مشاهـــد جانبيــة للسيد الحرب

(إضاءة خافتة قليلاً تغمر المسرح) (لافتات كبيرة من القماش موزعة على أرجاء المسرح مكتوب عليها بحبر فسفوري مضيء «منطقة حرب كونية»، «الحياة»، «الموت»، «الإصابات المميتة»، «الإصابات السطحية»، «مناطق اشتباكات فردية ممنوع مرور المعدات الثقيلة»، «مناطق مفتوحة»، «ملاجئ مفخخة»، «مقهى يقدم مشروبات ساخنة وباردة ممنوع الدخول لمن لا يحملون تصاريح»).
(أصوات طلقات نارية) (يدخل رجل في أواخر الخمسينات على وجهه ندبة سوداء كبيرة في خده الأيسر، الرجل يحمل على ظهره كيسا يبرز منه قطع قماش بألوان مختلفة ويضعها على الأرض أسفل اللافتة التي تحمل عبارة «الموت» ثم يتحرك بسرعة بعيداً عن اليافطة ويقف في المنتصف.)
(تزداد الإضاءة تدريجياً) (يتجه الرجل إلى اللافتة التي تحمل عبارة «المقهى» يجلس على الأرض ويمد يده إلى فمه كأنه يشرب شيئاً. ثم ينهض ويقف أسفل لافتة «الحياة» يتأملها قليلاً ثم يتجه إلى كيس القماش يتأملها قليلاً ثم يخرج من المسرح) (يدخل الرجل وبيده عصا، ويتجه إلى كيس القماش)
الرجل : سيأتي، يجب أن يأتي، لن يتأخر كثيراً.
(يتحسس الرجل كيس القماش بالعصا)..
سيأتي وترتاح، لا تقلق، لن أتركه يذهب هذه المرة. سيأتي، طريقه يمر من هنا، وعندما… (يرفع العصا) «بوم.. بوم»، ثم…
(يجلس الرجل بجوار الكيس) ثم ماذا، ماذا سأفعل بعد ذلك. يا… يا… (يشير إلى الكيس أمامه) لم يقل ليّ عن اسمه… حتى هو لا يعرف اسمي؟! كانت ليلة سيئة فعلاً. ذاك الكابوس مخيف فعلاً .هو ما دفعني لهذا العمل.
(يتنهد) أنا منهك. كلما نمت جاءني كابوس أشد من هذه الحرب التي لن تنتهي .
(يتمدد الرجل على الأرض) أنا منهك، كم أود لو نمت. كم أنا بحاجة للنوم، لكن ذاك الكابوس، هذه المرة كان قريباً جداً، لقد شعرت بيدي ملوثتين بدم ابني الصغير…،لو عدتُ للنوم سيظهر مجدداً. لن أنام هذه الليلة، سأبقى يقظاً . لن يتمكن مني مرتين في ليلة واحدة. ثم هذا… ( يشير إلى كيس القماش ) يجب أولاً القضاء عليه ثم… (ينهض ويتحرك وهو يصوب عصاه كبندقية) لن يهرب، سأطارده… سأطارده من مكان لآخر، وعندما يقع في مداي سأطلقها بين عينيه. يجب أن يلاقي جزاءه العادل، سأنتزع حياته كما انتزع حياة… (ينظر إلى كيس القماش) حياة من لا أعرف اسمه ولا يعرف اسمي.
(يتجه إلى الكيس، يدور حوله، ثم يحمل الكيس ويدور به حول المسرح، ثم يضعها أمام لافتة «الموت»)  كيف استطاع قتله؟!
