أخبار عاجلة

كشكـانـو

لا أذكر اليوم من قال لي أن لكل منا خلوده المتواضع، الذي يسمح له أن يرى ماضيه القريب أو مستقبله. لعلي قرأت هذا في كتاب ما من تلك الكتب التي حين نفلقها لا يبقى منها في الذاكرة الا عبارة واحدة مثل هذه..

لسنوات حاولت نسيان هذه القصة التي سأرويها لكم. لكني مع مرور الزمن اكتشفت أن للذاكرة سلطانا أكبر من سلطان النسيان. كل محاولاتي في مسحها من ذاكرتي، وقد حاولت كثيرا، باءت بالفشل. وجدتني أكثر من مرة مرتعبا من تكرارها، وأنا أدخل في الليل الى شقتي. واذ أرويها اليوم، بعد خمس سنوات على حدوثها، فلأني أود التحرر منها والعيش في حاضري. لكن من سيضمن لي ذلك ؟

حدثت وقائع ما عشته في مدينة بواتيه، في الغرب الفرنسي حيث مازلت أعيش في انتظار أعجوبة أخرى. كم من الزمن استغرقت هذه الواقعة ؟ لا أدري بالضبط. لكني وأنا أتستعيدها فقد حاولت ترتيب الأحداث كما يحدث لنا ونحن نستيقظ من حلم. لا أجزم البتة بالزمن الذي استغرقته، وكيف لي ذلك وقصتي بدأت في الليل..

كنت متعبا وأنا أسير في الشوارع الخالية للحي الذي أسكنه منذ ساعات وانا أتجول وحدي، محملا بشعور قاس بالوحدة. لم يكن لي الكثير من الأصدقاء في هذه المدينة رغم مضي سنوات على اقامتي فيها. والحق يقال فساعة متأخرة مثل هذه لم تكن مناسبة لزيارة صديق.

عدت أدراجي وأنا موقن أن أحلامي ستقودني للآخرين.

على نهاية السلم، أمام باب شقتي، وجدت شيخا يلتفع معطفا أسود وبجانبه حقيبة سفر قديمة. كان متكئا على الجدار والحقيبة كأني أعرفها منذ زمن قديم. حيث وطئت آخر عتبة للطابق الأول،

ابتسم لي ومد يده مصافحا. أعطيته يدي بحركة تلقائية غير عارف بما يجري. لم أكن قد صادفته أبدا وثمة شيء في هيئته اجفلني. كانت نظراته توحي بمعرفته بما يجري. بقيت واقفا في مكاني انتظر شيئا غير قادر على رسم معالمه.

– كالعادة، تعود متأخرا. قالها بعربية واضحة لست قادرا على لفظها.

انتابتني رعشة وشعور بالخوف فقد فوجئت بلغته. لم يخطر بذهني وأنا أصعد السلم أن الرجل سيحدثني بهذه اللغة، أمضيت وقتا وأنا أحاول أن أجمع شتات جواب بدأ يتجمع في رأسي حين سمعته يضيف بصوت آمر:

– ما الذي تنتظر.. افتح الباب. منذ ساعة وانا انتظرك.

تلكأت قليلا وأنا أبحث فى جيب معطفي عن مفاتيح شقتي. فكرت أن هذا الرجل يعرفني جيدا بل لعله من معارفي القداس وقد نسيته. كنت مشدوها تماما، فأخرجت مفاتيحي وبقيت متسمرا أمام الباب. قال لي بذات النبرة الآمرة:

– هيا، افتح الباب فأنا متعب مثلك.

بسبب من تعبي أو بشعور الخوف الذي سكنني، انصعت لأمره. فتحت الباب فدلف الشيخ قبلي تبعته واغلقت الباب.

– الحقيبة رجاء، أدخلها معك.

سمعته وهو يتأمل جدران الصالة حيث كنا. لم أجد بدا الا الانصياع لأمره. فتحت الباب وعدت بالحقيبة. تناولها مني بعجلة ومضى بها، عبر الممر الى الجانب الآخر حيث الغرفتان. من هناك جاءني صوته مع قرقعة محتويات الحقيبة:

– انني متعب أكثر مما تتصور، فد قطعت مسافة لا تتصورها، سأنام الآن وغدا أشرح لك كل شيء.

سمعت الباب يغلق، وبعدها ساد الصمت. انصرفت الى الصالة بعد أن تناولت قدح ماء. جلست هناك أحاول استعادة ما حدث في الدقائق الأخيرة. جهدت في استعادة وجه ضيفي لكني لم أر الا شعره الابيض ولحيته التي تغطي قسمات وجهه. كم من الوقت أمضيت وأنا أفكر فيه ؟ لا أدري اليوم وأنا استعيد ما حدث. لكني حين نهضت كي أنام شعرت أن زمنا طويلا قد انقضى على نزهتي الليلية. قبل أن أدخل السرير فكرت في لا حقيقة ما حدث، فاتجهت الى الغرفة الأخرى. دفعت الباب باحتراس. من خلال الضوء القليل الذي تسرب من الممر، رأيت الرجل ينام على السرير الحديدي الصغير. يداه على صدره خارج الغطاء ولحيته كوفر تحيط بوجه هرم جدا في تلك اللحظة.

أغلقت الباب وعدت الى غرفتي. بين اليقظة والحلم – لا أجزم بذلك أبدا – رأيته ينتظرني عند باب شقتي وحقيبته القديمة عند قدميه.

في الصباح، استيقظت كعادتي عند التاسعة. حين مضيت للمطبخ لتهيئة قهوتي، فوجئت بأن كل شيء كان معدا. كنت قد نسيت الليلة الماضية في حمى الاحلام الكثيرة. لكني وقد دخلت المطبخ، تذكرت الشيخ الذي دخل معي الى الشقة ليلة أمس. توجهت حينها الى الصالة بحثا عن شيء ما نسيته الآن. هناك على كرسي معدني، كان الشيخ جالسا وقد ارتدى ملابس أخرى بدت لي أكثر نضارة من ملابس الأمس. كان دون معطفه يتصفح كتابا.

– صبا ح الخير. قال لي وقد انفرجت شفتاه عن ابتسامة جميلة.

حييته دون أن أحيد ببصري عنه. فقد كنت غير متأكد مما حصل بالأمس. خامرني انطباع بأني قد حلمت بهذا في يوم ما، لكني لم أتذكر تفاصيل الحلم.

– هل نمت كما ينبغي؟ لقد رأيتك متعبا وأنت تعود هذه الليلة.

كنت ما أزال أبحث عن الكلمات فلم اجبه. انصرفت الى المطبخ وبدأت بشرب قهوتي محملا بشعور الغضب والحرج لما يحدث في بيتي. لم أكن أعرف هذا الرجل وكنت متأكدا من ذلك الآن. فكرت بالمرأة التي صادفتها ذات يوم في مقهى ريفي فراحت تقص لي تاريخ حياتي بتفاصيل دقيقة، ثم اكتشفت بعد أيام انها صديقة مشتركة بيني وبين امرأة عرفتها في الماضي. قصت لها الأخيرة كل ما تعرفه عني. ثم وأنا غارق في فكرتي، سمعت خطوة على بلاط الأرضية. ولمعرفتي بالمكان فقد خمنت خط سيره. رأيته يقف في الممر يحدق في اللوحة الوحيدة المعلقة على الحائط. صورة رجل يطل من شرفة تحت نور صباح أو مساء لا يكشف شيئا من ملامحه، فكأن وجهه كرة وضعت سهوا بين كتفيه.

– لقد اختلط الأمر على الرسام بسبب النور. مضى هذا الرجل في ذاكرته ومستقبله في خوفه مما يرى، لديه كل شيء في لحظة مثل هذه لكنه بلا قسمات.

سمعته يقول هذا بنبرة غريبة كما لو كان يحدث ثالثا بيننا. ثم أردف:

– اتعرفه ؟

– من ؟ سألت وأنا انهي شرب قهوتي وانهض باتجاهه.

– الرسام طبعا.

-كلا.

واجتزت الممر بمحاذاته دون أن أمسه. كان ينظر لي بعينين حزينتين. ارتديت ملابسي وعزمت على وضع حد لكل هذا. حين عدت وجدته جالسا على الأريكة غارقا في الكتاب الذي بين يديه.

– انه كتاب رائع. سترى، لكن الجمهور نسيه اليوم ونسي كاتبه.

لعله رأى قراري في ملامحي فعزم على تغيير موضوع حديثنا. فكرت وأنا أسمع عبارته الآسفة.

– أتمزح ؟.. لم يمض شهر حسب علمي على اصدار الكتاب. انظر تاريخ الاصدار في الصفحة الأخيرة.

– أعلم ذلك، ديسمبر 1985 تاريخ الانتهاء من طبعه، لقد ترجم لاحقا الى العربية بنفس العنوان "اسم الوردة ". عنوان جميل لرواية مظلمة تساءل حينها ان كان العنوان وراء شهرة الكتاب والفيلم الذي أخذ عنه. رأيته مع زوجتي مرتين أو ثلاثا، لا أذكر الآن. هي أعادت قراءة الرواية وظلت لزمن تحت تأثيرها كمخدرة، بينما اكتفيت أنا بقراءة واحدة فقراءة رواية كما تعلم لمرات عديدة يترك آثارا مرضية على القاريء، أتذكر مئة عام من العزلة ؟

كان يتحدث بنفس متواصل دون أن ينظر لي. خلال ذلك كنت قد جلست أمامه وقد شبكت يدي ببعضها ورحت أحدق في السقف. ناولني الكتاب فأخذته بحركة آلية ثم تركته على الأرض، بجانبي. أردت أن أقول له شيئا لكني تراجعت عن ذلك حينما رأيته ينظر لي بعتاب. اليوم استطيع أن أفهم لماذا بقيت قابعا في صمتي غير أني تجرأت وقلت له:

– لا أفهم ما الذي يحدث لي معك، منذ الأمس وانت هنا وأجهل حتى اسمك:

رمقني مرة أخرى بهذه النظرة التي لم أفهمها إلا بعد انتهاء كل شيء وقال دون أن يحيد ببصره عني:

– اسمي.. وما الذي سيضيف اليك معرفته وأنا جالس أمامك بلحمي وعظمي. الأسماء نتداولها لتصور الغائبين منا وكم نخطيء في خيالنا ونحن نتصور كل شيء من اسمه.

بشيء من اللامبالاة نهض وارتدى معطفه، حينذاك لاحظت قفازين من الجلد، بلون المعطف معصورين بيدا اليسرى.

لقد حانت ساعة نزهتنا، سآخذك الى مكان طالما احببته وأظنك لن تندم على النزهة فيه في ساعة مثل هذه هيا.

ليس من دون تردد قال كلمته الأخيرة. كنت انظر اليه وخلال ذلك كان رفضي لطلبه يرتسم على ملامحي. للحظة شعرت بالحموضة التي تملأ جوفي في اللحظات التي أشعر فيها بضياعي رغم مني سنوات على هذه الحادثة، لكن ذكراها وأنا أرويها، تعيد الى جوفي ذلك المطعم الحامض ذاته.

– لن أذهب الى أي مكان. قلت وأنا أتحسس الحموضة تغادر جوفي وتمضي عبر فمي ليملأ طعمها المكان كله.

– اسمع ليس في الأمر مزحة كما تتصور، جئت من مكان بعيد حقا وثمة أشياء لابد أن أقولها لك، وان كنت أود الذهاب معك الى حديقة بلوساك فلأني أعلم أن كلينا يحب هذا المكان حتى ساعات قلائل قادمة.

بدا صوته واهنا، وفي طريقة حديثه رجاء أو طلب مساعدة. كان يتحدث هذه المرة كشيخ مسن أفقدته السنوات قوة صوته. عدت انظر اليه وموجة حزن، بل شفقة، تتلبسني لهذا الواقف أمامي الخارج من زمن آخر أجهله، يلتمس مني مرافقته، كصديق قديم نسيته في غمرة أحداث حياتي.

– حسنا سأمضي معك الى الحديقة لكني لن أمضي أكثر من هذا.

– سيكون صعبا أن نمضي أكثر من هذا، لم أعر انتباها لعبارته الأخيرة، لكني في مساء اليوم نفسه أدركت مغزاها.

فتحت الباب وتركته يخرج قبلي وهبطنا السلم الذي كان مظلما حينذاك. سرنا متمهلين تحت شمس الصباح ونسائم باردة تهب من جهة الشمال. كنا صامتين والشارع أمامنا خال.

اجتزنا فاصل البنايات التي تحيط الحي الذي اسكنه. مرقنا عبر ساحة للعب الأطفال كانت خالية حينذاك. توقف الشيخ ومضى ينظر الى منزل بمواجهتها.

– اتعلم أن هذا البيت ظل في ذاكرتي مكسوا بأوراق العنب البري طوال فصول عديدة. كل مرة يمرق في رأسي أراني واقفا تحت شمس الصيف محدقا في تلك النافذة.

أشار الى النافذة المغلقة المقابلة لنا وواصل:

-كانت هنالك امرأة في الثلاثين، لم أر قامتها كاملة أبدا.

امرأة تطل من النافذة مثل صورة، مازلت أجهل قسمات وجهها فلم أرها عن قرب بالمرة وأظن أنها كانت مقعدة. كان ثمة كلب أيضا، سلوقي لا يكف عن النباح طوال فترة مكوثي في الساحة. الكلب قد مات بالتأكيد بعد كل هذه السنوات. المرأة …

توقف عن الحديث، وتوقفت أنا عن المشي. صرت أوازن بصري بينه وبين البيت. توقف بدوره وراح ينظر لي. كانت المسافة بيننا قليلة لا تتجاوز المتر. لكن حينها خيل لي اني لن استطيع اجتيازها.بعد عام من هذا عادت المرأة، وفتحت النافذة بينما كان الكلب السلوقي يواصل نباحه وأنا اجتاز الساحة عائدا الى داري-.

تركني الشيخ وواصل مسيره بخطي سريعة. تبعته كطفل هذه المرة، وهو ينظر في كل الاتجاهات متفحصا البيوت كأنه يبحث عن بياض احجارها القديم. ثم دون أن يخفف من خطوه واصل حديثه.

– أشياء كثيرة قد تغيرت منذ عودتي. الحقيقة لم يبق شيء على حاله. أمس بعد وصولي الى المحطة،طلبت من سائق التاكسي ان يدور بي  في المدينة، كما فعلت حين عدت الى بغداد، خيل لي أني قد هبطت محطة مدينة أخرى كما حدث لي مرة غير بعيد عن هنا. طلبت من السائق أن يذكر لي اسم الحي الذي نحن فيه كي أتأكد. حين عدت الى بغداد قبل أحدى وعشرين سنة حدث ذات الشيء، وكدت أن أطلب من سائق التاكسي أن يعود بي للمطار، لم أعرف المدينة بعد سنوات من هجرتي منها.

توقف عن الحديث للحظة ومسح حبات العرق التي تجمعت فوق جبهته بيده اليمنى.. ثم أخرج منديلا ومسح به يده ومرره على جبهته، ابتسمت وأنا أراه يبذل جهدا من أجل اعادة المنديل الى جيب بنطاله، بسبب قفازه. ابتسم لي بدوره دون أن يسألني.

كنا قد وصلنا الى النهر وبدأت رائحة مياهه الآسنة تصل الينا لاح الطرف الآخر من المدينة حينها فتوقف الشيخ عن السير وتوقفت معه. أخرج من جيب سترته صورة وعرضها امام عيني. كانت صورة قديمة للمدينة يبدو انها قد التقطت من المكان الذي كنا فيه.

حين وصلنا حديقة بلوساك كان الشيخ مبهورا ونحن نرتقي السلالم المؤدية اليها. توغلنا بين الأشجار العارية في هذا الفصل حتى حاذينا سلسلة المصاطب الخشبية القائمة في وسطها، من هناك يبدو الطرف الآخر للمدينة بواتيه القاتم على تلالها. وقف الشيخ ودار ببصره الى ذاك الطرف مطلقا زفرة طويلة. كنت أراقبه وأفكر في سر هذه اللحظة ومغزى وجودي معا هنا بالضبط. في هذه الحديقة التي طالما قضيت ساعات طويلة فيها مفكرا بمصيري.

جلس على مصطبة وأشار لي أن أتبعه. مضيت وجلست لصقه، فيما كان يخرج مجموعة من صور لفت بخيط. أعطاني واحدة وأعاد البقية الى جيب معطفه. نظرت في الصورة التي كان يقف فيها أمام تمثال لفارس نحت هو وجواده بصورة مضحكة. اذ كان الفرس الجامح يحمل فارسا هادئا كمثل من يجلس على أريكة ويحمل سيفا. فيما كنت أبحث في تفاصيل الصورة جاءني صوته كما لو لم يكن يجلس بجانبي:

– حين عدت كانت بغداد مليئة بتماثيل مثل هذه. أغلبها مازال في مكانه، في ساحات محاطة بالأسلاك أنها جميعا متشابهة كأن نحاتا واحدا صنعها.

– لكن مصورا واحدا التقطها جميعا. بقيت لسنوات ارفض الصور لكن صديقي المصور هذا الح علي كثيرا ولا أدري لم استجبت قبل أيام لطلبه، فذهبت معه ودرنا المدينة وهو يلتقط الصور لي، ربما وافقت بسبب الحاحه.

ثم أخرج الصور من جيب معطفه وأعطاها لي ليس بدون تردد.

– خذها، انها لك لكن عدني أنك لن تنظر اليها الآن.

وافقت بإشارة من رأسي ووضعت الصور في جيب سترتي. كان بعض المتنزهين يمرون ليس بعيدا عنا وأصواتهم تصلنا متميزة في صفاء الضحي. حين مرت أمامنا امرأة تدفع عربة أطفال، تبعها الشيخ بنظراته حتى استدارت واختفت خلف صف من أشجار العرعر الخضراء.

-الصبر علاج الانسان الأقدم على غموض العالم. عشت دائما وأنا أفكر في هذا. في هذه المدينة عشت سنوات طويلة، عشت سنوات أخرى أطول هناك حتى لم أعد أميز بين الهنا والهناك. لكني لم أشارك أبدا في لعبة الانجاب رغم متعتها خشية التكرار. السلالة تنجب حدثا واحدا يتكرر حتى انقراضها. اظنك تشاركني الرأي.

كان صوته قد قارب الخفوت، بداية الصمت. وللحظة خاطفة شعرت بصوته قادما من حنجرتي كما يحدث لي في الكوابيس. انتابتني قشعريرة لذكرى حلم مر في خاطري مشتتا، ولم أر من تفاصيله غير وجه يشبه وجه الشيخ الجالس أمامي الآن. حاولت تذكر صور أخرى لكني لم أفلح الا بصورة واحدة للوجه ذاته بين أبنية فاحمة في مساء مليء بصفير خافت موحش.

كان قد أخرج ساعة من جيبه، وظل يحدق فيها للحظة، يتابع حركة عقربيها وينظر الى الشمس. حين أعادها الى جيب معطفه، اخرج مرآة نسوية بهيئة محارة. عاين فيها وجهه وعدل من لحيته ووزان ياقة قميصه بحركة مرهفة.

– عقارب ساعتي قدمت الوقت بالتأكيد. فالشمس لم تتوسط السماء وساعتي تشير الى منتصف النهار. تستطيع الانصراف الآن. قال بيأس مطلق سكن عينيه.-

– ليس فيها ما يستحق الاهتمام، بضعة ملابس وجريدة الامس وقاموس المنهل طبعة بيروت 1973 انها لك.

نهضت دون ان انصرف عن المصطبة وبقيت واقفا هناك. كان قد اسبل يديه على ركبتيه فبدا بمعطفه كأنه جزء من المصطبة الجالس عليها. حينذاك سمعته يتمتم بصوت فقد نبراته ولم يعد فيه غير صدى الكلمات:

– منذ الامس لم اصادف احدا يعرفني. كل شيء قد تغير هنا ولم يبق الا هذا الضياع.

كنت انظر اليه واحاول ان افك طلاسم ما يقوله، بينما هو ينظر للشمس التي توسطت السماء حينها. فكرت في تركه وحيدا والعودة الى البيت وقد اوشكت ان ادرك ما يدور الان، غير أن إشارة من يده جعلتني ابقي متسمرا في مكاني. بيده التي أومأت بحركة ثقيلة أشار لي أن أقترب منه. قرفصت أمامه ورحت أتمعن في عينيه اللتين غدصتا في شعاع ضياء خارج مداركي أحني رأسه قليلا بينما ظل جسده مرتخيا وحين التقت عينانا شاهدت المسافة التي قطعها حتى هنا.

– كشكانو، شجرة الحياة وقد قطعت. توقف وبلع ريقه وأضاف: لم فعبر الجسر التاسع. ثم اهتز جسده بحركة واحدة خاطفة ومات.

 نهضت وأغمضت عينيه. ثم حين مررت يدي على وجهه شعرت من جديد بارتعاشة ذكرى بعيدة. كانت الشمس قد توسطت السماء والحديقة خالية. تركته في مكانه، جالسا على المصطبة، وانسللت عبر ممر بين أشجار البلوط العارية.

منذ ذلك اليوم لم أعد الى الحديقة. بحثت بين أوراقي والقواميس التي في مكتبتي، عن كلمة كشكانو التي رددها، وجدت انها تعني باللغة البابلية: شجرة الحياة المزروعة عند التقاء النهرين. هل تراها شجرة آدم المزروعة في القرنة وقد قطعت ؟ أجهل كل شيء لكني في أحدى خانات مكتبي، في شقتي القائمة في 76 شارع فيكتور هيجو في بواتيه، مازلت احتفظ بصور لم يحن زمن التقاطها بعد، بين حين وآخر أحدق فيها متخيلا ساعة عودتي لبغداد.
 
 
جبار ياسين ( كاتب من العراق)

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …