أخبار عاجلة

محي الدين اللباد الفن المرهون بأداء الوظيفة .. لا بالجمال

محيي الدين اللباد. فنان من جيل العباقرة الذين ظهروا في الخمسينات والستينات بالقاهرة والذين تميزوا بتعدد مواهبهم واثرائهم لمسيرة الفن البصري العربي بأنواعه . قدم انجازا مدهشا في مجال الكاريكاتير السياسي والاجتماعي ورسوم وكتب الأطفال والكتابات النقدية .. كما وضع بصمة خاصة في فن تصميم أغلفة الكتب في العالم العربي وأصبح أحد رواد هذا الفن وواحدا من المتميزين به على مستوى العالم .

ورغم بساطته وعفويته الشديدتين . . فإنني لم أستطع تجاوز الاحساس بأنني أمام إله اغريقي مهيب يتحول أحيانا الى شيخ طريقة – في الفن طبعا – مبهر .. يتكلم فتتدفق أفكارا متتابعة لتعبر عن ثراء نفسي وثقافي مدهش .. وموسوعية .. تمزج الأسماء بالتواريخ وتستدعيها من ازمان سحيقة أو من أعماق الكتب، ومتابعة دؤوبة لكل ما تصدره المطابع العربية والأجنبية . ترى كيف يتكلم إله إغريقي مهيب . . وكيف أصبح الطفل القادم من حي المغربلين بوسط القاهرة أحد الكبار الذين لا يسعنا ما إن نسمع اسمهم إلا ونرفع القبعة ؟!

. بداية.. هم يمكن أق نتعرف على كيفية تشكل وعيك الفني في المراحل المبكرة من حياتك وانعكاسها على قرارك باحتراف الفن لاحقا؟

* اكتشفت بالاسترجاع انشغالي بمسألة الرسائل البصرية وأنا في سن صغيرة رغم أن البيئة المباشرة في بيتنا لم يكن لها أي تأتير لأن أبي كان يقرأ جريى ة واحدة هي لا لأهرام " وأحيانا "مصر الفتاة"، ولم يكن يدخل البيت أي صحف أخرى، ولم يكن ك ينا أي كتب مصورة سوى كتاب عن نصاب مدهش لكاتبة لها لقب "الجبالي " وكتاب آخر عن الغابة المتحجرة في القلعة وألفه شيخ اسمه عبد الجواد الأصمعي، وما عدا ذلك فالكتب كلها دينية ولغوية وقواميس. ولم يكن الأي أحد من اسرتي أدني علاقة بالأدب أو الفن- لكن الرلسائل البصرية التي تأتي من الخارج هي التي تشكل الوعي الجمالي والفني. صورة طايع بريد.. أو علأمة بكرة خيط أو علبة سجائر.. الخ. وطبعا أغلفة الكتب؟ المجلات.
. هل تذكر مجلات بعينها ساهمت في هذا التشكيل؟

* طبعا.. مجلة "سندباد" مثلا التي كانت تصدر من دار المعارف ورسوم الفنان بيكار فيها أثرت قي بدرجة كبيرة جدا. في مرحلة من حياتي كنا نسكن في "المغربلين " وكان "شارع محمد علي " قريبا منا، وهو شارع الطباعة، بالاضافة الى سور الأزبكية الذي ساهم بما شاهدته فيه من مطبوعات وكتب في زيادة ولعي بالكتب والمجلات خاصة انه كانت هناك جالية أجنبية كبيرة في مصر، وهناك إكتشفت ثلاثة مصادر لرسم الكاريكاتير وأثرت في بشكل خطير، واكتشفت لأحقا أنها أثرت أيضا في "صلأح جاهين " كما أخبرني. وهذه المجلات هي New Yorkers Men Only  Lilliput " هذه المجلات كانت من أرقى المجلات التي تقدم الأدب والشعر وصور الكاريكاتير في ذلك الوقت بالاضافة الى الأغلفة العبقرية التي كانت تتصدرها.

. هل يعني ذلك أن هذه المجلات مي التي ساهمت في اتخاذك قرار احترافك للفن والكاريكاتير؟

* هذه المجلات مع أعمال بيكار تم أكتشافي لأعمال ح!صن فؤاد في مرحلة لاحقة والتي زلزلت وجداني بالاضافة الى الرسائل البصرية التي تكلمت عنها جعلتني بالفعل اختار هذه المهنة وأنا في المرحلة الثانوية، حيث بدأت كرسام كاريكاتير محترف وحصلت على أجر وعمري 13 سنة، بعد الثانوية قررت دخول كلية الفنون الجميلة. لكن "اتكعبلت " بسبب حصولي على مجموع يؤهلني لدخول "طب أسنان " وإزاء ضغوط العائلة اضطررت الى دخول طب الاسنان رغم أني كنت قد قدمت أوراقي للفنون الجميلة، لكني بحد منتصف العام اكتشفت أني أخطأت وأنني ليس لي إلا دراسة الفنون وقررت أن "تخبط العائد ة دماغها في الحيطة" فدرست الرسم أو التصوير، وكنت أكتب الى مجلة "سندباد" وأساهم فيها كقاريء، فنقلني الفنان الكبير "بيكار " من قاريء الى رسام بها ثم انتقلت الى "دار المعارف" لتصميم الكتب وفي السنة الأخيرة لي في الكلية انتقلت الى "روز اليوسف " وتب تعييني بها.

. قبل أن نتعرف علم تفاصيل رحلتك العملية أريد أولا أن أستوضح مسألة تأثير الرسائل البصرية التى وضحت أنها كانت احد محددات اختيارك لاحتراف الفن..

*هذه مسألة في غاية الأهمية. والإستهتار بهذا الجانب واعتبار أن الفن هو فقط الموجود داخل البراويز هو سذاجة واستهتار بالتفاصيل. فليست الأعمال الكبرى فقط هي التي تؤثر في الناس ووجدانهم، وانما- وعلى العكسى تماما- فالانسان يتأثر جدا بالعلامات البصرية والتي ضربت لك أمثلة عليها : زجاجة كوكاكولا.. علبة كبريت .. ماركة سجائر.. أفيش سينما.. مانشيت جريدة .. الخ . فهذه الأعمال تحفر نوعا من العلامات في الذاكرة، فعندما نرى علامة ترجع الى سنة 1940 لا نتذكر المنتج فقط وانما ستعود ذاكرتنا الى فترة الاربعينات كلها. أو أن 1961 مثلا تختصر في مانشيت لصحيفة أو إعلان ناقد للجو السائد.. فكل ما نواه يستدعي بعضه ويتم تصنيفا في الذاكرة . فالذاكرة لا تحتفظ فقه بالأعمال الكبرى أو الأعمال التي نختارها نحن فقه .

وهناك مقولة مهمة للفنان النحات «محمود مختار» يقول فيها إن العملة النقدية هي قطعة النحت التي تصل للرجل الفقير أو العادي الذي لا تتاح له فرصة مشاهدة المعارض الفنية ولا يحضر الى المدينة لرؤية التماثيل . وكان يؤكد على ضرورة الاهتمام بهذه العملية مهما كانت تكلفتها لأنها تتضمن رسالة تصل الى ملايين الناس ولابد أن تتضمن قدرا من احترام العقل والمنطق واحتواء رسالة انسانية لأن هذا يبني _ وبدون أن يعي الناس _منطق بلد كامل .

. هل معنى هذا أن الفن يؤدي غرضا ما أو وظيفة ما طول الوقت ؟

* طبعا.. الفن في الأساس وظيفة والكلام عن الجمال للجمال هو "كلام فاضي" ويردده الناس دون وعي.. فالفن منذ بدء الخليقة هو من أجل تأدية غرض أو وظيفة ثم يأخذ قيمته الجمالية لاحقا من اصطلاح مجموعة كبيرة من البشر على أهميته وضرورته وليس بالضرورة أن تكون موافقا عليه .

الفن بدأ برسم الانسان للحيوانات على جدران الكهوف للتغلب على خوفه منها بالسحر. ثم أصبح له هدف توثيقي وديني في الحضارات الفرعونية والآشورية، ثم هدف ديني في أوروبا في عصر ما قبل النهضة من خلال الكنائس، ثم هدف سياسي في عصر النهضة، وفي الوقت الراهن يأتي فن الاعلان كمقابل للفنون في العصور الأخرى. هو البديل لفن الكنيسة والدولة والاقطاع . ولست – أنا الذي اختاره، أو أكرس له . فالموضوع له دائما أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية لأنه الرسالة الأقوى التي تصل للأفراد في العالم كله الآن . ويشير تقرير أخير لليونيسكو الى مشات المليارات كحجم للاستثمار في الاعلانات في العالم بالاضافة الى قائمة كبيرة من الدراسات والعلوم والأبحاث التي تخدم الاعلان .

فالجمال يكون في قوة المنطق والقدرة على أداء الدور والابداع وفي المراحل الانتقالية تسقط وسائل الاتصال القديمة ويصبح من الضروري ابتكار وسائل جديدة .

وهذا الكلام معروف في العالم الآن ويؤثر حتما على السياسات المتحفية للمتاحف التي بدأت في التغير لتؤكد عل هذه الفكرة، فالمتحف الآن لم يعد يهتم بالفنون الكبرى فقه، وإنما بكل شي ء. ستجد مثلا أحد المتاحف يقيم معرضا تحت عنوان "علاقة التأثير المتبادل بين برلين وباريس ".. وهناك ستشاهد لوحات وكتبا وأيضا ملاس ولافتات إعلانية وعلب منتجات استهلاكية، فهناك اتجاه في العالم لتوثيق الرسالة البصرية . فالكلام عن أن الأعمال الكبرى هي التي تؤثر في الناس كلام غير معقول وغير صحيح . وهناك أيضا في أوروبا متاحف دائمة لهذا الفرض وقد شاهدت مثلا متحفا في باريس للملصقات فقط هناك أيضا معارض لسجائر "الجلواز" فقه . تاريخ علاماتها واعلاناتها وأشكالها المختلفة .. فهذا هو الاتجاه في العالم الآن .

. في ضوء اعتبار أن الوسائل البصرية تضم قيم وروح عصر.. فهل تعكس الوسائل الحالية قيم وروح هذا العصر؟

*الوضع عندنا هنا يمكن التعبير عنه بالقول : إن انعكاس صور إتصال لا تحوي هذه القيم سيكون له تأثير خطير جدا، لأن الرسائل المفتقرة للمعني سيكون لها تأثير أسوأ مما يمكن تخيله، والأجيال الحالية التي يطلق علمها "أجيال البانجو" هي أجيال لم تلق رسالة مترابطة، الأمر الذي يساهم في خلق بلبلة وحالة من التشتت والاحساس بعدم الجدوى. والطفل الذي يلقى علامات الاتصال السائدة الآن يجعلني أفكر كثيرا في كيفية بنائه وما يمكن أن يكون عليه هذا الطفل في شبابه . فالحكاية بالفعل ليست بسيطة وتعكس أزمتنا في نفس الوقت . نحن الآن نعيش على المستوى البيولوجي فقط .. نأكل ونشرب ونبحث عن الخبز والمياه ولا توجد إمكانية لأي شيء أعلى من البيولوجيا قليلا. رغم أن هذا المستوى البيولوجي متوافر لحالات في الحياة أقل من النبات وليس فقط الحيوانات ! وهناك اتجاه لاعتبار كل ما هو فوق البيولوجيا هو نوع من السفسطة والفانتازيا، وأصبحت الكوارث التي نمر بها مبررا لازالة الأهمية عن أي مستوى أعلى من مستوى الضرورة، والأكل .

.نعود مرة أخرى الى سيرتك العملية والتي توقفت عند تعيينك في روز اليوسف..

* تم تعييني في روز اليوسف سنة 1962 بالفعل مع "رءوف " و"صلام الليثي" بعد خروج "صلاح جاهين " وأنا دائما أقول أنهم فكوا صلاح جاهين بنا نحن الثلاثة ومع ذلك فأعتقد أننا لم نستطع أن نسد مكان جاهين أو نعوض عبقريته . وكنت قد رفست قدما في الكتابة والرسم والاخراج والتصميم واستمررت فيها جميعا مع الكاريكاتير السياسي والاجتماعي. وكنت مشغولا طول الوقت بالتفكير في تحديد أي من هذه المجالات سيكون الأساسي وأيها سيكون الفرعي. في 1963 اختار وني في صحيفة الجمهورية كمؤسس لمجلة "كروان " للأطفال وهي كانت مجلة تحاول الرد على الاتجاه الأجنبي للمجلات السائدة ومنها "ميكي" و"سمير" لأن ثلثيها كان منقولا . لكن هذه المجلة انضر بت بتغيير رئيس مجلس الإدارة الذي أصبح وزيرا آنذاك .

. وكيف استطعت أن تحسم اختيارك بين مشروعاتك الفنية في آخر الأمر؟

* عندما وصلت الى سن الثلاثين فهمت أن كل هذه الأمور تصب في مجال واحد وأعتقد أنني استطعت أن أفعل هذا بعض الشي ء، فستجد الكاريكاتير السياسي فيه جرافيك، ورسم الأطفال فيه سياسة وجرافيك، والجرافيك فيه رسم وهكذا. وقيما يتعلق بالأطفال أوليت اهتمامي لمرحلة ما قبل المدرسة أي الى سن ست سنوات لأنها مرحلة الاتصال البصري، فوجدت علاقة كبيرة بين هذه المرحلة وتصميم العلامات لأنها بالفعل تحقق عملية اتصال بدون لغة . وهكذا تفتحت المسألة وتوحدت وأخذت دوراتها من بعضها البعض ولم تعد هناك أزمة .

* قضية الود على اتجاه أجنبي يعكس فيما أتصور اهتمامك بقضية التأصيل والخصوصية فهل يمكن أن نتعرف الى تفاصيل وعليك بهذه المسألة ومدى اهتمامك بها؟

* عندما قلت إن تجربة «حسن فؤاد» الفنية أحدثت لي زلزالا أدى الى تغيير كيفي كنت أقصد جانبا من هذا الموضوع . وأنا عندما قررت الدراسة بكلية الفنون الجميلة كنت مضطرا لأن أساتذتي الذين اخترتهم عن بعد مثل بيكار كان موجودا هناك . وطبعا استفدت رغم أن المنهج المتاح هو منهج غربي غاية في الانحطاط ولا يزال هو نفسه حتى الآن، فالتركيز فيه على الفن الغربي وفنون عصر النهضة بشكل أساسي ولا توجد إلا ورقات أو دراسات بسيطة ومسطحة عن الفنون العربية والاسلامية . وأقل بكثير جدا مما يدرس حتى في أوروبا. وكان فراش العميد آنذاك يتكلم الايطالية بحكم أن معظم الأساتذة في الفترة السابقة كانوا ايطاليين وكل أساتذتنا حصلوا على بعثاتهم في ايطاليا وفرنسا واسبانيا فكانت الدراسة لا تترك لنا فرصة للانشغال بأي شيء آخر، وبالعكس فقد أدى هذا الأمر أن أحتاج الى وقت طويل جدا للتخلص من تأثير الدراسة الأوروبية لأنني بدأت في الثلاثينات من عمري استرجع الأمور وأمسح عن "الهاردديسك " في عقلي كل التأثيرات السلبية ومحاولة بناء شيء ولكن الوقت ضيق .

عندما قمت بزيارة أوروبا لأول مرة كان ذلك سنة 1971 أثناء حصولي على بعثة تدريبية لألمانيا وقمت بزيارة باريس وبراج وفيينا. وكان ذلك عقب ثورة الطلبة وكانت هناك حالة من التمرد والرغبة في هدم كل شيء والرفض لكل شيء واكتشفت أنهم يعيشون في مجتمعات مستقرة بشكل كبير جدا ومبنية لدرجة أن هذا البناء قوي جدا وضاغط جدا وكانت الأجيال الشابة تريد تكسير الثوابت والاستقرار. ورغم اعجابي بهذا التمرد فقد أدركت أنه يمنحنا فانتازية الهدم ولا يوجد لدينا شيء مستقر أو ناضج وخاصة في مجال الفن باعتبار أننا لم نصل الى هذه المرحلة التي نحن بها، وحتى الآن كلنا تجريبيون بكل شيوخنا وبالكاد مازلنا نضع اللبنات الأولى .

وهكذا بدأت بمراجعة التكوين الغربي والأدوات الغربية وبدأت في اكتشاف الخط العربي الذي كان ينظر له باعتباره "حاجة من بتاعة المشايخ » وبدأت في بحث واكتشاف تراثنا الفني وأتابع في نفس الوقت النماذج المحترمة في أوروبا بدون تعصب لأننا لابد أن نعرف كل شيء في سياقه بدون ثنائيات الاصالة والمعاصرة والذات والموضوع …الخ هذه الثنائيات الغريبة . وهكذا تكونت وكأنني أرتدي عمامة صغيرة و" برنيطة " في نفس الوقت .

. من المعروف في إطار اهتماماتك تصميم أغلفة الكتب ولك بصمة في هذا المجال .. بداية أريد أن أسأل هل من الضروري أن يكون المخرج أو المصمم وساما أو العكس ؟

* لا.. لا.. اطلاقا .. ليس هذا شرطا فليس كل رسام مصمم اتصال بصري والعكس صحيح . لأن هناك تكوينات مختلفة من البشر واهتمامات مختلفة . وأنا هنا أحب أن ألفت النظر الى أن لدينا نقصا كبيرا في الاعداد الفني لعمليات الاخراج والطباعة بشكل عام وهو ما يؤثر على مستوى الأداء والخصوصية .

وأنا أؤكد أنه لو كان هناك معهد متخصص وفني أو متوسط بالأساس لتدريس هذه المهنة لكنت استفدت بشكل كبير ولو فرت على نفسي وقتا وجهدا كبيرا. وفي أوروبا كلها معاهد تبدأ بعد المرحلة الاعدادية تبدأ بالأساسيات الحرفية والمهنية وبعد ذلك تكون هناك مرحلة لدراسة المفاهيم والنظريات . والمفروض أن نبدأ في تأسيس مثل هذه المعاهد. وقد اشتركت منذ عدة سنوات في تأسيس معهد بأكاديمية الفنون وفوجئت أن الاتجاه هو انشاء معهد دراسات عليا.. يعني أولاد دارسين يأتون للحصول على شهادة دكتوراة ثم يذهبون للعمل في الخارج .

نحن لا نحتاج الى هؤلاء وإنما الى تأسيس شباب من المرحلة الاعدادية والثانوية بشكل حرفي لأن الجزء الأكبر من مهنتنا صنعة وحرفة بالأساس، واستقروا في النهاية على معهد بعد الثانوية ويتضمن قسما للدراسات العليا. أنا أعتقد أننا في حاجة ماسة للتوسع في هذه المعاهد لتوفير فرص للتدريب على معدات الطباعة الحديثة التي تمتلك بعض مؤسساتنا الصحفية ترسانات كاملة منها  أفضل مما يوجد لدى أكبر صحف أمريكا وفرنسا وألمانيا ولكن دون وجود كفاءات تستطيع أن تحقق الاستخدام الأمثل لهذه الآلات والمعدات والتي مازلنا رغم استخدامها نقدم نفس التصميمات القديمة ولا نسيطر على آدائها! كما أعتقد بضرورة عمل متحف خاص بالرسم والتصميم للطباعة .. ففي بيت حسن فؤاد هناك جناح كامل يضم مجموعة كبيرة منها وأيضا لدى الفنان بيكار الذي يمتلك ثروة لم يعد يعرف كيف يرتبها ويحافظ عليها فهذه الأشياء ينبغي أن نحافظ عليها ولا نبددها لأنها تراث وهي أيضا ذاكرتنا البصرية .

. وما هي بالأساس أسباب اختيارك لمجال تصميم واخراج الغلاف للتركيز عليه؟

* أنا أؤمن بأن الكتاب وحدة واحدة . وأن كل كتاب يمثل شهادة على عصر هذا الكتاب، فكتاب طبع في سنة 1960 وغيره طبع في سنة 1990 وكل منهما يحمل قيم ومنطق وروح العصر بشكل عام . أنا أحب هذه العملية وأحاول أن أكون قارئا جيدا للأدب بقدر ما أستطيع . ولذلك زاد اهتمامي بهذه المسألة وأحسست أنها محتاجة لنقلة أكبر. وأنا بدأت في هذا منذ حوالي 20 سنة، وأحاول لفت النظر الى شيء أعتقد أنني نجحت في تحقيقه بعض الشيء _ يتعلق بشخصية الكتاب وخصوصيته، وأعتقد أن هناك خطوة أخرى ينبغي تحقيقها وهي فكرة العلاقة بين الغلاف والرسم . فالغلاف ليس رسما بالضرورة وهو في الماضي كان عبارة عن "ورق مقوى" مدهون بلون معين ثم يتم الرسم عليه وأخيرا يقوم الخطاط بالكتابة فوقه . الآن الأمور تغيرت .. لا توجد ورقة أصلية للغلاف خاصة بعد ظهور الكمبيوتر. الغلاف غلاف المخرج أو المصمم سواء استخدم رسوما خاصة به أو لفنان آخر أو صورة فوتوغرافية أو حتى لو لم يستخدم شيئا من هذا. ولذلك أتصور أن مسألة القراءة ورسم الشيء عملية غير موضوعية والأفضل في حالة الرسم أن يكون المخرج على معرفة بأعمال هذا الكاتب وبالتالي سيكون على علم بما يناسبه، وسمة بالرصاص أو تفصيلة من لوحة أو فن حديث تلائم موضوعا مشغولا به . والحكاية فعلا بهذا القدر من التعقيد. انما حكاية إنه ديران شعر فيقوم المصمم برسم شجرة ليسر بها أوراق إلا ورقة واحدة وفي الخلفية سيدة عارية .. الذ. فهذه عملية بها سذاجة لا تحتمل لأنها تهين العمل بعض الشيء. المسألة تحتاج الى رسالة خفيفة وبسيطة وأنيقة وتحترم الوظيفة، والوظيفة هي مساعدة القاريء الى حد ما لأن يعرف ماذا يشتري وساعدته على التصنيف والتذكر لأن الغلاف هو مفتاح الرواية أو المكان .

. هناك مجموعة من المطبوعات والكتب التي تتسم بالفخامة وارتفاع تكلفتها والتي قمت بتصميمها .. الا يتناقض هذا مع مسألة القيمة والبساطة التي تدعو اليها؟

* هذا صحيح وأنا أخشي أن تكون مثل هذه الرسالة وصلت للناس إني مصمم الكتب الفاخرة لأن هذا غير حقيقي عل الاطلاق وعلى العكس أنا أضيق بهذه الأشياء لأني أستطير أن أؤديها بشكل جيد كما أضيق بأن حياتي قد تقتصر على زاوية "كالاندر" تحريري لهيئة دولية أو مؤسسة كالصليب الأحمر مثلا أو غيرها لأني أيضا وفي نفس الوقت أقدس الفجاجة والفقر والصياعة ولي كتابات وأعمال كثيرة عن جماليات المطبوعة الفقيرة . ولا توجد أدنى علاقة بين جمال المطبوعة وكونها فاخرة أو مكلفة أو أنها تتضمن عددا كبيرا من الألوان اطلاقا.

* لك كتابان تم بهما تجميع مجموع مقالاتك في "روز اليوسف " و "صباح الخير" في باب "نظر" .. هل هي محاولة للفت النظر الى جماليات الأشياء اليومية والحياتية التي أشرت اليها؟

* اطلاقا .. فلم يخطر ببالي الكلام عن الجماليات في هذا الكتاب وإنما هي محاولة لكي يرى البشر الأشياء في سياقها.. وستجد أن الأشياء التي أقدمها في هذا الكتاب مرتبطة بالاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع .. أي أنني كنت أحاول لفت الانتباه الى كيف يرى الشخص الأشياء كنوع من نتاج مجتمع واقتصاد وسياسة، ولأنه كلام ليسر في الفن ولا علاقة له بنظرية الفن على الاطلاق فكنت أتصور أنه مكتوب لكل الناس ويستطيع الجميع قراءته . وهذه نقطة أحب الاشارة اليها.
. أخيرا . . ما هي أمنياتك يا عم محيي ياجميل ؟

*أنا أتمنى أن نجد لدينا متاحف للعلامات البصرية فقد شاهدت بنفسي في بيت " حسن فؤاد" جناحا من الرسائل البصرية – كما ذكرت – كما أنني اكتشفت مدى الأزمة عندما أعددت كتابا عن هذا الراحل العظيم لعدم وجود لأي توثيؤ لهذا النوع من الأعمال . الفنان العبقري "بيكار" أيضا لديه ثروة هائلة في هذا الجانب و لا يعرف كيف يحافظ عليها.. شاهدت معرضا للفنان العبقرقي الأرمني إلأصل "صاروخان " وهي ثروة على جانب كبير من الأهمية الابد من الحفاظ عليها بدالا من تبديدها. وأذكر أنني كنت أتكلم في احدى المرات مع "جكال الغيطاني " عن ماركة إحدى المنتجات القديمة وهي " زوزو " وعن تأثيم س الصورة أو العلامة الخاصة بها على طفل في وقتها وعلى رؤيته للأنثى، والتأثير بما فيه التأثير الجنسي ومفاهيمه عن الجنس الآخر . وكتب الفيطاني في يومياته عن ذلك وبا بالفعل حضر إلينا شخص – أظن أنه كان يعمل "كمساري " بواحدة من هذه العلامات الخاصة بماركة " زوزو " بالاضافة الى أن اهتمام أوروبا بنا يجعلهم مهتمين بجمع الجرائد والمجلات القديمة والعلامات القديمة الخاصة بنا، ووجود متحف سيحد من هذه المشكلة . . "نهب الذاكرة الخاصة بنا" كما أحب أن أضيف أنني أحترم مهنة تصميم اللأغلفة وأهتم أكثر بالتأثير والوصول الى الناس من خلال المجلة والصحيفة والأشياء التي تصل للناس وتشكل تجارب جديدة وليست تكرارا  لتجارب سابقة وأتمنى أن تساعدني صحتي ونظري في تحقيق هذه الرسالة بالشكل الذي أسعى إليه.
 
ابراهيم فرغلي (كاتب مصري)

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …