أخبار عاجلة

قراءة في اوراق محاكمة العقل والابداع

عندما أخذ سقراط يجوب الأسواق والملاعب والطرقات، يحدث الناس عن التقوى والعدل والفضيلة، كان ينطلق في ذلك من إيمان راسخ بأن له في الحياة رسالة يؤديها، وهي أن يصلح العقل والخلق، وذهب في ذلك الى القول بأن العلم والفضيلة شيء واحد وأن الإنسان إذا أدرك بعقله فضيلة سلك بمقتضاها.

كان ذلك قولا جديدا وغريبا على زمنه، ثقيلا على آذان سامعيه ونفوسهم من أنصار الجمود الذين يرون في إعمال العقل خروجا على الناموس وإخلالا بنظام الكون، ويرون في الفكر عملا لا شأن للبشر به، وكيف لمثل هؤلاء أن يستوعبوا قولا لسقراط بأن هناك حقائق علمية ثابتة يمكن استنباطها من الحياة الجزئية المتغيرة ؟ لقد رأوا في قوله هذا وفي كل ما قاله إفسادا للشبان، فقدموه للمحاكمة وكان عقابه الموت.

ومن يرجع الى ما كتبه أفلاطون (تلميذ سقراط النابه) عن محاكمة أستاذه، في “المحاورات السقراطية” بداية من دفاعه عن نفسا أمام المحكمة وهو موضوع المحاورة الأولى “الدفاع” الى محاورته الثانية “أقريطون” أو “الرغبة في الموت “ ثم محاورته الثالثة “فيدون” أو “خلود الروح”. يدرك أبعاد المأساة التي يعيشها المفكر – أي مفكر – والثمن الذي عليه أن يدفعه، عندما يبزغ في عصر لا يستوعب فكره، ويتصادم مع أولئك الذين يرون في الأفكار إشعاعا يكشف عن سوآتهم، أو يضيء للناس سبل المعرفة.

ويحفل تاريخنا بالشيء الكثير من مثل هذه المآسي والمحن. فلم تكن المحنة التي مر بها الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري بسبب آرائه وأفكاره التي جاءت مخالفة لرأي الخليفة وأصحاب المصالح في عصره هي قضية “الرأي” الوحيدة التي يمكن الوقوف أمامها للتساؤل : هل كان فيما قاله “المجتهد” خلاف مع الحاكم أم خروج على الدين ؟ وكم من المرات التي استتر فيها البعض بستائر الدين فاستمدوا منه عصمة أسبغوها على ذواتهم درءا لأخطار فكر يتهدد مصالحهم أو ينازعهم سلطانهم؟ لم تكن محنة أبي ذر هي الوحيدة التي يمكن الاستعانة بها في الإجابة عن تساؤلنا هذا، بل كانت محنة أحمد بن حنبل الفقيه العالم المتحدث والذي يعد واحدا من أحبر فقهاء الإسلام، أنكى وأشد من محنة أبي ذر، ثم من بعده أيضا مأساة المتصوف الزاهد الحسين بن منصور الحلاج ومن بعد هؤلاء جميعا عشرات الأسماء والمحن العظمي التي نجدنا في أمس الحاجة الى استحضارها لمجرد الاستهدا، والتذكير.

الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري، الذي قال عنه رسول الله (ص) : ”إنه أصدق أهل الأرض لهجة ومقالا”.. كان صدقه في قوله ولهجته هو كل أسباب محنته وكل ما ناله من عنت في حياة المنفى بعيدا عن المدينة ومكة، وما لقيه من عناء في مواجهة دهاء معاوية ومكائده وحيله الواحدة بعد الأخرى.

