أخبار عاجلة

لقاء مع الشاعر حبيب الصايغ

"راكضة / تموت أشجار الورد/ وهي تطارد رائحتها المذعورة الهاربة / وتموت أشجار الصبار وهي جالسة القرفصاء/ لأن ثمرة الحيرة بطيئة في النضوج / وعلى غير عادتها في الحياة تموت أشجار المشمش مستعجلة / حتى لا تؤجل موت اليوم الى الغد.

هكذا يقول الحبيب بن يوسف ثم يشخص لنا حالات موت أشجاره الأخرى في قصيدته "رسم بياني لأسراب الزرافات " ضمن واحد من أحدث دواوينه الشعرية المثيرة للجدل هنا في الامارات والمعنون – "وردة الكهولة" فيقول : "وتموت أشجار الدراق / نائمة / بد أن تعيش طول عمرها/ صاحية"

و" تموت أشجار العنب / بين النوم واليقظة / وهي تهذي بأسرار النبيذ"

و" تموت أشجار الفلفل / بارتفاع درجة الحرارة " ثم "تموت أشجار البرتقال / مستلقية على جانبها المالح / بعد أن تستنفد جانبها الحلو"، و" تموت أشجار النخيل واقفة / وكأنها تتهيأ لقبورها الواقفة ".

* تقول أيها الحبيب بن يوسف المشهور _ "حبيب الصايغ " كل ما سبق أعلاه . فمن أنت أيها الحبيب ؟

– دائما أحب أن أعرف نفسي بأنني شاعر عربي من الامارات ، وعندما أسأل هذا السؤال أتذكر القاص والروائي المصري الراحل "يحيى الطاهر عبدالله " الذي كان إذ سئل من أنت ؟ عرف نفسه فقط بأنه كاتب قصة قصيرة ، أنا مثله أحب أن أعرف نفسي بأنني شاعر عربي من الامارات بكل ما يمكن أن تثيره هذه العبارة من مضامين ودلالات ومسؤوليات أيضا.

* لو تفضلت ورويت لنا جانبا من مرجعياتك وبراءاتك الشعرية الأولى وشجرة نسبك الشعري؟

– أنا ابن بيئة دينية وعلمية ، ولدت لجد شاعر،ولأب مغرم بالأدب والعلم ، وعم غارق في التراث ، بدأت قراءاتي بالتراث ، فقد وجدت في البيت في طفولتي مكتبة كاملة وعامرة ، شجعني أهلي على قراءة التراث ، فقرأت الجاهليين والاسلاميين والعباسيين كنصوص ، وقرأت الكتب الجامعة من المستطرف الى الامالي الى العقد الفريد وغيرها، وعندما بدأت كتابة الشعر محت ميالا الى ذلك التراث ، وكنت تماما ضد الحداثة ، وكنت أظن أن الأصالة تنحصر فقط في تمثل ذلك التراث وكتابته ، بعد ذلك تطور مفهوم تمثل التراث عندي فأصبح هضمي لذلك التراث يساعدني على الابداع بشكل أكبر وأكثر، ثم بالدرس والاطلاع والتخصص في الفلسفة فيما بعد أفدت كثيرا، الفلسفة مفيدة لي كشاعر.

أما عن شجرة نسبي الشعري، فكما قلت لك رغم أن جدي شاعر إلا أنني أنتسب شعريا لبدر شاكر السياب أو سعدي يوسف ، ومحمد الماغوط له فضل كبير ليس فقط علي وحدي ، وانما على كل كتاب الامارات نتيجة الفترة التي قضاها مسؤولا عن القسم الثقافي بجريدة الخليج بالشارقة ، استفدنا منه ومن شعره ، فقد كان ينشر قصائده القديمة أسبوعيا في جريدة "الخليج " فكنا نقرأها قراءة جديدة ، ونمشي معه على شاطيء البحر وهو يتكلم عن الشعر، ونراقبه في حياته وطريقة تعامله الجميل مع زوجته الراحلة "سنية صالح " ، كانت حياته إجمالا ولا تزال حياة شاعر، حنانه علينا واحة امه لنا جعلنا نحبه كثيرا، أنا شخصيا في مرحلة ما قبل التعرف الشخص على "محمد الماغوط " كنت متحيزا للقصيدة العمودية وضد قصيدة التفعيلة ، "الماغوط "عرفني عل قصيدة النثر ، وكسر الحاجز ما بيني وبينها وأدخلني في عوالمها، وربما أحببت قصيدة النثر لأنني أحببت "الماغوط " نفسه أولا.

لا "وأنا المختلف / في يدي شمسان " _ تقول _ يا أيها المختلف _ لا نختلف – نريد أن نعرف قليلا أو كثيرا عن تفردك واختلافك الشعري وعن ملامح بعض أغانيك خارج السرب .

– يمكن أن يكون تفردي – إذا وضعته بين قوسين . صحيحا ، وذلك لأنني لم أحرق المراحل ، بدأت الكتابة عام 1967 وأنا صبي عمري 17 سنة ، واستمررت حتى الآن في حركة من المواظبة والمثابرة والقراءة الدائمة وهذا مهم بالنسبة للشاعر، فالشاعر لا يكفيه ، أن يكون شاعرا فقط ، عليه أن يعرف أشياء كثيرة ، وربما أفادتني الصحافة في هذا ، وفي رأيي أن الصحافة هي أفضل مهنة للشاعر لأنها تجعله دائما في تنور الأحداث ، وتجعله على صلة بالناس وتكسر حدة العزلة التي يعيشها الشاعر في داخله فالشاعر أصلا معزول دائما حتى ولو كان في وسط الجماهير.

نرجع لمسألة حرق المراحل ، نجد كثيرا من الشباب يبدأ مشواره الشعري بكتابة قصيدة النثر، أو قصيدة التفعيلة ، وأنا أتصور أن البدء بالقصيدة العمودية أمر مهم جدا، وأنا عن نفسي ولمجرد التمرين اليومي أكتب الكثير من القصائد العمودية وألقيها في سلة المهملات – أي لا أنشرها عموما – الدرية مهمة جدا بالنسبة للشاعر ، فالشاعر مثل الرسام أو النحات إذ الم يتدرب يوميا تتأثر لياقته الشعرية ، ربما تجد تفردا لدي إذن نتيجة المثابرة وعدم حرق المراحل والاعتداد بالنفس ، أنا أتصور أن الشاعر يجب أن يعتد بنفسه ، بعض الشعراء يقول لك د،أنا شاعر متواضع " أو "بكل تواضع هذه قصيدتي" ، أنا أقول لمثل هذا الشاعر إذا كانت هذه قصيدتك بكل تواضع فالأفضل إذن عدم نشرها ، النشر معناه الاعتداد بالنص الذي كتبته ، أيضا تميزي يأتي من إيماني بالشعر أصلا، فالشعر ليس عبثا، إنه قضية حياتي وهاجسي اليومي والتاريخي واذا كان الامر كذلك فلابد أن ينتج عن نصي تشرد.

*- الاعتداد بالنفس أنا معك فيه وليس النرجسية . ما رأيك في أدونيس عندما يقول عن نفسه في احد الحوارات الصحفية المنشورة معه منذ مدة : "أنا نرجس هذا الزمان"؟

– أنا أحب أدونيس واحترمه ، لكنني لم أسمعه يقول هذا، أما عني فلست نرجس هذا الزمان ، أنا أعتبر نفسي شاعرا مهما نتيجة نصي الذي أكتبه ، وأحاول أن أحافظ على ذلك ، لكن هذا لا يعني الغرور، ولا يعني عدم التواضع ، ولا التعالي على الجمهور والناس ، بالعكس عندما يكتب شاعر

سواء في الامارات أو أي مكان نصا جميلا أفرح لهذا جدا واستمتع بالنص، وأتمنى لو كنت كاتب هذا النص .

* هل تعتبر نفسك إذن شاعرا يقود اتجاها شعريا أو صاحب مدرسة شعرية في الامارات أو الخليج عموما؟

– هذا التصنيف مهمة الأخوين من النقاد ، ولكن بالنسبة للريادة في الشعر الحداثي في الامارات ، أتصور أنني الأول رغم أنه على الصعيد الزمني سبقني الشاعر المرحوم ، د. أحمد أمين المدني، لكن الزمن لا يعني شيئا في الحقيقة ، المهم التأسيس والتأصيل .

* "وردة الكهولة" ماذا عنها في زمن كهولة الشعر وفي الزمن الذي تفكر فيه في اعتزال مهنة الشعر والالتحاق بمهنة الحلاقة ؟

– أنت حملت قصيدتي أكثر مما تحتمل ، أنا لم أكن أقصد أنني فعلا سأعتزل الشعر وامتهن الحلاقة ، هذا من باب الغزل ، وكما تداعبني أداعبك ، أنا مصمم على مهنة الشعر، ومصمم أيضا على مهنة الحلاقة بالمعنى الذي ورد في القصيدة ، واذا كنت تقصد بزمن كهولة الشعر زمن نضج الشعر العربي فهذا صحيح ، واذا كنت تقصد التقليل من أهمية الشعر العربي في العصر الحديث فأنا ضد هذا الكلام ، الشعر العربي منذ فترة وهو عكس ما يتصور الكثيرون من الذين يرون أن نجمه قد أفل ، أنا أقول أن نجم الشعر العربي في برج سعده ، واذا كانت هناك أمسية شعرية لشاعر مهم يمكنك أن ترى كم الجماهير التي تحرص عل الحضور، طبعا هناك غفلة من وسائل الاعلام الرسمية عن الشعر، وطريقة تعامل كثير من وسائل الاعلام العربية مع الشعر متخلفة ، لكن هذا أيضا يمكن أن يكون لصالح الشعر، لأنه يمكن أن يكون للنخبة التي على طريقتها تنشده .

* تقول : "قمر نصفه غبش / نصفه جمرة لاهبة / يوقظ النائمين / وعيش / كم أنا اليوم احتاجه / كي أخالف نعشي " هذا الكلام من قصيدة لك في ديوان صدر لك في بداية الثمانينات أي قبل كهولتك بزمن بعيد. منذ ذلك الزمن وأنت مشغول بنعشك . ترى ما هي حكاية الموت معك ومع

شعرك ؟ ولماذا تجعل مساحات واسعة من "وردة الكهولة " عتبة للموت ؟

– الموت عندي مرادف للحب ، وقد قلت مرة : تظل في حياتنا سيرة ناقصة لحياة ناقصة لا تكتمل إلا بالموت ، الموت هو تتويج لكل هذا الذي يحدث ، يجب أن ننظر الى الموت كحادث طبيعي في حياتنا شأنه شأن الولادة تماما، وأنا أعتقد أن بعض الأمم وصلت بالفعل لهذا المفهوم للحوت ، نحن نقول في أوروبا الموت عندهم شيء عادي جدا، وهذا الكلام ليس سلبيا تماما، فعندما تعتبر الموت شيئا عاديا في حياتك فأنت لا تجعله هاجسا مرعبا بهذا الشكل الذي نواه عند البعض ، والموت في قصائدي ليس مرعبا كما هو الحال عند الآخرين ، الموت عند "خليل حاوي" مثلا مختلف ، لو عدت الآن وقرأت قصائد "خليل حاوي" بعد انتحاره ستجد أنه كان طول عمره يبشر بالانتحار، الأمر عندي يختلف ، أنا أسر تقبل الحياة ضاحكا وباكيا، واستقبل الموت أيضا بنفس الشكل ، ويمكن الشيء الذي أعتقد أن الحياة مهمة بسببه هو أنني أتصور أن الانسان بإمكانه أن يعيش في آخرين بعده خاصة إذا كان شاعرا يدعي أنه مختلف ، وهذا هو الفرق بين الانسان الذي يعطي والانسان الذي يأخذ.

لا تقول :"الرمال انتهت / وأنت انتهيت / ولكن حزنك يبدو جديدا وطفلا".

لماذا يبدو الحزن صديقك حتى أن وردتك سوداء مع أن اته لم يخلق أبدا وردة سوداء؟ فقط الوردة السوداء وردتك أنت والكسندر ديماس "؟

-الحزن مهم جدا عندنا ، أعرف ناسا عندما يفرحون أو يضحكون قليلا يقولون "اللهم أجعله خيرا" وهذه حالة عربية ، الحزن قضية أساسية في حياتنا، وهو الذي يجعل للفرح طعما، طالما نحن نعيش في هذا الواقع لماذا نكابر؟، وبالتأكيد أن ما نعيشه ينعكس في الشعر، في الحب ، حتى الحب عندنا ليس ناعما تماما، لابد أن تجد فيه المنقصات ، الفرح مطرز بالمنقصات في الوطن العربي، وهذه قضية اجتماعية بالاساس أكثر منها شعرية .

* تقول : "كل شيء يهيؤني للكتابة / أو للذبيحة / أو للهلاك " لماذا تبدو الكتابة عندك مرادفا للموت ، وتبدو الكتابة بالنسبة لك فعلا كالموت تبر به وحدك ؟

– الكتابة تمرين على الموت ، أنا أتوقع أنني سأموت فجأة في يوم من الأيام ، وهذا تمرين على الموت في الكتابة كالحب تماما، ولذا تجدني أيضا كثيرا ما أرثي الذين يموتون ، فبالنسبة لي الفراق يفجعني كثيرا، وكنت وأنا طفل دائم الترقب والخوف من موت والدي وحتى الآن إذا تعلقت بانسان ما، أفكر كثيرا كيف سأواجه موته وفاجعتي في فقده ، الكتابة هي التعبير عني، وأنا أعبر عن نفسي بالكتابة ، والموت في داخلي موجود كثيرا وأستطيع التنبؤ بالموت ، عندما يقترب الموت من عزيز لدي أحس الموت في جسده واكتشفه مبكرا، فبالضرورة يكون هناك ترادف .

لا ما هي حكايتك مع بيروت ؟ وكيف ترى بيروتك مقارنة ببيروت "نزار قباني" و" محمود درويش "؟

– لكل منا بيروته ،هما عاشا بيروت واقتربا منها أكثر مني بالطبع ، محمود درويش بيروت منفى بالنسبة له ، بينما تراوحت بيروت عند نزار بين المنفى والوطن ، أنا تعنيني بيروت كمصيف كنا نزوره حتى صيف 1974، إلا أن ما ورد في قصائدي الى بيروت جاء نتيجة معاناتي وأنا في أبو ظبي كعربي مما حدث في بيروت ، وكنت في ديواني "قصائد الى بيروت " قد حملتنا نحن الخليجيين والعرب مسؤولية ما حدث في بيروت ، ومن ضمن ما قلته "قبل سنين كنا نتجول في بحمدون / ومازلنا نتجول فيها" هذا الكلام كتبته في الـ1982 أثناء غزو بيروت ، أي أننا نحن الغزاة الذين يتجولون فيها، نتحمل المسؤولية عما جرى لبيروت ولبنان .

لا كثير من قصائدك تحمل في حناياها ما يؤكد أنك شاعر مسكون بالمدن والعواصم والصبايا.

– أنا مسكون عموما بالجغرافيا، ولدي شغف كبير باكتشاف المدن الجديدة ، وعندما أذهب الى بلدان واسعة وجديدة علي أحب أن أركب القطار، وأنزل في محطات لا أعرفها، وأحل بأقرب فندق صفير يصادفني وأبدأ في اكتشاف المكان ، هذه متعة خاصة لي ، والصبايا أيضا جغرافيا كلها ملامح ، وتظل حاجتنا للنساء – ليس فقط الشعراء – حاجة عميقة ومضيئة جدا ولا يمكن أن نختصرها في حدود معينة ، نحن نحتاج لأن نكلم النساء ، نصادقهن ، نتعرف عليهن ، نكتشفهن ، وهذه أمور مهمة جدا في حياتنا، واذا كانت هذه الحاجة موجودة لدى الناس جميعا فما بالك بالشعراء؟

* يحضر في قصائدك : النحت ، الموسيقى، الفناء، الرقص ، العمارة ، الرسم ، والتلوين ، التصوير التصغيري. فهل تطمح من وراء كل هذا لأن تجعل الشعر أبا لكل الفنون ؟

– ليس هذا بالضبط ما أطمح اليه بقدر ما أطمح لأن أقدم بيتا شعريا تكون فيه كل الفنون أسرة واحدة ، ويكون فيه الشعر موجودا الى جانب الرقص ، ومع ذلك أنا مؤمن بالتخصص ، أحترم كل الفنون الأخرى، واستغرب جدا عندما أرى شاعرا يكتب القصة القصيرة فجأة ، أو قاصا يكتب شعرا، مع الرواية الأمر يختلف ، فالرواية تظل هاجس كل مبدع حقيقي، الرواية حلم وطموح ، ولكن ما يحدث هنا هو عبارة عن استسهال في كتابة الرواية ، الرواية فن صعب جدا، وأي شاعر حقيقي يتمنى أن يكتب رواية يتوج بها سيرته الابداعية ، أنا مثلا أتمنى أن أكتب الرواية ، لكن يجب على الفنان الشاعر أو القاص مثلا أن يتخصص في فنه فقط ، فأنا لا أحب في الفن أبدا أنصاف الحلول .

*- عادة الشعراء عندما يكتبون رواية فإنهم في الغالب يكتبون سيرتهم الذاتية في رواية . اعتدنا هذا كثيرا؟

– أنا أتمنى أن أكتب رواية ذات بناء جديد وفيها شخصيات وأمكنة ، رواية /رواية ، لكنني أتصور أنني لن أستطيع هذا الآن ، قد أستطيعه مستقبلا، هو طموح وحلم ، وأنا للآن غير قادر على امتلاك أدوات كتابة الرواية ، وأحسد الذي يستطيع كتابة كتاب وعمره عشرون أو خمس وعشرون سنة ويكتب عليه أنه رواية ، أظن أن الرواية تحتاج الى عمق أكثر وزمن وخبرة أكبر، وفي مجتمعات جديدة على الأدب مثل الامارات مثلا ممكن أن أعمم فأقول أنه ليس فيها روايات ، فالروايات الموجودة حتى الآن مفتعلة ومكتوبة قسريا لأن المكان غير روائي، الشارع الاماراتي لحد بعيد شارع مصنوع ومرسوم رسما، فهو شارع نظيف زيادة عن اللزوم ، ليس لدينا حارة أو مجنون حارة ، لا تنوع في مستويات الشخوص ، الرواية تتطلب ثراء في المكان والزمان غير الشعر فالشعر يتطلب ثراء في داخل الشاعر ذاته وليس في خارجه .

* ماذا يعني أن تبدأ ديوانك "وردة الكهولة " بقصيدة نثر ثم تنهيه بقصيدة عمودية مهددة للجواهري؟ هل هي الردة عن قصيدة النثر؟ أم هو الحنين للقديم والتجسير معه ؟ أم ماذا؟

– بديواني "وردة الكهولة " كانت القصائد تنتهي قبل قصيدة "الجواهري" ، هذه القصيدة أضيفت بعد ذلك ، وعندما قررت اضافتها أتعبت الكثيرين معي من القائمين على شأن اصدار الكتاب / الديوان طباعيا، استشرت الكثيرين من الأصدقاء أيضا قبل اضافة هذه القصيدة ، البعض قال لي من الضروري أن تضيفها والبعض حذرني من اضافتها لأنها ستكون غريبة على الديران ، عدة اعتبارات جعلتني أضيف قصيدة الجواهري بالذات هنا، هذه القصيدة بالذات أحسست أنها تضيف شيئا الى الشعر العمودي في الامارات على الأقل ، شعر عربي كثير يقال لكن معظما يذهب أدراج الرياح ، لماذا إذن لا أضع في ديواني قصيدة عمودية جيدة تكون نموذجا جيدا؟

الأمر الثاني : نتهم نحن الشعراء الحداثيين بأننا نكتب الشعر الحديث نتيجة ضعف واستسهال وقلة امكانيات . الخ ، هذا الهراء فأردت على طريقة معلمي المدارس أن أعلم الآخرين الذين نسوا أنني بدأت شاعرا يكتئب القصيدة العمودية ، هنا للتذكير، الأمر الثالث : وأنا الآن بعد الأربعين من عمري أصبحت أؤمن أكثر، بل أدعو الى تعايش الأشكال الشعرية .

مرة سألني شاعرنا وإنساننا الكبير "سلطان العويس " في الـ 1984 أهل تعتقد أن هناك عربا يستمتعون بالشعر القديم والحديث في نفس الوقت ؟ هذا سؤالي ذكي جدا، لماذا ننقسم الى معسكرين ؟ لماذا لا نكون فعلا من أنصار الشعر للشعر ، لماذا مثلا شعراء مثل "أدونيس " و" محمود درويش "

و" سعدي يوسف " بتجاربهم وتراكيب صورهم وما يسمى بتفجير اللغة في الشعر الحديث .. لماذا لا يستفيد منهم الشعر العمودي، وهذا الهضم الذي ندعيه للتراث لم لا يكون داخل القصيدة الحديثة ؟ بهذا فقط أنا أتصور أن الشعر العربي يمكنه أن يمتد ويعيش القرن الحادي والعشرين والثاني والعشرين وهو قوي وصلب ، ما عدا ذلك الاحادية كارثة ، ودمار للشعر، وأتمنى أن يكون هناك شاعر عمودي قادر على أن يكتب عشرين قصيدة عمودية في مجموعة ما وتكون طها مهمة ، فهذا غير موجود الآن ، الخوف الآن ليس على الشعر العربي في المطلق ، الخوف على الشعر العمودي أن ينحسر، ولن ينقذ هذا الشعر في تصوري الا أهل التجربة الحديثة ، هؤلاء الذين استطاعوا أن يؤسسوا هذا الكيان الجديد للشعر العربي مطالبون بأن يحفظوا التراث ، ليس بحفظه وانما بهضمه ، واعادة انتاجه .

* ماذا عن تجربة ديوانك المشترك مع الشاعرة ظبية خميس والمعنون

بـ "ضجيج" الذي أعلنت عنه منذ سنوات طويلة ولم يصدر حتى الآن ؟

– الديوان كان فكرة مشتركة بيننا أنا وظبية مع الفنان الرسام "محمد العكش"، وكانت الفكرة أن أكتب عشرين قصيدة نثر وتكتب ظبية مثلها، ويرسم الفنان العكش مئة لوحة تعبر عن هذه القصائد، وقد فعلنا جميعا، وظل الكتاب تحت النشر زمنا الى أن أخذت ظبية قصائدها، وحملت قصائدي الى باريس حيث ضاعت مني وأعدت كتابتها من جديد ، ولعل سؤالك هذا تشتتنا معا بهذا الحلم ، ونحققه بعد أن نحيي الفكرة من جديد.

 
محمود جمال الدين ( كاتب من مصر)  

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …