مسرح الستينيّات ببيروت مسرح التخويض

عبيدو باشا

التذت بيروت بكونها مدينة، حين ظهرت كمعلم قائم من حليب الخيال، لم تمتلك إلا أشجار الدعوات والرغبات والأمنيات، بحيث بدت كمعبدٍ صغيرٍ لا مدينة يأكلها الخراب على الدوام على أيدي الرعاة السارحين، منذ آلاف السنوات. هكذا، تلحّفت ثدييها لا نبضاتها. لم تستجب لبزوغ شرط قيامها على شروط المدينة، وهي تتمظهر كإشارة مدينيّة، لم تنفكّ تأكل أعضاءها كلما جاعت، لم تحز بيروت شروط المدينة ولا ميزاتها؛ لأنّ للمدن أنظمة حكم، نظام الحكم في بيروت نظام ورقي؛ نظام الحكم في بيروت نظامٌ على قيم البدء على الدوام؛ إلا أنّه لا يبدأ لأن قيامه قيام البياض على البياض، ما دام حكامها حكام لم يقيموا نظامهم الإداري للحكم، جرى الأمر مرّة واحدة مع الجنرال فؤاد شهاب، قائد الجيش السّابق وحاكم البلاد منذ أواخر الخمسينيّات وحتى أواخر الستينيّات، حين وجد أنّ بيروت تعيش في بيروت، وفي دمشق وبغداد وعلى ضفاف الأطلسي وعند البحر الميت. حين وجد أن بيروت تعيش في بيروت كما تعيش في نيويورك بأنياب جنونها؛ حينذاك أراد أن ينشط أسافلها، لكي تشفى من الجنون والصعلكة، بحملها من هوائها المُخادِع المسموم إلى الوقوف على زلّاجات المأسسة؛ غير أن جهودَه وأبحاثه لم تقده إلى تحقيق بغيته؛ لأنّه أدرك أن بيروت/ المركز/ المدينة/ العاصمة لا تحكمها إلا الأنظمة الاجتماعيّة. الأخيرة جزءٌ من نظام قبليّ أو نظام ما قبل النظام؛ نظامٌ لا يقوم إلا على اتفاق أهل القرية أو المدينة. بيروت قرية/ بيروت مدينة. مدينة في المنتأى وقرية في الظل، ظل المنتأى. ولأنّ الجنرال أدرك أنّ الريح لا تستطيع الدخول في وجه الخطايا هذه، لم يلبث أنّ اعتزل الحكم، بعد أنْ أدرك أنّ الحكم لا يدرك في بيروت، لا يدرك في لبنان؛ إلا في معاني المجاز. أكّد الجنرال ببزّته المدنيّة أن بيروت لا تحكم إلا من الجنرالات. يحكمها القادة العسكريّون السابقون فقط، على وجه الإجمال. لأنها مدينة تمتلك فتن المدن؛ إلا أنها لا تمتلك شروطها. ترك الجنرال وراءه مجموعة من المؤسّسات، لا فكره المؤسّساتي؛ لأنّ من رهب الفكر لم يلبث أن أسقطه، لكي تحيا المدينة على حافّات هذيانها الدائم، بعيدًا من القدرة على إرخاء ستائرها على دواخلها؛ لكي يدخّن أهلها أحلامهم فيها، ولكي يتطهّروا من لعناتها كلّما بَرَقت جرّاء مضي الزمن على أسفلتها وانتفاض روحها.
بقيت بيروت نبوءة لم تتحقق إلا عند الغرباء؛ ولأنّها لم تتحقق بقيت حية؛ ذلك أن تحقّق المدينة نهاية للمدينة . تحققها: اكتمالها . وكلما اقتربت من الاكتمال انفجرت وتشظّت؛ موزّعة سُكرها المرّ على سكّانها وقاصديها ومحبيها. واحدة من اللحظات المجيدة في بيروت، نكران الجنرال شهاب لهذه الفتاة المعالجة نفسها بضحكات الله. إذ رفض تجديد نور الحكم، ليشرب قهوته الصباحية على شرفة المنزل. لا على شرفة القصر. من رهب فكر المأسسة وضعها في سير الدمع، لا وحدها، هي وصاحبها. قادة غلاظ وبشر أغلظ، استكثروا على أنفسهم الخروج في جنازته، لم يودعوه لأنهم وجدوا في عقله وردة أخيرة، لا همّ لها سوى أن تفضح، كوحيدة الكون، حقول أشواكهم . زلقوا مرحلة الجنرال إلى الصمت. لا شيء سوى الصمت، باسمه وهيئته.
مديح مرحلة معناه إصماتها. مدح الجميع الجنرال وما يزالون، لمَّا خرج العشرات فقط في وداعه الأخير إلى هواء الأعماق أو الأعماق الخاوية، حيث لا يقطف شيء شيئًا، حين أرادوا أن يتذكروه، بعد أن فقد يديه بالدولة وعلى الدولة، قصدوا أرملته. سألوها عن حاجاتها، هي زوجة من عابث لغو المدينة حين وجد أن قناديل المدينة على وشك الانطفاء، لتجيب بأنّ عليها دينًا بمئات آلاف الليرات اللبنانية في واحد من المَتاجر القريبة لمنزلها، لم يطأطئ من سألوها عن حاجاتها رؤوسهم وهم يمتلكون ملايين الدولارات، وبعضهم يوضع على اللوائح العالمية لأثرى الأثرياء بالعالم. لأنهم لم يرفعوا أباريقهم المتفحّمة على نار السلطة، ليصبوا لها كأسًا من الشاي؛ ولأن بيارق الجنرال بيارق نظام يقع خلف النواح الأسطوري للمدينة الأسطورية، أو وهم المدينة. نظام لا جدار تعلق عليه الاخضرارت الكثيفة أو ندف الثلج. ما أرادوا إلا أن ينصبوا خيامهم الجلدية على خدود الشواطئ، نظام شماعة، الشماعة كلمة قبيحة بغرف أحلام اللغة، هي بغيضة بالاستعمال؛ لأنها تغادر معناها حين وصولها إلى معناها.
بقي من المرحلة بعض غبارها؛ لا جزء من حصاد المرحلة. الحركة الثقافية جزء من الغبار هذا. المسرح جزء من الغبار. جاءه المسرحيّون لأنهم أدركوا بأن المدينة افتتاح جهات لا زمن مدينة ينحني أمام أخاديدها الصخرية والرمليّة والمائية. إنّها قرية حديثة أو بلدة على قدر من القدم، طالما لم تمتلك نظامها الأساسي، طالما لم تمتلك “النظام”. وجدوا في المدينة بلدة، وجدوها مستوطنة، تعود إلى ما قبل التاريخ. وما وضعها على لوائح التاريخ وروزناماته؛ إلا عنف يقودها إلى أن تُحتَف دائمًا. وهي لن تحتف إلا إذا اكتملت بدون اكتمال، كما حدث في فترة الجنرال. وهم إذ لم يحسبوا أنفسهم أو حسبوها على مرحلة الجنرال، قبل أن تحول السياسات اللبنانية المرحلة إلى موحلة، وجدوا أن ما يعظمهم كأشخاص لا الالتحاق بفكر الجنرال ذي شهوة الحصان البريّ؛ بل بالتنكر لركاب حلم خطف من سديم الصحو، بعد أن وجدوا في فكره فكر من اقتحمهم لا فكر من جاءهم. ما ذكرهم باستمرار، أن اللحاق بفكره إنما يجرّهم إلى الوقوف أمام صورة القرية المنسيّة وأبخرتها العظيمة على أسرّة الوحوش والقبائل. صادقٌ صدوقٌ على شفة السلطة المسجونة خلف حرير لا ينام إلا على شهوات الموت، غمس الجنرال نفسه في فكرة لا تقوم في بلاد التوحش والمتوحّشين؛ لأنّها فراشة إذ حطت على الكتف، لن تسعفها سلوكيّات حمّالي شبكات الصياد على النجاة. أن يعرف ما يرقص ويتراقص، ليدحرجه بعيدًا أو ليشكّل ألوانه كشرايين أو همهمات بيضاء بالحدود الأدنى. وجدوا بما وجدوه مطرًا نازفًا، أكثر مما وجدوه طيرًا ثقيلاً لا يلبث أن يفقد جناحيه. الجنرال ليس سماء أرضية، حين رصده الآخرون مدمّراً لجمود العيون على وجوه الخوف من مدينة لا علاقة لها بالمدن إلا انفتاح أبوابها على الريح وطرق الحرائق للأبواب هذه. أنكروه ثلاثاً قبل صياح الديك؛ لا لأنهم أرادوا أو رغبوا بإنكاره بحيث لا يسمح لنفسه بالرجوع، لأنهم أرادوا أن يتنفس العالم مزاميرَهم لا مزامير الجنرال. هكذا، دمّروا الطرقات والجسور والملامح والأرواح، بعد أن أدركوا أن الطّرقات لا تعود بالخطوات، ولا الجسور ولا الملامح ولا الأرواح. هكذا، أداروا ظهورهم للنوافذ وراحوا يضربون الأرض (حيث يقفون) بأبديّة المصالح. جرّبت البلاد حينها بعض الحزن، ثم غادرته بعد أن وجدت خلف الستار ما يحدق بها: ظلامٌ طويلٌ لا يضيء. وإذا أضاء، لترى الصرخات المولودة على الضوء، حين تنطفئ الأرض بين جفنيْها، بعد أن تَقفَ في أطوار الاكتمال الناقص.
المسرح جزءٌ من غيوم الجنرال فوق سماء المدينة؛ لأنّ المسرحيّة الأولى، ما أطلق عليه “المسرح الثقافي” في مرحلة ما بعد المسرح المسكوت عنه، خرجت من واحدة من أجزاء غرف الجنرال؛ لأنّه حين أراد احتضان اللحظة، لم يجد سوى أن يركب بعض المراوح بالسّقف. تلفزيون لبنان أول مروحة، عكازة الرجل الأعمى، كما في التراجيديّات اليونانيّة. الإذاعة عكّاز آخر. الطّير المُهاجر الأول إلى المسرح، تأرجح طيرانه في تلفزيون لبنان، لينحرف لبنان إلى الصباح المسرحيّ الجديد، كما لو أنّ المسرح وجد مربوطًا بقدميه. سرحان وسوحان ألوان. متشرّد شبه محترف لا تميته فضاءات الصالات. بالفكرة شيءٌ من الصلف والكثير من الغرور، حين وقع إطلاق النجوم من أيدي المسرحيّين، لا من نظام يقوم على نسيان القبيلة في صالح الجماعة الحضرية. أرادوا أن يقفوا على السور لا تحت السور. هكذا، وجدوا الحل والعقد في حضورهم وتجاربهم، هم المقيمون أو العائدون من مغترباتهم في فرنسا وإنكلترا وأميركا وألمانيا. سموا مسرحاً باسم مارون النقاش، لا بهدف مديحه؛ لأن المديح، لأن إعلاء أصوات المدح قصيدة قصيرة، قصيدة هايكو تدور سطورها الثلاثة حول الموت وشجر الكرز في المدينة. وكيف يتحوّل الأصدقاء إلى غرباء تحت شجر الكرز في المدينة. كلّما مدحوا أحداً؛ مدحوه لا ليذكروا الناس بأنه كتب أوديسة المسرح. مدحوه ليتأكدوا من موته. حدث مع مارون النقاش ما حدث مع الجنرال فؤاد شهاب؛ لأنّ الأحياء لا يمدحون الأحياء؛ لأن الأحياء يمدحون الأموات؛ لكي لا يشارك الأخيرون الأولين ترتيب الفصول كل سنة.
لم يجدوا في حقبة الجنرال سوأة الحكم، وجدوا فيها صوت من يرضع، لا صوت الرضيع وصوت المدينة؛ صوت المستوطنة، لا صوت المدينة. لا بناء للمدينة إلا على أيديهم، لن تحضر المدينة، إلا على عجين طقطقاتهم. ولن تكتمل إلا في لمّتهم؛ هكذا التموا. وحين وجدوا أن اللمة لا تصنع أمة آمنة تفرّقوا؛ ذلك أن تجربة المسرح في لبنان لم تدركها إلا المُحترفات أولاً، ثمّ أدركها المسرحيّون، الأفراد. محترف المسرح الحديث، حلقة المسرح اللبناني، محترف بيروت للمسرح. لم يلحظوا، لم يلاحظوا أن وراء فتح الاقواس في تاريخ المدينة/ الدولة رئيسان لا رئيس واحد. فؤاد شهاب، بعده كميل شمعون. واحد مأسس الدولة وهرب منها حين طلب منه أن يرقص الفالس مرة أخرى، في دورة رئاسية أخرى. رفض حين وجد الدولة كطفل وشيخ (مآل الاكتمال)، طفل ما إن يولد حتى يشيخ. وجد الجنرال قماط الدولة في التابوت؛ لا إغلاق في عهده على سرّ ولا على جهر. هكذا وجد اللبنانيون أمامهم، من سلح الدولة لا السلطة بالمؤسسات ذات الرِئات التنمويّة لا رئات الريعيّة الحرام؛ لذا: سيلوه على أفق الزمن. ثم جاء بعده الرئيس كميل شمعون، من مزج بين الحبر والخمر في مهرجانات بعلبك الدولية، مع زلفا شمعون أو السيدة الأولى. قدّمت المسرحية الأولى، من المسرح الثقافيّ، من وراء الستر العاري على هواء تلفزيون لبنان، حين قفز المسرح من الألف إلى الياء مع مهرجانات بعلبك الدولية، مهرجانات حماها الرئيس ذو القامة الإنكليزيّة بكل أختام الجمهورية. ولو أنّه لم يطر بالمسرح الغنائي والرّاقص والثقافيّ نحو فضاء الامتداد، بعد أنْ شخصن جلوس المسرح على مؤخّرته، حين جمع المسرحيين ليلفحهم بقوله الشهير: يا بنيشنكم يا بنيشنكم (إما أعلق النياشين على صدوركم أو أطلق عليكم النار). الشخصنة بعد المأسسة، ما يعود إليه اللبنانيون كل مساء. قدم منير أبو دبس المسرحيّة الأولى منقولة أو مُرسلة على هواء تلفزيون لبنان. وقدّم المسرحيّة الأخرى مباشرة، في هواء مهرجانات بعلبك الدولية. جاء إلى التلفزيون مع البعثة الفرنسية من باريس (مكلفة بإعلاء حبل التلفزيون، كجوابي ربيع الخلق الدائم)، حيث درس الفنون التشكيلية والتصوير الفوتوغرافي لا المسرح. ثم جاء، عبر تنتات المهرجان (سيدات المهرجان) حين وجدت أن اللفافة والقهوة لا يطيبان بغياب هذا الفن. فنّ مجرّة، فن ذَّرة. وعند نهاية المهرجان سألوا الرجل عمّا يهواه وما يحتاجه لكي لا يبقى المسرح تحت تُحف الأعمدة التاريخيّة، المسنودة على دخان الذكريات والصرخات الأولى للأخوة الرومان. ما أردن أن يبقى المسرح ملثمًّا بالغموض، ما أردنه إلا صاعدًا في معارج كون الجنيّات؛ لم يرغبن في أن يدفن المسرح، كما ولد، في هواء بعلبك، ما دام المسرح ينتهي حين تنتهي عروضه، حينذاك احتكم رائد المسرح إلى فكرتين: فرقة ومحترف. هذا ما حدث. أخرجت السلطة إذن، أخرجت المسرح من السفسطة، حين أخذته من يديه البضّتين إلى سفر الولوج في المدّ المحليّ العالي، والمدينة/ الدولة تقرأ في كتب اكتمالها في كرٍّ وفرٍّ عجيبين. لم يجلد أحدٌ الشكَّ في مستقبل المسرح، ما دام أخرجهم من عملهم، كأمٍّ تجذب الطفلَ من جذور رأسه. أخرجهم العرّاف من العمى، هو المعميّ بواحدة من المفارقات المُدهشة. ولأنّهم وجدوا أن المسرح حياة جسد في جسد، عانقوه بقوة حبيبين، كما لو أنّه لم تلده المدينة، بصلب السريرة على السريرة . وإذ مدّوا أيديهم إلى المسرح لا إلى المدينة، فرّت أصابعهم منهم؛ لأنّها وجدت في أفعالهم نوعًا من الضباب المكلف. كلفتهم لذاتهم لا انتماءاتهم أن يعلقوا على الوميض بين الماء والهواء.
عادت التجربة من المدينة القصيّة (بعلبك) إلى المدينة اللات (بيروت). عادت من غمز ولمز الفرق الشعبيّة بالأحياء الشعبيّة والمسرح المسكوت عنه، مع محمد شامل وعبد الرحمن مرعي ومحمد كريم وشوشو والياس رزق وزقزوق البيروتي وشرنو وصلاح تيزاني وفرقته ( فرقة أبي سليم الطبل) وبعض آخر، إلى السير فوق الجاذبية الأرضيّة، نحو طواحين المسرح الثقافيّ أو ما سُمّي بالمسرح الثقافي.
صلب المسرح الثقافيّ وعناصره المدينة على الاحتضار، تعالوا عليها؛ إذ وجدوا يرصدون سماوات المدينة على الأرض؛ حين اعتبروا المدينة مستوطنة لا مدينة، لمَّا أن في لبنان العديد من المدن المؤكدة، ذات البحار المُنتشرة بألواح التّاريخ والطوبوغرافيا الجغرافية بدون شك ولا تشكيكك. مدن كصيدا وصور وجبيل وطرابلس وبيروت. لم تستنجد بيروت بالمعاجم لكي تبادل المسرحيين موجات تغييبهم للمدينة في واحدة من الألعاب المحشودة بورد الحياة، ألعاب البرزخ مع البرزخ، حيث سيقود اللعب الجميع إلى أن يدفنوا في جنة الألعاب وبرازخها. احتضروا، إذ أرادوا للمدينة الاحتضار لا الانتصار. أخذ دفاع المدينة عن نفسها، إلى جنون لم يتم إلا بانفجار المدينة، بحيث وجدت في جذر التلوّي بين المفهومين الأبديين: قرية أم مدينة. وإذ تحولت القرى، بالحرب، إلى مدن، تحولت بيروت إلى قرية بعد أن سالت عليها الفواجع من استعلاء أبنائها عليها ومن استعلاء الآخرين الكارهين لواحدة من المدن ذات السعة المفهومية المبذورة في رمال الأيام الصاخبة. مدينة لم تهدأ وهي تحلج على صوت القيامة. خرجت المدينة من صوت صدقتها لا من أصوات أبنائها. حوّلها الأخيرون إلى مسرح للسجال لا إلى مدينة ( بالهجوم على الأنظمة الإدارية للحكم) حين تسابقت تجاربهم على إعلاء أصوات الأنظمة الاجتماعية. أنظمة لا تقوم إلا على الاتفاق. دلفوا منها إلى مسارحهم، كما دلفوا إلى حاناتهم عند الفجر، بعد انتهاء عروضهم المسرحية. عروض مبنيّة على علوم الاجتماع، لتعارض كل نظام، إداريّ أو سياسيّ، من معارضة أصحابها لها؛ لأنّ المسرح ديباجٌ لا غابة من الدعوات. مسرح رجال يضاجعون نساء مقصوصات من ورق الآخرين؛ لأن مساحته الفكرية مسحات لا محليّة، قُطفت من فرنسا وأميركا وإنكلترا وألمانيا وأميركا اللاتينية، وبلاد المهاجر الأخرى. التجربة اللبنانية تجربة ظل لا تجربة روح وشمس وعلو وصداقة واحتفاء بالحياة. احتضر الاحتفاء بالحياة في سماء غوايات المسرح، إثر خطو المسرحيين خطواتهم الغريبة، مؤكدين لا آملين أنّ ما يفعلونه هو الصواب، بدون أن ينتبهوا إلى أنّهم يعملون من أجل ذاكرتهم، لا ذاكرة الآخرين الجمعيّة (ذاكرة المدينة) ما حوّلهم إلى أندادٍ للمدينة على بلاطها المرصّع بالمواكب والكواكب. هوائيون يطيرون على النقش الواحد مع السكّان الأرضيّين. وهم في طيرانهم رأوا ما رأوا؛ إلا أنّهم لم يشعروا بما رأوا. الأثرُ الأوّل للمدينة على وجه الخصوص؛ ذلك أنّ المدينة خرجتْ من الغفلة منذ أكثر من اثنين وعشرين قرنًا؛ حين أحرقها الملك تريفون بالقرن الثاني قبل الميلاد، لم يرد لها المسرحيّون أن تقوم؛ بل أن تبقى على عتباتِ القيامة، مستوطنة لا مدينة؛ لكي يبقوا اللحم والعظم. وإذا ما قيّض للمدينة أن تحضر، سوف تحضر بين اللحم والعظم، لا العكس. كلامٌ على الصّلف والغرور من جديد. مجموعة من الكهنة البرابرة، يحفرون في دم المدينة، بدون الاعتراف بها. مدينة جارحة تصنع الآفاق، في وقت راح عملهم يجرح الآفاق كما لو أنهم يصنعونها، لمَّا أن عروق المسرح في لبنان من طرق الحيرة الأولى لبعض أهم المسرحيين بالعالم، أصحاب المناهج الكبرى. وهم، أي رجال المسرح، لم يفعلوا في انجذابهم وتبنّيهم مسرح الآخرين إلا وضع أنفسهم تحت وصايته، جاء يعقوب الشدراوي من الاتحاد السوفياتي وروجيه عساف من فرنسا بإعجاب لا يحدّ بتجربة جان فيلار في المسرح الوطني الشعبي، حيث وجد طويلًا بكواليسه وفي صالته وهو يحاول الخروج من أشهر الاختناق من دراسته الطب في جمهورية نابليون. وجاء شكيب خوري ونضال الأشقر من الأكاديميّة الملكية في لندن، حين جاء جلال خوري من منحة إلى ألمانيا الشرقية، حيث جال في البرلينير إنسامبل ودخل في بوتقته مع هيلينا فايغل، زوجة برتولد بريشت، بعد وفاة الأخير. جاء منير أبو دبس إلى المسرح، مع كتاب فن الممثل لقسطنطين ستانسلافسكي. خرج أنطوان ملتقى إلى التنفس من تمرّده على منير أبو دبس، بعد أن وجد فيه (هو وتلامذة محترف مدرسة الفن الحديث) شارلتاناً، بعد أن اكتشفوا أنه نفخ بشدة في كتاب المخرج الروسي العالمي، حتى تململ الكتاب من شدة النفخ، ومن شدة الإغلاق على الكتاب في خزائن أبو دبس. ترقرق حضور جماعة التمرد في حلقة في راشانا، حيث تحلقوا ليطلقوا على تجربتهم الجديدة “حلقة المسرح اللبناني”. وإذ لا يزال أنطوان ملتقى سكرانًا من وضعه مناهج الدّراسة في الجامعة اللبنانية/ معهد الفنون الجميلة (هو أستاذ الفلسفة) ، يذكر مريدو ريمون جبارة أنه صنع بوتقة جسد مسرَحهِ من الذوبان في العبث. أحالوه على أرابال وشحادة ويونسكو وبيرنديللو وبيكت. لم يروا في مسرح العبث إلا العبث؛ لا الخروج من هواء ودخول في هواء آخر. خروج من هواء الحرب العالمية الثانية وزفاف العالم إلى دماره. ثم خروج العالم من أظافره الزرقاء وزغاريده النائحة إلى يقين الحياة بالخطوات الغريبة للعبث.
ثم إن برج فازليان، من لم يشع في تركيا هو الضابط في الجيش التركي، هرب إلى لبنان في رحلة معدنيّة الصوت. جاء الأرمني إلى بيروت؛ لكي لا يصاب بداء المحو الدارج في بلاد السلاطين العثمانيين. جاء من لوحةٍ مكتملة إلى لوحة في أطوار الاكتمال. وضع الرجل تحت سقف التصنيف فوراً، بدون أن يجرؤ عالم عابر أو مقيم على سؤال وضعه في الإقامة الإجبارية بالمسرح الأرمني وحده، على الرغم من وجوده على الكرسي المتحرّك للمسرح في لبنان، حيث هداه المسرح إلى الأخوين رحباني وفيروز وشوشو (حسن علاء الدين) وشراكات أخرى وضعت في عين التمساح أو خيّم عليها ثلج الأرمن. ما وضع العائد في سلة المسرح الأرمني، هو نفسه ما وضع منير أبو دبس بصورة الطريدة: الاستمساك بروائح العثرة من فداحة قوة حكم النظام الاجتماعي/ القبلي/ نظام ما قبل النظام أسطورة حفاري موقع المسرح في حياة البيارتة. إذ إن النّظام هذا ذو عنق النعامة يضع الآخر في ظلمة المصعد. لن يصعد أحدٌ إلا بالظلام، إذا صعد . لم يخفق المسرحيّون كجماعة؛ لأنهم وقعوا بداء الفرديّة والاستفراد. إنه داء المحو. لا بروز إلا بالمثول كجنرالات يحضر الواحد منهم الانقلاب على الآخر بعيدًا من كرات الرؤيا، حالمين برؤية المهزوم راكعاً على ركبه وركب أجداده. تدثّرت المدينة غبار أولادها والمهاجرين إليها خوفًا من عيون الجنرالات وخوفًا من أن يجدوا أنفسهم عراة على موائد القبور. منحتهم جلود الأفعوان حتى يتلونوا فيها؛ إلا أنّهم وهم يقفون عند أكتافهم، راحوا يتلوّنون لا في المدينة فقط، راحوا يتلونون أمام المدينة وعلى المدينة، بدون أن ينتبهوا إلى أنها مكوّنة من كواكب حجريّة قديمة ومن حمم التاريخ ومن مكر هندسي لم تحزه بعض كبريات المدن. حملتهم سحب الأنانية إلى أن يتفكروا في أن يسحبوا أفق المدينة إلى عالمهم الجديد. حينذاك اغتابوا المدينة حين حاولوا مضغها، ومضغ ما لذّ من كتفيها، ثم أن يرموها في أفواه الكلاب والقِطط في طريقِهم إلى هندسة مدينتهم ما سوف تمنحهم أفرانها السخيّة، لتسحبهم من أكمام قمصانهم إلى حِممها، حيث وجدوا مُحترقين لا محترفين، لم تُغدق الأفران على المسرحيّين مسرحيّاتهم بآثارها الناضجة لمَّا أحرقهم فحيح نيرانها. لم يفعلوا الأمر جهرًا، لأنّ ظلالهم أعمتهم حين غطتهم أعمتهم، كما يحدث في ثلاجات الموتى . أضحوا ظلالهم على جدران المدينة البيضاء حتى في عز الدكنة، وارت فيهم ما وارته، لمَّا أرادوا أن يوارها، لم يجدوا فائدة بالعمل لصالحها ولو أنها لم تطلبه، هي البعيدة من الثواب القريبة من العقاب على روحها الموازنة بين الأضداد بغبطة لا تخفى، وكما هو الأمر على الدوام في سير الملوك والملكات، انتصرت عليهم حين وضعتهم في أحيائها المركزيّة وحوّلتهم إلى جزء من أنشطتها العامة بين التجارة والاقتصاد. حوّلتهم إلى جزء من أسواق الجملة، وهم يظنون أنهم إذا قرأوا أقوالهم في بيروت أو صنعوا طقوسهم، سمعهم العالم، حين أنّ العالم لم يأبه بهم، حتى أهل الأموات لم يأبهوا بهم، من بريشت إلى بيكت ومن دورنمات إلى يونسكو ومن “البريد أند بابيت” ومن “الليفنغ تياتر “إلى بروك و”تياتر دو سولاي”. وكل من أرهقتهم فطن اللبنانيين المتقاتلين على سجادة النرد؛ لأنّ المسرحي اللبناني في منهاجه مارس السحر الأسود لا صناعة الأيقونات وهو يترجم المناهج بدون أن يتربّص بها. هو ولد لا والد، ابن حياة لا صاحب حياة. حياته من حياة الآخرين، حين أن حياة المدينة قرابين بشرها لا ريشها الذهبي، ما أطال عمرها على ما أشعله غزلتها من حطب فيها وتحتها بشفاعة جولا آلهة الشفاء. أخذتهم طبائع الهوى بالهوى إلى الظن بأنهم دواء المدينة. سدرة من سدر الوهم؛ لأنهم حين ظنوا أنهم نباشون محترفون؛ لم يهتدوا إلى العالم السفلي. عالم الموتى عالم سفليّ تذهب إليه أرواح الموتى جميعهم بدون تمييز، عالم حباك حضور وجد المسرحيّون أنفسهم فيه كما لو أنهم في سراب صوت لا في موت. ثم إنهم لم ينتبهوا إلى عمر المدينة، لأنهم أو فعلوا لأدركوا أن المدينة هذه لا تموت. المدينة كرسيّ اللهب سواء أحرَقت أو أُحرْقت، تاج الهدهد بأول الحلم وآخر الواقع.
طوت السنوات نفسها في المدينة، بفصولها سلامها ودمها، بحيث تطوّرت مفاهيم الاقتصاد فيها من الزراعات اليدويّة إلى الاستثمار في المراكز الحضاريّة وتوسع الأراضي المزروعة على حساب براري الرعاة. تراكمت الثروات في المدينة؛ نتيجة الأعمال الكبرى على الأرض، بزيادة قوى المدينة المنتجة ودفعها أشواطًا إلى الأمام على طرق التقدم. وجد المسرحيّون أنفسهم رجال غزو المدينة لا أولادها؛ بيد أنهم إذ راحوا يروون حكاياتهم على منصاتهم ، رووها كالأجداد المساكين، من يضطرون في العادة إلى ابتكار قصص لم تقع. لم تقع قصصهم مواقعها؛ لأنها ليست قصصهم، ولأنهم بقوا على حدود البوادي الممعنة بالترامي في عقولهم. ذلك أنهم بقوا أولاد فكر زراعي لا يؤسس، حين يعمد رجاله إلى تكرار طقوس الموسم كل عام؛ لأنهم عند نهاية الموسم، يذهبون إلى موسم جديد . يزرعون ويحشون وحين يحشون يزرعون. بداهة لا تصوب. هكذا، وارتهم المدينة كرجال شوهة حمقاء في نظامها المصرفي / السياحي. نظام حائط، لا نظام مؤسسة ولا نظام منزل. وهكذا، بقي المسرح نقار المواسم لا ثلاجة الأطعمة الجديدة، حين خرجوا على نظام الأضداد، خرجوا من القرار إلى غربة القرطاس والقلم، ثم إنهم لم يتكلموا إلا بأفواه “مجوس المسرح”. ضاجّون بوصايا الآخرين لا بوصاياهم ووسائل الآخرين لا وسائلهم. تربص جلال خوري ببرتولد بريشت كبرجوازي لا كبروليتازي، بحيث نسخ خطواته كما تفعل بطة ملكيّة أمام بطات البحيرة، وقف خوري على مقامات أجازت هزمه وهدمه، حين قدم طبائع مسرح التغريب إثر زيارة واحدة إلى ألمانيا الشرقية وكأنه مبدع المسرح هذا. كاتالوغات مسرحيات بريشت على مسرحه. لم يفصح عن الأمر بعد أن أغلق على المشاهد في الكاتالوغات بمزاليج الكهوف. مشاهدة “جحا في القرى الأمامية” على شريط “سوبر إيت “أسقط الحروف عن هواء المسرحية، مسرحية وزر. مسرحيّة فقيرة على باب جامع يوم الجمعة وعلى باب كنيسة يوم الأحد. لا تودّع المسرحيّة ماء واحة في حلق أحد. ولا تقدم إلا سراب النهج وسراب اللغة. شيءٌ بلا حياة، بلا روح ، بلا رمل أو ماء أو شمس أو اتساع. شيء بلا سم. جحا على كرسيّ الشمس، بحيث لمَّا حاول أن يتحسس طول الكرسي وعرضه، وجد أن مؤخرته احترقت دون أن ينتبه، وقع الجمل بما حمل بعد أن شاهدت أجزاء واسعة من المسرحية، من أمعن أصحابها ونقاد المرحلة في تحريف خطوط وقوفها وميلانها على الخطوط، لا شكل ولا تصويب أشكال. المجنون عاقل فيما شوّهته حماقة اليقظة، ما شوّهه الصلف والغرور والانتحال وقرار ترحيل المنهج من بلاده إلى بلاد لا تمنح المسرحيّ عنوان منزل ولا مقام ولا ضوء كفيف. منظورٌ فلاحي، لا يناسب إلا سعاة النسيان . هذه نظرة أولى وأخيرة على شاطئ جلال خوري، من لم يستطع أن يرتحل إلى الجُمل المجاورة للجملة الأولى. لا هدم، ولا صوت وفاء. بالعكس؛ إعادة بناء، بوضع المنجز على عيون عدسات النقد المكبرة. مهرب فيزياء وكيمياء. هو كمنير أبو دبس من قدم ما يقتضيه مسرح اللقطة، من خلال النبع . وضع وليد شاشات الأولمب رفاق الرحلة في كل الحالات إلا الحالات المناسبة، وضعهم بالعتمة، أغرقهم في مقالبها. رمى وجوهم إلى السقوف؛ بحيث إذا أراد المشاهدون أن يتأملوها خلعوا رقابهم وهم ينظرون إلى الأعلى بدون حذر .
وإذ حاولوا اكتشاف الحارس الكونيّ لمسرحياتهم، وجدوا أن ستانسلافسكي هو الحارس الكوني هذا؛ حينذاك، وجدوا أن ثمّة سانحة للخروج من الظل إلى الكل، من الإضاءة على نصف الوجه في هواء أسود إلى تغرغر كأس الضوء واستبدال حالهم، بعيداً من الأفعال الطارئة. لم ينتبه المسرحيّون إلى موضوعين في وضح الإشارة في مدينة تسرب الأسماء من الشقوق ومن تحت الأبواب، ضحكوا وهم يرون المدينة كالحصاة بالعين وكخيمة لا ترى عند كل منعطف؛ إلا أنها بيروت، ملاك الطين وشيطان النبيذ الفاخر، وأن من يضحك عليها إنما يضيق الغابات عليه؛ لأنها إذ تكتب تمحو، وإذ تمحو تكتب، وحين ترتدي تخلع وحين تخلع ترتدي وسط حقول استقبالها وحقول كلياتها، وسط ضجيج وعجيج، وهي تقدم الحيطة لجمهور وتؤخره لغيره. مدينة كوسموبوليتية، يستقيظ الأجنبيّ فيها وهو متلعثم من كلام هوائها وشعبها ونارها وبهائها. كما يستيقظ إذن البلد فيها، من رئيس البلاد إلى عامل النظافة وهما يرعيان حضورهما بنداوة تخشى الحماقات. كل من في المدينة جزء منها، لا المدينة جزء منه؛ لأنّها لا تدلّس وتعرف كيف تجلي ضرائبها. بيروت المكعب والشرق والغرب. الأرهف والأشف من خيال الظل. بيروت ساعة الجزري المائية، بأشكالها الرمزية الصاعقة. ساعة تعبر عن الحضارات الكبرى في العالم بفيلها وتنينها وعمامتها ومائها. كلُّ واحد مرآة حضارة، الفيل وحده بين حضارتين. الحضارة الهندية والحضارة الإفريقية. العمامة محيط المسلمين والعالم الإسلامي. التنين مائدة الحضارة الصينية والحضارات الآسيوية الأخرى. الماء قبرة الحضارة اليونانية. بيروت كساعة الجزري، ساعة الشرق والغرب، ثم إنها تدقّ كل نصف ساعة. بيروت الملاذ، لا ترد على أبنائها التيوس؛ إذ وجدوها محجوزة فيهم لا هم محجوزون فيها. جزء من عقلها لا جزء من عقلهم. هذه بيروت. وحين وقف المسرحيّون تحت شرفة المدينة، لا على الشرفة، لم يجدوا الشرفة ولا وجدوا بيروت بعطرها الثقافي ذي الرائحة النفاذة كرائحة الدم. هكذا، جاءها فنانو العالم ومثقفوه ليبحثوا عن السراج والفتيل، من بيجار إلى أم كلثوم، ومن كوكتو إلى داليدا، ومن دايمس رسوس إلى الكوميدي فرانسيز. لم تكتمل بيروت بالمسرحيين، أخذتهم بائعة النعناع العظيمة إلى المآل والاكتمال. مدينة تكتمل وحين تكتمل تنفجر، وهي إذ تضحك من انفجارها، لأنها سيان في الولادة والاكتمال والبدد. هكذا، حين انفجرت عام ١٩٧٥، بعد انفجارها بعام ١٩٥٨ وعام ١٨٦٠، دهش المسرحيون من هذه الجرعة الجديدة. انتظر بعضهم سنوات في منازلهم؛ لأنهم ظنوا أن احتفاء خطوط التّماس بخطوط التماس مؤقت، ورفرف بعضهم وراء مغزى الانفجار؛ لأنهم لم يجدوا فيه محض خراب، اندمجوا بالنّاس ليحتموا بهم في عرس تطليق النظائر. لم يدركوا أنها لم تتجرع إكسير الخلود؛ لأنها مشمش على شجرها، لا تقتفي الأثر، أي أثر. حتى آثار نعال الأنبياء. وهي لم تؤهل للعب دور الوصيفة. العيب في الجماجم؛ إذ ظن المسرحيون أنهم نجوم المرحلة، حين أنهم شهداؤها، صورهم معلقة على جدران المدينة كما علقت صور الشهداء. خاضوا معركتهم بعيون مفتوحة. هذا إله وهذا ربٌ. وهذا أخيل يأخذ ثأرها من طروادة. أخذهم شوك الظن، حتى ظنوا أنهم أمة في أمة. حين أن بيروت مدينة بأمم كثيرة، بمركز أقوى من الرواية والقصيدة. ببغداد أربع مراكز رئيسية، بيروت بمركز واحد؛ إلا أن مركز بيروت التجاري خلقته الحياة أكثر مما خلّفته الهندسات الممسوسة. سمع الجمهور ضحك الحيطان وهي تراقب فروع الصب في مركز المدينة، حيث الزحام، التعدد، التنوع، حصى الوقت، عصا الساحر، الأختام الملكية والعادية، السوق العمومي، الصحف، المقاهي، الأناشيد الخفيضة، العلامات، العطور تخرج من الخزائن إلى الهباء، الشعراء، السياسيون، الروائيون، السفراء، عملاء المخابرات، الصحفيون، مركز التحري، الدر، الأمن العام ، الفنادق، صالات السينما لا صالات المسرح. المركز لا مركز فقط، يحتشد فيه جباة الضرائب. مائدة، مساحة مشتركة لكل من يمتلك كلامه أو عظام الكلام. مساحة مشتركة على بيروت فوق بيروت وتحت بيروت، بعد أن هدمتها الزلازل والحروب عشرات المرات، لتقوم كالرتيلاء من فكرة وجودها محرّكة للصمت بين نقلتين إلهيتين. الكلّ في بيروت رفيق الطاهي والحفريات. لن ينتصر أحدٌ على مدينة / تقف على غازها الساخن وقبولها المحفورة بقلبها، وهي ما تزال تجد بالموت ثالثة الأثافي. ما خفي على المسرحيين أو أضاعوه في شطحات المجاذيف. مُعضلة، أخفاها المسرحيّون في جيوبهم الأشبه بالسلال، بهذه المدينة/ الأفعى. لخص البابا بولس الثاني بكل ما في الألم من حرية: لبنان بلد رسالة. وإذ أوجد المسرحيّون أنفسهم بالسياسة الاجتماعية أوجدتهم المدينة بالاقتصاد، حين راحوا يحدقون بأعداد عروضهم المطّردة، من عرض أو عرضين للمسرحية الواحدة إلى ثلاثين أو أكثر. أوجدتهم بالاقتصاد، حين راحوا يعدون على بوابات المسارح ويحصون عدد العروض المطّرد، لا لحظّ عياراتها ومعياراتها. دودٌ يزيد على أبواب العروض. وكلّما ومض عدٌ مضى العرض إلى هلاكه. ذلك أنّ أوقات العرض غير أوقات القراءة، لا تنهش القراءة، حين تضع المسرحيّة أو العمل المسرحي تحت المجهر. لا مسرحية عند رأس البحر؛ لأنّ قيام المسرح قيام طير لا ضلال طاقم سفينة. رفعت “جحا بالقرى الأمامية ” عدد العروض من عرض وقف إلى ثلاثين. لم تعد يدُ المسرح مغلولة معها؛ إلا أنّها لا توضع على أكمة عالية إذا ما جرى تفكيكها وتحليلها، هي المسرحية النشوانة بسلال السمك البوري في بحر صيدها. لا تقرأ إلا على الساعة الرمليّة، لا تحت نجمة القطب. مسرحيّة الإمساك بتلابيب التغريب ولو أنها لم تخرج من فم الأسطورة إلا عند نقاد مرحلتها من وجدوا فيها مصعداً لا مومياء. بالكاد يتبيّن المسرح التغريبيّ فيها؛ إلا إذا وجد الباحث صلة بين المكنسة والكمنجة. عباءة، فقط عباءة . عباءة مهجّنة بالحروف الكسيحة. شيءٌ من مسرح القرى أو شيء من مسرح الفلاحين. ثم إن بريشت لن يحفل بها ولن يضعها على جبهة عروضه، هو ملك عروض العمال والفلاحين، لن يحفل بها سوى الملحق الثقافي في سفارة ألمانيا الشرقية في بيروت والأمين العام للحزب الشيوعي المحلي. جسد بلا رأس؛ لأنها مسرحية تفضحها الأيديولوجيا بدل أن ترفعها إلى مرتبة الحريق. لا مساءلة أو ذراع إبداعي من الأذرعة الإبداعية للمسرحي الفذ، حيث عومل بريشت كرفيق لا كشمس.
ما ظن بالأعالي محض عروض ضيّقة في عز الذهول من فن مؤسس وفد إلى مدينة وقعت سرتها في حداثة طوافة، حين لم تزل بقعها الأخرى مدروزة بأشجار الزيتون و الصبار وحقول البندورة والخس والخيار والحنبلاس. خراب إذا ما قورن بالسرة/ المركز، حيث لا أحدَ يصحو إلا على استعراضات النخب الطوّافة حول سرتها. جاء المسرح من قبّعات المهرّجين لا من عصف الجذور. جاء من مذكرات الغرب الواسع. قصور بالغرب وخيام عندنا؛ ظنّ المسرحيّون اللبنانيون أنهم عقل المدينة وهم يقلدون النظائر، لمَّا لم تجد لهم المدينة فسحة في عقلها الأول. عازفو أرغن استبدلوا كل الآلات الموسيقية بآلة؛ إلا أنهم بتماسّهم بها بقوا محجوزين في عقلها كجزء من أثاث ثقيل لم يره أصحابه وهو يرحل عنها في زوارق من ورق.
تصوغ المدينة أشكال الحياة على جبهاتها، من الدوالي إلى عرض السماء ونصف الأرض الثالث فيها. الإقامة إقامة في المدينة، لا إقامة في الاستقبالات المسرحيّة عند الأبواب المتمدّدة على آذانها، حين تفتّحت العيون على الاستقبالات وحدها، أضحى المسرحُ مسرحًا من شوك؛ لأن مسرحًا على قشرة برتقال أو موزة، جسد ملفوف بالقشرة. يعطف على الأمر أن الأمرَ أشبه بافتتاح رجل بستان زوجته، في مدينة استشعار ترسل بقرونها الإشارات إلى الدوريات الراجلة والمحمولة. مدينة لا تواري بيضها: عدد من الذكريات الصخرية عند أرسطو، أمصار وأجرام وهياكل عند ابن خلدون. الأهم عقوق المدينة؛ لأن المدينة عاقّة عند ابن خلدون، حين تحتاج إلى التعاون واجتماع الأيدي. اخترقت الأشكال عقل المدينة، من السينما إلى الرواية والفن التشكيلي والنحت والشعر، حين لم يجد المسرح باحته. سقط المسرح منذ البداية حين لم يحسب كعش من أعشاش المدينة أو نيشان على صدرها. لأنه بقي وراء فكرة ظفرها بأشكالها التعبيرية. لم تلحظ بيروت، بعريها الأول، لم تلحظ المسرح ولا المسرحيين. اكتفت بنيزك مارون النقاش من استحم بأوزان الأوبرا بوفا. جاء بالأوبرا كطائر في قفص. ثم لم يعُد ثمّة من طائر بعد أن شاهد القناصل والسفراء والولاة وكل من يمتلك منقار لا فم هذا الطائر. لم يقع الجمهور /العامة إلا على ما تبقى من ريش الطائر المخنوق بوصاية الغرب. تخيّلات وإشاعات مليئة بالخوف من ظل الطائر هذا بعد أن عاد الطائر إلى بلاده، إثر تغلّبه على النقاش بالضربة القاضية، بعد إعلانه أن لا مستقبل للفن هذا في بلاد العرب. ذهب إفرنجي أولاً، ثم ريشة الغراب. فنٌّ لن يجد كرسيّه. المسرح إذن، منذ البداية ، طريدة لا تمساح، مسرح بلا قلب.
تدور المدينة كبؤرة حياة، بين الثقافة والسياسة والسياحة والدين والاقتصاد والبنوك والمقاهي والنوادي. إنها أغصانها المثمرة، ما يقف قاسياً فوق المنازل والبيوت. ملكوت لا يخشى الخفة في الانتقال من المرح إلى القسوة. وحين وجد المسرحيون في المدينة وجهها الواحد، لم تسمح لهم بأن يقضمواً حضوراً من حضورها، أن يقضموا حضوراً في حضورها، بعد أن أخرجت ذاتها من حلم المسرحيّين السعيد ببناء أبراجهم داخل أسوارها. لم يستطيعوا أن يبنوا حضورهم سوى على شفتيها لا في قلبها ولا فؤادها. هكذا، لم تحفر المدينة في أرشيفها الفضفاض كيانات المسرح. صندوقها كبير، يسع الكوكتيلات المسكرة وغير المسكرة، بيد أنه لا يسع المسرح. هكذا، حين عض المسرحيون عضتهم الأولى عضوا لحومهم وجلودهم، لأنهم لعبوا خارج المدينة وهم في المدينة. كلما اقتربوا منها ابتعدت عنهم؛ لا مسارح في مدينة لا تجد اختلافًا بين التّسلية والثقافة في الحرف والورقة، ولو أنّها فرشت ولائم ثقافية. غرّتان على جبهتها. ولمَّا وضع المسرحيّون مفتاح المدينة القديم في قفلها، ليفتحوا بابها وجدوها تنتظرهم بضحكتها الخبيثة. بحيث وجدوا أعداداً من صالات السينما. لن يُوجد المسرح والمسرحيّ في مدينة غيّبت الصالات المسرحية عن مخططها التوجيهي الأول أو أوربانيسم المدينة. لا فضح سرية، كلام أردّده مع صعوبة هذا الكلام. لم يجدوا مسرحًا بين خيوط الشِعر الدقيقة بالمدينة. وإذ تروي الروايات أن “مسرح سوق الهال” وجد عند بدايات القرن العشرين في محلّة السور في بيروت، على مئة متر مربع، بباب واطئ يدفع قاصديه إلى الانحناء لحظة الدخول (عبد اللطيف فاخوري ومختار عيتاني بكتابهما المشترك “بيروتنا “) لم تؤكد البحوث والإعلانات سوى وجود “التياترو الكبير” و”مسرح فاروق”. مسرحان لفرق المسارح الإنكليزية والفرنسيّة والمصرية التقليديّة، المحمولة إلى بيروت بالسفن عبر مرفئها. المسارح للأجانب لا لأولاد المدينة (ما يزال الفنان المسرحيّ يدفع ضرائبه للدولة كأرتيست. وهو وصف العاملات في البارات والملاهي الليلية). لم يشارك الأخيرون دور الشريك لا على مستوى الإنتاج ولا على المستويات الأخرى. توارت المسرحيّات الداخلية في مسارح المدارس والإرساليات. الأخيرة كالملابس الداخلية، مسرح اليسوعية بالأشرفية ومسرح دار الأيتام الإسلامية في منطقة المقاصد ومسرح البطركية في منطقة البطركية. ثمّة مسارح مركونة على جدران الذاكرة، كمسرح الكريستال ومسرح الرويال والأمبير؛ إلا أنها مسارح لا تقترب من وظائف المسارح، قدر اقترابها من المواعيد الليلية وسهراتها وأبطالها مِن مَن يغطون أقدامهم بأنوفهم، ودنداناتها.
ولمَّا لم يستطع المسرحيّون أن يطفوا فوق جبال المدينة في غياب أحجار نومهم؛ بحثوا عن وسائدهم في العائلات السعيدة للصالات السينمائية. مسرح بيروت صالة عرض سينمائي، مسرح شوشو أو المسرح الوطني الشعبي صالة عرض سينمائي. قصر البكاديللي، السارولا، المارنيان، الآتينيه. كلّ المسارح في بيروت وخارج بيروت صالات سينما لم يدخل دم المسرح في شراينيها إلا في سنوات الركض خلف الصالات لتقديم العروض المسرحية. البلل كبير والمنشفة صغيرة، هكذا لسعت المسرحيّات الأجساد المسترخية في ظلام الصالات، بلا قوة على تقديم الوعود بالاستقرار، وعد لمبة لا شمس ناقصة. المدينة عدوة المسرح والمسرحي عدو المسرح، لأنّه عدو المدينة. لم يقدم النقاش للجمهور اللبناني فكرة يؤمن بها، حين قدم مسرحيو الستينيّات من القرن الماضي المسرح كنمر بسيرك لا بغابة. لذا، لايستطيع أن يفترس غزالة المدينة. طفر المسرحيون جراء الأمر ليبيعوا بطاقات مسرحياتهم في الشوارع وعند أبواب المنازل وفي الأوساط المألوفة، أي الأهل والأصدقاء والزملاء والرفاق. لن يتسع المسرح الأول إلا لهؤلاء، من وجدوا أنفسهم معتقلين في سجون من هواء معتم. نهر العابرون المسرحيين، رموا بطاقات مسرحياتهم في مشاوير سيرهم على أرض المدينة؛ لأنهم وجدوا بالدعوة كلمة بلا شكل؛ لأنهم وجدوا أنهم إذا ما رفعوا أبصارهم إلى عتبات المدينة، سوف يجدون الكثير من النجوم اللامعة، المسرح ليس بينها. إنها رحلة السير إلى الفراغ. ولو أنها سوف تسري بعد ذلك كمغامرة، يقفزها من القلب إلى الدماغ.
بقي المسرح معلقاً بطرف هلال المدينة. مسرح بعيد، ناره بعيدة، تلعب به المناهج الغريبة ولا يلعب بها؛ ذلك أن معظم المسرحيين ترجموا مناهج المسرح، بحيث بقيت المناهج كالقطط؛ جزء من ملحمة بقاء القطط استقلالها. هكذا، بقيت المناهج مستقلة، تذهب وتعود ولا تهتز. المناهج مقرّات لا مختبرات ولا لسعات ينقلها هواء المسرحي وماء المسرحي. جلال خوري بريشتي أو بريشت خوري، بعد أن حجز له المسرحي المحلي تذكرته في قطاره، تذكرة باتجاه واحد، ذهاب بلا عودة. أبهر بريشت جلال خوري إلى حدٍّ بدا فيه أنه مغروس برأسه، يقطف من نصوصه ورسومه الإخراجية وسينوغرافياه وهيئات وملامح أبطاله. غير أنه بقي في فيلم المدينة البوليسي محير الخطوات، بحيث وجِد كالريشة غير الممنونة للعاصفة حين انفجرت المدينة إثر اكتمالها من جديد، بقي قلبه يدقّ بعد أن تكسرت أبيات الشعر المحفوظة في دماغه، لم يقدر على اصطياد لحظة واحدة في المراحل الأولى من الحرب الأهلية، إلا أنّه لم يسقط من شجرة الأيديولوجيا، بحيث أبقاه حزبه ماركسيًّا، عضواً في هيئاته ومؤسساته الحزبية، وجده الحزب فاكهة من فواكه مواسمه، بحيث راح يؤمن انتخابه عضواً في اتحاد الكتاب اللبنانيين (مقره ومعظم أعضائه من المنطقة الغربية ببيروت) وكأنه امرأة مولع بها، وهو مُقيم على في منزله في منطقة الأشرفية( المنطقة الشرقية، بين المنطقتين خطوط تماس عسكرية). جلال العضو الدائم في الهيئة الإدارية في اتحاد الكتاب، وسط معارك اتحادية عنيفة على وبر الفراشة، فراشة الاتحاد. حاله في المسرح كحاله في الاتحاد (مثال لا على توقع النبتة، بل على زراعتها بغمرها بدماء حيض الأحزاب، إنه شبه الآخرين). قطع نصف الطريق قبل الحرب، وعليه أن يقطع نصفها الآخر بعد الحرب، ولو أنه لم يعد بمقدوره أن يقوم بالترجمات الفورية السابقة للنصوص البريشتية، بعد أن وقع على طليعيتها في مرحلة ازدهار حركات التحرّر بالعالم على قواعد الاشتباك المعروفة بين المنظومتين الاشتراكية والرأسمالية. شيوعي لا يستطيع إلا أن يخربش على دفاتر مدينة باريس مرّتين أو ثلاث مرات بالفصل الواحد. بالحرب، لفظ الشارع بعض العصافير، حين لم تعد تستطيع أن تلهو في أقفاصها المجملة خلف الزجاج. روجيه عساف أحد هولاء العصافير، لعب مع جلال خوري في ” أرتورو أوي “. يروي الجميع أنه قلعة من قلاع الأداء. قدم علاماته الواضحة في دور الديكتاتور، هتلر من وراء ومن قدام. إلا أن الرجل عرف بامتلاكه ذكاء الأفعى، حين انقاد إلى ثمرته الأكبر في محترف بيروت للمسرح، حيث قام على خدمة مجموعة من المسرحيّات. كل عصفور طائر، بأحلام قفزت فوق التلال بتلك المرحلة التأسيسيّة. كارت بلانش، طبعة خاصة، إضراب الحراميّة، مجدلون (١-٢) وغيرها من المسرحيّات، ثم إنّ الرجل لم يلبث أن أدرك بأن غناء التجربة لا يسمع إلا في الردهات المولعة بالمسرح. إذاك وضع رأسه تحت إبطه، مخلفاً المحترف متأهباً لقفزة حاسمة، بعد أن رأى أن المحترف أضحى جثّة، بعد أن خرج من كتاب الماء إلى كتاب الصحراء، لم يعد بمقدوره أن يكتم أن المحترف إذا لم يغمض عينيه عن مموليه، بحيث فتح شبابيك وأبواب منازلهم على الهجاء؛ إلا أن تمويلهم بقي كالصخرة على صدر المحترف. شمس الرأسماليين في المحترف وأزاميل المحترف في شمسهم. أدرك عساف أنه قضى فترة المحترف وهو ينتظر زائراً لا ينتمي إلى هذا العالم، ليكتشف أنه انتظر نفسه. وحين لم تزره هي نفسها، راح يبحث عنها هو نفسه في الانتماء، بعد أن وجد شبحه ملقى على طرقات مدينة، لم ترضَ أن تقتسم محل المسرح معه. ترك حصان الملك في الصالات المعتمة إلى ساحات عريضة لا تشبه الصالات المتروكة، بذكرياتها وأضوائها. لم يترك عقله ولسانه هناك. ترك قصة حب أسرته مع نضال الأشقر ولم يتحرر منّها إلا بعد أن تقدم خطوات إلى حيث لا يمرض الكلام. رفض المسرح بمصوغه القديم، كما لو أنّه يكسر قيده بمطرقة الحرية وهو يصطاد الأجراس الجديدة، إذ راح يميل إلى خارج المدينة. لم تعد تلمع بعد، كما تلمع الأسماك. لم يعد كائن المدينة الهش، بعد أن كدّس أحداثها وذكرياتها ومسرحها وراءه. ذهب عساف إلى المخيمات الفلسطينية. وضع المخيّمات على رأس القائمة، ثم المقاصد الإسلامية في صيدا، ثم قرية عيناتا الجنوبية، إثر اكتمال عقده مع شوشو في مسرحيتين، ” آخ يا بلدنا” و”خيمة كراكوز”. خاف جلال خوري من الحرب. لم يخف عساف من المعارك، بعد أن وجد مقاتلاً على خطوط التّماس في منطقة الشياح، ثم وجد بعض راحته المؤقتة بزراعة بعض الأراضي في المنطقة بالباذنجان وبعض أنواع الخضار الأخرى. لم يشعر المسرح قبل الحرب إلا بالجرح من المدينة؛ لأنها ما وجدت فيه واحدة من وسائدها. حكاية المسرح في بيروت بهذه الصعوبة، لم يصنع الواحد والآخر دويتو ضروريًا لرواية ما يروى وما لا يروى. يعود الأمر إلى صلف المدينة. يعود، من جهة أخرى، إلى صلف المسرحي. اقتلع روجيه عساف الشرشف عن المائدة، بحيث وجدت الأطباق والكؤوس مكدسة على الأرض، في حفل أقيم للاحتفاء بالمحترف اليقظ في المدينة اليقظة. هذا عشقُ المسرحي هواه. التهامه لنفسه المتشربة بهجة، حتى أضحت لا تعبر الطرقات إلا كما يعبر الذئب الغابة. المدينة غابة المسرحي لا نافذته المطلة على البحر. استعراض المسرحي الرجولي، خشخشة الظلام المقبل. ذلك أنّه واحدة من إعلانات عودة العظام إلى التراب، بعد أن شرد الجميع في الطرقات بعد أن حولوا منازلهم إلى جرار. تنطفئ الأنوار إثر انكسار نول المدينة. انكسر إذ مال جمالها إلى الغروب، بعد أن اكتمل الجمال وفاض. صفّق الجمهور لعساف حين رمى الطعام على الأرض كما صفقوا له في المسرح. حوَّل صالة الاحتفال إلى مسرح. امتلك عساف القدرة على تحويل فتحات الأزرار في القمصان إلى مسرح. كما فعل حين ترك مع فريق مسرحية مجدلون مسرح بيروت إلى مقهى الهورس شو في شارع الحمراء، بعد أن طردهم رجال قوى الأمن من المسرح، بحجة أن طعم الملح في “مجدلون”غير متوازن بحسب رقابة الأمن العام اللبناني. التحم الدرك بالمسرحيين، ما دفعهم إلى الخروج من فتحات المسرح إلى المقهى الشهير، بحيث حولوا الطاولات إلى حدائق في اليونان القديمة. غمر صلف المسرحي المدينة، حتى إن الأخير وجد أن وقوفه أنى وقف هو وقوف المدينة على مرتفعها. بلغ صلف أنطوان ملتقى أن ضرب جلال خوري على هواء تلفزيون لبنان. لا يلتقي النهر بالبحر إلا في ماء البحر. ملتقى هو البحر وخوري هو النهر. لم يروِ أحد الرواية هذه. أرويها لأنني جزء منها؛ ثلاثة نخطوا على الهواء. بلغ الصلف بجلال خوري أن اشترط عدم توقيع مسرحيّة لم يجد فيها مستواه. بلغ صلف المسرحيين حدّاً زربوا فيه بيرج فازليان في المسرح الأرمني، على الرغم من أنه كدّس أعمالاً في هواء آخر. نشط المسرحيّون في المسرح وبقوا كسالى في المناهج المسرحية. روجيه عساف مُغَّرِب كجلال خوري؛ غير أنه لم يقع في حرجه كما وقع خوري ( مزج التغريب بتقنيات الرسوم المتحركة). اخترق العبث مسرح ريمون جبارة. هذه خرافة من خرافات تلاميذه ومريديه؛ حيث لكل مسرحي إمارة ولكل مسرح حصانه، هذا جزء من نظام المسرح المربوط بالغيوم ليصنع شباك اصطياد المسرحيين. وجدوا أن العبث قمره، لا لأنه قمره، لأنه يخرجه من معاطف الآخرين. هذا هو الطوفان المصطنع في غير بلاد الرافدين. حيث جرى بناء المسرح على المسرحيّة لا المسرح، بالضعف والشك والارتهان إلى مدائن البياض الناعم في الغرب. الكلام على ضعف إنتاجات أواخر الخمسينيات والستينيات، كلام على الواقع والحقائق، لا مضبطة اتهام؛ لأن المسرحيين خرجوا من أصلاب سرائرهم لكي يبنوا منصاتهم على مربع المدينة، دون أن يدركوا أن صفحة واحدة لا تكفي لبناء غيمة واحدة، وأن اللعب في غرفة فارغة، لن يترك أثراً طفيفاً في المساحات الفارغة بين بلاطة وبلاطة أخرى.
لم يتعانق المسرحيّون؛ لأنهم خافوا أن يذوبوا في العناق، استقروا في مناهجهم، إلا أنهم بقوا رحلاً وهم يراوحون الواحد أمام الآخر . لم يكتملوا إلا كأفراد، وحين انعكست صورهم على مربع المدينة المصنوع من زجاج وماء، وجدوا أن وجوههم تروح وتجيء كأمواج عنيفة ببحر من الترقب والحذر. تلك مرحلة بيت الحطب لا بيت الحطاب، حيث الموائد العامرة بخطط قنص الجماعات للجماعات ووقوف المقاومة الفلسطينيّة على صخور البلاد الحارقة. الخلاص من الأساطير القديمة بصناعة الأساطير الحديثة، على الموائد أطفال وحكماء وعصافير وغربان وأجنحة ومناقير وريش وكراس تتأرج بالهواء السارد. الصورة بالسياسة هي نفسها صورة الثقافة، حيث الطواويس والفقمات والفداحة بكل معانيها والقمم والمومياوات ورجال الهداية والآفاق بأكمام القمصان وفي باقاتها مضغ لشيء، مضغٌ للحمم والبرد الأحجار وكل ما أغدقه هذا الكوكب العجيب، حين استجاب المسرحيّون لمنير أبو دبس، استجابوا لأنهم وجدوه رجلاً قادماً من معبد بعيد؛ لأنهم وجدوه رجلاً أجنبياً لا رجلاً خارجاً من ظهر الأجداد، ناموا على الأمر، وحين أفاقوا وجدوا أنفسهم على تلال الريح، حين سمع ممثلوه جملة زميلهم على المنصّة أدركوها كرجم بالغيب لا كجوهرة. ضحك الممثلون على هذه النقطة المموّهة في فضاء العرض، حتى كبر الضحك كما يكبر شجر الغار. لم يقيموا جنازة بدائية للمحترف إذ غادروه، غادره وحسب، غادروه بدون أن يعييهم التفكير. هذا من صلفهم. لم يسرق المسرحيّون الصلف من أحد؛ لأنهم سرقوه من ذواتهم، من أنفسهم؛ قومٌ صلافى. لم يموهوا حين قادهم صلفهم إلى زرب بعض المسرحيين في محابس الهوامش، كمحمد كريم ونزار ميقاتي. وحين خرجوا دومًا من صلب إله. الأخوان رحباني لا يحسبان على المسرح الثقافيّ، جعلهم صلفهم من العميان إلى تجيير مسرحهم لفيروز: سيدة المحابر. ثم إن الصلف أخذ المسرحيين إلى التنكر للمسرح الغنائي مع وليد غلمية وآخرين. عبد الحليم كركلا دوار بصلفه كما تدور الأرض حول النقطة الصفراء. لن يقيم الصلف إلا بسد النوافذ على الاعتراف بالهشاشة وأن اللعب لعب بالجبة لا لعب بالكون.
روى منير أبو دبس الرجل أن رفاق مدرسة المسرح ما قبلوا أن يتقاسموا حضورهم في غرف الأحلام مع أنطوان كرباج. الأخير وجه المدرسة الجديد. الصلف في أعلى الشرفة، حين لم يقبل القدامى أن يلعب الشاب الجديد الدور الأبرز في مسرحية. خيولٌ تطحن بعضها، بدل أن تقود حجر الطاحون . وجدت التجربة من الخلاف لا الاختلاف، ما قاد أنطوان ولطيفة ملتقى إلى النزوح من منطقة المنارة، حيث تقع المدرسة، إلى راشانا الأخوة بصبوص. حسن الحظ قاد المسرحيّين المنتفضين على معلمهم إلى بناء عش المسرح الآخر في راشانا؛ حينذاك أقاموا حلقة المسرح اللبناني، لم يلبث ريمون جبارة أن وجد في الحلقة وكر أفعى لا نقطة بيضاء على قوس الليالي. هكذا، ترك أنطوان كرباج وميشال نبعة تقاسيم منير أبو دبس. استبدلت النيء بالمطبوخ مع نص عصام محفوظ الديكتاتور. ما سبق قمة الصّلف بالكذب، حين تم تفتيق نصّ الملك يموت وتقديمه على مهوى أنطوان كرباج، حيث أذن الأخير، عن طريق التجريب أو الخطأ، للشخصية باستبدال أساسها بأول أدراج سلالة الإنسان: الملك طفلٌ عند كرباج. وضع أنسي الحاج المسرحيّة والدور في الدور العاشر من مبنى المسرح. مبنى بدور أرضي، مبنى بدور واحد. هكذا، أقيم المسرح على الأعراف لا على البذور. لا دوزان بعد. تخويض بالأمزجة. وما يقام على مزاج سوف يتكسر كما ينكسر الزجاج. رسم المزاج مجرى الملامح.
أبو دبس العائد من باريس، أجنبيّ لم تفكر أقدامه بالرجوع إلا حين دعاه الفرنسيّون حتى يستنطق الطرقات أمامهم، علّق رسومه على الجدار وعاد، وحين غادره من غادره، قاده صلفه إلى التصوّف في كرخانة في الفريكة، النائية عن المدينة. الآخرون أجانب، جلال خوري تغريبي، يلعب على الكلام الطويل لبريشت. روجيه عساف مولود مسرح جان فيلار، المسرح الوطني الشعبي. يعقوب الشدراوي سفير السوفيات في بيروت وفاكهتهم. شكيب خوري خريج الأكاديمية الملكية لفن الدراما في لندن. بيرج فازليان إله المسرح الأرمني الخجول. ريمون جبارة مولود مسرح العبث بشعره الطويل. جاءت نضال الأشقر من الأكاديمية الملكية لفن الدراما في لندن، إثر دراستها على جان ليتلوود. جاء نزار ميقاتي من إيطاليا. وهكذا؛ كلّهم أجانب في مسرح لم تمح صورته؛ لأنها لم ترسم في الأساس، حين سار كل مسرحيّ على خطوط كف يده اليمنى أو اليسرى، بدون أن يرفع جفنه أو يمد ذراعه إلى المسرحي الآخر. سهل أجانب المسرح وقوف المسرح على زمنهم لا على زمن المدينة. كلّ في منهجه أو كانتونه، غابة من الجنون في أتم السلام والهدوء. معابد نوارس بسيقان طويلة تخوض في ماء الورد.
مسرح أقصر من حبل الأكاذيب، عالق على خاصرة المدينة، حتى إذا اهتزّت الأخيرة على قبور الحرب وقع المسرح في حفر الحرب وأيامها الطويلة.
لم تهب المدينة المنفجرة إلا الذهول للمسرحي، الطالع من خلوات النقابات والهيئات والحركات الطلابية في الجامعات والأحزاب وديمقراطية لبنان وولادة تميزه؛ لأنه أقام عرشه على العزلة وسط الجموع الهادرة، حين وجد في هديرها أفضل الطرق لمواراة سوأة المناهج المسرحية وممارستها على العدم وأمام العدم. تبخرت النذر عند المسرحي، لمَّا أخبر أئمة البلاد في كافة المجالات: إن الرؤية بالهدم.

شاهد أيضاً

فسيفولد مايرهولد رجل المسرح الذي لم يتخلَّ عن حلمه أبداً

أعطى لخياله نوعا من الحرية، جعلته لا يقلد الحياة ولد فسيفولد مايرهولد في 28 يناير …