لقد وصلتُ إليه متأخراً، كان ممدداً على الأرض، والدماء تنـزف من رأسه، لقد تلقى طلقة قاتلة في الرأس، سألته عمن فعل به هذا، لم يتحدث، فقط أشار إلى هناك (يشير الرجل إلى لافته «الحياة») ربما كان يشير إلى الجهة التي ذهب منها قاتله أو التي كان فيها؟! اشارة بسيطة، ثم لاشيء. (يتمدد الرجل على الأرض بجوار كيس القماش، ويئن بحرقة) ارتفع أنينه، أنين خافت، نشيج متوحش، ثم ارتفعت حشرجة أخيرة موحشة كأنها تحمل آلام كل الأحياء، (يرفع يده ببطء) رفع يده، ثم بصق قليلا من الدم وتوقف عن الحركة.
(يفلت الرجل يده على الأرض)
(ينهض الرجل وينظر إلى ثيابه، يهز رأسه بغضب) لقد بصق الدم عليّ، لولا أنه ميت لأوسعته ضرباً، هذا الدم مقزز ويذكرني بدماء الكابوس الذي يطاردني.
(يمسح ثيابه بيده) ما هذه الـ…
لولا أنه ميت لبصقت عليه. لا أحد يعبث معي. (ينظر بغضب إلى الكيس) إنه يستحق الموت لأنه فعل هذا معي.(يغمض عينيه) إنه ميت الآن، لستُ من أولئك الذين يحملون كراهية للموتى.
(يفتح عينيه ويتراجع بضع خطوات، ويصوب العصا إلى كيس القماش) لكنه مع هذا أساء إليّ، وأنا لا أغفر لمن يسيء إليّ حتى ولو كان ميتاً. إذا تهاونتُ مع ميت فلا أحد يعلم ما ستصير إليه الأمور. (يهز العصا ويطلق بفمه صوت الرصاص) بووم بووم…
(يخفض العصا) طلقتان كافيتان للهدوء كما قالوا ليّ. عندما تغضب أثناء  الحرب عليك بإطلاق الرصاص، الغضب يتلاشى مع صوت « البووم بووم» الذي يدوي مع انطلاق الرصاصات. (يرفع رأسه بتعالي) لقد مسحتُ أهانته، والآن علينا الثأر له.  لقد قُتل ويجب الانتقام من قاتله. نعم. يجب أن… أن… أن… (يرفع العصا ويهزها) لا توجد كلمة معبرة. لكن المعنى يكمن في النقاء والعدل. (يتنهد) علينا الآن البحث عن قاتله. (يتجه إلى الكيس ويقف أمامه) سيأتي قاتلك وترتاح، لا تقلق، لن أتركه يذهب هذه المرة. سيأتي، طريقه يمر من هنا، وعندما… (يرفع العصا) بووم بووم. ثم… ثم ماذا؟! ماذا سأفعل بعد ذلك؟! يا… يا… (يشير إلى الكيس) لم أعرف اسمه… وهو لا يعرف اسمي؟!
أنا منهك، أنا بحاجة للالتصاق بالأرض، لكن… لكن يجب أولاً الانتقام له ثم…
(يدور حول نفسه) أنا بحاجة للنوم، اليقظة المستمرة تتعبني، أنا متوتر ومهتاج، الضوء يزعجني جداً الآن، تركيزي يقل، قليل من النوم سيساعدني.
(يجلس على الأرض بجوار الكيس، ينام، يهتز، ثم ينهض ويحمل الكيس على ظهره) لا أستطيع النوم، جثته تصرخ طالبة الثأر لمقتله. سيأتي قاتله في أي لحظة ويجب أن أكون مستعداً له.
(يدور حول المسرح)  لقد تأخر القاتل، البارحة تسلل في منتصف الليل وقنصه، وها نحن نقترب من الفجر ولم يظهر بعد؟! لكنه سيأتي، لابد من مجيئه، لابد من مجيئه بحثاً عن صيد جديد، يجب أن يأتي حتماً فأنا لن أحمل هذه الجثة طوال العمر، يجب أن يأتي وأدفن جثته فوق جثته…
(يضع الكيس على الأرض أسفل لافتة الموت، يدور حول المسرح وهو يصرخ) بووم بووم بووم.
(يتجه إلى الكيس ويحمله على ظهره) إنه يزداد ثقلاً. كلما طالت المدة يزداد حقد وسواد الجثة، يجب الثأر له قبل أن تتحول جثته إلى جبل… يجب إنزاله من على ظهري. لا أستطيع حمله للأبد. إلا يكفي ما لدي من أحمال لتسقط هذه الجثة بين يدي؟!
(يتوقف ويضع الكيس على الأرض، يتأمل الكيس، ثم يقف أمام لافتة «مناطق مفتوحة»)
منطقة مفتوحة. إلا يكفيني هذا؟!
(يرفع العصا للأعلى) بووم بووم بووم. (يخفض العصا) إنها منطقة مفتوحة لكل الاحتمالات، للحرب والسلام، للقتل والدمار والراحة. لا تعرف متى كيف تتبدل الأحوال داخلها، إنها منطقة مفتوحة على كل شيء. أنا لا أحبها، لكن لا بد من عبوري عبرها.
(يتجه إلى لافتة «مناطق اشتباكات فردية») يجب أن لا أنسى مهمتي الأساسية. هذه منطقتي. أنا محارب وهذه منطقتي « بووم بووم بووم بووم».
(يمسك كتفه وهو يتأوه، ويقف أسفل لافتة « الإصابات السطحية») لقد مرت الرصاصة بجوار يدي. لا بد من هذا في الحرب. الجروح أيضاً تلتئم بسرعة هنا، هنا منطقة حرب ولا تقبل الحلول الوسطى، إما حياة وإما موت. لا توجد مناطق وسطى.
(ينظر للكيس )
وهو كان يظن إنه قادر على البقاء في المنطقة الوسطى.
(يشير بالعصا إلى لافتة « منطقة حرب كونية»)
قبل ساعات كان يجلس هناك. رأيته وهو يضع حقيبته على الأرض… لابد أنه كان مرهقاً من الطريق. لقد حدق في اللافتة التي تتوهج في الليل باللون الأحمر، تأملها قليلاً. ثم جلس أسفل منها… ربما فكر بالراحة قليلاً… لقد عرف ما تعني اللوحة. رأيته يتلفت حوله بقلق. ربما فكر بالراحة قبل أن يواصل طريقه. أو قد تكون تلك اللوحة مكانا يلتقي فيه مع أحدهم. أو ربما كان بحاجة للمساعدة وظن أن وجود هذه اللوحة يعني مرور أحد يستطيع مساعدته.
«بووم بووم» لكن لا أحد يعبر من هنا، القتلة فقط يتجولون في هذه المنطقة. القتلة والذين يحملون الكوابيس المخيفة يجرأون على العيش هنا.
نقطة حمراء توهجت في الظلام. لابد أنه أشعل سيجارة. منظر التوهج كان رائعاً ومتناغما مع اللوحة. لكنه أطفأ السيجارة بسرعة، تذكر بسرعة أين هو، فإشعال سيجارة في الليل وفي مثل هذا المكان يجعلك هدفاً لكل من يريد التحقق من مهارته في إصابة الهدف عن بعد. عشرات الطلقات من كل الاتجاهات ستخترقك في ثوان. «بووم بووم» أطفأ السيجارة، ونهض وسار بخطوات مسموعة. ثم بدأ يخفي خطواته، وعندما اطمأن دار دورة واسعة وعاد ليجلس قريبا من اللوحة. كان هدفاً من النوع الجيد. ليس سهلاً ولديه بعض المهارات، والأهم أنه عرف أنه مطارد، وهذا يثير القناصة المحترفين، طريدة مثل هذه تغري أي صياد حقيقي. أخرج شيئا من حقيبته. ربما كان طعاما أو شيئا آخر، تأمله بسرعة وأعاده للحقيبة فلم يحن وقته بالنسبة له. ثم أخرج ثلاث أوراق صفراء، قلبها باهتمام ثم وضعها داخل حفرة، ربما كانت الأوراق علامة تدله على شيء.
