محمد القيسي سيرة الموت ونبوءة الرؤيا الشعرية

الشاعر محمد القيسي شاعر يمشي إلى موته من دون أدنى شكّ، سيرة حياته وسيرة شعره هي سيرة الموت بالتمام والكمال، مشفوعة دائماً برؤيا شعرية تنكشف أمامها صورة هذا الموت وموعده، لذا فإن الإنسان والشاعر فيه يجتهدان في أن يراوغا هذا الموت ويلاعباه، عبر اختراع أساليب مقاومة وشبكة دفاعات تمارس تأجيلاً ما لهذا الموت المتجلي في كلّ شيء، وتشكيل مفاهيم تقود جميعاً إلى الانغمار في الحياة والاقتصاص منها مقدّماً .
إذ سعى القيسي الإنسان والشاعر إلى الانقضاض على الحياة وامتصاص ما تيسّر من مؤونتها تحسّباً للموت القادم أبداً في مشهد الأفق، وسعى أيضاً إلى إبعاد رائحة الموت الماثلة في كلّ خطوة من خطواته وفي كلّ صورة من صوره وفي كلّ إيقاع من إيقاعاته .
لعلّ المراثي التي كتبها القيسي عن الراحلين من أصدقائه في مناسبات عدّة «لم تكن سوى رثاء الذات بدلالة الآخر، عبر إفراد مساحة جديدة يتحدّث فيها الكاتب أكثر عن دخائل نفسه وتجارب حياته، ويتجلّى ذلك عبر الوقفات التي يتحدّث فيها القيسي عن الآخر، وكأنه يتحدّث عن الذات بصورة تتجاوز القناع أحياناً إلى نوع من التماهي والاتحاد بالآخر»(1) .
وتشكّل الكتابة رؤيا شعرية عميقة من تلك الرؤى التي يقترب فيها من الموت ويبتعد عنه في الوقت نفسه، فهي ساحة للانشغال والاكتراث ينغمر فيها لإبعاد شبح الموت وعزله عن دائرة التفكير، وهي أيضاً مناخ صالح لتمثّل هذه الرؤيا الغافية في طيّات اللغة وباطن الإحساس النبوئي بالأشياء .
إذ ينتاب الشاعر أحياناً في فضاء استدعاء الكتابة عن التجربة ـ كما يرى القيسي ـ «غمٌّ عميمٌ، أو ضيقٌ ما، حينما يدعى للحديث أو الكتابة عن تجربته الشعرية، بل قل ينتابني مثل هذا الغمّ العميم أو الضيق، ذلك ليس عن عجز، أو إحساس بلا جدوى التأمل في التجربة أو قراءة الذات ومقاربتها، عبر العودة من جديد إلى رؤية الميّت الحيّ الذي فيك، الذي يتململ أبداً ويقضُّ مضجعكَ وهو يخزّ الأطراف دوماً بالإبر، كأنما ما انقطعت في الزمن، عن تلك اللحظة الأولى الغائرة في البعيد والتجاعيد آن غزوت البياض، وحبّرت الورق، أو لوّثته بما يقلق ولا يريح . أعتقد أن مردّ هذا الغمّ العميم والضيق نابع من فعل الإحساس بالخسارة وإدراكها بفواجعها الجمّة، إحساس يباغت الروح فجأة، لحظة التفكير الأولى، لا الشروع أو الإيغال في مسار التجربة ذاتها وإعادة قولها من هذه المسافة الزمنية المبجلة بالخيبات، هو الإحساس إذن بنهاية ما، كأنك صرت إلى متحف، أو ملموماً في وادٍ بعيد، وكأنك خيط انقطع، فلا أنت موجود هنا، أو متواصل في الغد، أنت هنا باعتبار ماكنته، وموضوعك اسمك، الماضي الذي كان إرثك وحاضنتك، تغتمّ أنت لأنك في الحالة هذه موضوع أمام ماضٍ ناقص، لتحاكم تجربة ما اكتملت دائرتها تماماً،الاكتمال يعني الموت لك، وأنت ترى فواصل من الماضي، لم تدخل بعد في الحاضر، ولم تحضر، وخطوطاً شتّى وأوراقاً تنمو في شجرة التجربة إذ تتواصل. رغم النهاية إذن، والموت الأول الذي في هيئته المدويّة يأخذ اسم الصمت، وأنت لم تكتمل، لم تصمت، كيف تكتب عن ميّتك بإحساس الصامت، أوّل عتبات الموت الكلّي ؟!» (2) .
يضع القيسي لكتابه «عائلة المشاة» إهداءً لافتاً نابعاً من صميم تجربة الكتابة ونصّه :
    إلينا جميعاً
   إلينا قبل الموت
إن بنية الإهداء المتمركزة حول الناطق الجمعي (الأنا الكليّة) تعمل هنا على أن تدرأ الموت أو تؤجّله ما استطاعت، من أجل أن تكون ثمة فرصة لقول ما يجب أن يقال قبل أن يحلّ الموت ويصبح القول مستحيلاً .
تتجلّى بنية الإهداء بوصفها عتبة جوهرية وأساسية في مشهد الكتابة بعد أن يسرد القيسي قصّة المفارقة التي أجّلتْ موته الحتمي في مصادفة عجيبة، قد تتعارض على نحو ما مع إحساسه الدفين بأنه هو المستهدف الأول من حفلة الموت القادمة، لا أولئك العشرات من أصدقائه وزملائه ورفاقه الذين طالهم الموت دونه .
وتنفتح صورة سرده للحكاية ـ المأساة على النحو الآتي : «كنت أمضي ذلك الصباح إلى مكتبي، لكنني وجدت أن الطائرات الأميركية الإسرائيلية، قد سبقتني إلى المكان وسوّته بالتراب، فاحترقت أشيائي وقصائدي المخطوطة، مع من احترق وشوّه من فلسطينيين وتونسيين، ووجدتني أقف مذهولاً أمام ما أرى . لم أتساءل ما جدوى الكتابة والشعر، كما لم أعجب كيف وصلوا إلينا هنا وفعلوا ما فعلوا، خمس دقائق فقط، كانت تفصلني عن هذا الاستشهاد الجماعي . لن أستطيع لأمدٍ غير قريب الكتابة عن هذه الصدفة، عن هذه الأنقاض الممزوجة بأشلاء رفاق وأصدقاء لم تعد لهم ملامح . أمس كنت معهم، وفي الصباح هاتفتهم أني قادم، لأجدهم هكذا . خمس دقائق فقط فصلتني عن أن أرى وجوههم للمرة الأخيرة، أو أكون معهم تحت الردم ولم تختلف علينا الأشياء، لكن ليس هناك ما هو أكثر غموضاً ووضوحاً من هذا الموت، أو هذه الصدفة . قلّبت جثثاً كثيرة في محاولة للتعرّف على أصحابها . رأيت جثثاً بلا رؤوس، ورؤوساً بلا جثث وأطرافاً كثيرة، تمّ كلّ شيء بسرعة، ودفنّا الشهداء ثم واصلنا الحياة على الأرض شهداء مع وقف التنفيذ ، في انتظار موت آخر أو رحيل .» (3) .
تشكّل الكتابة موازياً موضوعياً وفلسفياً لإحساسه الدفين بتربّص الموت له في كل زاوية وفي كلّ لحظة، ففي مراجعة لتاريخه الكتابي يفتح سجلّ الربح والخسارة عبر معادلة قاسية : «حين أنظر إلى منجزي الكتابي على مدى العقود الأخيرة، وما حبّرت من صفحات، أحسّ إلى أي مدى تبعثرت أيامي وحياتي في الكلمات، وكم هي موزّعة ومفتتة في صور الحنين والأمكنة، تتجسّد أمامي واضحة، عارية بلا أصباغ، وكاملة كوليد كامل . في هذه الكتل الورقية السميكة، لكأنّ هذه الكتل قماطها الأبيض الحافظ النظيف، لكأني كنت أكوّنها وأغذّيها بي، وكلّ يوم كنت أقبض على جزء منها، وأفقد جزءاً مني، حتى توافر ما توافر واكتملت. أو شبّه لي، فصرت إلى شيخوخة محتملة، وصار لديّ هذا القفص، قفص من ورق وأسلاك لا مرئية، مجدولة بالأنين، وقاسية كصدى نساء غاربات لا يغبنَ، أو عويل كربلائيّ، قفص صنعته يداي وقلبي من أعواد قصب، وفروع بلوط، هكذا جاء محكماً، قفص يشبه هذه الأرض المسوّرة بفضاء مفتوح، وريح تدقّ جهاتي، ولا إطار لي خارجهن يحصرني الآن ، ويصرّف خطواتي ورؤاي، وفق هذه الصياغة الطويلة في الزمن، ليس في مكنتي خيانته أو الخروج عليه، وما عليّ أن ألوم أحداً، أو نفسي، وإني لأتساءل بما يشبه الخسارة :
أهكذا تستحيل الحياة بكلّ نبضها وتوهّجها، وتنوّع تجلياته إلى مجرد أوراق وأسطر سوداء، حيث يتلاشى الجسد شيئاً فشيئاً، ولا يتبقّى منه إلا علاماته»(4).
في إطار تقانات الكتابة ذاتها يذهب القيسي إلى استثمار ما تيسّر من الأشكال والمساحات البنيوية، من أجل الاستمرار في التغيير والتبديل وقهر المثول أمام شكل واحد مستقر على هيئة واحدة، لأن الإقامة في شكل واحد وصيغة  تعبير واحدة ورؤية واحدة من شأنه أن يقرّب الموت، فالثبات قسيم الموت، لذا فهو يقول : «لا أقيم طويلاً في شكل واحد، ولديّ رغبة عميقة في تهديم الشكل وفي الوصول إلى منطقة من الكتابة خارجة على حدود التصنيف، لا تمتّ بصلة إلى أيّ جنس أدبي . هكذا ألاحظ عليّ . وفي كتابتي طموح لتدمير هذه الحدود التي تقف ما بين جنس وآخر، أي النص المفتوح على مداه غير الخاضع لصنف أدبي وليس معنياً بتسمية . لم لا ؟ طالما هذا النص يقول الحرقة الإنسانية الطافية بما أرى وأعيش»(5).
وقد يكون الشعور العميق بالموت سبباً في تنقّله بين الأشكال والتقانات والرؤى، وإعلاء شأن الظاهر الكتابي على حساب الباطن الشعوري، على النحو الذي يكون فيه «هذا الموت هو مفجر هذه الغنائية الطافحة بأشكال الكتابة « الأغنية ـ المقالة ـ التعليق .. إلخ « في محاولة لتنويع الصوت المفرد» (6) .
وهو يسخّر كلّ ما هو متاح من إمكانات فنية ولغوية وأسلوبية لشحن كتابته ما أمكن بطاقة تعبير وتدليل هائلة عن منظر الموت ودراميته في الخارج والداخل معاً، إذ «مع أن أدواته اللغوية ومقاصده قد أمدّتنا ببنية كافية، فهو ينعطف هنا وهناك ويسرد شيئاً من الأحداث ليجعل لغنائه قواماً، ويمنح صوته المفرد صيغة المجموعة وبخاصّة وهو يروي طرفاً من رحلة الاقتلاع من الوطن، واليقظة على عالم غريب يموت فيه الأطفال وينزلقون من الذاكرة بسهولة بدون أن ندري أن جزءاً منا يموت» (7) .
إذن الكتابة وسيلة من الوسائل المركزية للمروق من أمام الموت ونسيانه في خضمّها، لذا فهو مغمور ومنغمس بها على نحو كلّي وعميق، فـ «الأكيد أن الشاعر لا يكلّ من الكتابة، فهو مأخوذٌ بها ، بل هي خشبة خلاصه الوحيدة، تنقذه من غياب المكان، ومن غياب العمر، ومن غياب الأحبة» (8) .
وهو يراقب موت الآخر على أن له صلة بموته هو، إذ يقول بلهجة رثائية عالية للذات والآخر : «كلما وصلني نعي كاتب أو شاعر أحسست بالخجل من كوني ما زلت حيّاً»(9).
يعثر القيسي على ضالّة أخرى بوسعها أن تقارع الإحساس الدفين بالموت وتهرب من مكانيته، ألا وهي السفر الدائم والتنقّل من مكان إلى آخر، إذ «يجد محمد القيسي في السفر متعته الكبيرة وخلاصه المرجو، كأنه وهو يسافر يشغل نفسه عن الوطن والموت في آن واحد، لعله يظن، كما الكثير من الشعراء ، بأنه يضلّل الموت فلا يجد له جسداً ولا يعثر على مستقرّ» (10) .
من المقدمات الموضوعية التي تتمظهر في شعر القيسي شيوع دال البكاء بوصفه علامة سيميائية ثرية ذات علاقة معينة ومحددة بالموت، فالقيسي ـ فيما يعتقد أحد الكتاب المتتبعين لتجربته في هذا المجال ـ «من أكثر الشعراء الفلسطينيين قدرة على البكاء شعراً، وليس البكاء سوى إشارة أو علامة، أما الطريق فيمكن أن نرصد فيها مفردات : الأسى، المراثي، المزامير، الرحيل الطويل، عذاب، وحشة، هموم … إلخ ، يبدأ من المنفي وفيه يواصل وربما ينتهي كما ينتهي الكثيرون . وليس الكنعانيون إلا رمز لكل المنفيين الذين على قارعة المنفي ( المنفي طريق ) كانوا يكتبون أسماءهم» (11) .
وينفتح دال البكاء بطبيعته الدلالية والسيميائية على دال الحزن بوصفه حاملاً له ومشتغلاً في إطاره وداخل فضائه، ويرتبط دال الحزن بقصيدة القيسي ارتباطاً لسانياً وصورياً وإيقاعياً، فضلاً على طاقة التدليل الذاهبة إلى استحضار صوت الموت وصورته في المجال الشعري الذي يتحرّك فيه، «إنه يذهب بأناشيده حدّ الحزن بدرجاته القصوى، معيداً للقصيدة وظيفة فقدتها أو كادت، وظيفة التعبير عن الفجيعة، التي بعيداً عنها تحوّلت وتتحول القصيدة إلى تكرار للكلام الفقير، المغفل من لوعة القلب، ومن أساه العميق .» (12) .
لاشك في أن هذه المقاربات والآراء والقيم تتبأر كلّها في الحال الشعرية المتمركزة حول موضوعة الموت، ليس بوصفها موضوعة شعرية أتى عليها كلّ شعراء العالم في كلّ العصور، بل بوصفها إشارة سيميائية عالية التأثير والتدليل في تجربة القيسي ـ إحساساً وحياة وشعراً ـ، على النحو الذي يصف ذلك أحد القريبين من تجربته بالقول : «من المؤكّد أنه سيموت ذات يوم مريضاً بكلّ هذا كما يتنبأ، ولكن أيّ موت شعري جميل هذا ؟ لا موت للشاعر إذا كان مقبلاً على الحياة وعلى القصيدة بطريقة القيسي» (13) .
حتى يصل الأمر إلى نتيجة تبدو قريبة لكلّ من قرأ القيسي وتوصّل بقراءته إلى فضاء رؤياه الشعرية، وهي تنبثق انبثاقاً حرّاً من هذه البؤرة الفاعلة والمشتغلة بمزيد من الاتساع والعمق والكثافة، وتتمركز في أن «الموت، في شعر القيسي، أليف جداً، وهو في نثره أمير الكلمات بلا منازع ، إنه صوته الآسر ولسانه وشفته معاً، قصائده صدى للموت الراعب»(14) .
بمعنى أن صورة الموت وسيمياءه وحضوره النفسي الفائق في المسيرة الشعرية للقيسي تؤكّد قربه اللافت من كلام القيسي وإحساسه بالأشياء، فهو عالق في طرف لسانه الشعري والنثري معاً، على النحو الذي يتصوّر معه القارىء أن علاقته بالموت أضحت علاقة تآلف واحتواء وتصالح على شكل ما، يجعله يسير في حياته بانتظار موتٍ قادمٍ ماثلٍ أبداً في مشهده وحراكه ورؤيته .
الهوامش والإحالات
(1) تمظهرات التشكّل السيرذاتي ، د. محمد صابر عبيد ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2005 :12 .
(2) الموقد واللهب ـ حياتي في القصيدة ـ ، محمد القيسي ، منشورات وزارة الثقافة ، عمان ، ط1 ، 1994 : 31 ـ 32 .
(3) عائلة المشاة ، محمد القيسي ، بيت عيبال للكتاب ، عمان ، ط1 ، 1990 : 9 ـ 10 .
(4)  الدعابة المرّة ـ مقاربات .. المرأة ـ المنفي ـ، محمد القيسي ، دار كنعان للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق ، ط1 ، 2002 : 7 ـ 8 .
(5) المغني الجوّال ـ دراسات في تجربة محمد القيسي الشعرية ـ ، تحرير وتقديم محمد العامري ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، ط1، 2001 :15 .
(6) علامة مميزة في الشعر الفلسطيني المعاصر ـ سيرة امرأة كنعانية اسمها حمدة ـ ، محمد الأسعد ، جريدة الوطن الكويتية ، 6 نيسان 1989 .
(7) م . ن
(8) أذهب لأرى وجهي : لغة رومانسية تكتب سيرة المنفي ، عقل العويط ، جريدة الشرق الأوسط ، لندن ، 1 / 9 / 1995 .
(9) المغني الجوّال : 21 .
(10) كوكب الحياة البديل ، شوقي بزيع ، مجلة الآداب اللبنانية ، العدد 1، 2 ـ كانون الثاني وشباط ، 1997 .
(11) القيسي يكتب مراثي التروبادور الفلسطيني ، عمر شبانة ، جريدة (الحياة ) ، لندن ، 14 / 7 / 1989 .
(12) غناء فردي يطلق اغترابه في بريّة الشعر ، راسم المدهون ، جريدة (الحياة ) ، لندن ، 20 / 3 / 1992 .
(13) المشّاء حتى حدود الفضّة ، يوسف أبو لوز ، مجلة ( الشروق ) الإماراتية ، العدد 93 ، 13 / 1 / 1994 .
(14) صقر أبو فخر ، جريدة السفير اللبنانية ، بيروت ، 24 / 1 / 2002 .
محمد صابر عبيد
ناقد واكاديمي من العراق   

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …