لن أضيف أي ثقة بالنقاد وثقتي الوحيدة في القراء

من السهولة ولوج عمل هاروكي موراكامي ، بيد أنه عصي على الفهم، مشوق ونافذ، لا يتوقف على الافتتان. تمزج رواياته ذات الأسلوب الاستعاري بين الأجناس، بغية استكشاف المنطقة المعتمة لكل شيء، لكل كينونة. حوار كاتب يستكشف هوامش المجتمع الياباني.
«نعم إن لهذا لسحر، إن لهذا لسحر»، كما قال فتزجيرالد FITZGERALD بخصوص كتاباته. وكان بالإمكان قول الشيء ذاته عن أعمال من قام بترجمة مؤلف رخص هو الليل والصدع في اليابان: هاروكي موراكامي. موسيقى خاصة، لطافة يتعذر تحديدها، سحر يصمد في وجه كل تحليل، تلقح كتب هذا الكاتب، مؤلف طقس عصي عن التصنيف كما أنه يتمتع بشهرة ذاع صيتها لـ«قلعة حصينة».

نادرا ما يقبل أن يستجوب، وفقط أثناء جولات خاطفة بالخارج، فقد خص الـ«مجلة الأدبية» MAGAZINE LITTERAIRE) ( بحوار مستفيض خاص. وقد قبل، أثناء الحوار بطيبة خاطر أنه لا يفضل هذا النوع من الممارسة، لن يضيف أي ثقة بالنقاد وثقته الوحيدة في القراء. كثيرا ما يتحدث بشغف عما تمثله بالنسبة إليه الكتابة ساعيا أن يكون أكثر دقة، الأكثر إيجازا بقدر الامكان في أحاديثه التي يجريها باللغة الانجليزية – لغة يحكم إتقانها بما أنه ترجم، علاوة على فتزجيرالد، رايمون شاندلر (RAYMOND CHANDLER) جون إرفينغ (JHON IRVING). ورايمون كارفير (RAYMOND CARVER) في مسقط رأسه. عاشق للروايات الأنجلو سكسونية، فقد كان بين الأوائل الذين أدخلوا الثقافة الشعبية في الأدب الياباني، ضد تيار المنافحين عن نثر مشيد تقليديا على الجمال الشكلي.
روائي وقصاص
طالما شكل هاروكي موراكامي، لفترة طويلة صورة نجم الروك الأدبي في موطنه، حيث باع مليوني نسخة من بلادا المستحيل (LA BALLADE DE L’IMPOSSIBLE)، وقائع تلقينية، علامة على حنين يعجز عنه الوصف، عن حياة طلبة ستة في يابان الستينات والسبعينات. وقد وجهت له أرقى الجامعات الأمريكية (هارفارد، برانستون) دعوة للإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية وقد لقي نجاحا ساحقا في روسيا، إذ قورن ب… دوستويفسكي. سيد التفرد، منشد مجيد للعلاقات المستحيلة (جنوب الحدود، مغرب الشمس، عشاق سبوتنيك، بلادا المستحيل)، مؤلف خرافات عجائبية (نهاية الأزمنة) وروايات بوليسية مزيفة تخفي بحثا تلقينيا (سباق الخروف البري، وقائع العصفور ذي النابض)، اختار عن طواعية، مغادرة اليابان للإقامة بأمريكا. وقد قاده، في سنة 1995 زلزال كوبي (KOBE) والهجوم بالغاز (SARIN) الذي قادته طائفة أوم (AUM) في مترو طوكيو، إلى كتابة قصص قصيرة، بعد الزلزال، كما قام بجمع شهادات ضحايا الهجوم بالغاز في (underground) (غير مترجم بالفرنسية)، ثم يعود إلى طوكيو، حيث يعيش منذ ثماني سنوات. معروف بنزعته المقاومة للأعراف ورؤيته النقدية اللاذغة للمجتمع الصناعي الياباني، هذا الكاتب الذي كشف الأذواق والاهتمامات العميقة لجيل الشباب الياباني، مجسدا عصيانه وتسكعه، مبهرا مئات الآلاف من القراء عبر العالم، يبدو، وهو ابن الرابعة والخمسين، قد عثر على الأمن بعد سنوات المنفي…
– رواياتك مليئة بالاحالات على الثقافة الشعبية الغربية: علامات، أغاني البيتلز Beatles) (في بلادا المستحيل، أفلام هوليوودية في نهاية الأزمنة، حضور طاغ للجاز في جنوب الحدود، مغرب الشمس… إنها طريقة للانفصال عن الأدب الياباني التقليدي الذي جسده ميشيما (Mishima) كواباتا (Kawabata) تانيزاكي (Tanizaki) ؟
– لما كنت مراهقا، كنت أستمع إلى البيتلز، الـ(Doors) وأقرأ الكتب الأمريكية، الـ(mysteries)   ( الخيال العلمي، وأشاهد لورا (Laura) أوطو برايمنغر (Otto Preminger) … خضت في الموسيقى، الروايات وأفلام تلك الثقافة الشعبية. كنت أرغب في قراءة أعمال تعبر عما كنت أحب وأداوم على حبه اليوم. إنه جزء أساسي لعالمي ووددت الكتابة بهذا الخصوص. نوع من رد الجميل. أنا أختلف كثيرا عن ميشيما أو كواباتا في مجالات عدة. وخصوصا في الأسلوب، وليس هذا فحسب. لأشد ما يرتبط نثرهم بالجمال الشكلي، غامض، متحذلق، مشحون بالانفعالات. شخصيا، أرغب في كتابة طبيعية، بسيطة سلسة وغير مزخرفة. سأداوم على العمل ضمن هذا الاطار. إن هذا ما يميزني عن الكثير من الكتاب اليابانيين التقليديين. فليست لديهم علي أفضال مهما كانت.
m لكن ربما أنت مدين بشيء ما لفتزجيرالد، كارفر، رايمون شاندلر، جون إرفينغ، مؤلفين عملت على ترجمتهم إلى اليابانية؟
– بالتأكيد. تلك النصوص التي ترجمتها وجهتني، كانت بمثابة أساتذة ومرشدين لي. وبالنظر إلى أن الترجمة تقترب من فعل الكتابة: فحين أكتب رواية أو قصة قصيرة، يكون النص الأصلي بداخلي فأعمد إلى تحويله إلى لغة، إلى نثر. تختلف اللغة اليابانية كليا عن اللغات الغربية، الانجليزية، الفرنسية أو الألمانية. فعند نقلها إلى اليابانية، ينبغي، عمليا، إعادة بناء دلالة الجمل من الصفر. إنه تكوين كامل تماما. فالترجمة تشغل وتستمر في ملء حيز أساسي في طريقتي في الكتابة والتفكير.
m أتاحت الإحالات على الثقافة الشعبية لكتبك الوصول إلى جمهور دولي.
  – لا أعتقد البتة كوني كاتبا مقروءا في العالم كله. وكان من الأمانة ذكر ذلك. ومن جهة أخرى فعندما أكتب بأن بطل روايتي ينصت إلى الـ(Radiohead) او الـ(P Rince)، ستدرك أنت وأنا عما أتكلم، نتقاسم إحساسا، نقيم اتصالا. إن ذلك مهم للغاية. فحينما أكتب بأن بطلي يلج [محل] (Burgerking) أو (Macdo) من أجل تناول وجبة فطور، بإمكانك تخيل المشهد. وفي رأيي، فإن تلك العلامات، تلك المحلات، تلك الخطابات تشكل صيغة رمزية لما نتقاسمه كلنا اليوم.
m الشيء الذي لا يمنع أبطالك من رفض النظام: إنهم لا يمتثلون لقانون الشغل الشاق والانتاجية سريعة النمو التي يتم ربطها بشكل عام بالأخلاق اليابانية، على سبيل المثال…
– كنت طالبا بين 1968 – 1969، إبان الثقافة المضادة والمثالية. كان الحلم بالثورة ومناهضة الوضع القائم. ومضت تلك الأيام، حصلت على شهادتي الجامعية. لكني ما كنت أرغب في الانتماء إلى أي مكتب، إلى أي مجتمع. كنت أرغب في أن أكون أنا نفسي. وحيدا ومستقلا. ليس من السهل الابداع في بلد كاليابان، مؤسس على العشيرة، الجماعة، على أنني تمكنت من تحقيق ذلك فيه. لا أنتمي إلى أي ناد، إلى أي مدرسة. إني أكتب في غضون الخمس وعشرين سنة الأخيرة دون أن يكون لدي لا زملاء، ولا أصدقاء أدباء. لما شرعت في كتابة قصص قصيرة وروايات، كنت بالطبع أنوي رسم أبطال فردانيين، أن أبرهن كيف تعيش الكائنات على هامش الضابط الاجتماعي.
m اتخذت كتبك أسلوبا استعاريا بهدف الانفلات من الاغتراب؟
– لا أعتقد ذلك. غير أن المجتمع الياباني قد تغير في الثلاثين سنة الأخيرة. البنية، الـ«نسق» تضاءل. فقد كان شديد الصلابة. مستقرا جدا، لم يبق الوضع كما كان. ففي نهاية الحرب العالمية الثانية، اشتغلنا كثيرا من أجل إعادة بناء البلاد، كنا على استعداد لتقديم تضحيات كبيرة. كنا نعتقد أن العمل يجلب الثروة والسعادة. وقد يبدو هذا ساذجا، غير أن هذا الاعتقاد دام لدينا طويلا. وهو ذات السبب الذي قدم من أجله جيل والدي وجيلي الغالي والنفيس – الرخاء المادي الذي جنيناه في الثمانينات، غداة «الاقتصاد المتوحش». غدونا أغنياء. دون تحقيق السعادة المأمولة. تملكنا الاحساس بالضياع، وكان لزاما علينا أن نضع قيمنا وأولوياتنا موضع تساؤل من جديد. «ابتغاء السعادة»: كانت هي عقيدتنا الجديدة. ثم جاء الانهيار الاقتصادي، واستمر الركود طيلة عشر سنوات. وفي اعتقادي أن ذلك كان أكثر إيجابية لبلدنا. ولدينا الآن متسع من الوقت للتفكير. شق طريق أخرى.
m يعكس الأدب الياباني تلك الاهتمامات. شأن ريو موراكامي (Ryu Murakami) أو بنانا يوشيموتو (Banana yoshimoto)…
– يعتبر ريو موراكامي واحدا من بين أصدقائي القلائل، أعرفه ويعرفني جيدا، بعض كتبه تثير لدي إعجابا كبيرا. أما بنانا يوشيموتو فأفضل على الخصوص [كتابه] (Goodbye tsugumi). غير أني أعترف أنه بين ترجماتي وكتبي الخاصة، لا أجد الوقت الكافي لقراءة زملائي اليابانيين، ثمة شيء أكيد، فخلال العشرين سنة، تغير الأدب الياباني بشكل كبير. تغييرا جذريا. تكسرت الأطواق القديمة، في المعنى والمبنى على حد سواء.
m تفضل التلاعب بترسيمات الـ(Love story) «بلادا المستحيل»، بالرواية السوداء وبال (SF) «نهاية الأزمنة» إنك تعمل على المزج بينها عند الحاجة (عشاق سبوتنيك)، وقائع العصفور ذي النابض» لماذا؟
– يرجع سبب ذلك إلى تاريخ قراءاتي، وهو تاريخ غير مألوف وموضوعي. لما كنت ابن الثامنة عشرة سنة، قرأت كلاسيكيات القرن التاسع عشر الأوروبية تولستوي، دوستويفسكي، تشيخوف، بالزاك، فلوبير، ديكنز بشكل رئيسي. إنهم كانوا أبطالي. وقد قضيت كل وقتي منغمسا في رواياتهم، وكان من المستحيل أن تكتب أحسن منهم بخصوص الأدب. بعد ذلك، بدأت الانجليزية وقرأت كتبا بها. اكتشفت عالم الرواية السوداء والخيال العلمي، رايمون شاندلر، كيورت فانغيت (Kurt Vonnegut) وريشار برايوتغن (Richard Brautigan). سكوت فتزجيرالد أيضا. لقد قرأت كل شيء بالانجليزية. كانت تجربة جديدة تمام الجدة، والتي أسهمت في تغييري كثيرا. بما أن عمق ثقافتي هو مزيج من الكلاسيكيات والأدب الذي يمت بصلة إلى الثقافة الشعبية. لذلك أرغب في استعمال ترسيمات وبنيات الـ(Lovestory)، البوليسي والـ(SF) بهدف إغنائها بعناصر شخصية. إنه إذا شئت أشبه ما يكون بتمرين هدم. فقد اقتبست الحاوي وليس المحتوى.
m كما أنك تتلهى بجنس الرواية البوليسية: فالسارد غالبا ما يواجه لغزا غير أنه يكتشف آثارا لا تقود إلى فك اللغز بقدر ما تقود إلى جزء مجهول فيه…
– ففي كتبي، يكون البطل في أغلب الحالات في بحث عن شيء ذي أهمية بالنسبة إليه. فعلى سبيل المثال، يبحث سارد سباق الخروف البري عن حيوان العنوان، ويسير بطل نهاية الأزمنة في أثار العالم بهدف خدمته، أما بطل وقائع العصفور ذي النابض فيود العثور على زوجته… كلهم يمرون بمواقف غريبة، يتغيرون في مجرى مغامراتهم وينتهون  بالعثور على ما كانوا يرغبون فيه. بيد أنه في غضون ذلك، يفقد موضوع البحث معناه، فبلوغ هذا الهدف لم يعد يحضى بأي أهمية تذكر. ولهذا فإن القصة ليست سلبية. لأن الدلالة الحقيقية للقصة كامنة في سيرورة البحث، حركة البحث. يختلف البطل عما كان عليه في البداية. وهذا هو الأهم.
m إنه نوع من التلقين؟
 – نعم. فتلك المغامرات التي يكتسب منها البطل تجربة في نفس الآن المغامرات التي يكتسب منها البطل تجربة ككاتب. فحين أكتب، أشعر بما يشعر به البطل، أمر بذات التجارب. وبعبارة أخرى، أكون مختلفا حين أنتهي من كتابي عما كنته في اللحظة التي شرعت في تحريره. وفي الواقع فإن كتابة رواية ما له أهمية بالنسبة لي. فليست وحدها ال «كتابة» فقط، إنه عمل لا كالأعمال الأخرى. إنه صيغة تعليم، كما قلت. إنني أتطور مع البطل، في سياق العوائق.
m صرحت أنك وأنت تكتب قصصك، تبحث عن قصتك الخاصة، التي تحفر سطحها من أجل بلوغ روحك العميقة…
 – نعم. فحينما أكتب، أحفر في سطح مركب من الطبقات المتعددة. سأكون دائما أكثر عمقا، مرة أخرى دائما. بعضهم يقول بأنه مشروع فردي. وأنا لا أعتقد ذلك. فإذا ما حققت هذا المستوى من العمق، سألامس جوهرا مشتركا، التواصل مع قرائي، رابطة تتحقق. لكن إذا لم أذهب بعيدا جدا، فإن لاشيء يحدث.
m يتعلق الأمر دائما، في كتبك بالذهاب فيما وراء حدود ما، بين الجسد والروح، الحياة والموت، الواقع وبعد آخر (عالم متواز، لاشعوري، إلخ). فبعض الحيوانات، كالخروف في سباق الخروف البري ورقص، رقص، رقص أو القارن (la licorne) في نهاية الأزمنة، تسمح بعبور هذه الحدود. فما هو مصدرها؟
 – سيكون جوابي عبارة عن صورة. لنفترض أن الكائن الانساني هو منزل. تشكل الطبقة السفلى المستوى حيث أنت تعيش، تطبخ، تأكل، تشاهد التلفزة مع أسرتك. وفي الطابق الأول توجد غرفتك. فيها تقرأ وفيها تنام. ومن ثم الطابق التحت أرضي. إنه فضاء أكثر خلوة، حيث تخزن أشياء أو تقيم ألعابا. على أنه يوجد لك أيضا فضاء خفي في هذا الطابق التحت أرضي. مكان من الصعب اختراقه لأن ولوجه يتم عبر باب سري ليس من السهل اكتشافه. غير أنه إن كان الحظ حليفك، أمكنك اكتشاف ذلك الباب، ولوج هذا الفضاء المعتم. فأنت لاتعرف ما بداخله، لا تعرف لا شكل، ولا أبعاد الغرفة. فحين تخترق تلك الظلمات، أحيانا تكون هلعا، لكن أحيانا أخرى تشعر براحة كبيرة، أكثر اطمئنانا. كثيرة هي الأشياء الغريبة التي تستطيع رؤيتها، علامات، صور، رموز ميتافيزيقية تمر أمام عينيك. مثلما في حلم. صيغة عالم لا شعوري. لكن فبين حين وآخر، عليك أن تعود إلى العالم الواقعي. تخرج إذن، تغلق الباب وتعود من حيث أتيت. فحين أكتب كتبي، أوجد في هذا الفضاء المظلم والعجيب، أرى عناصر شاذة كثيرة.
 الناس يقولون بأن ذلك رمزي، ميتافيزيقي، استعاري أو سوريالي. وبالنسبة لي، فإن الأمر طبيعي جدا، في هذا الفضاء، وأن تلك العناصر هي التي أعانتني على كتابة قصصي. إن الكتابة بالنسبة لمؤلف ما، هي أشبه بأن يحلم يقظا. إنها تجربة خارج المعايير إذ لا يتم دائما العودة فيها إلى المنطق.
m يبدو أن الجنس أيضا يشكل قنطرة عبور إلى بعد آخر… هل هذا هو الباعث على وجود مشاهد جنسية في بلادا المستحيل، وقائع العصفور ذي النابض، عشاق سبوتنيك إلخ؟
– تماما. الجنس مفتاح. للأحلام والجنس أهمية كبرى لولوج ذاتك، سبر منطقتك المجهولة. كثير من الناس يقولون بأني أكثر من مشاهد الجنس. ففي وقائع العصفور ذي النابض، يحضر الجنس تكرارا، وانتقدت من أجل هذا، لكني أعتبر أنه من الضروري تضمين تلك اللحظات. فتلك المشاهد تسمح للقراء بفتح ذلك الباب الخفي الذي تكلمت لك عنه. إني أريد أن أخلخل نفوسهم، أرجها، أكشف لهم عن منطقة خفية فيهم. فهناك، شيء ما يحدث بيني وبينهم.
m تبذل جهدا لمساءلة كل اليقينيات المألوفة، قيم انتهاء بحقيقة اليومي؟
 – نعتقد أننا نعيش في عالم سوي نسبيا، أحاول خلخلة هذا الفهم، رؤية العالم تلك. إننا أحيانا، نعيش في فوضى، الجنون، الكابوس. أرغب في أن أجعل القارئ يسبح في عالم سوريالي، عالم عنف، قلق، هلوسات.
m في ذات الآن، تحمل كتاباتك أثر الـ(mono no aware) أو السوداوية المؤلمة للأشياء الأثيرة لدى الشعر الياباني التقليدي…
 – أعتقد أننا نعيش في عالم، هذا العالم، على أنه توجد عوالم أخرى قريبة جدا. إذا رغبت في ذلك حقا، تستطيع المرور من فوق الجدار فالدخول إلى كون آخر. بصيغة معينة، بالامكان التخلص من الواقعي، وهو ما أحاول القيام به في كتبي. إنه مفهوم شرقي جدا، آسيوي جدا، على ما يبدو لي. ففي اليابان، في الصين، هناك اعتقاد بوجود عالمين متوازيين وجسور تسمح بدون أدنى صعوبة بالمرور من هذا العالم إلى ذاك. الأمر مختلف في الغرب، حيث هذا العالم هو هذا العالم، وذلك العالم هو ذلك العالم. الفصل دقيق. الجدار شاهق العلو، أكثر صلابة في حالة عبوره. إلا أن الأمر يختلف في الثقافة الآسيوية. فالـ(mono no aware) يصف، على ما يبدو لي هذا الموقف. ففي بلاد المستحيل توجد شخصيات ست. ثلاث نجت، ثلاث اختفت وعبرت إلى العالم الآخر- انتحرت. ثلاث بقيت في هذا العالم، بيد أنها، في النهاية، تعرف كيف أنه غير مستقر. إنه صيغة من الـ(mono no aware). إنه أمر غير مألوف لأنه حينما شرعت في كتابة بلادا المستحيل، كانت لدي فكرة أن ثلاث من ست شخصيات تختفي، لكني ما كنت أعرف من. فحين أكتب، كنت أتساءل من ينجو، من يموت.
m ألا تعرف أبدا ماذا سيحدث قبل الكتابة؟
– أبدا. أنا تلقائي جدا. فإذا عرفت نهاية القصة، فلا جدوى من كتابتها، ما أرغب فيه بالضبط، هو معرفة اللاحق، الأحداث التي ستقع. بعض القصص لا تتوقف عن التطور صفحة بعد صفحة وهذا النوع من الكتب هو الذي أرغب في كتابته.
m تحاكي جنوب الحدود، مغرب الشمس بلادا المستحيل؟
 – ففي كلتا الحالتين، كنت أود الحديث عن الاحساس الذي يراودنا أثناء ضياع شخص محبوب واختفائه. شخص متشبت بالأمل، بالارادة، شخص عاشق، بيد أنه يضيع. لقد عرفت كثيرا من الناس المرموقين فقدوا في عطفة طريق، أحن إليهم دائما. أرغب في الكتابة من أجلهم. إنه الشيء الوحيد الذي كنت قادرا على القيام به: أن أكتب عنهم من أجل (هم). من أجل الأمل المتلاشي، غياب الهدف، ضياع كل علامة. إنه الشعور الذي كان يصلح كخيط رابط. فالاحساس جوهري في قصة ما. بإمكانك كتابة قصة ممتعة، أكثر تنظيما. لكن في غياب أي إحساس لإخصابها، لرفدها، تصبح لا شيء.
m ألم يكن كل من زلزال كوبي (Kobé) والهجوم بالغاز السام في مترو طوكيو ناتجين عن «إحساس» دفعك من جهة للكتابة عنهم، ومن جهة أخرى العودة إلى اليابان؟
 – نعم. أنهيت وقائع العصفور ذي النابض الذي كتبته بين 1991 و 1994. استغرق ذلك ثلاث سنوات لأن الكتاب كان ضخما جدا وطموحا جدا. توقفت ما يقرب عن سنة. وأثناء خلودي إلى الراحة، قامت طائفة أوم (Aum)  بمهاجمة مترو طوكيو وحدوث زلزال كوبي، وكان مجموع ذلك شهرين على الأقل. لقد كانت صدمة كبيرة لي. غادرت اليابان منذ سنين عديدة لأني وجدت البلد مضجرا ولم أكن أتمتع فيه يما يكفي من الاطمئنان للكتابة، وقد كنت بصيغة من الصيغ لاجئا في الولايات المتحدة حين مشاهدتي لتلك الأحداث على شاشة التلفزيون. حينها راودني الشعور بالعودة وفعل شيء ما من أجل بلدي، قرائي ومواطني. لهذا عدت إلى اليابان حيث تحاورت مع ضحايا الهجوم بالغاز (Sarin)عشرات وعشرات الناس. أصخيت السمع إلى القصص التي أسروا إلي بها بشكل فردي، وجها لوجه. لقد تأثرت بأساليب كثيرة. لقد كانوا أناسا عاديين، يشتغلون في مشقة، يقضون مسيرهم اليومي متكومين، صباحا، في مترو… انفعلت عندما استمعت إلى قصصهم. ومع ذلك فهم ينتمون إلى مجتمع ازدريه. الامتثالية، العمل الشاق… كرهت، لقد كرهت دائما تلك الطريقة في العيش. إلا أن قصص كل هؤلاء الأشخاص كانت بكل بساطة مؤثرة وأفترض أنها غيرتني، كإنسان وكاتب. بعد ذلك أردت أن أكتب عن الزلزال. إني أنحدر من كوبي، إنها مسقط رأسي. بناء عليه فإن بيت والدي، دمر حين وقوع الزلزال، ما كنت أرغب في كتابة لا – متخيل بل مجموعة قصصية. فبعد الاستماع إلى كل ضحايا الهجوم الغازي، جمعت كثيرا من القصص، كثيرا من الأصوات بداخلي، إذ كان من السهل كتابة قصص بعد الزلزال، التي لا تركز على الزلزال ذاته، بل على النتائج، وقع تلك الكارثة على حياة مختلف الأبطال. إن الكتابة حول تلك القصص كانت شيئا جوهريا بالنسبة لي، فهي أشعرتني بالواجب والحاجة.
m لما كنت في اليابان، كنت ترغب في الانفلات عبر الثقافة الشعبية، الأسفار إلى أوروبا وأمريكا. وذات يوم في الولايات المتحدة، شعرت بالحاجة إلى العودة إلى أصولك…
 – إنها ليست مسألة هوية بل هي بالأحرى مسؤوليتي كروائي وإنسان. شعرت أنه ينبغي علي فعل شيء ما ككاتب. لقد كسبت خلال تلك الفترة الفتوة والكهولة.
m ألم يكن هاجس المسؤولية هذا هو الذي قادك إلى مقاربة جرائم وفظائع الحرب العالمية الثانية في الصين في وقائع العصفور ذي النابض؟
 – ولدت سنة 1949 عقب الحرب، بعض الناس يقولون: «لسنا مسؤولين، فقد ولدنا بعد الأحداث.» إنها ليست وجهة نظري. لأن التاريخ هو ذاكرة جماعية. نحن مسؤولون عن جيل آبائنا لأننا نتقاسم الذاكرة التي قاموا بصنعها. نحن مسؤولون عما قام به آباؤنا طيلة الحرب. وهو ما يدفعني إلى الكتابة حول كل تلك الفظاعات. علينا بإعادة التفكير فيها، أن نحتفظ بكل هذا بداخلنا.
m والآن، هل تعيش في اليابان؟ ألا ترغب في العودة؟
 – منذ سنين عديدة، كثيرا ما عشت خارج اليابان، بإيطاليا، باليونان وبالخصوص بالولايات المتحدة، لأني دعيت إلى جامعات أمريكية عديدة(1). لكن الحقيقة تقال، لا أرتاح دائما مع الجامعيين. لهم زمرتهم الخاصة ونجومهم السينمائيون. لا أشعر بالأنس كثيرا معهم. في ذلك الوقت، بقيت إذن في اليابان، أصبحت أكثر قوة وأكثر صلابة من ذي قبل واحتفظت بعالمي الخاص، حتى وإن كنت أعيش بطوكيو. لقد شكلت أسلوبي ونمطي في الوجود. وفيما يخصني، من السهل جدا أن أعيش اليوم على طريقتي بطوكيو منه من أماكن أخرى، حتى وإن داومت على السفر.
m في كتبك، ثمة ثيمة متواترة: القطط. يقبل سارد سباق الخروف البري بالدفع ببحثه إلى الشرط الوحيد أن يتعهد قطه، يفقد سارد وقائع العصفور ذي النابض قطه قبل فقد زوجته، تشترك الشخصيتان الرئيسيتان في جنوب الحدود، مغرب الشمس في حبهما للقطط…
 – كنت طفلا وحيدا، مثل كوم هاجيم(2). وحيدا، كنت أعيش مع أبوي وكان لي عالمي الخاص في المنزل. يتشكل من عناصر ثلاثة أساسية، الموسيقى، الكتب والقطط. إنها دعائم كوني. عشقت تلك الأشياء وسأستمر في عشقها. كانت لدي دائما عاطفة خاصة نحو القطط. لا أملك واحدة منها، لأن زوجتي وأنا نسافر كثيرا فلا نتمكن من الاعتناء بها. إلا أنه كلما كنت في منتزه أو في الطريق أشاهد القطط، أقصدها. فهي هادئة، ملغزة. وبدون شك فمن أجل ذلك أكتب عنها.
m كل كتبك تتأثر كثيرا بأساليبك، مرجعياتك، الأشياء التي تحبها. ألهذا السبب تلجأ كثيرا إلى صيغة المتكلم؟
 – نعم، لكني غيرت من أسلوبي. ففي السنوات الأولى، كتبت كل كتبي بصيغة المتكلم، ما كنت أرغب في تسمية شخصياتي… استغرق ذلك ست سنوات … ثم تطورت: ففي بعد الزلزال، ولأول مرة، لم تكتب أي قصة قصيرة بضمير المتكلم. وفي (Kafka on the shore)، (3) آخر كتاب ألفته، روي نصفه بصيغة الغائب. وفيه نجد شيخا متخلفا ذهنيا شيئا ما… بإمكانه أن يتكلم إلى القطط.
 (يضحك)
m كيف يمكنك تقديم تلخيص لـ(Kafka on the shore)؟
 – إنها قصة شاب في الخامسة عشرة من عمره –إنه تحد يطرح نفسه علي. فعمر جل شخصياتي حوالي العشرين أو الثلاثين. فكرت، وفي الوقت الراهن؟ الخمسين أو المراهقة؟ وقع اختياري على الامكانية الثانية. إنه لأمر مدهش أن نكتب عن شاب. تمكنت من العودة إلى الأيام التي كنت أبلغ فيها من العمر الخامسة عشرة. استمددت من ذلك ذكرى تطفح بالحياة، أكثر طزاجة وفضاء كتاب، استطعت أن أرى العالم عبر عيني مراهق. أن تكون كاتبا فذلك أمر مدهش للغاية: وإذا ما رغبت في ذلك حقا، أمكنك أن تكون ما تشاء أن تكون. فإذا ما أردنا حقا اختبار ما يخامرنا من إحساس في سن الخامسة عشرة، وبإمكان القارئ أيضا أن يفعل ذلك، أن يشاطرني هذا الاحساس. ذلك أجمل هدية تستطيع أن تقدمها لك رواية أو قصة قصيرة. فهذا هو ما يساعدني على الحياة. توجد كينوناتنا أحيانا أكثر عزلة، لكن بصحبة الروايات والقصص القصيرة، لن نحس بالوحدة أبدا. إن هذا لا يحدث دائما، لكن ذلك ممكن الحدوث، إنها قدرة وحيدة.
m إن ما تقوله يذكر بـ«عشاق سبوتنيك»، حين تشرح إحدى الشخصيات بأن «سبوتنيك» تعني «رفيق الرحلة»، لقد حكم على الآلة، سبوتنيك بالدوران في مدارها حول الأرض دون أن تتمكن أبدا من الاقتراب منها…
 – نحن نمر دائما بعضنا أمام البعض الآخر. يمكننا أن نتفاهم، لكن المسافة محددة بشكل عام. نلتقي ونفترق ونستمر في التقدم، نستمر في العيش بذكريات اللقاء الجميلة. كمثل قمري سبوتنيك يتابعان مسيرهما في الفضاء. ننفصل، نرتبط، ثم نعود بذاكرة ما تقاسمناه، ما ألهمنا الدفء وشدد عزمنا. وهذا هو الأهم. فالقصص الجيدة، الكتب الممتعة توجد هناك من أجل هذا. بعد (Kafka on the shore)، أنشأت موقعا إلكترونيا. تلقيت 6000 بريد إلكتروني وقرأتها كلها. رددت على 1000.
أشتغل كل الأيام على الرد عليها. لقد كان شيئا آسرا، لكنه مهم للغاية لأنه كان بمقدوري تبادل آراء بشكل مباشر مع قرائي. إنه بكل بساطة أمر رائع جدا. أستطيع أن أكون فكرة عنهم، كيف كانوا، ما الذي كانوا يشعرون ويفكرون به. لا أقرأ النقاد، لا أثق فيهم، بيد إني أثق في قرائي. بيع من (Kafka on the shore)  300000 نسخة غير أن هذا الرقم لا يعني شيئا في اليابان. فالذي يهم، هو معرفة ما وراء هذا الرقم. لقد كان هذا الموقع ذا أهمية بالنسبة لي. أحسست بأني كنت مسنودا من قبل القراء. البعض منهم انتقد كتابي، قائلين أنه كان مخيبا للظن، لكن ليس هذا هو الأهم، أنا أدرك جيدا أنه لا يمكنني إرضاء الجميع، على أن المدهش، هو القدرة على الاقتراب منهم، مصافحتهم باليد. حقا إن الانترنيت وسيط مثالي بالنسبة لي. إنها الديمقراطية المباشرة كما كان في أثينا القديمة. يمكننا التخاطب مباشرة، وجها لوجه فورا، وبدون أدنى أي صعوبة. حتى وإن كان ذلك يأخذ وقتا، إذا ما اقتضى الأمر إقفال الموقع.
m يعتبر عشاق سبوتنيك إلى حد ما تلاقي تأثيراتك الرئيسية، قصة الحب والبعد العجائبي؟
 – لم أفكر في تلك العبارات. أردت كتابة مثلث عاشق مع تغيير الترسيمة الكلاسيكية بما أن مثلث كتابي يضمن علاقة سحاقية (lesbienne) نقطة ضعفه هو السارد، فهو يروي قصة تينك المرأتين ويكتفي بمشاهدة ما يحدث. أجهل كل شيء عن السحاقيات، وبالتحديد فقد لجأت إلى مخيلتي. كان لدي انطباع يكمن في معرفة ما الذي يحدث بين امرأتين. يحكي [كتاب] عشاق سبوتنيك عن غراميات تنشأ ميتة، لا أدري لماذا…
m وراهنا، تشتغل على ماذا؟
 – على لا شيء، لقد توقفت عن الكتابة. البارحة التقيت كازويو إشيغورو (Kazuo Ishiguro) قائلا لي بأنه يخصص ثلاث سنوات لكتابة كتاب ثم يتوقف سنة من أجل القيام بجولات، اللقاء بالصحافة، السفر إلى الخارج- وهو ما أقوم به هذا الأسبوع. سأعود إلى الشغل، هذا الخريف. فالكتابة تتطلب طاقة وجهدا كبيرين. فلكي أشتغل، أستيقظ في الرابعة صباحا فأكتب إلى حدود التاسعة. أكون أكثر تركيزا وفي نهاية الخمس ساعات أكون منهكا تماما. وما فضل من الوقت، أقضيه في الرياضة، السباحة، الجري… إنه إيقاع يومي، نظام ألزم به نفسي. فلكي نكتب، نبتكر ونسن قواعدنا الخاصة التي علينا الالتزام بها. وعند الانتهاء من كتاب، أكون فارغا ولا وجود لشيء البتة.
m نتيجة لذلك، تذهب إلى لندن وتلتقي بالصحافيين؟
 – نعم. إن ذلك متعب كله أيضا لكن بطريقة مغايرة… لا أميل إلى الحوارات الصحفية، لا أشعر بالراحة. تكمن مهنتي في الكتابة، وليس الكلام. ليس من السهل أحيانا إعطاء تفسير لمشاعري، كيف أكتب، ما أود كتابته، ولماذا أقوم بذلك. أعرف ذلك بالغريزة حين أكتب، غير أنه لما أحاول أن أتساءل، أدرك أني أتكلم عن أشياء يكون الكلام عنها محرما.
الهوامش
 j عن المجلة الفرنسية (La magazine littéraire) عدد 421 يونيو 2003.
1 –  بهار فارد وبرانستون على الخصوص.
2 –  سارد جنوب الحدود، مغرب الشمس.
3 –  التي سيتم نشرها بفرنسا في سنة 2005 لدى دار النشر (Belfond)

حوار: ميناتران هوي       ترجمة: الحسن علاج
كاتب من المغرب

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …