كلّ ليلة أنام فـي سرير آخر

أنيز كولتز(1)
ترجمة: الخضر شودار *

يستيقظ الصباح
في عزلة
بلا اسم
العاشق
يحمل حبيبته
مثل مركب متهالك
على الساحل
* * *
كلما
الآخرُ
صار أنا
صرتُ الآخرَ
* * *
لجلدي رائحة
الساحات المبتلة
و الحقول المهجورة
أنحني
فوق شفير العالم
و لا أراك في أي مكان
* * *
مثل أوراق تساقطتْ
تحتضر الأعوامُ فوق التراب
فقد تنبأوا لنا
بمستقبل لا نهاية له
تحت الأرض
* * *
الذين يمشون
الذين يسبحون
الذين يطيرون
كلهم يسبقني
فسيح هو القبر، يسع
الجميع
* * *
لا أنقذ
أولئك الذين يغرقون
لكني أغرق معهم
نغوص عميقا
مثل غواصات
* * *
ناموا –
فأنا لو أيقظتكم
ستموتون
في مطبخي
أعددتُ طعاما
لحياتي الأخرى
* * *
في كل ليلة
أتمرّن على الموت
أستكشف خرائط
للغيب
و في المدن التي أمرّ بها
أقيم عروضا
لأحلامي
و أبيعها في السّوق السوداء.
* * *
حتى و إن كنت أسكن وطنا
باردا و بلا ضوء
حيث كبُرت وسط المهربين
و القتلة
أنا أعيش على ضفاف النيل
منذ ألفيات
جامدة من الشمس
على حافة النهر
و لا أقوى على النوم
* * *
الإنسان لا يحجبني
فأنا وحيدة
تحت هذا الجلد
الذي يذبل
دون أن يخبرني
بموتي
قريبا سيؤكل
الخبز في غيابي
* * *
أكسر أغصاني
قطِّعني إلى أجزاء
فالطيور ستظلّ تغني
في عروقي
* * *
لأَنِّي أعرف الأجوبة
فأنا أبحث عن الأسئلة
لا كلام هناك
يعلّمك كيف تحيا
* * *
أن تمشي
و لا تصل
إلى أن تصيرَ طريقا
* * *
تحليق
فراشة ضالة
في وسعه أن يبدّل طقس
قارة كاملة
* * *
الحق، أقول لك
إنه أنا من مات لأجلك
على الصليب
و بعد أيام ثلاثة
سأنبعث
متلاشية
في صرخاتك
* * *
أعيش خارج حياتي
المستقبل هو ماضيَّ
أرهقني حساب
الأيام الكاذبة
الليالي الكاذبة
هيكل
يسبح تحت جلدي
و يصطدم
بحدودي المتقاصية
* * *
لا فرق
بين الداخل و الخارج
بين الكلمات و الحجارة
اِرفعها
و ستجدني
كأفعى
متكورة على نفسي
* * *
إنني حقا الحياة
إلى أن أصبحت الموت
فحيثما أذهب
أحمل معي جثتي
* * *
لا أعرف
إن كنت أعيش في نظام
أو في فوضى
إن كان اليوم هو أمس
أم غدا
أو كلاهما معا
* * *
كل أحلامي
هي أحلام شخص آخر –
أفكاره
كلماته
تجتازني
في دورة كاملة

و ريقه يسكن
في فمي
* * *
حين أمشي
يمشي العالم
معي
أنا الخطوة
في الخطو
أمشي
لألقاني
* * *
اليوم
لا شيء يحدث في كتابتي
كالثلج الذي يسودّ
تحت أقدامنا
يمتلئ الورق بالخطوط
التي لا تأخذ إلى أي مكان
و لا حتى إلى الموت
* * *
أنام فوق الكلمات –
و حين تمر الريح
تصبح كتبي فارغة
* * *
أحلامي تخاف
من الأحلام
توقظني ليلا
و قد كبرت
عدة أعمار
* * *
في عيون أطفالي
كنت أرى إلى قوافل و هي ترحل
و في وجوههم
تختبئ وجوه أخرى
نظرت إلى الأرض
و لم تكن تشبه
الأرض
* * *
أنا مجرد تجل وحسب
لا أحد يعرفني
تحجبني صورتي
مثل غطاء قديم
و على جسدي
علامات حضارات غابرة
أعيش في زمن آخر
و أحيا حياة أخرى
* * *
بأي حق
يريدني الموت؟
فأنا أتقدم نحوه في شبح
شخص آخر
* * *
أولئك الذين لا يعرفون الكتابة
يتذكرون
و أولئك الذين يكتبون
ينسون
* * *
غادرت أحلامي
لتلحق بنائمين آخرين
* * *
بدأت أموت
منذ ولادتي
كيف لي أن أحيا
عبر الأسلاف
فقد قطعوا أطرافي
و سبقوا خطواتي
و قريبا سينزل رمادي
كأمطار الصيف
أنا موجدة
أنا لم أكن أبدا من قبل
* * *
أستلقي على الأرض
و أذني لاصقة على التراب
لأصغي إلى
أنفاس المحبوب
في قبره
* * *
الكلام حر
و ساحر
ينجي
و يقتل في آن
* * *
حتى الأبدية
لن تبقى
إلا بقدر ما نبقى
* * *
في هذا العالم
الذي لا يدور حول نفسه
كل شيء مرتب
حتى العدم
* * *
الوقت يتحرك
لكنه لا يتقدم أبدا
الغسيل
معلّق منذ أحقاب
على السطح
و لم يجف بعد
* * *
في الأغلب
يجهل الكلام كل شيء
عن موضوعه
* * *
لا أعرف
ما إذا كنت أحيا بعد
أو هو فقط إسمي
الذي يحوم
خفيفا مثل نسمة
لا أعرف
وجهتي
و لا منطلقي الأول
المستقبل
صار حاضرا
و الحاضر
ماضيا
كل يوم
شيء جديد
يخاتلني
* * *
أنا أحبك
حتى و إن كنت ميتا
و أهزك
بطرقات
قلبي
لتستفيق
* * *
لم يكمل أحدنا الآخر
إلا حين افترقنا
* * *
العاشقان
يقع كلاهما في أسر
الآخر
يدوران حول بعضهما
كحيوانين سجينين
و يسحبان وراءهما
الفخاخ
* * *
كلنا نمشي
في الطريق نفسه
لكن لا أحد منا يعرف
وجهة الآخر
* * *
أذهبُ
و أجيئ
خارجَ الوقت
ارتجفتُ
و أنا أترك على الأرض أثرا
من ملامحي
و بالمثل
ارتجفت الأرض
* * *
العالم الذي جئتُ منه
غامض
لا وطن أبعد
من قدمي
* * *
كلّ ليلة
أنام
في سرير آخر
لأنجو من الموت.

1 – أنيز كلتز الآن في 92 من العمر، ولدت بدوقية لوكسمبورغ الكبرى عام 1928. من أسرة مثقفة، تعود إلى أصول تشيكية و ألمانية و بلجيكية و إلى جدة إنجليزية كانت موسيقية و شاعرة. وهي بحكم تربيتها تتكلم و تكتب بثلاث لغات. ستتخلى عن الكتابة بالألمانية، لغة التعليم عندها، في سنوات الثمانينيات لتكتب بالفرنسية فقط. مقتنعة بأن موت زوجها المبكر رونيه كولتز كان بسبب ما لحقه من متاعب صحية في السجون النازية. يجد القارئ في شعرها قسوة في الكلمات، و صورا عنيفة متفاوتة. يعبر شعرها بما فيه من إيقاع منفلت، وتقشف في الشكل، عن القلق و عدم اليقين و واقع يهرب منا باستمرار. هناك دائما حضور للبدايات و النهايات.

شاهد أيضاً

زغرودة من أجْل الحِكِمدَار

محمود قرني إنه يوم الجمعة الذي لا أحبُّ منه إلا صوت أمي أُهاتِفُها عادةً منتصف …