أخبار عاجلة

مخاييل أوغاروف مؤسس «مسرح الوثيقة» الروسي هدفنا دراسة المشاكل الاجتماعية الحادة والتعبير عنها بأشكال صادمة للمتفـرج

توجهت مجلة «فن السينما» الروسية بسؤال حول ما هو حديث في الفن المعاصر لعدد من المشتغلين في السينما والمسرح. أترجم في أدناه جواب مسرحي روسي معروف.وقد حاولت الحفاظ على لغة أوغاروف «غير الرصينة» أو «المحكية»، لسبب سيحزره القارئ.ولأن بعض ما يرد في المقابلة قد لا يكون معلوما لبعض القراء، سأحاول تقديم بعض الايضاحات ، سأضعها بين قوسين بسيطين.
v مارينا شيمادينا: هل الفن الآن معاصر؟ وفي حالتنا هذه _ المسرح. ما الجديد الذي يحدث في مسرح اليوم، وما الذي يختلف فيه عن الفن المسرحي للقرن العشرين؟
ميخاييل أوغاروف (كاتب مسرحي. مخرج مسرحي. مؤسس «المسرح. الوثيقة»): ان كونية هذا السؤال تمنع اجابته فورا.
v شيمادينا ـ لنبدأ من شيء أكثر تحديدا. مثلا، ما مقدار اختلاف لغة «الدراما الجديدة» (لا تُأخذ «الدراما الجديدة» بصفتها ظاهرة لها قسماتها المميزة ومعالمها الجلية، الا في وضعها مقابل «المسارح ذات المجاميع المسرحية والمواسم المسرحية الدائمة»، التقليدية في روسيا. والمؤلفون الذين ينسبون أنفسهم الى «الدراما الجديدة» يشيرون الى وجود أزمة في حقل الانتاج المسرحي: ان ما يوحدنا جميعا هو ادراكنا للحالة المتأزمة التي يعانيها المسرح المعاصر، واستعدادنا لعدم تقديم أية تنازلات لقوانينه المصطنعة، التي يمكن أن تكون ناجحة، لكنها أصبحت اليوم عقيدة» عن اللغة الدرامية للقرن العشرين؟
أوغاروف ـ تختلف كثيرا، واختلافاتها مهمة جدا. وأنا أفهم هذا جيدا، ارتباطا بـ «المسرح -الوثيقة» وتجاربنا التي مارسناها.ذلك ان الـفيرباتيم «verbatim» (كلمة لاتينية تعني : الحرْفي، المَقول وقد جلبها الى موسكو المسرحي اللندني «رويال كورت» الذي درس وأعد التقنية الكلاسيكية للمسرح الوثائقي. وهذه التقنية تفترض عمل مقابلات مع أشخاص كثيرين وعمل العرض المسرحي بناء على  هذه المقابلات.. وأهم متطلبات مؤسسي هذا المسرح هو تقريب حوارات الشخصيات الى أصولها الى الحد الأقصى، والتعامل مع شخصيات مهمشة وغير قياسية من الناحية الاجتماعية. وقد وضع هذا المسرح لنفسه هدفا هو دراسة المشاكل الاجتماعية الحادة والتعبير عنها بأشكال صادمة للمتفرج) والمقابلة، أشياء ممتعة جدا. لكن، ليس مفهوما الى أين سيقود هذا الاتجاه. فالبقاء في هذا الاتجاه سيؤدي الى التخمة بسرعة. عرض مسرحي واحد، عرضان، ثم ماذا؟ أي، أنت أتقنت المنهج، لكن، الى أين ستتحرك بعد ذلك؟ لكن، توضح الآن كل شيء، وصار كل شيء في محله. أخشى أني سأقول أشياء كونية، حماسية قليلا. في نهاية القرن العشرين حدثت أزمة في وجهة النظر المرجعية. فبالنسبة لي مثلا، كمستهلك للصحف والتلفزيون والكتب والفن، كل المرجعيات – من حيث المبدأ – مشكوك فيها. لأن القرن العشرين كان غنيا بالقامات الكبيرة، بالشخصيات والكاريزمات، التي عملت أشياء ما، أكدت أشياء ما، وقالت اشياء ما، ثم ماذا؟ ماذا تغير؟ كيف غيروا العالم؟ كيف غيروا الثقافة؟ كيف غيروا تصورنا عن هذا العالم؟ يجري الآن عندي رفض مبدئي للاذعان لرغبة المؤلف، وبدأت أؤمن فقط بمشاهد الحوار في الشارع الذي لا يوضحه أو يعلق عليه أحد. اني أجد في هذا الحوار معنى وحقيقة أكثر مما أجده في مناظرة يقدمها باحث ما، حول كيفية تنظيم العالم. ان ثرثرة سيدتين في سوق الخضار توضح لي صورة الواقع بصورة أفضل من هذا الباحث. فقد شعرت بهذا –ببساطة- على مستوى الاحاسيس. ولهذا فكرت ان منهج «verbatim» ، الذي مارسناه يبدو ممتعا لي وحدي. لكن الذي حدث نوع من الوباء. اذ تبين أنه ممتع للكثيرين. لماذا؟ ان امتناع المؤلفين الواعي عن التوضيح، واتباعهم جمالية الحد الأدنى «minimalism» بصورة عامة، مهم جدا. لأن القرن العشرين قد بالغ في مجال الشكل، على الأقل في ما يخص المسرح. أنا لا أقصد الحد الأدنى في الوسائل الفنية فقط، بل وفي مجال المعنى أيضا. أنا أعرض الصورة فقط، وأعرض صورة ثانية ، وهذا كل ما هناك. وهذا ممتع جدا، والناس في موسكو يتفهمون هذه الأشياء، وفي  الأقل فان جمهور مسرحنا يتفهم. لكن قبل فترة كنا في نوفغورود. وكان الصدام الأساسي مع القاعة على مستوى «يعجبني ـ لا يعجبني»، وهذا غير مهم، لأن المتفرجين تابعوا كل شيء باهتمام. مطلبهم الرئيسي كان مبدئيا، فقد قالوا: نحن لا نعرف كيف نستقبل عرضكم، نحن لا نعرف كيف نفسر ما تعرضون. فليس هناك من تعليمات، فهل نضحك على ما نرى، أم نعامله على أنه شيء جاد جدا، هل هو عبث أم واقع. هذه هي الميزة الخاصة للغة الدراما الجديدة، وللمنهج المؤلفي الجديد. يبدو لي ان علينا أن نتحرك في هذا الاتجاه بالتحديد.
v شيمادينا : يعني، ان وظيفة كتاب الدراما الحاليين وأؤلئك الذين يعملون في المسرح الوثائقي أن يصوروا الواقع فقط، وأن رسالتهم تنتهي عند هذا الحد؟
أوغاروف: كلا، الوظيفة الأولى هي تصوير الواقع و«التمكين» من تقديمه،والثانية هي ايقاظ علاقة المتفرجين بما نعرضه، ودفعهم لتكوين موقفهم الشخصي. انه لأمر هام الوصول لأن ينشأ عند المتفرجين قي القاعة موقف.
v شيمادينا: لكي يكوِّن المتفرج رأيه الخاص بنفسه، مدفوعا باستفزاز مسرحي لا يحتوي على موقف المؤلف؟
أوغاروف: نعم. فالمسرح كان في القرن العشرين قامعا جدا، كما في السجن: اجلس في مقعدك، اطفئ الأنوار، انظر بهذا الاتجاه، ولا تحدث أية هسهسة، ولا تعلق.هذا مخطط قمعي، كما يحدث في المخيم الكشفي، حيث لا يسمح للأطفال بحرية التعبير عن انفسهم. اما أبكي أو أضحك، تعبيران فقط عن النفس، لونان فقط.
v شيمادينا: وحتى هذان التعبيران، يستدعيهما المخرج: انه «يضغط الزر» فيضحك المتفرج في هذا المكان..
أوغاروف: نعم ، أما امكانية العمل للأدمغة: كيف أستقبل هذا، أنا المتفرج، من زاوية نظر كما أراه أنا ـ فان مثل هذه الامكانية نادرا ما تحدث في المسرح. فأنا مثلا، أفرح حين ينهضون في المسرح ويصرخون : «هذا عار».وقد حدث مثل هذا عندنا، وهذا رائع. اذ تستيقظ القاعة وينتقل المتفرج من الواقع الثاني الى الواقع الأول. فيقولون: « ما هذا! لا ينبغي أن تتصرف هكذا في المسرح، لا أن يخرجون صامتين حين لا يعجبهم العرض». ترى لماذا يُمنع هذا؟ فمهم جدا أن يلغط الناس بصوت واحد، كما حدث معنا في بتروغراد حين صرخوا بوجوهنا:»أيها المسكوفيون..عار عليكم».هذا ما واجهونا به حين عرضنا لهم «أيلول.وثائق». إذ جمعنا فيه مقولات مختلفة بعيدة عن بعضها البعض، وحادة جدا عن المأساة التي حدثت في مدينة بيسلان، جمعناها من غرف النقاشات في الانترنيت. لقد حاولنا أن نسير على حافة السكين، وأن لا نعطي آراء ومواقف ووجهات نظر جاهزة. لقد كانت تجربة ممتعة. المتفرجون في موسكو قالوا ان المسرحية معادية للشعور الوطني، والمتفرجون في فرنسا وفنلندة قالوا انها مؤيدة لبوتين، حتى أن بعض الشيشانيين الذين كانوا هناك وزعوا مناشير ضد المسرحية. الجميع كانوا غير راضين عن العمل. أي ان المتفرجين قد وصلتهم من العرض المسرحي مشاعر قوية، سلبية على الأكثر، لأن الجمل التي قيلت على المسرح كانت جملا واقعية، كانت حوارات لبشر واقعيين، لذا فان الطاقة والحقد احتفظت بقوتها على الخشبة. لم يكن المتفرجون غير راضين لأن المسرحية سيئة، أو لأن عمل الممثلين كان سيئا، بل لأن الممثلين عرضوا عليهم «شيئا» ولم يشرحوا لهم كيفية استعماله.
v شيمادينا: لقد بلغ عمر «المسرح. الوثيقة» خمس سنوات. فهل تكاملت لغة ومنهجية هذا المسرح، خلال هذه السنين؟ وهل صار بالامكان الخروج باجمال له؟ وهل أشر اتجاه تطوره؟
أوغاروف: المرحلة الأولى كانت مفهومة: الحد الأدنى. وقد استعملنا «verbatim» أيضا، كما استعملنا ما نسميه المنهج «التقريري» لوجود الممثل على الخشبة، اي على حافة وهم أن الانسان على الخشبة ليس ممثلا. ولهذا كنا نستعين بغير المحترفين، وأدخلناهم في الفرقة المحترفة وجعلناهم أداة ضبط التمثيل.
شيمادينا: أي، انكم حاولتم التخلي عن كل مناهج المسرح التقليدي، التي سبق أن أطلقتم عليها تسمية «عكازات»…
أوغاروف: نعم، كان ينبغي التخلص من كل الزوائد،والعمل بحيث أن لا يكون هناك عرض مسرحي ولا ممثل ولا مخرج ولا مسرحية…
 v شيمادينا: ما الذي يتبقى اذن؟
أوغاروف: وهذا هو الممتع: ما الذي يتبقى؟ هذا –بالتحديد- ما أردنا فهمه. لأن الكل  صار يتقيأ من مسرح القرن العشرين.تقيأ الجميع ، وبهذا انتهى القرن العشرون. فإلام وصلنا؟ من حيث المبدأ، لم نخرج باجمال كوني. وعلى الرغم من غرابة هذا، فقد وصلنا الى ما يلي: نحن الآن نهيئ لعرض مسرحي «الميكانيكي الأزرق» (كتب المسرحية ميخاييل دورنينكوف)، ولا أعرف ماذا ستكون النتيجة، اذ سيكون الافتتاح في نيسان. هناك في المسرحية شيء مهم جدا من الناحية الفكرية. الموضوع يتمثل في ان شابا شاعرا من الأطراف، يقرر بعد انهاء دراسته في المعهد أن يذهب للعمل ميكانيكيا في مصنع، لأنه قد تاه في هذه الحياة، في حين ان الحياة في المصنع واضحة: العمل يبدأ في السادسة صباحا، وبعد فترة معينة يحين وقت الراحة، وبعد العمل يأتي وقت الشرب مع الأقران. يقرر أن يتزوج وأن يشتري غسالة ملابس وثلاجة وأن ينجب أولادا وأن يعيش ببساطة. وباختصار هذه هي الفكرة المبسطة الهائلة للقرن التاسع عشر : ما ان تعود الى الحياة الطبيعية حتى ينظف كل شيء في داخلك، وتختفي الأشياء الحديثة الزائدة والتعقيدات المصطنعة. لقد وصَّف دورنينكوف فكرة فائقة الأهمية بدقة شديدة، فكرة أن هذا العالم الذي يبدوبسيطا –في الواقع- أشد تعقيدا وأكثر لامعقولية من عالم انسان مثقف يعمل في تحرير صحيفة مثلا. انها حقيقة ناصعة. أنا دائم التفكير في ما الذي يجذب الجميع والمؤلفين الشباب –بشكل خاص- الى المتشردين والكناسين والمومسات وسواق التاكسي؟ ولماذا يهتم كتاب الدراما بالقاع الاجتماعي، على وجه التحديد؟ انه –طبعا- ساطع ومثير. وبالنسبة لي كممثل يعجبني –طبعا- أن أمثل دور سائق تاكسي – أحمق ،مرح. لكن يظهر أن السبب لا يكمن في هذا فقط، ذلك ان عالم القاع هذا غامض على الحقيقة. تظهر في بعض الأحيان عند الشباب في موسكو رغبة في ترك العاصمة والذهاب الى الأطراف، والعمل هناك والعيش بهدوء. لكن حين نتعرف الحياة الحقيقية في تلك الأطراف، ندرك ان هناك علاقات معقدة ولا معقولة، بحيث يتوه أبناء العاصمة العمليون الذين لا يفهمون الخفايا والتعقيدات والاندفاعات والحوافز العصية على التفسير.
أمتع مسرح بالنسبة لي هو مسرح الأسرار. لكني لا أقصد بذلك مفهوم مسرح الأسرار في العصور الوسيطة، بل كوسيلة لسبر أغوار العالم. هذا هو الاتجاه الذي ينبغي السير فيه ومحاولة النفاذ الى ذلك الذي يصعب تفسيره. لأنه من المؤسف حقا أن هذه الأسرارية تقل شيئا فشيئا في حياتنا، في حين ينبغي أن نقدرها حق قدرها.
v شيمادينا: وهل تستطيع أن تورد لنا أمثالا من مسرحيات «المسرح. الوثيقة» أو ربما من «الدراما الجديدة» كاتجاه تام، حيث ظهرت هذه الأسرارية؟
أوغاروف: نعم. مثلا، مسرحية «ماناغر»، وهي مسرحية بسيطة جدا حول المديرين من المستوى المتوسط…
v شيمادينا: بالمناسبة، انها ليست حول المتشردين..
أوغاروف : نعم، ليست حول المتشردين. والى جانبها «معركة الملدافيين من أجل علبة كارتون»، التي تتحدث عن المتشردين تقريبا. ودرجة الأسرارية فيهما واحدة.
v شيمادينا: تقصد تلك المسرحية التي يقتل فيها العمال الأجانب، الذين يعيشون في علب كارتونية بعضهم بعضا؟
أوغاروف: نعم، بالمناسبة، من غير أية أسباب مفهومة، بل لمجرد ان علاقاتهم قد اشتبكت في لفة متشابكة، بحيث قادت الى جريمة قتل لم يكن من الممكن تلافيها. وهذا المخطط ذاته نجده عند المدراء: شخص جديد يدخل في وسط تعود على حال معينة، ويبدأ العيش على حسب قوانين هذا الوسط الغامض، حيث كل شيء فيه أسراري، فعلا.
v شيمادينا : أحد الأسئلة الذي يظهر باستمرار في ما يخص «الدراما الجديدة» هو عدم قياسية المفردات في المسرح، ترى ما مقدار تسويغ هذه المفردات؟ لنقل ان في مسرحية «تمثيل الضحية»، نجد مناجاة الشرطي كلها كلام فاحش، وهذا مسوَّغ بشكل مطلق، لأنها مجرد كلمات ضرورية تسمح للبطل أن يقذف ما في صدره من الأحاسيس. لكن مسرحية «السراويل» مثلا، لا يمكن نشرها، لأنها تتكون من مجرد كلام فاحش. أليست هذه المفردات الخارجة عن القياس هدفا لذاته؟  فالمؤلف قد اكتفى بتسجيل هذه المفردات، أما ما يختفي خلفها، أو لماذا استخدمها المؤلف ، فغير مفهوم…
أوغاروف: كما ذكرت أنت، فالكلام الفاحش ينبغي أن يستعمل لأغراض فنية. لكن من الناحية الثانية، كيف يمكن الاستغناء عنه؟ وحتى مسرحية «الميكانيكي الأزرق» المذكور،حيث ستة ميكانيكيين يعملون في مصنع ويشربون بعد نهاية العمل ويتعاملون مع بعضهم البعض، فكيف سنبني المفردات في أحاديثهم بصورة صحيحة؟ بالطبع، يوجد في مسرحية دورنينكوف كثير من المفردات من غير القياسية، وهذا طبيعي، كما يبدو لي. لقد سبق لي أن قلت يوما ما، عن ما راقبته عند الاعلان عن العرض المسرحي لمسرحية ماكسيم كوروجين «فودكا، جنس، تلفزيون». في البداية كتبوا : «فودكا، …، تلفزيون»، فبدت التسمية غامضة، مما يثير الرغبة بمشاهدة العرض لمعرفة ما يختفي خلف هذه النقاط الثلاث. وبعد ذلك اذهلني أن جريدة «الأدب» كتبت التسمية كاملة. ومن خلال بعض معارفي عرفت أنهم قالوا: «نعم، لقد تشاورنا حول هذا الأمر وقررنا أن نكتب العنوان كاملا». وهذا يعني أنهم لم يطبعوا التسمية هكذا، بل توصلوا الى استنتاج بأن ذلك هو الحل الصحيح. وجريدة «كوميرسانت» طبعت في البداية ثلاث نقاط، لكن بعد مرور فترة اختفت النقاط لتظهر الكلمة مكانها.
v شيمادينا: يعني ان الكلام الفاحش قد اخترق الرقابة.
أوغاروف: لا أحد يتابع ذلك. أو ربما يتابعه اللغويون. لكن الكلام غير القياسي يتحول الى كلام قياسي، شيئا فشيئا. فقد نشروا في جريدة «الكوميرسانت» نفسها مقابلة مع مصرفي، وقد انتبه لهذه المقابلة كثيرون. فحين سألوه عن شيء ما، أجاب: «بالنسبة لي، الى أيري»، وقد نشروا ذلك. وهذا بالنسبة لي حدث لغوي. لكن هل هذا جيد أم سيء، أنا لا أعرف.
v شيمادينا: يعني، ان الكلام البذيء أصبح جزءا من الكلام القياسي..
أوغاروف: نعم، ومهما قيل ، فان اللغة غير كافية، وكانت اللغة القياسية غير كافية في كل العصور، وبسبب ذلك تتطور اللغات. واذا لم تتطور اللغة الى الأعلى، نجدها تتطور الى الأسفل أو الى الجانب.
v شيمادينا: لكن قد يكون استعمال البذيء في المسرحية يشي بعزم البطل على الاختفاء خلف المعجم القياسي لمحيطه واخفاء شخصيته، والاندماج مع الآخرين، بأن يكون مثل الآخرين.
أوغاروف: كلا، بالعكس على الأكثر. فبفضل الكلام الفاحش تظهر للمنطوق قيمة طاقوية: يدور كلام، كلام، كلام، وفجأة كلمة! فتتماسك المناجاة بصورة أفضل. نحن نؤكد على الممثلين دائما: «اذا كانت هناك كلمة بذيئة، فلا ينبغي التعكز عليها بأي حال من الأحوال، بل يجب أن تكون أخف من بقية الكلمات، وعند ذاك فقط، ستشتغل». وهذا بالنسبة للممثلين امتحان جيد للحيوية، فقليل من الممثلين يستطيعون أن ينطقوا بكلام فاحش على المسرح بعفوية.  فاما أن يكون أحدهم سعيدا لأنهم سمحوا له – أخيرا- أن يشتم، واما أن يكون مكبوتا لأنه يخجل أن ينطق بالشتائم، لكن المخرج يطلب منه ذلك. أما بالنسبة للمتفرج، فهذا امتحان لحيويته: ذلك اننا لا نهتز في الحياة في كل مرة نسمع فيها كلمة غير قياسية، ولا نصرخ «آه» مرعوبين.
v شيمادينا: تعال لنتحدث عن الاشكاليات الاجتماعية، التي تُعد مهمة جدا في المسرحيات. فقد أطلقوا على بينالي موسكو الأخير للفن المعاصر:«بلاغ: جيوبوليتيكا، أسواق، فقدان الذاكرة»، فهل تحسب المسرح المعاصر قادرا على أن يدعي لنفسه موقفا مواطنيا فعالا،أم أن هذا مجرد تعقيب على حياتنا؟
أوغاروف: المسرح اليوم لا يستطيع –طبعا- أن يدعي ذلك. لكن، بصورة عامة، يجب عليه ذلك مثاليا. المسرح، جزء من العقل الجمعي للمجتمع، يقف باحدى رجليه على المسرح وبالأخرى على الأرض، فطبيعته عمومية. ولم يستطيعوا ترويضه الا بعد مرور فترة، فعملوا منه فنا للفن. ان التحامل عندنا فضيع. فمثلا، ما ان يبدأ الرسام أو المخرج بالتعبير عن موقفه المواطني حتى يبدأون الكلام: «ها هو قد نفد ما عنده، ولم يعد لديه ما يقوله».
v شيمادينا: قد يكون هذا الرأي القائل بأن المشاكل الاجتماعية ليست فنا بل أزمة ،متبق من الزمن المابعد سوفييتي؟
أوغاروف: نعم، هذا الرأي الشائع أتى من هناك. حين كنت شابا وكنت أعمل في المسرح، كان الجميع يؤمنون: ان الممثل الذي ينشط في المجال النقابي هو ممثل فاشل. كان هذا الاستنتاج –في الغالب- له ما يسوغه، لكن هذه العلاقة نحو نشاط الفنان المواطني والسياسي  بقيت لحد الآن. لكن، يبدو لي ان الكلام في المسرح عن المشاكل الاجتماعية، ضروري بشكل خاص في هذه الأيام. لكن العاملين في المسرح الآن، يمكن تأليف أغان عن خنوعهم وارتشائهم. فما ان يعدون أحدهم بمجرد لقب حتى يصبح محبا للحكومة وللجيش وللقوات الفضائية، فما بالك لو وعدوه بمال مسرحي غير منقول!!
v شيمادينا: في الغرب، صار مقبولا اخراج مسرحيات تعالج المشاكل اليومية الحياتية، أما في روسيا فيُعد ذلك غير لائق ، تقريبا.
أوغاروف: هذه ثقافة بدائية. فكل الثقافات البدائية تحب الكلام عن السامي، وتفضل أن يكون الكلام شعرا. أما الثقافة المتطورة، فتبحث في التفاصيل النفسية، في الأحداث الآنية. أما في أوساطنا المسرحية الروسية فيعشعش مثل هذا الحكم المسبق: «كيف يمكن أن تعالج المهم اليومي؟ لغرض الكلام عن الزمن المعاصر ينبغي اخراج «ماكبث»، والكلام عن اليوم المعاصر بمساعدة شكسبير، لأن ذلك سيكون ممتعا». اني ارتجف حين أسمع مثل هذا الكلام. ويبدو لي ان المسرح –والحمد لله- بدأ يغادر هذا التوجه، شيئا فشيئا. أو ربما هذه أوهامي فقط. فاليوم نرى ان من يتكلم عن المشاكل الاجتماعية هم : «المسرح. الوثيقة» و»براكتيكا» (تقول صفحة هذا المسرح على الانترنت : ان مسرح «براكتيكا» هو مسرح الموقف الاجتماعي الفاعل، وهو مركز الفن المعاصر. وقد أراد ادوارد بوياكوف المدير الفني للمسرح أن يكون متجها نحو المسائل والمواضيع الملحة، ونحو البحث عن لغة معاصرة واسلوبية مسرحية جديدة، ونحو اكتشاف كتاب ومخرجين مسرحيين من العاملين في المسرحية الحديثة) ومركز روشين وكازانتسيف (مركز الدراما والاخراج. وتعود فكرة انشاء هذا المركز لاثنين من كتاب الدراما المعروفين هما روشين وكازانتسيف، في نهاية التسعينات من القرن الماضي، حين شعر الجميع بغياب جيل جديد من المخرجين والكتاب والممثلين المسرحيين. وكان تأسيس المركز يهدف الى اعطاء العاملين الشباب في المسرح امكانية تحقيق أفكارهم.) و«مخات» (المسرح الفني المسكوفي)  أحيانا. في حين يبقى المسرح في الأساس مستمرا في التسلية والكلام عن السامي.
v شيمادينا : هل ترى أن على المسرح أن لا يمارس هذا؟ ان 99% من المتفرجين يذهبون الى المسارح طلبا للراحة والتسلية، فهل تريد أن تعرض لهم الحياة ذاتها التي أقرفتهم بما فيه الكفاية؟
أوغاروف: المسرح في حالته المثلى ينبغي أن يسلي. لكن مستوى المتعة يمكن أن يكون مختلفا. فهناك متع ذكية وأخرى فيزيولوجية: يدخلون المسراح للبكاء «آه ما أحسن هذه المسرحية، لقد شبعت بكاءا، أو ضحكت حتى الدموع». والكتاب الجيد يشكل ترفيها من نوع ما. وأنا لا أريد تحويل المسرح الى منبر لقراءة المحاضرات، فلن نستطيع أن نفلت من الطبيعة.
شيمادينا: لو أخذنا المؤلفين الحاليين الذي وصلوا الى الواجهة بفضل «الدراما الجديدة» والمسارح التي تكلمنا عنها: الأخوة دورنينكوف والأخوة بريسنيكوف وماكسيم كوروجكين وايفان فيريبايف وسيبرغي سيغاريف وآخرين، فهل يمكن الكلام عنهم بصفتهم «موجة جديدة»؟ (انهم مجموعة من الأشخاص الذين توحدهم الافكار الجديدة ذاتها، ويعملون في أماكن مختلفة، لكن أهم ما في حياتهم، هو المسرح. انهم لا يعملون فيه، أي انهم لا يستلمون أجورا، لكنهم يعيشونه. وقد تكونت رفاقية غير ربحية سنة 2002 باسم: «المسرح الشبابي..»الدراما الجديدة»)  وهل لهم موقف مشترك ونظرة مشتركة الى العالم؟ أم انهم موزاييك؟
أوغاروف: انهم مثل الموزاييك. فالوقت الراهن –كما يبدو لي- ليس وقت وجهة نظر مشتركة الى العالم. نعم يمكن أن نجد المشترك، فهناك توجه ما، ان لم يكن اجتماعيا فهو قريب من الاجتماعي. وهو موجود عند الاخوة بريسنيكوف، ويأخذ تعبيرا أكثر تعقيدا عند الاخوة دورنينكوف، لكنه موجود. وعند كوروجكين موجود أيضا. أما فيبيرايف، فمهما تصنع انه يكتب حورات لايفان مع اله، فهو يستهدي بالفكر الراهن. «الوجود رقم2» نص لمراهقينا الراهنين، للشباب الصغار، وقد راقبت كيف شاهده طلاب مدينة نوفوغورود السفلى وأفواههم مفتوحة. ثم تحدثوا بعد ذلك: «أنا حين كنت أسير في الشارع، كنت أفكر بهذه الأفكار نفسها». الزمن الراهن يوحد كتاب الدراما، ليس بالنزوع نحو الأدب الراقي، مع انهم ينزعون نحوه أيضا. فالجمال اللغوي يخضع لمعضلة ما. و بالطبع، يغيب دافع «خدمة» الجمهور والنخبة المسرحية عند الكتاب الحاليين . لقد حاول كوروجكين الكتابة على حسب الطلب، لكن الذي نتج كان أسوء بكثير من تلك الأشياء التي كتبها لنفسه. ومع ان كل هؤلاء الكتاب يستطيعون كتابة «كوميديا مصنوعة جيدا» بسهولة، وبذلك يهيئون لأنفسهم حياة غير فقيرة.
v شيمادينا: انهم –على أية حال- يصنعون لأنفسهم أسماء. فالكتاب الجدد أصبحوا شخصيات موضة ولا تخلوا صفحات المجلات من أسمائهم.
أوغاروف: صحيح تماما. انها قصة ظريفة، معلوم الى أين ستقود. لكن قد يتمرد أحدهم، الأخوة بريسنيكوف ، مثلا.
v شيمادينا: مسارح مثل «مسرح. الوثيقة» ومسرح براكتيكا، مع كل ما فيها من ازعاجات ( بمختلف المعاني) أصبح ارتيادها موضة. ومعروف ان رواد مسارحكم لا  يقتصرون على الطلاب والشباب، بل يوجد بينهم أغنياء يمكنهم شراء تذاكر الى أغلى العروض المسرحية. يعني ان ارتياد مسارحكم صار دليل اعتبار.
أوغاروف:  نعم، لأن فن الصالات الكبيرة ذات المقاعد الوثيرة والاستراحات والبوفيهات والجمال على الخشبة قد خرجت من الموضة. فقد طردته موضة الازعاج والتقشف والحد الأدنى. انه توجه غريب جدا.فمثلا، البنايات المسرحية: مهما حاولت، ينبغي للمسرح أن يكون في وسط المدينة. وقد هدد «مسرح َالوثيقة»  خطرُ فقدان بنايته، لكن العاصفة هدأت الآن والحمد لله، لقد عرضوا عليه امكانات مختلفة، لكننا أدركنا الآن أن المسرح لا ينبغي أن يكون في مكان ناء منعزل، واذا وُجد في مثل هذا المكان سيختفي الجو العام ، وسيظهر بدله جو عام آخر مختلف. وقد ظهرت عندنا –حينئذ- فكرة مؤداها: لا لمنطقة مثل منطقة فيخونو، فالأفضل الذهاب الى منطقة نائية منزوية مثل منطقة ناخابينو . لأن الذهاب الى مثل هذه المنطقة يتطلب جهودا خاصة، إذ ينبغي للشخص أن يركب سيارة ويتحمل عناء الطريق، فيبدو له الذهاب الى هذا المكان لمشاهدة شيء ما في مصنع مهدم لصناعة الطابوق، عملا أخرق. هل تفهمين هذا المنطق؟ أي ، اما أن يكون المسرح في مركز المدينة قرب محطة مترو «ماياكوفسكايا» ، واما يكون في مكان ناء مثل ناخابينو. ان المزعجات تعطي للتلقي نوعا اضافيا من الاثارة. أما القاعة الفخمة المريحة فهي للمواطنين الاعتياديين، الذين يذهبون مع زوجاتهم وزملائهم في العمل بعض تصفيف شعورهم وارتداء أطقم الاحتفال. انه انقسام مثير للاهتمام. أنا لا اعرف ان كنت سأقول شيئا من «ضمن الموضوع» أم لا. لكن هذه مسألة أصبحت ملحة هذه الأيام. لقد عانى المسرح من قرن لآخر مشكلة اجتذاب المتفرج. أما الآن فقد ظهرت عند مسرح «براكتيكا» و»مسرح. وثيقة» مشكلة جديدة، هي كيفية التخلص من الجمهور الفائض. قد يكون السبب في حجم القاعات الصغير. وهكذا يبقى الدخلاء في المدخل. انه اتجاه ملفت، وقد ظهر من غير وعي، ثم صرت أؤوله بعد ذلك. فمثلا، «مسرح. الوثيقة» لا يلصق اعلانات في الشوارع، وليس لديه اعلان أصلا، وحتى التذاكرلا يعطيها البائع ولن تجدها في الانترنيت.
v شيمادينا: لأنها قليلة، ولهذا تنفد بسرعة…
أوغاروف: وجدول المواعيد موجود في شكل افتراضي فقط، في الانترنيت. وهذا يعني ، اذا كنت لا أملك مدخلا الى الانترنيت فلن أعرف مواعيد عروض «مسرح. وثيقة»، أي ، اني لن أذهب اليه، الاّ اذا دعاني صديقي. هناك طريقان: اما أن يدعوني صديقي واما أن أكون مهتما بهذا المسرح وأبحث عن المعلومات حوله، وهذه طريقة جيدة للتصفية. فحين يكون للمسرح متفرجون خاصون، فسيستطيع تقديم عروض مختلفة. ومسرح «براكتيكا» لديه منظفاته الخاصة أيضا، موجهة للتخلص من المتفرج الدخيل.
v شيمادينا: ألا تشم من هذا الوقف رائحة التعالي؟ اذ يبدو الأمر وكأنكم طائفة منغلقة على نفسها، لا يمكن الوصول اليها الاّ لمتفرجين خاصين بعينهم. فأين إذن، الحماس الاجتماعي؟
أوغاروف: كلا، المتفرجون ليسوا دائما هم أنفسهم.
شيمادينا: ومع ذلك، تبقى الحلقة ضيقة.
أوغاروف: كلا، لو أخذنا سكان موسكو على شكل نسبة مئوية، فانهم منجم لا ينضب من المتفرجين. لكن، لو كان «مسرح. وثيقة» في مدينة أورل أو في مدينة كيروف، لكان عدد متفرجي كل افتتاح ستين متفرجا على الدوام. أما هنا فالدائرة واسعة جدا. وينبغي أن يكون عدد المسارح ذات اللون المتميز، التي يختلف احدها عن الآخر، ولا يمكن الخلط بينها، مائة وعشرون مسرحا ، كحالة مثالية. مثلا: «أنا أذهب أيام السبت الى مسرح العروض الجنسية». «وأنا أذهب أيام السبت الى مسرح المدافعات عن المرأة».
v شيمادينا: «وأنا أحب المسرح الموسيقي».
أوغاروف: نعم، ان هذه ديمقراطية جيدة.
v شيمادينا: لكن، الأمور عندنا لا تزال على الضد من هذا: مائة مسرح متشابهة، مع استثناء نادر.
أوغاروف : نعم، وحين تستيقظ في قاعة ما سيكون صعبا عليك أن تدرك في اية قاعة بالتحديد استيقظت. اذ يصعب أن تفهم من ناحية الأسلوب، هل هذا مسرح موسوفييت أم مسرح ستانسلافسكي. أي مسرح هذا!. لكنك تتعرف مسرح فيكتيوك، لأن الممثلين يظهرون عراة على الخشبة. وهكذا، هناك توجه مثير هذه الأيام، هو تقسيم المتفرجين. لأن القرن العشرين قد قاد الى خسراننا المتفرج الشاب المثقف.
v شيمادينا: لقد مضى القرن العشرون تحت شعار صاغه ستريلير جيدا، هو : «مسرح للناس». لكن الفكرة الرائعة «مسرح للجميع» قد دُنست. فأغلب المسارح اليوم قد انحطت الى مستوى الشارع.
أوغاروف: نعم، لقد تبقى من تعريف «الفني والمفهوم للجميع» الجزء الأخير فقط.
v شيمادينا:  هناك مسألة أخرى تناقش باستمرار، هي دور المخرج في المسرح المعاصر. فعلى قدر ما أستطيع الحكم بناء على عروض «مسرح. وثيقة» وعروضك أنت وتصريحاتك في الصحافة، فأنتم تعطون للمخرج دول الناقل، الذي يجب عليه ايصال فكر المؤلف الى المتفرجين. ام ربما، أنت تعترف له بحق تفسير نص المؤلف والمشاكل المطروحة فيه؟ وتعترف له بحق امتلاك وجهة نظره الخاصة الى المسرحية والواقع؟
أوغاروف: نعم، أعترف له بالحق في ذلك، ذلك أن التفسير لا مناص عنه.
للأسف الشديد، كانت في القرن العرين نظرية صحيحة، تقول: ان المخرج ليس سوى متفرج مثالي. فهو ليس أستاذا أو متنبئا أو ساحرا، بل انه متفرج جيد جدا، ومتقدم على الآخرين، انه يعمل العرض كما يريد هو أن يشاهده، وكما يريد أن يراه رفيقه الجالس الى جانبه.
أنا أشتم مسرح المخرج، لكني أدرك أنه قد دفع المسرح بصفته فنا الى الأمام بقوة. وقد بحث في النواحي التي كانت ميتة، وأغنى المسرح بصورة ملموسة. لكن ديكتاتورية المخرج قد أضرت بالمسرح، أيضا، حين أوصل مبادئه الى حد الصدمة. مثلا، ان الغزارة والغلو الذي لاحظه الجميع في المسرح. انه اليوم مشكلة جدية. فالمسرح مترع بالنوافل، وقد تكلمت سابقا عن المنهج القمعي الذي لا يعطيني أي عمل بصفتي مشاهدا، ولا يعطيني أية حرية. إذ ينهمر علي سيل من الانطباعات: موسيقى وضوء ولون وتمثيل عنيف، وكل ذلك يكرر الشيء ذاته. ما عدا استثناءات نادرة ، حين يُبنى طباق معين (counterpoint). الممثلون عندنا في الغالب، قد دُربوا على عدم الثقة بالمسرحية، على اعتبار أن النص غير ممتلئ وغير تام، وأن عليهم اتمامه. فاذا كان النص حزينا-يقول لسان حالهم- فسأجعله حزينا الى أقصى الحدود.
أنا أعتقد أن على المخرج اليوم، أن يعمل بطريقة أكثر تعقيدا وأكثر رهفا. وهذا –طبعا- أكثر صوبة، إذ ان اخفاء نفسك هنا، هو نكران ذاتك، في حين يود المخرج أن يعبر –بقوة- عن نفسه في العادة. لكن ، هنا عليه أن يمنع نفسه من ذلك. لكن هذه الطريقة أكثر متعة: عليك أن تمنع نفسك وأن تسكت وأن لا تصرح ولا تعلق، على أن تبقى مخرجا، مع ذلك، أي أن تبقى صانع العرض.
v شيمادينا: هل هذا يعني أن تقترح على المخرجين الامتناع عن التعبير عن ذواتهم؟ أظن قليلا منهم سيرضى بذلك.
أوغاروف: مرة أخرى… أنا لا أنكر أن هناك شخصيات مهمة ويهمني رأي وموقف هذا المخرج بعينه. لكن الحقيقة، اذا تكلمنا باخلاص، فان مثل هؤلاء المخرجين لا يزيد عددهم على أصابع اليد الواحدة، أما البقية الباقية من الألفين والخمسمائة منهم فلا تهمني. لكنهم –ايضا- يدَّعون الحق في أن يكونوا مؤلفين: «أنا الآن أتكلم، أنا أخرج».
أنا أشتغل في الدراما الحديثة، ومثل هذه الأشياء تشكل للدراما الحيثة كارثة.
المؤلفون المعاصرون، لا ينبغي تأويلهم. فالجمهور لا يعرفهم، ولهذا ينبغي أولا، أن نفهم ما الذي يعرضونه علينا، وماهي القصة التي يحكوها لنا.وبدلا من ذلك ترون المخرج ووجهات نظره في الأشياء. لقد مررت بمثل هذه التجربة. ففلاديمير سيرزويف مخرج جيد جدا. ولكن حين شاهدت العرض الذي أعده لمسرحيتي «حَمام»، الذي كان العرض الأول لي في موسكو،لذا كان حدثا مهما بالنسبة لي، فقد شعرت انهم شقوني الى قطعتين. فمن ناحية، أدركت أن العرض جيد وعميق، وان المخرج جيد والممثلين رائعون (لقد شاهدت في هذا العرض فلاديمير سكارتسوف ولابشينا وفيتالي خاييف لأول مرة)، لكن من ناحية أخرى، كنت جالسا في القاعة ولم أفهم هؤلاء الناس الموجودين على الخشبة، حيث تجري الأحداث. ترى هم رهبان أم سقاة ماء، وهل هذا دير من القرن السابع عشر أم مكان لغلي الماء؟ اقترب مني في حينه، بعض الأصدقاء قائلين: «انه شيء ممتع،انه عرض ممتاز،لكن هل لك أن تحدثنا ماهي القضية. لقد أصبت بالفصام، هل تفهمين قصدي؟ وقد حدث هذا بسبب الانشطار: فمن ناحية كنت راضيا وفخورا جدا، أما من الناحية الثانية، شعرت بنفسي مهمَلا ومهانا. ولا زلت أذكر هذا الاحساس لحد الآن. وهناك مثل آخر. فبعد هذا العرض، أخرج يوزويف مسرحية كازانتسيف «ذاك وهذا الأثر». لكن المخرج تصرف بانسانية أكثر، إذ وزع على الحضور «ليبريتو». فمثلا، المشهد الفلاني: أنّا تأتي الى بيتر وتطلب منه الطلاق. شكرا له على ذلك، إذ لولا هذا التعليق لما استطاع المتفرج أن يفهم ما الذي يحدث على الخشبة، ذلك أنهم كانوا يعرضون في ذلك الوقت شيئا مختلفا تماما.
 مسرح جيد؟ نعم جيد. لكن ،مع ذلك، يود الانسان أن يفهم عم يجري الحديث.
v شيمادينا: وهل هناك مخرجون معاصرون يستطيعون اخراج المسرحية، بحيث يقدمونها للمتفرج على طبق، ويبقون وكأنهم يضبطون أنفسهم ، في الوقت ذاته؟
أوغاروف: المخرجون قليلا ما يخرجون مسرحيات حديثة، على الرغم من صراخنا: «آه، دراما جديدة، آه، انها تماشي الموضة». فالمخرجون الذين يهتمون بالمادة المعاصرة على عدد أصابع اليد الواحدة، في واقع الأمر. والأمر كله لا يعدو وجود أسماء صارخة مثل، كيريل سيسيبرينيكوف. اني أعتقد ان المسرح الجديد لا يزال على الأبواب.
v  شيمادينا: لكن سيسيبرينيكوف مؤول أيضا..
أوغاروف: نعم، انه يؤول بقوة، وبذلك يبدل فكرة المسرحية ، لكن ليس في الاتجاه الصحيح، هذا ما يبدو لي بصفتي كاتبا مسرحيا. انه يؤثر بقوة على النص وعلى المتفرج. وقد عمل هكذا مع الأخوين بريسنيكوف، مثلا.وأنا أعرفهما جيدا، فهما ومسرحياتهما أكثر ذكاء وعمقا ورهفا من ما تبدو عليه العروض المعمولة بناء على تلك المسرحيات. فكيف تحولت فكرة النسخة الأولى لمسرحية «تمثيل الضحية»، عنها في النسخة الأخيرة. نعم، انها أصبحت موائمة للموضة أكثر، وصارخة أكثر، ومؤثرة أكثر، لكنها فقدت الكثير من الأشياء المهمة. ان الاخوة بريسنيكوف شابان غريبان ، بصورة عامة، ففي نصوصهما تجد دائما، تمازج البوب بأقصى أشكاله مع الأفكار المرهفة المهمة. وهذا ما أسرني في النصوص الأولى لهما التي لم تُخرَج بعد، في مسرحية «س ي ت -1» مثلا. لقد أخرجت أوليا سوبوتينا مسرحية « س ي ت-2»، التي مثلها كازانتسوفا وروشينا في المركز،(مركز الدراما والاخراج)  أما «س ي  ت 1» ، احدى أعمق وأغرب الأشياء ، فلم تخرج بعد.
لقد نظمنا في ياسنايا بوليانا مختبرا ممتعا. انها ورشة عمل اجتمع فيها عشرة مؤلفين وعشرة مخرجين لكي يبتكروا شيئا ما. لكن ذلك لا يحدث كما في السينما، حيث أطلب منك ان تكتب لي حول هذا الموضوع لأخرجه، أو اعطيك سيناريو وأقول لك :» تعال اخرجه. كلا ، عندنا الجميع يعملون معا، منذ البداية. وحينئذ يفهم الشباب مهارة الحرفة الأخرى. أنا أشتم المخرجين كثيرا، لكن كتاب الدراما  ليسوا بأفضل منهم. انهم لا يفهمون خصوصية حرفة المخرج، ولا يريدون حتى محاولة التفكير بالمادة التي يتعامل معها الشخص الذي يخرج نصوصهم. فهناك الممثلون والحوارات والفضاءات، وعلى المؤلفين أن ينغمسوا في هذا كله. وبهذا سيظهر الناتج الجيد. فمثلا مسرحية الكاتب البيلوروسي بافيل برياجكو «السراويل»، ولدت في مختبرنا هذا.
v شيمادينا: وهل يختلف الجيل الجديد من كتاب الدراما عن أولئك الذين أصبح الجمهور العريض يعرفهم، مثل: الأخوين بريسنيكوف والأخوين دورنينكوف؟
أوغاروف: نعم، يختلفون.انهم عمليون أكثر. فقد كان الأخوان بريسنينكوف والأخوان دورنينكوف منقطعين عن السوق المسرحية بصورة عامة. ولم يكونوا يهتمون «هل ستصيب أم ستخيب» عندما يكتبون. لم يكونوا يفكرون بذلك، كانت الأفكار تخطر ببالهم فيكتبونها. وكان ذلك مهما. أما المؤلفون الجدد، فقد قرأوا كثيرا في مجال حرفتهم. فما أن تخرج مسرحية جديدة للكاتب سلافا دورنينكوف حتى تهرع كل الشبيبة المسرحية لدراستها فورا، هذا من ناحية. أما من الناحية الثانية، فان الذين يبدأون الكتابة الآن، ينظمون بحثهم بصورة عملية وعقلانية. ذلك أننا لم يكن لدينا في السابق كثيرا من التنوع. كانت عندنا مدرسة نيكولاي كوليادا، وقد كُتب الكثير من المسرحيات «على خطى كوليادا». قد لا تكون كل هذه المسرحيات بلون واحد، لكنها برنة واحدة، بالتأكيد. كانت أولغا موخينا وأشياؤها البناتية موجودة، وكانت كسينيا دراغونسكايا موجودة. أما الآن، فهناك طيف كامل من الاتجاهات والتنوع، وهناك اختيار. إذ يبني كل واحد استراتيجيته في هذا التنوع.
v شيمادينا: لكي يعثر على طريقه الخاص الى المتفرج؟
أوغاروف: نعم، ان واجب المؤلفين الجدد ان يقدر كل واحد منهم محرابه ، بدقة. لم يكن الأمر مع الأخوين بريسنيكوف هكذا. وأنا أذكرهما. كانا متحررين تماما. إذ كانا يدركان أن نصوصهما لن يخرجها أحد. وقد كُتبت تلك النصوص لعشرين أو ثلاثين شخصا، وللمسرح الطلابي في جامعة يكاتيرنبورغ. كان هناك مسرح موجود باسم كريستينا أورباكايتي. وكان الأخوان يعرفان أن هؤلاء هم كل جمهورهم. وبعد ذلك..انفتح أمامهما فضاء هائل، فانذهلا وضاعا ، بطبيعة الحال. وكانت سيرورة التأهل للامكانات الجديدة صعبة جدا. لكن هذا كان طبيعيا. وطبيعي أن تصبح «الدراما الجديدة» التجريبية بضائعية، ولن يستطيع أحد تغيير الحال. ولعل تحولها الى بضاعة أفضل من أن تكون بائرة لا يريدها أحد.
v شيمادينا: أذكر أحد برامج يلينا غريمينا ،الذي تحدثت فيه عن «الدراما الجديدة»، فاتصلت بها احدى المستمعات التي شتمت مسرحيات الشباب، فردت عليها يلينا غريمينا قائلة: «اذا كانت هذه المسرحيات لا تعجبك فلا تذهبي لمشاهدتها. فأنا لا أحب أفلام الرعب ولا أشاهدها، ولا أحب الروايات النسوية ولا أقرأها». ان هذا يعني أنها تساوي بين «الدراما الجديدة» مع الأنواع الضيقة. فهل هذا صحيح؟ وهل تحولت الدراما الحديثة الى نوع ذي طاقم محدد من الصفات؟ أي أني حين اذهب لمشاهدة مسرحية حديثة فاني أعرف مسبقا، ان ما ينتظرني هي قصة حول منبوذين ما، وأني ساسمع من على الخشبة كلاما غير قياسي ، وما شابه ذلك، أم ان مجال الدراما المعاصرة أوسع من ذلك؟
أوغاروف: لكن، أولا –بالطبع- لا يمكن أن تنحصر الدراما المعاصرة في «الدراما الجديدة»، أما ثانيا ففي هذا الاتجاه يعمل أشخاص متباينون، كما قلت سابقا، ولكل واحد منهم صوته الخاص واهتماماته وترنيمته. لكن هناك ما يجمعهم، بطبيعة الحال. وحين يذهب المتفرج الى «الدراما الجديدة»، عليه أن يكون معتدا بأن ما سيراه على الخشبة هو ما يراه في الحياة. لقد كررت دائما، أن هناك نمطين من الناس: أولهما النمط العصابي، الذي يريد أن يعزل نفسه عن الحياة، يريد أن يشاهد «يوميات نارينا» لينسى لبعض الوقت رئيسه الشرير وزوجته الفظة. والنمط الثاني من المتفرجين هم هؤلاء الذين يحبون مشاهدة أفلام عن الواقع، عن الحياة. وهذا يعني أن هذا النمط من المتفرجين ينبغي أن يكون متأهبا ليرى في العرض المسرحي كل ما يراه في الحياة. المخرج السينمائي بوريس خليبنيكوف قال عن هذا الأمر شيئا جيدا: «الشجار في الشارع المصور على شريط سينمائي يكف عن كونه شجارا في الشارع، انه يتحول الى شيء آخر»، وهذا ينطبق على المسرح أيضا.لكن لا ينبغي أن نلصق مزاج الكارثية بالمسرح الجديد كله. لقد تغير الآن ، المقترب الى المادة في الدراما المعاصرة: سابقا، كان المؤلفون الشباب يكتبون عن العالم الذي شوهه البشر، أما الآن فالكثيرون يجربون وصف حالة الانسان ، الذي يحاول تغيير العالم، حتى وان كان هذا العالم صغيرا، كأن يكون البيت أو الأسرة. ويتكاثر الآن، ظهور مسرحيات تتجه هذا الاتجاه.
v شيمادينا: مثلا؟
أوغاروف: هناك أمثلة كثيرة عند الأخوين دورنينكوف. أما يوري كلافدييف، فتبدو مسرحياته وكأنها قاسية. لكن بطله انسان حقيقي، تغبطه على طاقته.نعم، انه يقتل ويغتصب. لكن باسم العدالة. وهكذا هو «تيمور ومجموعته» ، لكن بعلامة مقلوبة.
v شيمادينا: بالمناسبة، هذه ثيمة ممتعة أيضا. البطل الجديد. فهل ظهر هذا البطل في الدراما المعاصرة؟ وما شكله؟
أوغاروف: البطل لم يختف أبدا. لقد كان موجودا دائما. وحين أقمنا مهرجان «الدراما الجديدة» في السنة الماضية وضعنا –مازحين-على البرنامج «ابحث عن بطل» على شكل ختم. وقد تعمدنا ذلك، لأن الختم ليس شكلا فقط، بل ختم في الوعي أيضا. ولهذا لم يتعرف المتفرج قط، بطله المعاصر له. وقد حدث هذا في كل الأزمنة. ولتأكيد ذلك ما عليكم سوى تذكر تاريخ الأدب. وفقط،بعد أن يمضي الجيل، يقولون: «آه.. لقد كانوا أبطالا».وقد تأذى ليرمونتوف المسكين من ذلك. فقد أكد الجميع أن بطله ميتشورين «ليس بطل هذا الزمان».ولم يكن يهمهم المغزى والمعاني والأفكار. ولهذا رفعنا هذا الشعار على شكل ختم. انه خبث من جانبنا، لأن البحث عن البطل لا معنى له. انه موجود. لكن من هو؟ انه متباين تماما. وهنا ، لا داعي –من حيث المبدأ- اعطاء أية تحديدات. مع اني أستطيع مع ذلك، أن أسمي احدى صفاته، انه شخص يحاول ان يغير شيئا.وقد كانت مسرحية فاسيلي سيغاريف «المادة اللدنة» مسرحية نموذجية عن الجيل السابق، حيث تؤشر الى ان العالم عمل بالانسان كل ما أراده، فقتله نتيجة لذلك، أما الأبطال الجدد فلم يعودوا لدنين.
v شيمادينا: ولديهم موقف حياتي فاعل؟
أوغاروف: نعم، لديهم موقف فاعل. لكنه ليس بطوليا.الناقدة المسرحية مارينا دافيدوفا، قالت في معرض حديثها عن مفهومها لـ «الانسانية الجديدة»، أن الفكرة هي ان البطل ليس انسانا خارقا يتميز بمزايا خارقة، بل انسان عادي، يستحق الانتباه لمجرد انه يعيش. انها محقة ، من حيث المبدأ، فالأمر اليوم هكذا. ومهم أن نعرف كيف نتحدث عن هذا. 
 
عبدالهادي الراوي
  ناقد من العراق يقيم في السويد

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …