قلبُ القطِّ الأخير

جهاد جارالله


قرأت للتو مقطعًا من مقابلة للعضو الفيلسوف جيم، قال فيها: «لقد استطاع ذلك المخلوق المسمى (قطًّا) أن يتكيف مع صور الحياة المختلفة بطريقة فعالة، حيوان بري ثم مستأنس وها هو الآن (C3C)، ربما بات معدنيًا أكثر من اللازم، لكنه يستطيع المواء بشكل جيد» حككت رأسي بطرف سبابتي، زممت عيني في تركيز ثم واصلت القراءة: «هذا بالضبط ما يجب أن يفعله الإنسان. إني لأعجب كثيرا من أولئك الرافضين للحياة الخالدة بحجة رهبة التفرد، إنهم يخشون سيطرة الآلات علينا، ماذا لو أن استمرارنا سيكون على هيئة آلة؟ ماذا لو أن هذا جزء من مسيرة تطور الكائن البشري!»
تساءلت: ترى هل يبقى على هذا الكوكب قط بصورته البدائية؟! وجدت نفسي على محرك البحث أفتش وإياه عن القط الأخير، ملايين الصور التاريخية لقطط متنوعة الأشكال والأحجام ظهرت لي، لكنني كنت أريد قطًا، حيًا، وقادرًا على صنع حركات عفوية خارج النظام البرمجي. الحقيقة، وإن كانت تبدو هذه الرغبة مريبة قليلًا، إلا أنني كنت أريد سماع نبض قط. ثم وجدته، على نافذة المتحف التاريخي بالمقاطعة 465، وبسبعين نقطة يمكنهم ربطي عبر جهاز المحاكاة «ستورا ماتا» الذي يتيح لي التجوال في غرفة القط. تواصلت مع المتحف لأتأكد من استمرارية العرض حيث كان الإعلان قديمًا. وصلني جواب فوري يفيد بأن العرض ما زال متاحًا. أرسلت للمجيب الآلي الخاص بهم طلبًا آخر، كتبت فيه: «أريد سماع نبض قلب القط»، استغرق الأمر ساعات حتى وصلني الرد التالي:
عزيزتي العضوة ميم،
مرحبا بكِ، لقد كان طلبكِ غريبًا للغاية، لدرجة أن المجيب الآلي لم يتمكن من فهمه جيدًا.
حتى الآن لا يزال الذكاء الاصطناعي عاجزًا عن فهم رغباتنا غير المعتادة، لكنني أفعل وأملك الكثير منها.
لا تبدو هذه الرسالة مهنية، أنا حقًا شخص مهني، لكن طلبك ضرب أوتار عاطفتي ولذا أكتب لك هذه الرسالة بوصفي صديقًا، اعذريني رجاءً.
ستسمعين صوت قلبه بالتأكيد.
العضو المشرف سين .
عندما استلمت الرسالة، أخذ قلبي ينبض بتسارع كأنه للتو أدرك ما طلبته، شعرت بالارتباك. لا بد أنها لحظة مهمة في حياتي، واحدة من تلك الأوقات التي نفقد معها الإحساس بكل شيء عداها. لم أسمع نبض كائن غير بشري من قبل، تخيُل الأمر وحده صعق جسدي بشعور مقلق ورهيب. السطر الأخير من رسالته كان مهيبًا جدًا بالنسبة لي، دفعني القلق للدوران في البيضة كروبوت فقد نظامه، أتساءل ما الذي أفعله الآن؟ أي طقوس يجب ممارستها لإجلال حدث كهذا؟ تملكني التوتر فأخذت أتصل بالعضو الصديق صاد:
احزر ماذا فعلت؟
أمر غير واعٍ.
– عضو صديق صاد!
– ماذا؟ يحدث هذا كل مرة، ألم يحدث؟!
– حسنًا، ولكن هذه المرة مختلفة.
– كيف؟
– وجدت قطًا!
– إذا عليك التأكد من شفرته والتواصل مع صاحبه. هل تنوين سرقته؟!
لا تقولي هذا يا عضوة ميم.
– قط حقيقي!
– أنتِ غريبة يا عضوة ميم أكثر من أي وقت، ماذا يكون هذا؟ جميع الـ(C3C) قطط حقيقية!
– ليس معدنيًا.
– بدائي؟! قط يتغوط في البيضة ويحتاج لطعام وحمام والكثير من النفقات والجهد! ما كنت لأقبل تربية كائن بهذا القدر من الأعباء، لقد عاش أجدادنا حياة مليئة بالهدر، هل تعلمين هذا؟ أحيانًا أشعر بالخجل، مسيرة البشر كانت متعثرة ومحرجة في أوقات كثيرة!
– هذا وصف مجحف للاعتناء بروح!
– يا إلهي. من أين تأتين بهذه المصطلحات، لم تكن الروح سوى لفظٍ شاعري للطاقة المحركة لنا. ولأن أجدادنا كانوا مغترين بعقولهم المتواضعة فإن تقبل أمر كهذا لم يكن واردًا، لذا فقد حاولوا ابتكار أسماء لامعة للأشياء التي لا يفهمونها، هكذا يبدون في وضع معرفي مقبول أمام أنفسهم.
– أنت تذكرني بالعضو الفيلسوف جيم.
– الحقيقة ما كنت لأنكر إعجابي به. أوه، هل قرأتِ المقابلة الأخيرة؟ لا أصدق، هل دفعك هذا للبحث عن قط؟! لا أفهم ردود أفعالك تجاه الأشياء عضوة ميم!
– وجدته. قطٌ حي.
– لااا ! تمزحين، صحيح؟ أين ذاك؟
– في المتحف التاريخي للمقاطعة 465، يمكنني سماع نبض قلبه، سيكلفني هذا 70 نقطة فقط!
– عضوة ميم! أنت تشبهين أجدادك البدائيين جدًا! أعتذر. سأغلق المكالمة الآن.
تم ربط جهازي بغرفة القط الأخير. شاهدت سابقًا مقاطع فيديو عديدة لقطط تلعب وتموء وتتغوط حتى، كي أهيئ نفسي جيدًا لهذا الحدث، على أمل أن يساعد ذلك في خفض حدة توتري. اقترب القط مني، ويبدو أن تماريني السابقة لم تكن مجدية، حيث انتابني قلق هائل، لم أستطع تحريك عيني، كان أمرًا مختلفًا عن كل ما شاهدت. تلبستني سحابة كثيفة من العواطف المختلفة، فاكتفيت بفعل اللاشيء والشعور بكل الأشياء. عندها ظهر العضو المشرف سين قائلًا إنها جادة: «قد يكلفني هذا وظيفتي لكن لا بأس، لقد خُلقت الراحة لنضحي بها من أجل الأمور العظيمة، وهذا يبدو لي أمرًا عظيمًا. يااااه من كان يتوقع!» ثم طلب مني تشغيل نظام الصوت 5000، عندما فعلت دنا من القط واضعًا على صدره لاقط صوت حساس صغير. تك تك تك… توقفت عن التنفس، تيبس فمي فاغرًا، لم يعد شيء يتحرك في جسدي غير مياه أخذت تزحف ببطء على خدي الأيسر.
«هل تبكين؟ عضوة ميم هل تبكين حقًا؟» سألني العضو المشرف سين. تيقظت وأقفلت النافذة.

كل فرد يعيش في حجرة تسمى البيضة، سرير وجهاز محاكاة وحاسوب ذكي يدير هذا المكان الصغير باحترافية. عندما أستيقظ من النوم، أضع شمس المركز، وهي شمس بديلة بدأ الإنسان باستخدامها منذ عقود، وتستمد طاقتها من الشمس الأم إلا أنه يمكن التحكم بدرجة حرارتها وسطوعها وهي غير مؤذية ولا تسبب حروقًا كالشمس الأم حتى لو تعرضت لها طويلًا، لذا فإن مستويات فيتامين دال جيدة جدًا لدى هذا الجيل. يقول العضو الصديق صاد إن نموذج الشمس الذي اخترته بدائي للغاية، النموذج الأقدم من شمس المركز، ولكنني أحبها، دافئة وبرتقالية وحنونة، عندما أقول: «حنونة»، يضحك.
في جدار كل بيضه، توجد النافذة وهي شاشة كبيرة يمكنها أن تظهر لنا أي شيء وتأخذنا لأي مكان نريد، يمكنني تحويل الجزء الداخلي للبيضة إلى نافذة عملاقة، وبواسطة جهاز المحاكاة والحاسوب 7000، يمكن أن نشعر بالصورة التي تظهر كما لو كنا فيها. أختار أماكن كثيرة، باردة ومشمسة وأعيش عشرات الفصول في الشهر الواحد. هنا في البيضة نزور الأصدقاء أيضًا، يظهرون جميعهم في النافذة وبالجلوس في منفذ جهاز المحاكاة يمكن أن نشعر بمصافحتهم وقبلاتهم، حتى أنفاسهم حين يهمسون قرب آذاننا.

«هل لمستِ أحدهم من قبل؟» صوتٌ يأتيني في الحُلم.
أفكر في المرة الأخيرة التي خرجت بها إلى المنفذ «الشارع» كما كانوا يسمونه. كنت مريضة جدًا، وقد استحال على طبيب الوحدة الآلي اكتشافَ علتي، حين أتت وحدة الإسعاف وخرجتُ للمنفذ استطعت أن أرى بعض العجائز يسيرون، كانوا حقيقيين للغاية، وكان بإمكاني مد يدي ولمسهم لولا أن الوهن الذي جلبه المرض لذراعي النحيلتين منعني من هذا. أُسعفت للمشفى التخصصي حيث نجد بشراً هناك، لكنهم لا يقتربون، ولا يشاركون المريض غرفته ولو للحظات، إنهم هنالك على الشاشات فقط، يصدرون الأوامر للأطباء الآليين حينما لا يجدون أعراضًا مدرجة في أنظمتهم.
«هل شعرتِ بالوحدة يومًا؟» يعود الصوت.
لا تمنع الحكومة المركزية أحدًا من السير في المنافذ، ولم تصدر يومًا قرارًا يمنع الزيارات الجسدية بين البشر. لكن القليل يفعل، المسنون بالأخص، بينما الغالبية العظمى يجدون الأمر بلا معنى، مضيعة للوقت والجهد في ظل وجود نوافذ الاتصال. ثم هنالك أمر الوجوه. جميعنا نخشى أمر الوجوه.
«هل تريدين سماع نبض قلبي؟» يهمس الصوت.
أستيقظ من الحلم فزعة.

يتصل العضو الصديق صاد:
– مرحبًا، عضو صاد!
– كيف كان نبض القط؟
– حيًا!
– حسنًا. هذا وصفٌ مؤثر!
– هل أنت سعيد في البيضة؟
– لا أعرف إن كنتُ سعيدًا أم لا في هذه الحياة، لكنها مريحة.
– سألتك عن البيضة وليس عن الحياة.
– هل تناولتِ افطاركِ؟
– قرصين من الكبسولات الغذائية.
– هذا جيد. يسعدني أنكِ أخيرًا تهتمين بأكلكِ.
– هل تسمين هذا أكلًا؟
– إن كنتِ تأكلينه!
– لا يبتلع ذلك القط أي أقراص تغذية.
– هل أنتِ قط، بدائي؟
– لقد كانوا يأكلون، عضو صديق صاد، يحركون أيديهم لصنع شيء ما، كان بإمكانهم ابتكار عشرات الوصفات الشهية، ثم تناولها بهدوء وبتلذذ، بينما الطبق لا يزال ساخنًا.
– إنه سردٌ طويل لحدث بسيط كالشبع. لا أعرف ماذا يمكنني أن أطلق على حالتكِ، ولكنكِ ترفضين تقبل هذا الزمن، إنكِ منجذبة لحياة الأولين وهذا أمرٌ متطرف وغير صحي.
– تضع قرصًا غذائيًا به مادة كيميائية لعينة، تشعرك بالشبع ثم هذه الفيتامينات المصنعة تملأ خلاياك.
– وتبقى حيًا، وبخير. كما كانوا! أليس هذا هو الغرض؟
– أنا لا أتغوط عضو صاد.
– هذا مقرفٌ، عضوة ميم. انحدار بدائي يحدث لأفكارك. ما كان الإنسان العاقل ليظهر لو كانت رؤوسنا تسير على هذا النحو، إننا نتطور عضوة ميم، ليتقبل رأسك هذا. نحن نسير نحو حياة أسهل وأطول وأقل تكلفة، ثم ها أنت تعيشين بخير ولا تشكين أي نقص، ثم لا تكفين عن التذمر!
– ألسنا آلات بالفعل؟!
– هذا قدرُنا كبشر.

لم يتبقَ سوى قط واحد. كائن عديم النفع. هكذا بدأ في الانقراض بعد أن بدأ الناس باستبداله بنسخ آلية. (C3C) يموء، يلاعبك، يقرأ الصحيفة اليومية، يشغل الأغاني، يراقب البيضة، ويمكنه تصوير فيديو احترافي لك وأنت ترقص لترفعه على النافذة. كما أنه لا يحتاج لأي عناية فهو يستمد طاقته من شمس المركز. تخيلت (C3C) صغير يدور في الحجرة. أصابني هذا بغضب غير مبرر، ثم وجدت نفسي أملي على الحاسوب 7000 خاصتي رسالة للعضو المشرف سين في المتحف ودون أن أراجع ما قُلته، أرسلتُ:
عزيزي العضو المشرف سين،
هذه رسالة شخصية جدًا وسيئة للغاية
أريد سرقة ذلك القط.

لم يعد شيء يشغل بالي أكثر من ذاك القط، من قلبه بالتحديد. أردت أن يسكن صوت نبضاته في أذني للأبد ولم يكن جهاز التسجيل كافيًا ليملأ تلك الحاجة الملحة والمتعطشة بداخلي. أصابني هذا بالكآبة، فزادت ساعات نومي وتراجع أداء عملي بشكل ملحوظ. نصحني العضو الصديق صاد بشراء (C3C)، قال إني أشعر بالوحدة وبأن هذا الأمر صار جزءًا غير مرفوض في طبيعة البشر اليوم؛ بل إنه أمر صحي للغاية ووصفه له بالمسمى القديم «الوحدة» غير منصف لكنه يستخدمه لكي يفهم عقلي البدائي والمضطرب حالتي فيكف عن تهويلها والتفكير في أمور غريبة. قال أيضا إن «الوحدة» كما أسماها أجدادنا هي استقلالية ولم تكن الاستقلالية أمرًا مفزعًا ولا يستدعي العلاج سوى لدى أولئك الذين يحتاجون للآخرين، إنه أمر مزرٍ أن تشعر بالألم فقط لأن لا أحد في الجوار يمكنه أن يمنحك عناقًا خيريًا. (C3C) سيخلق نوعًا من السلوى في بيضتي، الكثيرون على النافذة قيموه بأنه مسلٍ ورفيق جيد. ولكن لمَ لم يقترح العضو الصديق صاد زيارتي فقط؟ نحن أصدقاء منذ أن أدركت وجودي، لكننا لم نلتقِ قط. سيرى بأن أمر اللقاء هو عَرَض جديد لعقلي المضطرب حد قوله لذا أحجمت عن الإفصاح عن رغبتي في إمساك ذراعه خارج جهاز المحاكاة.
يخطر في بالي سؤال الآن، ربما مر على خاطرك أيضًا، هل اقتربت من أحدهم يومًا؟ في الحلم، نعم فعلت. رأيت العضو الصديق صاد، كان أمامي يجلس على الأرض باسطًا ذراعيه، شعرت بأنفاسه تلامس جلد أنفي برفق، كان وجهه لا يشبه ذاك الذي يظهر في النافذة لذا لم أكن متأكدة من كونه هو سوى أن شعوري في الحلم كان يخبرني بأنه كان العضو الصديق صاد. ربما كان ذاك وجهه الحقيقي، الأكيد أنه لم يكن مثاليًا كوجه النافذة. عليه بثور متفرقة في مناطق مختلفة من هديه وقد بدت جميلة جدًا بشكل غير متوقع. لديه شارب خفيف كشعر رأسه، بنية متوسطة ويدان نحيلتان بارزتا العروق. مددت أصابعي لتحسس عروق يده، انتابتني شهوة عارمة لاختبار ملمسها، عندما مررت أصابعي عليها، امتقع وجهي. كانت باردة وصلبة كسلك كهربائي قديم، تركتُ يده بفزع وركضت مبتعدة.

عزيزتي العضوة ميم:

حضرت حفلة صاخبة قبل قليل، حضرها ثلاثون ألف عضو، كلهم أصدقاء لي، هذه حفلة مولد الشخص الوحيد.
قد لا يبدو لك أن عاملًا وضيعًا في متحف تاريخي مهمل قادر على دفع تكاليف حفلة كهذه، لكن اسمحي لي أن أخبرك ما الذي حدث، لقد أنفقت مدخرات حياتي كلها على هذه الحفلة، لا أعرف ما الذي أوحى لي بأن أطلب نسخة باهظة من حفلات النظام جي 400، وأرسلها لأصدقاء كثيرين لا أعرفهم. لست شخصاً مبذرًا، لكنك – بوصفك إنسان – تقوم بأمور لا معنى لها من وقت لآخر. أعتقد أنكِ تفهمين هذه الجزئية جيداً.
أخبرت الجميع بأنه عيد ميلادي، وبأن هنالك حفلة على النظام جي 400 ذي الميزات العديدة، قوالب وجوه جديدة وعلى الموضة تمامًا. أرسل لي الكثير تأكيد حضورهم وهذا لم يكن متوقعاً، إذ لطالما كنتُ متجاهلًا من الجميع بسبب غرائبيتي كما يزعمون. عندما بدأت الحفلة كنت متوترًا كثيرًا، تصفحت قوالب الوجوه واخترت الوجه بي 11، إنه رائج للغاية كما تعرفين. حين انفتحت النافذة، كان الجميع يضعون وجه بي 11، ثلاثون ألف وجه بي 11، لم أعد أستطيع تمييز وجهي. لم أعد أعرف أي واحد أنا.
الحفلة لا تزال قائمة في زمن كتابة هذه الرسالة، أنا أجلس وسط الحضور، الجميع على النافذة وأنا أرتعش كهرٍ ضئيل في مقلب قمامة مهجور، هل تعرفين كيف كانت تبدو مقالب القمامة؟ دعكِ من هذا. لا أحد يكترث لي. الجميع يرقصون.
ملاحظة: ذلك القط الأخير يملك وجهه. هل سبق لك أن امتلكتِ وجهكِ؟
المرسل:
العضو المشرف سين الذي أراد صديقًا لا يموء.
ضغطت بسبابتي على صدغي، كان هنالك ألم محير في رأسي بسبب رسالة وصلتني قبل أيام ولم أجب عليها حتى الآن. هذا خوف كبير ولا أعتقد أن تلقي الرسائل والرد عليها كان أمرًا مخيفًا لكن يبدو بأن الأمور تتغير. يسألني فيها العضو المشرف سين عن وجهي. قرأت سابقًا في كتاب تاريخ بأن أجدادنا امتلكوا وجوهًا متباينة ، منهم القبيح والحسن. عاش أولئك الذي لا يملكون ميزات جسدية في حزن. لم يعد الأمر واردًا الآن، يمكن للجميع قهر صفاتهم البيولوجية، حيث يمنحهم نظام الوجوه قدرة على اختيار الملامح التي يرغبون الظهور بها على النافذة. يمكن أيضا برمجة هذه الملامح على مرآة النافذة بحيث يرى الشخص نفسه كذلك. لا أعتقد بأنني قد أبطلت هذه الميزة من على مرآة النافذة منذ سنوات عدة، لذا لا أعتقد أنني أعرف كيف أبدو، وهذا أمر مفزع. أخشى حتى من تحسس وجهي، ترعبني مسألة مواجهة ذاتي، يرعبني ألا أشعر بالألفة تجاهي. ترعبني حقيقة أني حقًا لا أعرفني.
عزيزتي العضوة ميم،
خارج المقاطعات لا تزال هنالك غابات
لا تزال هنالك أزهار
لا تزال هنالك حياة
خارج المقاطعات يمكنكِ أن تجدي قطًا
روحًا
وربما قلبًا.
هذا الصباح وجدت رسالة جديدة من العضو المشرف سين. تعمدت تجاهلها أيضًا. لا أملك القوة والسكينة اللازمة لتحرير جواب على رسائل كهذه. أردت الاعتذار، أردت القول بأنني أفكر دائمًا وبأنني بت أخاف من الأماكن التي بات يجرني عقلي إليها. وبأن هذا العالم يتحول ببطء إلى كتلة معدنية باردة وقاسية حيث أجد كل خلية في قلبي تنفر منه. أردت أن أقول بأنني لا أشعر بالانتماء وبأن هذا الزمن لا يناسبني ولا أعرف أين يمكنني تقديم شكوى بهذا. أردت أن أقول بأنني حزينة وبأنني لم أعد متأكدة من أي شيء، وبأنه منذ سماع دقات قلب القط الأخير وهنالك ضجيج مستمر في قلبي، أردت أن أخبره بأنني أريد أن أهرب للغابات التي تحدث عنها، للجبال التي شاهدتها في فيلم علمي. للمسطح المائي العظيم الذي يظهر من الصور الفضائية والمسمى بحر، للبحث عن عناق خيري مزرٍ، لكنها فكرة لا أتجرأ على قولها.
في المساء، نشرت الصحيفة المركزية خبر انتحار مشرفٍ في متحف تاريخي. على النافذة شارك العديد مقطع فيديو للمشرف وهو ينتحر بعد أن استخرج قلب القط الحي الأخير وشرع في تناوله. يظهر العامل فيه ككائن متوحش، يجثم على الأرض، شفتاه ملطختان بالدماء، يفتح فمه محاولًا الحديث لكنه يتعثر بالبكاء، يعتذر للجميع: «سامحوني لأنني لم أستطع إنقاذكم معي..» يغرز في عنقه أداة معدنية. يموت.
يتصل بي العضو الصديق صاد:
– كان ذلك قطك الأخير، صحيح؟
– كان ذلك العامل صديقي.
– حقا؟ تكثر حالات الانتحار هذه الأيام، لقد اختار صديقك طريقة عجيبة ودرامية للغاية.
– لقد اختار إنقاذ نفسه.
– أي هراء هذا، لقد تلاشى، حتى أن لجنة التحقيق قالت بأنه قام بمسح جميع بياناته من على الأنظمة، لم يعد بمقدوره حتى إن يكون جزءًا من روبوت، معلومات ذاكرته اختفت تمامًا، بلا ذاكرة لا وجود لنا.
– هل نحن موجودون حقا؟
– نحن على النظام، إذًا نحن موجودون.
– ماذا لو لم أكن على النظام لكنني كنت موجودة، ماذا لو لم أكن أملك صورًا عليه ولا كتابات وليس لي أصدقاء ولم أحضر مناسبة واحدة أو أقيم فعالية واحدة على النافذة.
– هذا مستحيل. لا يمكن أن يعيش شخص دون أن يلتقط النظام بياناته ويسجل وجوده إلا إذا قام بحذفها كما فعل صديقك.
– وإذا قمتُ بحذفها. إذًا لم أعد على النظام لكنني ما زلت هنا. هل يعني هذا بأنني موجودة؟
– ماذا تعنين بـ» ما زلت هنا» هنا أين؟
– في الحياة!
– لا شيء خارج النظام عضوة ميم.
ماذا لو هربتُ نحو البرية، ما الذي يمكن أن أجده؟ أزهار؟ حيوانات مهددة بالانقراض؟ أو ربما يمكنني أن أجد نفسي؟ أغمضت عيني وكأنما أشيح النظر عن كل تلك الأفكار الغريبة، لكن هذه الخطة البائسة للنسيان فشلت. لم ينجح هذا لأنها جميعها تأتي من الداخل وتعبث بالداخل مني تمامًا. أتناول كبسولة مهدئة، وأتصل على خط الإرشاد النفسي، أخبر المجيب بأني أشعر برغبة في هجر البيضة والرحيل إلى الخارج، وبأنني أرى نفسي أركض في حقل ذرة واسع، وأسقط على الأرض حيث التربة الجافة التي لا تتورع عن الالتصاق بثوبي، وحيث السماء بالأعلى بعيدةٌ وثابتةٌ جداً. قلت له أيضا بأنني شعرت بالريح تحمل شعري بعيدًا عن جسدي للحظات وبأنني شاهدت أطفالاً يتصارعون بمرح وامرأة تسير بجوار عشيقها وتقبله شفة لشفة. وجد المرشد النفسي بأني أعاني من مشكلة خطيرة تحتاج لجلسة علاجية عاجلة وبأن أولى خطوات العلاج هي بالتوقف عن تصفح النوافذ التاريخية. قال بأننا هنا الآن حيث البيضة والنظام وبأن استيعاب الواقع هو ما تفعله العقول السليمة. وعقلي سيكون سليمًا كما قال بعد جلسة تعديل نفسية عن طريق توصيل رأسي بجهاز إعادة ضبط الدماغ البشري لمسح هذا الجزء المقلق من ذاكرتي، الجزء المتعلق بالحنين إلى الأشياء التي لم تكن يومًا معي، وربما لن تكون. ليس علي القلق، نعم ليس علي ذلك. قال بأنه سيرسل لي دواء مساعدًا سيصل عبر الموزع الإلكتروني بحلول المساء وحتمًا سيساعدني حتى موعد الجلسة. أغمضت عيني ورميت بنفس ثقيل على الأرض. هذا المرشد النفسي كان طبيبًا آليًا.

شاهد أيضاً

جواستابينو

أندريس باربا ترجمة: أحمد عبداللطيف لا نعرف شيئًا والتاريخ أكذوبة والحب لا وجود له؛ لكن …