مرآب الضياع

يدخلان الحانة متأبطين كتبهما ومجلاتهما كما يحصل عادة في الخزانات أوفي الجامعات. المكان مرآب تحول بقدرة قادر إلى فضاء يتهافت عليه اليائسون والمحبطون. الرجال وحيدون معزولون كما يحدث في الحروب أو في الحمامات. لا من رفيقات أو حبيبات أو زوجات . فقط هناك امرأتان بائستان تثيران التقزز ، تصيبان المرء بالدوار والغثيان.
– زوجتك طاهرة أيها الحقير؟
– اصمتي يا عاهرة، يا سافلة
– انظر الى نفسك، حالتك تعافها الدواب.
تغيرت سحنة الرجل ، كمن تلقى خبرا فاجعا ، أدى ثمن فشله وخرج مسرعا.
الجعة تتقاذفها الأفواه، برودتها تشعل النار وتؤجج الغضب، توقظ الفواجع.
جلسا في مكان ضيق محاصر كما يحصل في الفضاءات العامة حيث يرابض القلق ويطل الجنون.
رجل يعانق رجلا، يقبله، يعبر له عن حبه وتقديره، يغلف شذوذه. شخص هادئ يقترب من صديقه، يهمس له؛ عشيقان ينعمان.
يدخل الرجل إلى بيته ، يجد البيت فارغا من الزوجة والأولاد والأثاث. الأرض والجدران تضحك عاليا. يضع يديه على أذنيه، يتعالى الضحك، يتقلص وجوده.
أحدهم يلعب الفليبير، يداري وحدته.  كأي إنسان متحضر، يحمل قنينته وسيجارته بين شفتيه،  يتقن اللعبة.
الرجل الذي قبل صديقه ، يتحول في لحظة إلى وحش كاسر؛ يحطم وجه الصديق ، يكسر زجاج الكونتوار، يرعب المرأتين الذميمتين، وجههما يدفع للهروب وحالتهما تثير الغثيان. يحطم وجهه أيضا. ينبش بأظافره، يهيج جرحه. الآخرون يلطفون الجو بروائح سجائرهم وبسمتهم الباهتة.
هذا الرجل الذي يقـف وحده في السعير ينال عقابه، رجل لا تشمله  المغفرة. يوقد النار ويجلب الحطب . ذاك الذي حطم وجهه.
أحدهم يجلس قربنا، ملأ صدره ورأسه. يندفع كل لحظة نحو الحمام كحامل بلغها  الطمث. يواصل شرابه ومرحاضه .سيجارته وحدها تلمع. يأخد جريدتي دون استئذان ، يتصفحها ثم يبدأ خطابه. يلعن الجميع صحافة وكتابا مديرين وزراء وحكام. أبواق زائفة تصم الآدان.
هو الوحيد الدي يملك صوته.
أرفع رأسي نحوه،يقول
– أنت أيضا، لا ترفع رأسك، أنا من يرفع رأسه.
سيجارته وبطنه يتحديان زيفه.
– الشخص الذي هرع إلى منزله ذات مساء. منزله الخالي من الزوجة والأولاد والأثاث، لا يضع يديه على أذنيه.لا يزال منصتا لسخرية الجدران . يشاركها سعادتها وتشاركه أحزانه.
– صديقي يشرب من كأسه وعيناه تتحجران. موليا ظهره للآخرين، حواسه تجوب الحانة، تترصد الأحداث.
– هو اللحظة يتابع خطواتي يمد يده ليشذب الحكاية، يقلب تربتها. ونحن ندخل الحانة، كنا نبحث عن لحظة تغفو فيها الحكايات. حبيسة الروح كيف تغفو.
 

منصــف بندحمــان
قاص من المغرب

شاهد أيضاً

حياة كافية

يقينا لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا الأمر، أن تصدمه سيارة مجنونة في شارع …