مختارات قصائد فرانسيسكو برينيس

بهاءٌ أسْوَدُ
مرةً واحدةً فقط استطعتَ أن تعرفَ ذلك البهاءَ الأسْوَدَ
بِشَكلٍ مُتقطِّعٍ تتذكَّرُ التجربة في التِباسٍ،
دُنوٌّ مُسهَبٌ، أشياءٌ وشيكةٌ
وهكذا، منذ عنفوانِكَ، تسحبُ خلفكَ برْداً،
معطفاً لا مرئيّا من رمادٍ قُرمزيٍّ.
ولم يكن لزاماً تعميَةُ العيونِ،
ومن أنوار الكواكبِ السَّاطعَة
أتَى ذلك الهذيانُ، الاحتمالُ الأكثرُ دقةً وبسَاطةً:
وبدَلَ الإِلهِ أوِ العَالمِ
كان ذلك البهاءُ الأسْوَدُ
الذي ليس حتى نقطةً، وَلا حَيِّزَ فيه لِفضاءٍ
ولا يمكنُ تسْميته لأنه لا يتمدَّدُ.
يستوي السُّكون وَالدوارُ،
وإذنْ فالكلماتُ قِيلَتْ منذ حُلكة الأرض
والكلماتُ مجردُ بَوْحٍ بخديعة.
العودةُ إلى المركزِ ذاك هو المُضِيُّ عبر هوامشِ الحياةِ،
دون أن تعرفَ الحياة، لا عالمَ مستحيلٌ،
وإذنْ وحدَها اللَّاوِلادةُ يمكن أن تُدنيكَ من تلك التجرِبةِ،
إبداعُ اللَّاوجودِ وَكُلِّيّته
لم يُصَيِّرْكَ جباراً،
وَلم يسْفحْ دموعك، فما افتديتَ شيئاً.
عدمُ الإدراكِ شأنُهُ شأْنَ تأمُّلِ العالمِ
أفضى بكَ إلى الرهبةِ من ذلك البهاءِ الأسْود،
ومن ذلك الانكشافِ لمَّا تدثَّرَتْ بالشَّراشف.

تحديدُ العدمِ
الأمرُ لا يتعلق بِفجوةٍ، وهي انتقاصٌ،
وَلا بِانعكاسِ الضوءِ،
فكُلُّ ما ينفي يبْني،
ليس بالصمتِ الذي وإنْ لم يكُن حذفاً،
فهُو يُبَثُّ فيما لا يُحصى مِنَ الطبيعةِ الكثيفةِ.
وَلأننا نتحدثُ من هذه الخدعةِ الوفيةِ في تخيُّلِ الكلمةِ
يمكننا أن نُعلنَ هذا التوقفَ المهِيبَ:
لا يتعلقُ الأمر بالوجودِ المُؤكّدِ لمفهومِ الإلَهِ كاستحالةٍ.
ولا النفيُ المُسبَقُ لعدمِ كفايةٍ ما.
تُفَكِّرُونَ فِيهِ كَبَرْدٍ لَكِنَّ ذَلِكَ هُوَ جَسَدُكُمْ.
لا يؤكدُ تناسقه المُحكَمُ شيئاً ولا ينفيهِ.
الساحلُ الأخيرُ
كان ثمَّة زورقٌ جاهزٌ في الضفَّةِ
بِأُناسٍ مُتجهمين. وسحيقةً كانتْ
ليلةُ الحتْفِ.
وفي المدى الأبعدِ، كانَ ذلك الزورقُ ذو الأضواءِ الشَّاحبةِ،
حيث يتكدَّسُ حشدٌ في حدادٍ مُتحمِّسا
رغم عبوسه.
وأمام ذلك الضبابِ المُطبِقِ
تحت سماءٍ هي الآن بلا قبَّةٍ زرقاءَ.
زورق ينتظرُ بينما زوارقُ أخرى عَلَى الرمالِ.
وصلنا منهكين بأجسادٍ مُتوتِّرةٍ وجِلْدٍ قد تيبَّسَ.
وكان يطفو في المكان هواءٌ ساكنٌ
بأهدابٍ منَ الرطوبة.
كان كلُّ شيءٍ جاهزاً.
الضبابُ الذي ما يزالُ أكثرَ إطباقاً
يُلِحُّ على الرحيلِ. وكانت عيناي مُضاءتين بالدموع.
هيأْنا المجاذيفَ المُتهالكة،
ومثل عبيدٍ خُرْسٍ
مخَرْنا عبابَ تلك المياه السوداء.
كانتْ أمي تنظرُ إليَّ من الزورقِ في ثباتٍ
في تلك الرحلةِ، رحلةِ الجميعِ بِاتجاهِ الضبابِ.

سُبُلُ المعرفة
في تعبِ الليلِ
وأنا أتوغلُ في الموسيقى الأكثر عتمةً،
استعدتُ خلف عينيَّ العمياويْن
الشهادة الهشة لمشهدٍ قصيٍّ.
كنتُ أستنشقُ رائحةَ البحرِ، وكان الفجرُ سارقَ
السماواتِ، يحوِّلُ أضواءَ
البيت أشباحاً.
كان الندامى فتياناً شِباعاً
وبلا عطش، وفي غمرةِ الوليمةِ
كانوا ينشُدون النشوة
وموكبَ الفرح الزاهي.
كان النبيذُ يفيضُ عن الأقداح، يُضفي على
الجلدِ الدافئ تورُّداً، وعلى الأَرض احمراراً.
وبحُبٍّ سخيّ كانت صدورهم تطْلقُ
العنانَ للضوءِ الجامح، للشَّهوة وللكلماتِ،
ومِنْ بعدُ لم يكن يهمُّ عدم التَّذكُّر.
خنجرٌ فاشلٌ كان يبحثُ عن قلبٍ.
وأنا أيضا رفعتُ كأسي المُترنِّحة
المليئة حتى الحواف رماداً:
كُومةُ عظامٍ لِصَقرٍ ورَامٍ،
وهنالك شرِبْتُ بلا عطش تجربتَيْن ميتتَيْن
قلبي قد سكن، وطفلٌ بريءٌ
غطَّى رأْسي بقلنسُوَةِ مجنونٍ.
حدقتُ بعينَيَّ الصافيتين
فيمن عرف كيف يختارُ بِبَراعة صائبَة:
ذاك الذي في رُكنٍ يُولي الظَّهرَ لِلجميع،
حمل إلى شفتيه الغضتين
فنجاناً خزفيّاً مسموماً.
وشربنا نخباً في صحة العدمِ
وأسرعَ موغلاً في الظلال.

غزلٌ ورثاءٌ
هذا عُريُكِ في المسبحِ،
وبعدُ قد تنامى الحُسْنُ لحظة الابتسامِ
وتلك الغُرفةُ الأندلسيَّةُ بِمُراكشَ
مع التحليق المُنغَّم
للهواء والأوراق والأطيار
وماءِ الذهبِ،
وسماءٍ كانت تحملُ كلمات الشارع
وحينَ تقلُّبِكِ في السّرير كانت تتسِع عيناكِ.
كنتُ ألامسُ بشرتكِ
يدٌ في بُرجِ حمَامٍ منْ فضَّة حامضة وقاتمة.

وبِعَينيْنِ مُغمضتين،
وعبر ريح الدَّبورِ التي تنطَفئُ وئيدةً
وأسوارٍ مُوحشة بلون المغرةِ،
وَالورودِ الْمُتعَبةِ،
ما زلتُ أمشي هنالك باحثاً عنكِ
في جُبَّتكِ الشاحبةِ الزرقاءِ،
وأُلامِسُ فقطْ هواءً مُضمَّخاً بضوء القمر.

ذلك اليومُ الآفِلُ الذي أودُّ استعادته
قد صار الآن عجوزاً أعمى. وبدءاً منه
أبحثُ عنكِ. وأجُسُّ الوهمَ فقط:
فقد تلاشى دخانُ الحياةِ.

افتقادُ الإله الذي كان
كان ذلك المساءُ جذوة،
وبعدَهُ صار الهواءُ كله
بنفسجِيّاً. في السماء تتلألأُ
أضواءٌ ساطعةٌ.
وَأنا مُعتِمٌ.
لَيلٌ مُقيمٌ.
ومعَ إطلالةِ الفجرِ
وُلِدَ الظِّلُّ من الجسد.
حيث يموت الموت
حيث يموت الموت
لأنه في الحياة يمتلك وجوده فقط.
في تلك النقطة المعتمة من العدم
والتي تولد في الدماغ،
حينما ينتهي الهواء الذي كان يداعب الشفاه،
الآن بعد أن صار الرماد، مثل سماء جريحة،
يخترق الضلوع في صمت وألم،
ويلوحُ منديل مبلل بالدموع
باتجاه الأسود.
أقبّل بشرتك التي بعد لا تزال دافئة.
خارج المشفى، كما لو كنت أنا، مضموما
بين ذراعيك،
طفلا أثناء نعومة أظافره يشاهد الضوء وهو يهوي،
يبتسم ويصرخ وها يسحره العالمُ،
الذي يجبُ أن يتخلى عنه.
أماهُ، أعيدي إليَّ قبلتي.

الشاهد
الضوء،
وليس الظل بعد.
وأعيش في الظليلِ الحالك
(الضوء دافئ،
حين يلامس، ويقبِّلُ.)
كل رغبتي، أن أعرف كيف أحقق كينونتي،
وأنا بعد كائنٌ.
قبل أن يصير كل شيء
مثلما قبل أن أكون.
جوهرنا العمى
وذاك الذي ينفيهِ لغزٌ
بلا معنى.
من يزرع في أذهاننا
جهلنا بالإله؟
هو الصديق والعدو.
هو اسم يطلق على المجهول. ورفرفته تمحونا،
فأنا لم أكن قط شيئا.
شاهدي، أيها القارئ، أضعه بين يديك.

خريف الورد

أنت تعيش في فصل زمني متخلفٍ:
أسميته خريفَ الورودِ.
تشمَّمْها واشتعل. ثم استمع
حينما تنطفئ السماءُ إلى صمتِ العالمِ.

شاهدة قبر رومانية

“لم أكن شيئًا، وأنا الآن لستُ شيئا.
لكن أنتَ، الذي بعدُ ما زلتَ موجودًا، اشربْ، واستمتع
بالحياة… وبعدئذ تعال إليّ.”
أنتَ صديق جيد.
أعلم أنك تتحدثُ بجد لأن حجر الشاهدة الجدير بالحبِّ
قد أمليته بحيوية: الحظ ليس معك،
وليس لأحدٍ،
أن تكون قادرًا على القول ما إذا كان أمر الذهاب إلى هناك
جيدا أم سيئا.
من يقرأ، يجب أن يعرف أن شاهد قبرك
هو أيضًا لي. فالجُمَلُ المُميَّزةُ تستحقُّ
رماداً مُميَّزاً..

خطاب وثني
هل تظنون أنكم لمجرد إيمانكم
بفكرة الخلود،
سوف يستوجبُ أن توهبَ لكم؟
هو فعل الإيمان أو الأنانية
أو الكآبة.
فإن وجدت فلا يضر في شيء عدم الإيمان بها:
أجوبة لبشر كلها جهالة
حينما تستجوب الموت.
فلتواصلوا طقوسكم الباذخة، قرابينكم للآلهة،
أو أنصابكم الجنائزية العظيمة،
ابتهالاتكم المتأججة، وآمالكم العمياءُ.
أو فلتتقبلوا الفراغ الذي سوف يأتي
الذي لن تهب فيه حتى خفقة ريح عقيمة.
ما سوف يأتي سيكون للجميع،
وإذن، ليس ثمة استحقاق في الميلاد
ولا شيء يبررُ موتنا.

شاهد أيضاً

قسوة ومحبة

ظبية خميس رغم أنك تظن أنك ممتلئ بالمحبة كم هي قاسية أحكامك وألفاظك وأحيانا نظراتك. …