كانت التغيرات الاجتماعية التي طرأت على الحياة الإسلامية في عهد الخليفة عثمان بن عفان شيئا جديدا لا عهد للمسلمين به من قبل، ورأى أبو ذر الغفاري أن الفقراء – في ظل هذه التغيرات التي استحدثت – قد ازدادوا فقرا بينما ازداد الأغنياء غنى. ومن هنا نشأ الاختلاف بين ما يرده الخليفة وما يرده أبو ذر، فقد كان أبو ذر يرى فرض ما هو أكثر من الزكاة في أهوال الأغنياء، فضلا عن أنه كان يرفض أن تكون يد الخليفة مطلقة في التصوف في أهوال الدولة بالأخذ والعطاء. كان يقول ذلك جهرا وفي كل المجالس بل وفي حضرة عثمان بن عفان نفسه، وعندما رفض أن يكف عن الفتوى ويصمت عن ترديد آرائه تلك، كان جزاؤه النفي من المدينة الى الشام، حيث معاوية الذي لم يذل جهدا في العمل على النيل منه والتشكيك في زهده وعفة يده، ولم يذل جهدا في تدبير الحيلة بعد الحيلة والمكيدة بعد المكيدة، بينما أبو ذر سادر في إذاعة آرائه وجمع الناس حوله. وفي نهاية المطاف كتب معاوية الى عثمان يحرضه على أبي ذر ويحذره من فتنة توشك أن تندلع، الى أن قال “وإن شئت أرسلته اليك”. ولما أمر عثمان بإرساله، وجد معاوية في “الأمر” سبيلا للانتقام “فأركبه بعيرا ضامرا على ظهر فراش يابس يدمي فخذي الراكب، وأوصى به خمسة من الجنود الصقالبة ذوي المهارة في العدو ومسابقة الريح يطيرون به، حتى أتوا المدينة وقد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف”. وبعد خروجه من الشام خرجت وراءه أسرته الفقيرة تلملم أحزانها وتحمل في جراب صفير كل ما تملكه في الدنيا من متاع، غير أن إقامة أبي ذر في المدينة لم تطل، إذ سرعان ما ضاق عثمان به، عندما وجده قد عاد لترديد أفكاره وإذاعة آرائه من جديد. فأقدم على نفيه مرة أخرى الى “الربذة” تلك القرية المعزولة التي تشق الحياة فيها حتى على الزاهدين، وكانت تلك هي منفاه الأخير، حيث مات بعد عامين فقط، محققا بذلك نبوءة رسول الله (ص) عندما قال “يرحم الله أبا ذر، يعيش وحده ويموت وحده، ويبعث وحده”.

ولم تكن محنة أحمد بن حنبل بأقل من تلك ولا أهون، فهذا العالم الزاهد الذي عاف العمل في الديوان وانصرف الى التفقه في الحديث وفي سبيل ذلك آثر الترحال قاطعا الصحاري اللاهبة بين الشام والعراق والحجاز واليمن، حاملا متاعه على ظهره، نجده وبعد أن صار إماما في الحديث والفقه معا، يلقى الهوان وأشد ألوان العذاب لمجرد أنه استمسك برأي خالف فيه رأي الخليفة.

كان ذلك في عهد الخليفة المأمون، عندما أثيرت قضية – خطيرة في وقتها – وانقسم حولها الناس، القضية تجسدت في سؤال حول القرآن : هل القرآن قديم ومن ثم يرتبط وجوده بوجود الله، أم انه مخلوق ؟

كان يمكن لقضية مثل هذه أن تتحول الى جدل فلسفي يدل فيه كل مجتهد بدلوه ويقول فيه ما يرى أنه الصواب. لكن الخليفة لم يكن يرى صوابا غير رأيه، ولا يريحه أن يكون هناك شي ء سواه، ومن ثم أرسل الى وزير حاكم العاصمة بغداد إسحق بن إبراهيم وطلب اليه أن يجمع العلماء والفقهاء والقضاة لا ليسألهم بل ليمتحنهم، فمن يرى برأي الخليفة فهو الجدير بأن يكون عالما وقاضيا وفقيها، ومن يرى بغير ذلك فهو إذن ”من حشد الرعية وسفلة العامة، وأهل جهالة بالله وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه، وكان أحمد بن حنبل من المخالفين، فألقى به في السجن مكبلا بالأغلال حتى يحسم الخليفة أمره، لكن المأمون مات وجاء من بعده المعتصم الذي أمر بإحضار ابن حنبل، فجاءوا به مغلولا مثقلا بكهولته وبما يحمل ويجر من قيود وأغلال ليناقشه العلماء في حضرة الخليفة، وكلما أسقط حججهم وفند براهينهم أعادوه الى السجن من جديد، وتكرر ذلك مرات ومرات فما كان من المعتصم إلا أن أمر بتعذيبه، فجودوه من ثيابه وربطوه الى مقعد وانهالوا عليه بالسياط، وكلما غاب عن الوعي أفاقوه ليسألوه إن كان قد عدل عن رأيه، وكلما استمسك برأيه اشتد العذاب، حتى شارف على الموت فأعاد وه الى أهله حطاما داهيا!

أما مأساة الحلاج، فلا نظن أن هناك مأساة تفوقها، فقد سجنوه ثماني سنوات متواصلة، ثم حاكموه على مدى سبعة أشهر، وفي نهاية المطاف قيدوه وأوسعوه جلدا بالسياط، ثم صلبوه وقطعوا رأسه، ثم بعد ذلك أحر قوه ! كان الحلاج قد طاف يدعو لفكرته “التصوف“ وتنقل بين تركستان والهند ومكة الى أن استقر ببغداد، ويوصفه من أهل الوجد والجدل، فقد حاول التوفيق بين الدين والفلسفة اليونانية على أساس من رؤيته الصوفية، ونجح في أن يجمع حوله كثرة من المريدين وبسبب ذلك عدوه كافرا، ورغم أن القضاة أجمعوا على تكفيره، فإن الناس اعتبروه من الصالحين.

هذه وغيرها من وقائع اضطهاد الفكر ومصادرته والتضييق على المفكرين وإرهابهم بالعذاب البدني تارة والمعنوي تارة أخرى أو بهما معا. لا يمكن توصيفها إلا بأنها حالة “استبداد فكري” أيا كان نوع المصالح أو الفلسفات التي يخدمها، وسواء كانت سياسية أو فكرية. وفي ظل هذا النوع من الاستبداد ينعدم الحوار، ذلك لأن القوى صاحبة المصلحة في حصار الرأي ومحاصرته، عادة ما تكون أعجز من أن تواجه الرأي بالرأي وأن تقارع الحجة بالحجة. فلا يكون أمامها سوى مخاصمة الفكر، وأن تشهر في مواجهته كل أسلحتها اللاأخلاقيه بدءا من التشويه والتشهير حتى التكفير والاغتيال، وتكون المحصلة في النهاية أن يسود الشعور بالخوف والرهبة، وما داموا قد تمكنوا من “تخويف العقل” وإرهاب النفس، يصبح خمود جذوة الإبداع أمرا محتما.

ونرى العديد من الأمثلة والأدلة على ذلك في استقراء قضايا محاكمات الفكر والإبداع في هذا القرن، والتي كان الخلاف معها جميعا خلافا دينيا، باستثناء حالتين سياسيتين فقط هما كتاب المفكر الإسلامي خالد محمد خالد أدمن هنا نبدأ” وقصيدة الشاعر نزار قباني “هوامش على دفتر النكسة “ ومع ذلك فإن الخلاف معهما لم يرق الى درجة المساءلة أو المحاكمة أما القضايا الأخرى فلم تكن عواقبها ونتائجها بسيطة على هذا النحو، بل كانت أشد من ذلك وأقسى.

ولقد كانت أولى هذه المحاكمات الكبرى هي محاكمة كتاب “الإسلام وأصول الحكم” الذي ألفه العالم الأزهري القاضي الشرعي علي عبدالرازق، فما كاد الكتاب يظهر على الناس في شهر ابريل عام 1925م حتى سارع عدد من رجال الدين الى المطالبة بتقديم المؤلف الى المحاكمة لأن ما جاء في كتابه يعد طعنا في الدين. واللافت للنظر في هذه القضية أن الذين أتهموه كانوا أنفسهم هم الذين حاكموه وهم هيئة كبار العلماء، الذين رأوا أنهم يحق لهم محاكمة الشيخ المؤلف محاكمة تأديبية وأن يوقعوا عليه ما يرون توقيعه من عقوبات، بينما رفض الشيخ علي عبدالرازق التسليم لهم بذلك أو الاعتراف بأن لهم حقا في محاكمته، وقد عبر لهم عن ذلك في مواجهتهم وعندما ألقى السلام عند دخوله عليهم ولم يرد عليه منهم أحد. فعند ذلك قال لهم أريد أن أسجل أولا أنه لا حق لكم في مساءلتي ولا محاكمتي تأديبيا، لأنه لا سند لكم في ذلك شرعا ولا قانونا، وأنا إن كنت جئت الى هنا فلأن هن بينكم شيوخا لي وأصدقاء.. وبعد أن رد على اتهاماتهم السبعة التي نسبت اليه : مخالفة الإسلام والطعن فيه، وقرأ عليهم أدلته وبراهينه من القرآن والحديث، وأصروا على معاقبته وكان ذلك إرضاء للجالس على عرش مصر أنذاك، والذي أوعز أصلا بهذه المحاكمة للكتاب ومؤلفه، بعد أن بدد أحلامه في أن يكون خليفة المسلمين بعد إسقاط الخلافة وزوال هذا المنصب بعد ثورة الكماليين في تركيا عام 1924.

صدر حكم هيئة كبار العلماء على الشيخ علي عبدالرازق بتجريده هن لقبه العلمي، وطرده من زمرة كبار العلماء، بما يترتب على ذلك من فصله من وظيفته كقاض بمحكمة دمياط الابتدائية الشرعية، وحرمانه من العمل أو تقامي أجر من أية جهة حكومية أو غير حكومية… ذلك هو التأديب بالتجويع، وذلك هو الترهيب لكل من يوصله اجتهاده في البحث الى رأي في الاتجاه المخالف.

لا شك أن ذلك كاف جدا لأن يحمل مفكرا مثل الشيخ علي عبدالرازق على أن يلوذ بالصمت بقية حياته، وهكذا وجدناه حتى بعد أن رد اليه اعتباره وعاد الى موقعا بعد ذلك بسنوات، لم يكتب شيئا فذا، بل ركن الى الكتابة في موضوعات نمطية لا تضيف الى العلم أو الفكر جديدا، وبذلك خسرت حياتنا الثقافية والفكرية عالما جليلا ومفكرا حرا مستنيرا.

وبعد أقل من عام بعد ظهور كتاب “الإسلام وأصول الحكم” صدر كتاب أدفي الشعر الجاهلي “لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين. كان موضوع الكتاب والفكرة الرئيسية فيه هي إعادة تقويم الشعر الجاهلي وفق منهج أساسه الشك في هذا الشعر وقيمته وما قدمه الأقدمون من دراسات وأبحاث حوله، وخلص من دراسته تلك  الى أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، وما بقي من الشعر الجاهلي قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل على شي ء ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي”، وقد اقتضت طبيعة هذا البحث وموضوعه، أن يعرج طه حسين على تاريخ الأنبياء والرسل واللغة العربية وعصور الجاهلية وظهور الإسلام. وهنا دخل طه حسين الى دائرة المحظور التي ينبغي أن يظل كل شي ء داخلها بعيدا عن الاجتهاد والبحث، بل حتى بعيدا عن التفسير من قبله. ومن ثم وجد طه حسين نفسه في قفص الاتهام، وقد نسب اليه أنه طعن على الإسلام في مواضع أربعة من كتابه.

وإذا كان التحقيق مع طه حسين قد برأ ساحته في نهاية الأمر، فإن ذلك يرجع بالضرورة الى عدد من الأسباب والاعتبارات التي توافرت آنذاك وهي:

أولا: طبيعة المناخ الديمقراطي الذي كان سائدا في مصر في ظل الدستور الذي لم يكن قد مضى على العمل به ثلاث سنوات   )دستور 1923)، ومن ثم شهدت الصحافة ومنابر الرأي العام حوارا ونقاشا وجدلا هائلا حول الكتاب، وساهمت الأحزاب والقوى السياسية والمفكرون في إثراء البحث ومناقشة ما جاء فيه ومقارعة الحجة بالحجة.

ثانيا: محاكمة طه حسين أمام الجهات القضائية المختصة وليس أمام محكمة دينية خاصة تنتزع من القضاء اختصاصات ليست لها.

ثالثا : عظمة القضاء المصري ممثلا في النيابة العامة ورجالها آنذاك، تلك التي تبدت في شخص المحقق محمد نور رئيس النيابة الذي تولى التحقيق مع طه حسين، فكشف عن شخصية ذات ثقافة موسوعية رائعة، مكنته من الرجوع الى كل المصادر التي رجع اليها طه حسين، وقراءتها واستيعابها الى حد مكنه من مناقشته ومحاورته والكشف عن مواطن الصواب والخطأ في كتابه.

وعلى الرغم من ذلك كله، فإنه لا يمكننا التسليم بأن طه حسين قد خرج من هذه المعركة دون أن يمسه منها أذى، فليس قليلا أن يتهم المرء في عقيدته، ويشكك في ضميره، وينسب اليه ما لم يقصده. ولهذا فقد أعاد طه حسين النظر في كتابه على ضوء ما سلم بأنه مس به مشاعر البعض أو أسيء فهمه أو خانه التعبير فيه، ولم تتجاوز هذه الأخطاء جميعها بضعة أسطر استبعدها من كتابه، لكن المؤكد أنه استبعد من ذهنه وعقله ربما عشرات القضايا والأفكار التي نكأن يمكن أن يبدع فيها ويتألق. لكنه آثر “السلامة” وابتعد عن دائرة المحظور في الفكر والتفكير. كانت هاتان القضيتان – قضية علي عبدالرازق وكتابه “الإسلام وأصول الحكم” وقضية طه حسين وكتابه “في الشعر الجاهلي” هما أهم قضيتين شهدهما النصف الأول من القرن العشرين. وبعد أكثر من خمسين عاما شهدت فترة الثمانينات والتسعينات عددا من قضايا محاكمة الإبداع لم يشهده القرن العشرون كله،بل لم نشهد له مثيلا في التاريخ الحديث كله. فمنذ بداية القرن حتى عام 1926 لم تكن هناك من قضايا محاكمة المفكرين وتكفيرهم سوى القضيتين اللتين أشرنا اليهما، وكذلك لم تشهد فترة الخمسينات والستينات والسبعينات شيئا من هذا، باستثناء رواية “أولاد حارتنا” التي نشرتها جريدة الأهرام عام 1959 ورئى عدم نشرها في كتاب دون أي يمس كاتبها بسوء أو توجه اليه تهمة دينية أو سياسية، رغم ما أثاره رجال الدين حولها من مآخذ واعتراضات في ذلك الوقت.

أما ما جرى منذ الثمانينات حتى الآن، فيعد ظاهرة جديرة بالبحث والدراسة، قياسا على ما شهدته من محاكمات للفكر والمفكرين ومصادرة لأعمال إبداعية أدبية وفنية، بل وأعمال تراثية أيضا كانت ميسورة التداول على مدى سنوات طويلة من قبل، مثل كتاب “ألف ليلة وليلة” على سبيل المثال وليس الحصر، ثم من قبل ذلك وبعده كانت محاكمة العديد من البحوث والدراسات المهمة، من بينها كتاب “مقدمة في فقه اللفة العربية” للدكتور لويس عوض وكتاب “المسلمون والأقباط في إطار الحركة الوطنية” للمؤرخ المستشار طارق البشرى، وكتاب “نقد الخطاب الديني” للدكتور نصر حامد أبوزيد.. وغيرهم، هذه الكتب جميعها جرى تقويمها ورفضها على أساس ديني بحت، وكذلك بحان أساس التقييم لأعمال أخرى أدبية وفنية، من بينها قصة “مسافة في عقل رجل” وقصة “الفراش” للمؤلف علاء الدين حامد، وديوان الشعر “آية جيم” للشاعر حسن طلب.

وفي هذا الإطار برزت ظاهرة لافتة للانتباه الى حد مذهل، وهي أن مخاصمة الإبداع واتهام المبدعين وجرهم الى ساحات المحاكم، لم يعد وقفا على جهات رسمية – دينية أو سياسية – خولها القانون مثل هذا الحق بل وجدنا “أشخاصا” منحوا أنفسهم حق تأويل أعمال الآخرين، بل والتسلل الى عقولهم وصدورهم لقراءة نواياهم ومقاصدهم،ومن ثم تكفيرهم والزج بهم الى قفص الاتهام فكان من هؤلاء من تقدم للقضاء طالبا الحكم بالتفريق بين زوج وزوجته لمجرد أن الزوج ألف كتابا أصبح بموجبه كافرا ومن ثم وجب التفريق بين الكافر وزوجته المسلمة، وهو ما حدث في قضية الدكتور نصر حامد أبوزيد مؤلف كتاب “نقد الخطاب الديني” وكان من هؤلاء من طلب الى القضاء أن يقضي بحظر إذاعة إحدى الأغنيات لأن مؤلفها “حذا حذو الكافر إيليا أبو ماضي فكتب أغنية أنشدها مغن معروف، وقال فيها إنه جاء الى الدنيا وهو لا يعرف لماذا أتى” ؟!… ثم كان من هؤلاء أيضا من قال بتحريم نشر لوحة مرسومة من مصنفات الروائع في تاريخ الفن، ومن قال بتحريم الملصقات المصورة التي تحمل دعاية للأفلام السينمائية… وأخيرا كان هناك من ذهب الى القضاء للحصول على حكم بمصادرة فيلم “المهاجر” وحظر عرضه داخل مصر أو خارجها بزعم أن قصته هي قصة يوسف عليه السلام.

الى هذا الحد بلغت المأساة ذروتها، وأصبح على كل مبدع أن ينتظر دوره في طابور يؤدي الى قفص الاتهام، ما دام الفن أصبح – فجأة وفي السنوات العشرين الأخيرة – حراما، وأصبح الفكر طعنا في الدين إذا تجاوز حدود الموروث وتجاسر على البحث فيه وفق مناهج البحث وأدواته وأصوله، وأصبح الانفتاح على إبداع الآخرين والاحتكاك المعرفي جريمة اسمها “التعريب” يصعب تبرئة من يجرؤ على ارتكابها.

تلك العلامات ليست سوى النذير بأننا أضحينا على حافة الهاوية، بعد أن بدأ الاضمحلال يزحف ليكبل اندفاعة النهضة، وعلامة ذلك تضييق الخناق على حرية الفكر، والانكفاء على داخلنا خوفا وجبنا من الانفتاح على حضارات الدنيا وثقافتها، والصحيح أن الثقافة الواثقة لا تنكمش أمام الثقافات الأخرى ولا تتراجع، ولا يضيرها أن تنهل من ثقافة الآخرين وتستنبط وتفرز وتختار، والذي ينبغي أن نعيه في كل وقت أنه لا سبيل الى النهوض إلا بالعقل، والعقل لا يبدع الا في ظلال الحرية.

وهنا يحضرنا مثال له دلالته في عواقب الخوف عندما يسود مجتمعا فيصيب الناس بالخرس بينما مقدمات الكارثة تتراءى لهم وتظل تتداعى حتى يفيق الجميع على هول ما جرى، حدث ذلك في أمريكا، القوة الكبرى التي تملك إمكانات مذهلة القدرة والفعالية – كما يقولون لنا في كل مناسبة – فقد أفاق الناس ذات يوم ليفتحوا عيونهم على حقيقة فظيعة كشفت عنها حرب السنوات العشر في فيتنام، لقد كان كشف الحساب مخيفا، فقد خسرت أمريكا نصف مليون شاب من أبنائها بين قتيل وجريح، وخسرت الى جانب ذلك آلاف الملايين من الدولارات، وانهارت مصداقية سياستها الداخلية والخارجية معا.

كيف يحدث هذا في بلد توافرت له وتوافرت فيه كل وسائل التعبير عن الرأي في ظل حرية يحميها القانون، ورأى عام لا تقف أمام مشاركته في اتخاذ القرار أية موانع، ومراكز أبحاث وأجهزة معلومات جديرة بأن تقدم لصاحب القرار ما يجنبه الخطأ ويأخذ بيده الى الصواب، إذن لماذا حدث هذا كله ولماذا دخلت أمريكا حرب فيتنام ولماذا غرقت في بحر الدم الآسيوي؟

استغرق السؤال اهتمام الباحثين وانتهوا الى أن السبب في كل ما جرى هو أن أمريكا في ذلك الوقت كانت لم تزل تعاني من آثار المكارثية التي اجتاحت هذا البلد لبضع سنوات والتي أضحت مرادفا للخوف. فقد استطاع مكارثي أن يبتدع التهمة الشهيرة التي أطلق عليها “النشاط المعادي لأمريكا” والتي استطاع بها أن يشيع خالة من الإرهاب الفكري الكفيل بشل الألسنة، لأنه ما من أحد بإمكانه الصمود أمام اتهام في دينه أو وطنيته، وأن يصبح مضغة في فم الرأي العام، هكذا نجح مكارثي في أن يغتال الشخصية الأمريكية بعد أن خلع عنها بصرها وآذانها وأسكن قلبها الرعب، وبعد أن جر الى المحاكمة أعدادا من الخبراء وأساتذة الجامعة والكتاب والصحفيين،وكل من قال رأيا ذات يوم مخالفا لرأيه.

وعندما ذهب مكارثي بفضيحة أودت به، ترك وراءه أثرا استمر لسنوات بعده، وهو سيادة الرعب التي جعلت الجميع يصمتون حتى وهم يرون بلدهم تندفع في مغامرتها الخاسرة وتدفع بشبابها الىالموت في فيتنام، ولعل ذلك الذي جرى هناك وما نتج عنه من آثار فادحة على أمريكا وسياستها، كان هو الذي ولد العنف الدامي الذي شهدته فترة الستينات، والذي تجلى في تظاهرات المدن، وموجة الاغتيالات المتلاحقة التي أودت بجون كينيدي وروبرت كينيدي ومارتن لوثي كنج وغيرهم.

هذا ما صنعته ثلاث سنوات من الإرهاب الفكري… فماذا لو كانت الفترة امتدت الى ما هو أكثر من ذلك ؟!

 
 
كرم شلبي (باحث وصحفي مصري)

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …