفضل «الكبسة» أي مداهمة الشرطة للناس في الأماكن التي تعتبرها «مشبوهة» ويرى أن «الكبسة على ما فيها من الخطر على النفس والأموال وشناعة الصورة، لو أحسن فيها القصد، لكانت أولى وأفضل، إلى زمن تتقدم فيه التربية فيكون لكل شخص زاجر من نفسه فترتفع الكبسة بذاتها «.(و نحن نعتقد أن الموضوع المطروح كان حول الحريات المتعلقة بالمفاسد كما يراها الشيخ محمد عبده كالمراقص والملاهي وما يستتبعها من المساوئ الاجتماعية، وليس عن قضية الحريات السياسية، والمقصد الذي أوضحه الشيخ محمد عبده بـ «الكبسة» هو ما تقوم به الشرطة في الحفاظ على الآداب العامة، أو ما يسمى الآن في بعض الدول بشرطة الآداب!! فما دخل «كبسة» الشرطة بمسألة الديمقراطية النيابية والحريات؟!، والحق أنني شعرت بالأسى من هذا التحريف من قبل أكاديمي وباحث نجلّه ونحترمه. انظر كتابه [ المشروع النهضوي العربي.. مراجعة نقدية ] ص78).
23ـ مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، ص59.
24ـ الوعي الذاتي مرجع سابق ص70.
25ـ لم أشأ أن أتطرق إلى فكرة ونظرة المصلح الكبير عبدالرحمن الكواكبي عن الاستبداد ومخاطره لأنه لم يشر إلى مقولة «المستبد العادل» التي هي مجال دراستنا، وقد طرح الكواكبي في كتابه[طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد] كل مساوئ الاستبداد في مساراته المختلفة ووفق المظامين والمفاهيم الحديثة،لذلك لم نورد ما قاله عن الاستبداد،لكننا نرى أن الكواكبي عندما تحدث عن الاستبداد الديني قال:أن هذا الحكم لا يصدق قطعاً على الدين الإسلامي،وقال أن كل من يقول إن:» القرآن جاء باستبداد مؤيد للاستبداد السياسي أو مؤيد به» هو مخطئ مطلقاً.فالحق هو أن الإسلام جاء بالحكمة والعزم هادماً للتشريك(الذي يتضمنه الاستبداد) بالكلية ومحكماً لقواعد الحرية السياسية المتوسطة بين الديمقراطية والاريستقراطية «.انظر كتاب[ أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث] مرجع سابق.وانظر كذلك تعليق مؤلفه د/فهمي جدعان ص293،294)
26ـ بين يدي عمر خالد محمد خالد دار المعارف القاهرة ط1 1980 ص107.
27ـ المرجع السابق ص109.
28ـ الحرية السياسية في الإسلام دكتور شوقي الفنجري. دار القلم الكويت ط2 1983 ص242.
29ـ بين يدي عمر مرجع سابق ص 109 110.
30ـ انظر دراستنا: [ العرب والسياسة ] كتاب: (الأنصاري وسوسيولوجيا الأزمة) مرجع سابق ص 223 , 224.
31 الحرية السياسية في الإسلام مرجع سابق ص 261.
32ـ دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين د/ عبد المجيد النجار المعهد العالمي للفكر الإسلامي هيرندن فيرجينيا الولايات المتحدة الأمريكية ط 1 1992 ص 73.(يقول د/أسعد السحمراني في كتابه:[العدل فريضة إسلامية والحرية ضرورية إنسانية] أن الظلم والاستبداد مصدرا الشر والرذيلة في المجتمع،ومنبعا الفرقة والتفتيت لوحدة الوطن والأمة،لأن الطباع البشرية للآدميين لا ينافيها ويضايقها أمر أكثر من الظلم.كما أن الحرية مصدر العزّة والوحدة،ومنبع العطاء والتضحية،ولأن مخاطر الظلم في هذا المستوى،لذلك كله توعّد الله تعالى الظالمين بسوء المصير على فعلهم).
33ـ الإسلام والاستبداد السياسي محمد الغزالي نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع ط 1 1997 ص 32.
34ـ ( الديمقراطية بين العلمانية والإسلام) الدكتور عبد الرازق عيد والدكتور محمد عبد الجبار حوارات لقرن جديد دار الفكر دمشق ط 1 1999 ص 98, 99.
35ـ المرجع السابق ص 100.
36ـ حوار لا مواجهة د/ أحمد كمال أبو المجد دار الشروق القاهرة طبعة جديدة ومزيدة: 1988 ص265.
37ـ تزييف الوعي فهمي هويدي دار الشروق القاهرة ط 1 1987 , ص 122.
38 يرى الدكتور حسن الترابي أن الاستبداد الذي ظهر في الإمارة المطلقة في العصور المتأخرة تأسس من «ثقافة الجمود والاستسلام للواقع. وفي الكلام علم العقيدة شاعت بين المسلمين المذاهب القدرية، حيث الكسب مكتوب على الإنسان لا يجاهد بدافع التغيير للتي هي أحسن عاجلاً وآجلاً استعانة بقوى الغيب متوكلاً، وكذلك من ولاه الله عليهم فهو قدر من قضاء الله المقبول. وفي الفقه تعطّل الاجتهاد وإعمار العقل وعلوم التفكّر في الطبيعة وأصبح الزاد كله سمعيات الدين ومنقولاته فلا تجديد في الفقه، ولا نهوض بعلم الأشياء لتترقى الحياة بما سخّر لها الله» . انظر كتابه: [ السياسة والحكم..النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع] دار الساقي بيروت ط1 2003 ص515.
 
عبد الله بن علي العليان
كاتب وباحث من عمان

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …