أخبار عاجلة

مسرحية «اسمـي ريتشل كوري» ومعاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال

  بطاقة العرض:

Theatre Panik Presents:

My name is Rachel Corrie

Taken from the writings of Rachel Corrie

Edited by Alan Rickman & Ktharine Viner

Directed by: Kate Lushington

Starring: Bethany Jillard

ريتشل كوري فتاة شابة تحولت الى رمز من رموز المقاومة من أجل الانسانية. من هي ريتشل كوري؟

فتاة ولدت في شهر نيسان (ابريل) في اوليمبيا؛ الولايات المتحدة الاميركية. عاشت طفولتها ببهجة وسلام مثلها مثل غيرها من أطفال الولايات المتحدة. إلا أنها كانت تحلم؛ حلمت بأن تصبح فنانة وشاعرة وكاتبة، وهي تؤمن أن كل انسان من حقه أن يكون آمنا. فتاة في بطنها نار.

حملتها تساؤلاتها وبحثها عن ذاتها وعن الانسانية إلى فلسطين؛ الأرض المحتلة. عاشت بين الفلسطينيين وأصبحت شاهدة على معاناتهم؛ كما أنها عانت لمعاناتهم بنفسها. شهدت القصف ومنع التجول واحراق الحقول وتدمير البيوت وسرقة الماء وقطع الأرزاق والرعب اليومي. وفي ذات يوم هدرت بلدوزرات الهدم لتهدم البيوت الفلسطينية؛ وقفت الشابة ريتشل تتحدى البلدوزر محتمية بسترتها السلمية اللماعة ذات اللون البرتقالي الصارخ والذي يشير إلى أنها من دعاة السلام العالميين. إلا أن سائق البلدوزر الاسرائيلي مرّ ببلدوزره فوقها دهسا وماتت في دمائها. قال السائق إنه لم يرها!

في يوم الجمعة من شهر حزيران. شاهدت عرضا مسرحيا بعنوان (اسمي ريتشل كوري). حققت هذا العرض مجموعة من الفنانين الكنديين. وقامت بالأداء فتاة في الرابعة والعشرين من عمرها. أي أنها كانت بعمر راتشيل تقريبا. إلا أن ريتشل دهسها البلدوزر الاسرائيلي وهي في الثالثة والعشرين من عمرها. وتحولت الفتاة الى رمز لدى الفلسطينيين وتم تعتيم حكايتها وعدم تداولها كمثل غيرها من حكايا الجرائم التي ترتكبها عصابات الاحتلال الاسرائيلي والاميركي وقوات التحالف وقوات الامن العالمية.

قلت ان ريتشل تحولت الى رمز من رموز الانسانية لكي أعمم ترميزها. فلدى الفلسطينيين وأصحاب القضية الفلسطينية هي رمز للمقاومة من أجل فلسطين. أما في العرض المسرحي المذكور فإنها رمز الطموح الانساني والدعوة للعدالة والأمان بغض النظرعن فلسطين. أما بالنسبة للاسرائيليين فهي رمز التهور والتنطع لما لا بأس لها عليه. وما إلى ذلك من رموز قد تكون بلا نهاية كل حسب مفاهيمه ومواقفه.

العرض المسرحي الذي شاهدته هنا في مدينة تورنتو يفتح الباب على الألوف من التساؤلات والملاحظات. ابتداء بموقف الجالية العربية وانتهاء بموقف الفنانين الكنديين من موضوع كهذا أما التساؤلات التي فتح العرض بابها علي شخصيا فقد تكون كما يلي:

موقف الجالية العربية من الفن والمقاومة وتجليات المقاومة

موقف الأشخاص العرب في المواقع المسؤولة من الفن والمقاومة وتجليات المقاومة

موقف الجمهور الكندي عموما من عرض كهذا

موقف الجمهور المتعود على مشاهدة العروض التي تقدمها تلك الصالة المسرحية بعينها

موقف الجمهور العربي الذي حضر المسرحية

موقف الفنانين الكنديين من قضية فلسطين عبر المسرحية

قدمت المسرحية في حي من الأحياء الذي يغلب عليه طابع التواجد والترأس اليهودي الذي يدعم الاحتلال الاسرائيلي بقوة أي منطقة باثرست. حيث أنك ترى في ذلك الحي كافة رموز الاحتلال الخاصة بالدولة الاسرائيلية. وترى التأكيد بكافة السبل بأن الفلسطينيين ارهابيون وضد انسانية وبراءة اسرائيل. أما ذلك المسرح الذي يدعى (تاراغون) فهو واحد من مسارحهم. ربما يجب أن أنوه أن الفن والاقتصاد والرقص والأدب والمسرح وشركات التأمين والأطباء وصانعي الأفلام ومفاصل الدولة والحكم وصنع القرار في كندا هم من اليهود أو خاصة اليهود أو صهيونيين أو متصهينين وفي أفضل الحالات عديمي الموقف. أما هذا المسرح وذلك الحي فإنما هما تلخيص لتل أبيب. والسؤال هنا: كيف ولماذا تعرض هذه المسرحية في هذا المسرح؟

من غير المعقول أن مدير المسرح أجر القاعة لعرض سيتعرض لانتقاد الهمجية الاسرائيلية ببساطة وبدون امعان تفكير؛ أم هل هي محاولة للتأكيد على روحهم الديمقراطية؟ أم أن ادارة المسرح حيادية الموقف تؤجر لمن يدفع أم أن هنالك سببا ثالثا لاتفهمه امكاناتي العقلية. ولكن أنا أعرف أن قرار تأجير المسرح لذلك العرض لم يكن أمرا عابرا من قبل ادارة مسرح (تاراغون) وخصوصا أنه كان برعاية البيت الفلسطيني. أنا أعرف ذلك بحكم كوني مسرحية ومتابعة للمسرح. لقد فرحت أن البيت الفلسطيني قام بفعل كريم حين دعم عرض (اسمي ريتشل كوري). فرحت بشكل غامر حين عرفت أن جهة عربية دعمت فنا انسانيا وفي عقر دارهم؛ في مسرحهم الذي شاهدت عليه عروضا تدعم اسرائيل. وقد أكون مخطئة والله أعلم!

أما جمهور هذا المسرح بالتحديد والذي يتوافد على كل عروضه وكنت أراه يقف بالساعات وينتظر بالدور تحت المطر لشراء البطاقات فلم أجد له أثرا في تلك الليلة. أي أن الجالية اليهودية أو الداعمة للاحتلال الاسرائيلي لفلسطين كانت واعية لطابع العرض وقاطعته. بالطبع لا أحد يريد أن يدعم موقف راتشيل كوري التي وقفت ضد البلدوزر الاسرائيلي الذي هدم بيتا فلسطينيا بل وماتت في سبيل ذلك. إنها المقاطعة. وما أبدعها! حتى الجمهور الكندي المتنوع الأعراق والمذاهب والخلفيات؛ الشقر منه والسود والاستوائيين؛ لم أر منهم أحدا.وإذ بجمهور المسرح هو بعض من العرب المجبرين على مشاهدة العرض. من المنظمين الذين لا بد من حضورهم أو مني مجبرة على مشاهدة العرض مهما تكن الظروف بسبب مبالاتي وانتمائي. كان عرضا بلا جمهور. مثله مثل الحقائق؛ لا يقولها الاعلام ولا تبثها الاذاعات. فالحقيقة لا جمهور لها.

أما المقاطعة العربية فهي مجرد مقاطعة لكل شيء بسبب اللامبالاة واللاموقف؛ مقاطعة تطال أول ما تطال أهل الجلدة. فحينما دعوت الجالية لتشاهد العرض المسرحي القصير الذي حققته مع مجموعة من شباب وبنات الجالية؛ لم يأت واحد. قاطعوني وقاطعوا جهدنا ووقتنا. ليس لأنهم قرروا الاساءة ولكن لأنهم لم يبالوا ولم يتخذوا موقفا مما يجري حولهم. ذلك كان موقفهم: لا أبالي ولا يهمني وليتصرف غيري. وكان علي أن أجد طريقة أقنع فيها شباب الفرقة الصغار أن يستمروا في العمل بصمت وبدون أي جناح يرفرف فوقهم. ولكن لم يكن ذلك ممكنا. فالانسان يريد أن يرى نتائج أعماله. ويريد التشجيع والتقدير. شباب الفرقة لم يحبوا أن يعملوا بصمت. فهم لا يعرفون كما أعرف بأن الطريقة مع العرب هي أن تعمل بصمت لحين يأتي وقت يثمر العمل فيه أو ينمحق.

لطالما تخيلت أنني أنتمي للجالية اليهودية. أتقدم للمؤسسات الرسمية وأقول لهم أنا سأمنح وقتي وجهدي وخبرتي ومالي وخدماتي من أجل دعم اسرائيل ولنر ما سيفعلونه.

الجالية العربية قاطعت من يقف الى جانب قضيتها. لقد أرسل البيت الفلسطيني مرات ومرات داعيا لحضور العرض ودعم المجموعة الفنية الكندية التي انتخت وقدمت عرضا يتناول واحدة من أكبر قضايانا العربية ألا وهي احتلال فلسطين وهيمنة اسرائيل. أنا نفسي أرسلت مرارا وللممئات داعية للحضور ودعم  العرض. من جاء أخيرا؟ البيت الفلسطيني وأنا.

أما الدعم العربي فإنه يدعم الجاهز والمجرب والمتداول والمعروف.  وهؤلاء الذين حققوا هذه المسرحية وجدوا من الدعم ما لم أجده في السنوات التسع التي قضيتها في كندا أحاول أن أحقق موقفا وطنيا ما. موقفا للأمة؛ للأرض المحتلة؛ للجالية؛ للشبيبة اليافعة. قاطعني العرب بكل براءة  ولامبالاة وقطعوا فعلي. ونفس الشخص المسؤول الذي حجز المسرح لعرض ريتشل كوري؛ وحضر مع زوجته وأصحابه لحضور العرض الكندي هو نفسه الذي تردد ونفر من فكرة أن تحتوي مؤسسته التجمع المسرحي الذي أسسته. والأشخاص الذين حضروا العرض هم نفسهم الأشخاص الذين كان من المفترض أن يحضروا عرض مجموعتي الشابة ويشجعوا عطاءات الشباب الذين عملوا معي بلا مقابل. ويقولوا لهم يعطيكم العافية نحن نتابعكم!

وأنا أعطي لنفسي الحق في الانتقاد لأنني بذلت كل ما يمكن أن أبذل. وماذا يمكن بذله: الوقت والجهد والمال والخبرة. حتى أنني تحولت الى سائقة تاكسي ألملم الشباب الصغار من بيوتهم الى مقر التمارين وأعمل لهم الساندويشات. أما الجهة التي كان يمكن أن تفعل أكثر لو آمنت بفعلي فلقد سلمتني مفتاح القاعة مع بالغ الشكر وسمحت لي باستعمال المكان لكن ذلك كان من باب الكرم العربي وليس من باب القناعة بما أقوم به ولا من باب الاتفاق على فكرة تربية جيل مثقف واع مبدع يشارك في عملية التغيير والانتاج وصنع القرار ولا من باب شبك الأيادي والعمل معا. وحين تحاورت مع أحد المسؤولين في هذا الشأن لأقنعه بأهمية ما نقوم به قال لي أن أولاد الجالية بألف خير وإنهم يكبرون ويصبحون أطباء أسنان وجراحين. اذا فأنا لست ضرورية لأحد.

أنا هنا أنتقد موقف الإداريين في الجالية؛ لأن عرض(اسمي ريتشل كوري) يلامس من بعيد وعبر النظرة الانسانية العامة ومن خلال حياة ريتشل الخاصة معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال ولا ينبذ الاحتلال. أما ما كنت أسعى إليه أنا فلقد كان مشروعا للبناء. بناء جيل وتأهيله لصنع مصائرنا. ولم يكن أي عرض يهم إلا بأن يكون وسيلة تربية وليس غاية. كما أن العروض التي أنوي تحقيقها تدعم الشعب الفلسطيني وترفض الاحتلال. . لم يكن هدفي أبدا اقامة احتفالات للمناسبات.  كنت اسعى للبناء وليس لاقامة أنشطة مؤقتة ترفيهية أو تعبيرية. أسعى لبناء جيل مفكر واحياء فن عريق وبناء تقاليد فنية في الجالية وخلق جمهور لأبي الفنون: المسرح. لم أستطع لأن يدا واحدة لا تصفق. تماما مثل ريتشل التي كانت لديها نار في بطنها وأرادت تغيير العالم ولكنها لم تستطع لأن يدها الواحدة لا تكفي.

سأوضح الأمر من جديد كي لا أبدو عاقة وخصوصا أنني أريد أن أعود لنفس المكان وأفتح بنفس المفتاح. إن الجهة التي سلمتني مفتاح القاعة وساعدت ببعض الخدمات المكتبية كان يكفيها ما فعلت لنا كبداية ولها كل الشكر.. ولكن أفراد الجالية العربية والأهالي الذين عرفوا بوجود ذلك النشاط لم يتقدموا بأي خطوة ولاحتى باتجاه أن يعرفوا ماذا فعلنا. ما عدا استثناءات بسيطة تنحصر ببعض أهالي المجموعة. فلو دعم أفراد الجالية عملنا الى جانب ذلك الدعم من المؤسسة لاستمر العمل لأن سبب توقف العمل أخيرا هو عدم انتماء الشباب وعدم بهجتهم وعدم رغبتهم في الاستمرار بالقيام بعمل ممض بدون فرحة الخروج للمجتمع وسماع قول يعطيك العافية. وهذا لا يمكنني تحقيقة وحدي افراديا لابد من تعاون المؤسسات وأفراد الجالية.

لنعد لعرض (اسمي ريتشل كوري)؛ على باب المسرح في حي داعمي اسرائيل التقينا جميعا بانتظار ما سيقوله الغرب في قضيتنا. مددنا أيدينا وتصافحنا على الباب. العرض سيتم في الساعة الثامنة. في الثامنة إلا ربعا لم يكن من المشاهدين سوانا. مسؤولون من البيت الفلسطيني؛ بعض اليهود؛ وأناالفنانة المسرحية . يجمعنا المسرح وفلسطين.

حضر العرض حوالي ثلاثين من الجمهور معظمهم من البيت الفلسطيني ومعارفهم. بعض من فئة الشباب وبعض من الأفراد الكنديين البيض. بعضهم مخضرم في متابعة قضايا فلسطين وقلة نادرة ربما فرد واحد فقط ممن لم أفهم سبب تواجده. وحين سألته لماذا يحضرعرضا كهذا لم يقل لي جوابا يمكن صياغته لكم. يريد أن يشاهد العرض وياللبهجة!

أما كيف تصرف العرب في المسرح!! فكلكم تعرفون وكلكم تنتقدون تلكم التصرفات وكلكم تتصرفون بما سأنتقده الآن:

دخل الجمهور العربي المسرح وبدأ العرض. خلال العرض تحدث العرب مع بعضهم بصوت هامس لكي لا يزعجوا أحدا ورنت تليفوناتهم فراقبوا المتصل وراء الكرسي كي لا يزعجوا أحدا وفتحوا أوراق العلكة ببطء لكي لا يزعجوا أحدا ورفعوا ساعاتهم بالسرّ ليشاهدوا الوقت وفتحوا هواتفهم دون أن ينتبه أحد ليروا كم تبقى لوصلة العذاب ودفعوا بالممثلة التي قدمت قضيتهم لحوالي ساعة ونصف منفردة أن تتوقف عن العرض للحظات منتظرة عودة الاحترام لطقس العرض. الممثل يتنفس من الجمهور ويرى كل ما يجري ويستمد طاقته من طاقة المتابعة.  أما المفاجأة فكانت عرضا قدمته إحدى  المشاهدات العربيات بطريقة أقوى من العرض كله فلقد قررت تلك العربية مغادرة العرض في منتصفه وخلال مشهد تقعي فيه الممثلة على ركبتيها قريبة من الأرض. كانت تلك العربية تجلس في المقاعد الاولى مقابل المسرح مباشرة. نهضت المرأة بكل طاقتها ووسّعت خطوتها لتدوس على الخشبة قدام أنف الممثلة ورفرفت بتنورتها وطرطقت بكعبها العالي وفتحت الباب وأغلقت الباب ولم تنس أن تودع أصحابها.

والان ما قولكم يا معشر العرب؟ هل نلوم الصبية اذا خرجت وشتمتنا وشتمت قضيتنا؟

شعرت أنا بالعار والنار. شعرت بها لأنني مثلها ممثلة مسرح. أعرف ماذا تعني الخشبة. الخشبة بالنسبة للفنان المسرحي الحقيقي هي أرض طيبة مقدسة ؛ مساحة تحتوي الخلاصة الانسانية بروح الانسان وفكره ومواقفه ومصائره. الفنان الحقيقي يخلع حذاءه قبل أن يدوس الخشبة.  أما العرب فلا يعرفون ذلك ويدوسون عليها ليس بالحذاء فحسب بل وتحت أنف الفنان.  في نهاية العرض ناديت الممثلة لأشكرها وأمدحها وأراضيها. حين ظهرت الممثلة في القاعة بين المشاهدين العرب لم يلتفت لها أحد ولم يصافحها سواي ولم يثن على عطائها مشاهد؛ لم يروها!! نعم: لم يروها. فعادت واختفت دوننا.

أما العرض فلقد قال ما لا نقوله ولم يقل ما نريد قوله. كان مزيجا من الدعم للفلسطينيين ومن تمييع القضية الى وجهة النظر الغربية وتكرير تساؤلات حول (العنف الفلسطيني) والحديث عن المعاناة اليومية الفلسطينية على الطريقة الغربية والتركيز على موضوعة الحواجز كعرقلة حركة ومرور أكثر منها كمواقع موت وقتل وتعذيب واذلال.  وعبارات تأتي هنا وهناك تفسر أمرا كقولها بأن اسرائيل غير اليهود الذين عانوا من الهولوكوست أوعبارات تبتهج لها قلوبنا كمثل تخوف ريتشل من أن تصبح متهمة بمعاداة السامية لأنها تقف ضد العنف الاسرائيلي. كما كان هنالك الكثير بل الاكثر من تحييد راتشيل عن أن تكون منغمسة بالمشكلة الفلسطينية الى ان تكون فتاة أميركية تبحث عن ذاتها ومواقفها عبر تجارب عديدة كالسفر الى روسيا أو السباحة في البحيرة عارية أو متابعة القضية الفلسطينية أو السياحة في مصر. فتاة لديها نار في بطنها. تريد تغيير العالم ولكنها تعرف أنها لن تغيره بيدها منفردة. كان لا بد لنا أن ننتظر مقدمة طويلة من تقديم حياة ريتشل كفتاة اميركية قبل أن تصل الى مواقع لها علاقة بفلسطين. حتى حين كانت داخل فلسطين استمر الامر ضمن اطار فرديتها في البحث عن الذات. وتساؤلات عائلتها حول (العنف الفلسطيني) و(الانتحاريين) دون تقديم أجوية لهم.  إلا أن ريتشل الروح العادلة كانت قد وقعت في فخ المعرفة. المعرفة والشهادة على مأساة شعب لم تعد تعرف بعدئذ ماذا تفعل ببقية عمرها وكيف تعيش دون أن تكون مع هذا الشعب. فالاخرين يغرسون رؤوسهم في الرمل. تقول ريتشل انها تريد حياتها السهلة الحلوة في اميركا ولكنها تريد لهذا أن يتوقف. فما يعانيه الانسان الفلسطيني لا يريده لنفسه أي مولود قادم إلى الحياة. وأن الناس في العالم الثالث مثلهم مثل الناس في اميركا والانسان انسان.

قدم  النص سلسلة من أوصاف العنف الذي تمارسه اسرائيل من حرق للحقول وتجريف للبيوت وترك الناس بلا مصدر رزق وسرقة المياه الفلسطينية ليلا ثم تقول ريتشل ان الناس ستدافع عن نفسها بالطبع. ومن وجهة النظر الغربية حددت الشخصية أن أغلبية الفلسطينيين غير عنيفين وأنها اذن عاشت مع من؟ أليس مع الفلسطينيين غير العنيفين!! الفلسطينيين الذين يريدونها أن تعود وتتحدث للناس في أميركا عنهم. الفلسطينيون قالوا لها إنهم يريدون السلام. قالت ريتشل ان الفلسطينيين لطفاء وهم يواجهون الموت وهذا مختلف عما هو في بلدها اميركا. وبطبيعة الحال الغربي ستكرر الشخصية أنها كانت مع مسلمين. نعم نعم؛ مع مسلمين.

 على خلفية المسرح امتدت شاشة كبيرة لعرض أفلام وصور بل وللكتابة والرسم عليها. ولكن ما شاهدناه فوق تلك الشاشة لم يتعد الاشجار والماء والسمك وبعض رسومات ريتشل وخرابيش مختلفة تدلل على نقاء روحها.  وكان المشهد الوحيد الذي يشرح معاناة أرض فلسطين هي صورة بيت مهدم. ولكن فوران الممثلة في نهاية العرض بحالة عاطفية وجيشان ضد الظلم وبوحها ودعوتها للعدالة ودمعتها وأساها كل ذلك جعل وقوف المشاهد مصفقا في نهاية العرض مبررا. ولكن العرب لا يعرفون أن التصفيق يجب أن يستمر إلى أن تخرج الممثلة للخشبة مرة أخرى على الأقل! ولو!! مرة أخرى على الأقل!  اليكم التقليد: يحيي الممثل ويدخل الكواليس متدللا متواضعا عن المجد. يستمر الجمهور في التصفيق مطالبا الممثل بالخروج ثانية ومنحه ذلك المجد بالعافية. فيخرج الممثل بعد الحاح المشاهد ويحيي من جديد. ستتكرر هذه اللعبة أكثر من مرة حسب نجاح العرض. نحن لم نستمر في التصفيق فبقيت الممثلة بنصف تحية. فنحن العرب لا نعرف تقاليد المسرح.

أما بالنسبة للعرض مشهديا فلقد اعتمد ذلك الحل المشهدي على حل الشاشة الكبيرة وعلى قطع اكسسوار اساسية وثانوية. فراش الفتاة الخفيف الذي يمكن حمله وتحريكه ونقله بل وتحويله الى حاجز أو جدار أوشاشة. قطع صغيرة كالكتب والملابس والطباشير والاحذية. حاجز معدني انتصب خلال العرض مع حركة ميكانيكية ضخمة الا أنه لم يغير من واقع العرض شيئا. أنا شخصيا لم أحب تلك القطع الكبيرة. فحينما كانت الفتاة تحمل الفراش وتتحرك به كانت المشهدية تتوسخ وتترك أثرا غير مريح بفعل الحمل والنقل. كما أن الحاجز المعدني لم يستعمل أبدا في رفع مستوى الدراما. ولم تتحقق معه ولوجوده أية مشاهد تحتاج لذلك الحاجز. بقي استعمال الحاجز كاطار تقف الممثلة وراءه أو بجانبه أو أمامه وكان يمكن لها أن تقف في أي بقعة أخرى على المسرح دون أن يتغير شيء. كما أن الشخصية أكثرت من لبس وخلع الأحذية ولم يكن لذلك حقيقة أي مبرر درامي أو جمالي. أما أكثر ما لم أتقبله فنيا فهو الاستعمال الفقير للشاشة الهائلة التي كان يمكن لها أن تروي مأساة شعب عظيمة لجمهور لا يصله عن تلك المأساة شيء ولكن بحكم منحى العرض الذي شاء أن يقدم ريتشل أولا وليس المأساة فلقد اكتفت الشاشة بعرض صور حيادية كالاشجار والماء للدلالة على مكان حياة ريتشل في اميركا أو الصور العاطفية كصورة الارجوحة التي كانت تركبها ريتشل ثم لم تعد تركبها بعد موتها.

أما بالنسبة للتأثيرات الموسيقية والاضاءة. فإن الموسيقى العربية لم تستعمل ولم ينطلق موال واحد من حنجرة قلب جريح. ولم يكن هنالك حقيقة أي داع لدفقات الدخان ذات الرائحة وخصوصا في قاعة صغيرة لعروض المونو والدويتو. أما بالنسبة للمشهد الأساس والذي كنا ننتظر أن نراه مشخصا على الخشبة أو محلولا بطريقة فنية ما؛ مشهد مرور البلدوزر على ريتشل وموتها لخاطر فلسطين؛ فلم يكن بالاساس موجودا. ربما انطلاقا من أن ريتشل كانت على المسرح تتحدث عن نفسها والميت لا يحدث كيف مات. ولكنه الفن الذي لا تعوزه حيلة. أما مع هذا العرض فلقد سارت ريتشل خارجة وتم سرد حكاية قتلها بالصوت المسجل بينما أرجوحتها تتأرجح فارغة على الشاشة العريضة.

(اسمي ريتشل كوري) عرض كان لحسن حظنا مع قضيتنا. عرض دعمته مؤسسات الجالية؛ إلا أن الجالية كلها قاطعته.
 
نــدى الحمـصــي    ممثلة وكاتبة تقيم في السويد

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …