قصائد

محمد محمود البشتاوي

أعمى

لا يرى الحرائق
يرى بستانه فائضا بالنضارة

لا يرى النهر أحمرَ
يرى كأسه مترعا بالنبيذ

لا يرى الدخان الرمادي في السماء
يرى دخان تبغه يرسم الدوائر بيضاء.. بيضاءْ

لا يرى حُطامَ الزجاجِ في البيوتِ
يرى نفسهُ في المرايا

لا يرى العابرين إلى الغيابِ
يرى حاضرهُ في الحضورِ

لا يرى الخيل شاردةً في سوقِ النخاسة
يرى المالَ في خزائنه تكدسُ ليلاً نهارا

لا يرى الأرضَ جرداءَ في القرى
لا يرى العشبَ مُصفراً
لا يرى الوردَ ذابلاً في الحقولِ
يرى بستانهُ والغلالْ..
يرى الغلالَ جيداً
يرى الأغلال جيداً

فضاءُ الحربِ

لا تنتهي الحربُ،
تبدأ في فضاء الموتِ جُرحاً؛
قبراً،
قبرانِ،
مقبرةٌ.

لا تنتهي الحربُ بالخطابةِ والبيانِ،
لا تنتهي بالأمنياتِ،
لا تنتهي بالهزيمةِ
لا تنثني بالعزيمةِ
لا تنتهي الحربُ..
لا تنتهي بالخديعةِ
لا تنتهي الحربُ بالنصرِ،
لا تنتهى الحربُ
يبقى الأثرُ لامعا في المرايا؛
نقشُ الراحلينَ على الشواهدِ
بقايا رصاصٍ في المسدسِ
خربشاتُ الطفولةِ على جدارِ الحُلمِ
ألغامٌ
شظيةٌ
قذيفةُ مدفعٍ
مبانٍ تتوسدُ الفراغَ
مقاعد شاغرة للأملِ
شوارعُ تبحثُ عن مشاةٍ؛
خطىً،
أقدامٌ مبتورة تتنزهُ في الدروبِ القديمةِ
أشلاءُ ذاكرةٍ..
ظلالُ عائلةٍ وأحلامٌ
وبعضُ الذكرياتِ

 

رهان

[إلى الطفل علي أبو عاليا الذي لم يُمهلهُ رصاص القناصِ ليحتفلَ بعيدِ مولدهِ فارتقى شهيداً في فلسطين]

1
يتسلى الجنودُ بالمارةِ،
يعقدون رهانا؛
من يُسقط الطفل برصاصةٍ واحدةٍ؟

2
القناصُ يرتدي بَزَّةَ القتلِ
يتمترس خلف الرغباتِ
يَتَمَوْضَعُ في سكونِ خوفهِ من النهارِ
من انكشافِ أمرهِ..
من ظلهِ
من هبوبِ عاصفةٍ
القناصُ يكتمُ أَنفاسهُ
يُشمرُ عن ساعدهِ
يُسدل عينه اليسرى
يُصوب فوهة النارِ
لا ينزعُ يده عن زناد الموتِ
ينزعُ قلبَ الطفلِ،
يبتسمُ بصمتٍ لصرخاتِ الشارعِ.

عين.. لو أن الثانيةَ كأختها

1
المشهدُ فائضٌ بالتناقضِ؛
الحياة تولد من عينِ المسدَّسِ
أزيزُ الرصاص يزغردُ
وبتلاتُ الورودِ تزيِّنُ فوَّهة النار!.

2
عينٌ لا ترى المشهدَ جيِّداً
تتغافل عن الدم المراقِ
في الشام.. والعراقِ
عين لا ترى جيدا
لأنها زائدة في الوجه!.

3
الصقرُ يرى المشهدَ من كلِّ الجهاتِ
من السماءِ شاسعا، واسعا.. واضحاً
لكنهُ على الأرضِ يبدو ضيِّقاً

4
الذي يرى المشهدَ بعينٍ واحدةٍ تمنى لو أن الثانيةَ كأختها

5
لو أنَّ للرصاصة قلبا
لأخطأتِ الطريقَ

لو أن لها عينا
لبكتْ
لو أن لها روحًا
لحلقت في السماءِ
لو أنَّ لها عقلًا
لارتدتْ إلى القاتلِ.

6
الطفلُ يسمو
يحلقُ كما لو كانَ نورساً
يعلو على الجرحِ
يقبلُ الغيمَ
يقطرُ ماءً
يَغْسِلُ وجهَ الأرضِ المُتعبِ
الطفلُ يصيرُ جذْراً في الترابِ
ينمو صُنَوْبَرةً في الجليلِ
يتكاثرُ زيتوناً وتيناً وقمحاً
يتناثرُ ورداً على العابرين إلى النصرِ
يمتدُ داليةً من الخليلِ إلى الخليلِ

 

شاهد أيضاً

قسوة ومحبة

ظبية خميس رغم أنك تظن أنك ممتلئ بالمحبة كم هي قاسية أحكامك وألفاظك وأحيانا نظراتك. …