(يرفع عصاه ويصوبها باتجاه كيس القماش) «بووم بووم» طلقتان كانتا كافيتين لإفزاعه. الصيد الجامد في مكانه يقتل الرغبة في الصيد، طلقتان كافيتان لحمله على الحركة.
(ينظر للكيس، ثم يدور حوله وهو يتكلم) لم أعرف اسمه. لقد تحول الآن إلى رقم. رقم بحوزة صياد. كان لديه اسم، و لديه عائلة. لكنه الآن تحول إلى رقم في جهة الخسائر. إنها في الأخير حرب ولا بد من رابح وخاسر.
(يتجه إلى لافتة «المقهى» ويجلس، ويمد يده إلى فمه كأنه يشرب، يغمض عينيه ويتنهد بعمق)
حتى هنا يعطونك راحة بين الحين والآخر، عدة دقائق أو ساعات لتتذكر طقوس الحياة، تتأمل وتفكر وتخرج من جو الحرب قليلاً، لتعود للحرب وتبذل جهداً أكبر لتعود لحياتك الأولى بشكل أسرع، عندما تتألف مع الحرب وتتباطأ يمنحونك فرصة للراحة لاستعادة ذكريات الحياة. إنهم بارعون في هذا. لكن هذا ليس كل شيء. لا تعرف براعتهم إلا بعد سنوات، بعد فوات الأوان. تكتشف الحقيقة البسيطة التي لم تلاحظها وأنت في خطوط المواجهة، الحقيقة التي حجبتها سحب القتل والقتل المضاد. يضعونك في أقصى المكان، ثم يطلبون منك أن تحميهم وتحمي نفسك. أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع، ألف ليلة في السنة… وعندما تنجز مهمتك بشكل جيد يزيحونك جانباً. ياه… 
(ينهض) هذه الحقيقة المخيفة لا تتمكن من معرفتها إلا بعد سنوات، يرسلونك إلى هنا. ينـزعونك من بين عائلتك لتقاتل. يقال لك ستحارب لتدافع عن عائلتك وعن الآخرين. يعطونك بندقية ويرسمون دائرة على امتداد الأفق، هذا هو هدفك. دائرة الأفق كلها هدف. يضعون اسمك جانباً ويعطونك رقما. رقم سيعبر عنك عندما يحسبون عدد الجنود، عدد الجرحى والقتلى. هم لا يهمهم الاسم، ما يهمهم أنه بحوزتهم رقم صالح للقتال، أو رقم منتهي الصلاحية. يرسلونك لجبهة القتال بحقيبة تحمل فيها كل حاجياتك. تتأمل الحقيبة الصغيرة و تختصر أشياء كثيرة من حياتك واحتياجاتك لتتمكن من وضعها داخل الحقيبة. تضطر للتخلص من الكثير، وهذا يسهل تحولك إلى شخص آخر، وهم يغذون في كل لحظة بذرة القتل داخلك. وأنت تتعلم اللغة الجديدة بسرعة. وتتحول إلى الشخص الآخر المناسب لمهنة القتل والقتل.
(يتحرك على المسرح وهو يصوب العصا يميناً وشمالاً)
بووم بووم. واحد.. اثنان… مليون… أرقام من جانبك وأرقام من جانبهم تتساقط على الأرض وتختفي تحت التراب. كل واحد من الطرفين يجمع الأرقام التي استطاع اقتناصها، وكل يوم تتحسن وتعتاد جيداً على الحرب. أما من أرسلك فهم يجلسون هناك يحتسون الشاي ويتناولون قطع الكعك وهم واقفون أمام الخرائط. يحسبون الأرقام، ويحركون قطع خشبية على الخرائط وقبل أن يذهبوا للنوم يطلبون منا عبر الهاتف أن نتقدم إلى هنا وننسحب من هنا. وبعد أن ننجز نحن العمل يسجلون هم عملنا كانتصار لهم أو هزيمة. بووم بووم. نحن بالنسبة لهم مجرد أرقام، أرقام من أرقام.
(يتحرك الرجل ويقف أمام لافتة «منطقة حرب كونية») ومع مرور الوقت تتأقلم مع المكان الذي وضعت فيه ومع طبيعة الحياة الجديدة، تعتاد على كونك رقما، تعتاد على أصوات المدافع، على الجثث والأشلاء الآدمية، تعتاد على فكرة الحرب. ببساطة الحرب تصبح حياتك.
(يتحرك بعيداً عن لافتة «منطقة حرب كونية» ويقف في المنتصف) بعد شهور أو سنوات تطمئن ويتكيف ما تبقى منك للاستمرار وفق حياتك الجديدة، لكنهم يزحزحونك جانباً. يبعدونك عن ميدان الحرب، وعبارتهم تتعالى مع ابتسامة صغيرة، اترك فرصة للآخرين. لقد عملت بجد وحان وقت الراحة.
 ياه. بنفس البساطة يبعدونك ويعطون الدور لشخص جديد.. شخص لا يعرف معنى الحرب. شخص يحب الحياة والبهجة ليعطوه الموت والجروح.
هم يحبون الدماء الجديدة، والخوف الجديد والبراءة الجديدة. والرقم الجديد.
أرقامك كلها التي حصدتها بدمك ودم رفقائك لا تشفع لك في إبقائك هنا.
(يحرك يده في الهواء) يقولون لك لقد عملت جيداً، عد للبيت. هذا كل شيء.
ينسون ما حدث لك، لا يهتمون بكونك قد أصبحت شخصا آخر.
(يخفض يده) يطالبونك بنسيان رفاقك القتلى، يطالبونك بنسيان كل شيء. الدم… الدموع… العجز… القسوة… الحقد… الكوابيس. يعتقدون الأمر سهلاً، مجرد نزعك البزة العسكرية يجعلك تعود كما كنت في السابق قبل الحرب، تغسل وجهك بالماء فتنمحي الجثث من أعماقك، وتنام دون أن يأتيك كابوس.
هم يقولون انتهى الأمر عد إلى حياتك. وأنت عليك أن تضغط زراً فتعود لتحمل اسما. وهم يرسلون أحداً آخر لجبهة القتال، بينما يفرغون أنفسهم لكتابة صفحة جديدة للتاريخ. لتستمر الحكاية.
هكذا بكل بساطة. لا يعرفون مقدار الدمار داخلنا وخارجنا. ما يهمهم هو عدد الصفحات التي ستكتب عنهم. عدد الأرقام التي حصدنها لهم.
(يجلس على الأرض)
أنا لا أريد كتابة اسمي في كتب التاريخ. النصر عندي لا يفرق كثيراً عن الهزيمة. ما يهمني هو الحرب. حياة الحرب، بعد سنوات لم أعد صالحاً إلا للحرب.
(يضم ركبتيه إلى صدره)
تنتظم داخل هذه الحياة، تتأقلم مع حياة الحرب، على الضجيج، على العيش فوق الخط الذي يفصل الحياة عن الموت. لا تستطيع تخيل الحياة بدون بندقية، البندقية التي أصبحت كالهواء. على الكوابيس التي تتفجر فيك بضراوة فجأة حتى وأنت في كامل اليقظة. كوابيس القتل، يتراءى لك أنك تقتل أحد أفراد عائلتك. ابنك يكبر ويذهب للحرب، يأتي إلى جبهة القتال كقاتل أو حتى للبحث عنك. وقبل أن يدير رأسه في المكان تسقطه رصاصتك أرضاً. ابنك الذي تركته جنيناً في بطن أمه تراه للمرة الأولى والدماء تغطي جسده كأنه ولد من جديد بين يديك، لكنه مولود لعالم الموت.
أحياناً تتبدل الصورة ويقتلك هو، لكن المحصلة واحدة. فالثقل الذي سيحمله أحدكما كافٍ لتدميره. عندها تتمنى أن تكون بلا عائلة. نبتة واحدة ليس لها جذور أو فروع. أنت الذي ذهب يقاتل للدفاع عنهم تصبح القاتل.حقائق كالكوابيس، وكوابيس كالحقائق.  
ومع مرور الوقت ترعبك فكرة العودة إلى بيتك كما أرعبتك فكرة الذهاب للحرب في البداية. تستسلم لفكرة الحرب فهي من يبعد عنك مثل هذه الكوابيس. تعلن نفسك مقاتلاً أبدياً.
لكن بعد كل جهدك للبقاء وإعطائهم أرقاما ينسبونها لأنفسهم يكافئونك بالإبعاد. يأمرونك بكل بساطة بالعودة إلى حياتك الماضية، عد لعائلتك مدينتك…
إلى أين أذهب؟! أعود إلى من؟! لقد مر الزمن عليّ، لم أعد قادرا على تميزه، ولا أستطيع النوم إلا مع أصوات المدافع. لا أستطيع الاستيقاظ إلا مع اهتزاز الأرض بفعل سقوط القنابل.
ببساطة لم أعد ذاك الشخص الذي يمكنه تقبل الآخرين من حوله ويتعامل معهم بدرجات متفاوتة بين الحب والوداعة والتجنب والكراهية. الناس تحولوا إلى نوعين فقط، أناس في جانبي وأقوم بحمايتهم، وفي الجانب الآخر أناس أقتلهم، لم تعد توجد منطقة وسطى للتعامل معهم.
هم يريدون بعد هذا كله إرسالي إلى البيت. بعد أن تدمرك الحرب يعطونك ورقة وقطعة من المعدن لتحدق فيها بقية حياتي. وإذا حالفك الحظ ستحصل على ألبوم صور.
(ينهض ويتجه إلى كيس القماش) ثم يرسلون أمثال هؤلاء، المقاتلين الجدد لا ينفعهم سوى الحظ ليعيشوا مدة أطول. خبرتهم بالحرب محدودة وقدرتهم على التصرف الجيد محدودة جداً. هم يتعلمون ويتأقلمون مع الوقت. لكن في البداية هم بحاجة إلى حظ كبير ليستمروا بالسير على أقدامهم لأيام أطول. تنتظرهم القذائف ومناظير القناصة وحقول الألغام، وأيام من الجوع والعطش.
 (يدور حول الكيس وهو يتكلم) لم أعرف اسمه. هو الآن رقم بحوزة صياد. كان لديه اسم، و لديه عائلة.
عائلة؟! أوه نعم عائلة… أب وأم، لديه أيضاً زوجة وأطفال، ولد وبنت وطفل في بطن زوجته، طفل لن يراه، لكنه سيعرف من إحدى الرسائل أن الطفل يحمل في وجهه ندبة سوداء مثله. علامة لا تتكرر عند أحد سواهما. فيهتف كنوع من النبوءة بأنه أصبح لديهم بديل عنه، وإذا اشتاقوا إليه فيكفي التحديق في الندبة السوداء للطفل الصغير.
(يمسح على الندبة في وجهه) ماذا لديه أيضاً، أقارب… جيران… معارف… سلسلة من البشر وهو أحد حلقاتها… « بووم.. بووم «. والآن. مجرد رقم. حتى عائلته ستؤرخ له بيوم مقتله.
(يحمل كيس القماش ويدور به حول المسرح)  عائلة؟! لازلتُ أتذكرهم «بووم… بووم».  أين هم الآن. ماذا يعملون؟!
(يضع كيس القماش تحت لافتة «الموت») (يقف تحت لافتة الحياة) هم هناك. على الأقل عندما تركتهم كانوا مازالوا هناك. تلك الرسالة التي تتحدث عن رحيلهم كانت غامضة. ولم أحتفظ بها، كانت رسالة مدمرة.
(يحرك العصا ثم يصوبها كبندقية) «بووم بووم» ماذا يفعلون الآن. بافتراض أنني فهمت ما جاء في تلك الرسالة خطأ «بووم بووم».
(ينـزل العصا) منذ سنوات لم ألتق بهم… عشرة أعوام… عشرون… لا أتذكر جيداً. عندما أرسلوني للحرب كنتُ في السادسة والعشرين. لقد مرت أعوام كثيرة لا أعرف عددها، فمنذ إرسالي للحرب علموني أن لا أهتم بحساب الزمن، علموني الاهتمام بحساب القتلى من رفاقي وأعدائي أيضاً.
(يحدق في اللافتات كلها واحدة بعد أخرى) عائلة؟! منذ سنوات لم أفكر بهم… لقد نسيتهم فعلاً. ياه. ما الذي حدث وجعلني أتذكرهم اليوم؟! آخر رسالة تلقيتها كانت عن دمار البيت بفعل قذيفة وموت الجميع باستثناء الطفل الصغير الذي قالوا إنه يشبهني. يشبهني حتى في بقائه حياً وانقطاع أخباره طوال سنين.
(يغمض عينيه) حتى ملامحهم مشوشة. لا أستطيع تحديد ملامحهم جيداً.طفلان والثالث كان مازال جنيناً في بطن أمه، الثالث قالوا ليّ في رسائلهم الأخيرة إنه يشبهنني كثيراً خصوصاً مع الندبة السوداء على خده الأيسر. 
(يفتح عينيه) ياه… بعيدين جداً… ربما هذا من أضرار الحرب. آخر رسالة تلقيتها من هناك حملت الكثير من الأخبار السيئة. (يرفع العصا) تكون في الميدان. الموت في كل الجهات، وهم هناك يعتقدون أنه يجب عليك مشاركتهم في الأشياء السيئة. « بووم بووم». عليك أن تواسي وتتحمل عنهم… «بووم بووم». لا يعرفون أن الحرب تُغير بشدة. حتى الأحجار تتغير هنا.
 (يحمل كيس القماش ويربطه وراء ظهره، يربت على الكيس) وأنت أيضا لم يعد بمقدورك تذكرهم. ستعتاد على هذا. في هذا المكان من الأفضل نسيان كل شيء. هنا يعطونك دروساً جديدة لتستطيع الاستمرار هنا لوقت أطول.
 الدرس الأول لا توجد عائلة يوجد وطن. الدرس الثاني لا يوجد أنا يوجد نحن. الدرس المائة لا توجد حياة يوجد موت… الدرس المائة والعشرون اقتل… يعلمونك كيف تتخلص من حياتك السابقة ويزرعون فيك أفكارهم. والنجاح يعني مسح كل المفاهيم السابقة من عقلك. النجاح يعني التحول إلى آلة صالحة للقتل.
والدرس الأخير يقولونه عندما يطلبون منك المغادرة والعودة لعائلتك. انس كل شيء وعد إلى ما كنت عليه. الدرس الأخير تنح جانباً، اعط الدور لغيرك.
تتحول إلى آلة قاتلة وتستطيع إنجاز العمل بشكل جيد، لكنهم يحبون الدماء الجديدة، يعشقون إدخال أيد جديدة في لعبة القتل. مثلك.
(يربت على الكيس وينظر جانباً إليه)لم تقل ليّ عن اسمك. لديك اسم حتما قبل حضورك إلى هنا. الاسم يدل على أنك حي، لقد تحولت إلى رقم ولا يهم اسمك الآن. رقمك الآن مختلف عن الرقم الذي منحوه لك عندما زرعوك هنا. ويختلف عن الرقم الذي منحه لك من قنصك… وأصبح عليّ حمل جثتك حتى انتقم لك. «بووم بووم».
هل كنت تفكر في شيء ما وأنت تحتضر. ربما فكرت في من قتلك… والسبب الذي قتلت من أجله؟! «بووم بووم» هل كنت ترغب بوجود شخص بجوارك يستمع إلى أنينك. أم كل ما كان يهمك هو الهروب ومواصلة الحياة؟! «بووم بووم» لقد استرحت الآن وتركتني أعاني عوضاً عنك. « بووم بووم».
(تخف الإضاءة وتتركز علي الرجل) لو كانت لديك مفكرة لكنتُ عرفت بماذا كنت تفكر قبل مجيئك إلى هنا. وربما عرفتُ أسماء عائلتك وأصدقائك. وربما كنت تكتب أفكارك وآراءك أيضاً، كنتُ سأقرأ آراءك عن الحرب. الحرب سافلة، سأجدها مكتوبة بحروف كبيرة وسميكة. رأي صريح… وسأقرأ ما كتبته حول سفالة الحرب، وستخفي بعض الأسباب. الأسباب التي تجعل الحرب أكثر سفالة مما تعتقد. ستقول أنك جئت إلى هنا لتكتب عن الحرب، لكنك تورطت بالكتابة على الأجساد. عدة قصائد عن حبيبة تنتظر هناك. وربما صورة مرسومة بقلم رصاص لحبيبتك ذات الشعر الأسود. اسمها هبة، ثلاثة حروف كافية لمنحك السعادة. وتسكن في البيت المقابل لبيتكم. تحبها بالرغم من أنك متزوج ولديك طفلان والثالث سيأتي عما قريب. لا تعرف كيف تورطت في هذا الحب، لكنك جئت للحرب من أجلها فقط. كم من الأيام انتظرتها أمام موقف الحافلات، كم من مرة انتظرتها أمام باب جامعتها. كم وكم… الشهور الأخيرة كانت أكثر قسوة عليك، وحدها هبة جعلت لحياتك معنى. مريم ويوسف طفلاك تحولا إلى… إلى… لا توجد كلمة مناسبة هنا. أنت لا تزال تحبهما. لكنه ليس كالسابق. هبة أخذت كل قلبك. لم تسمح لأحد أن يشاركها فيك، حتى ولو كانوا جزءا منك… ثم أرسلوك للحرب. ستقاتل من أجلها. ستحتمل دوي المدافع… الكوابيس… أربع إصابات، ثلاث منها خطيرة. وعندما تغلبك صور القتلى والدم تخرج مفكرتك وتتأمل صورتها فتغمرك الرغبة بالحياة مجدداً، فتنهض وتقاتل… ثم يأتيك النبأ… صديق يعرف حكايتك مع هبة… تزوجت من أول قادم. هي تحب الحياة ولن تحتمل انتظار خبر موتك أو عودتك بأطراف مقطوعة. «بووم بووم».
(تتراخى العصا من يد الرجل وتسقط، ويدور الرجل مع كيس القماش) ما معنى الحياة أو الحرب أو أي شيء آخر… انتهى كل شيء. لم يعد لديك معني لأي شيء، ثم تأتيك تلك الرسالة عن عائلتك… لا شيء يبقى سليماً فيك بعد ذلك. ولأنك جبان بما يكفي تترك الآخرين يخلصونك من حياتك. تغوص في الحرب بما تبقى لديك لتُنهي حياتك، لكن الموت يعاندك. رفاقك يسقطون ورائك وأنت تستمر. ومع الأيام تستسلم. تستسلم للحياة.
(يمسك العصا ويضمها إلى صدره) تصبح البندقية هي حياتك. تألفها وتـألفك. وفجأة يوقظونك ويقولون عد للبيت، انتهت مهمتك.
(يدور حول اللافتات) إلى أين تعود… ولمن..؟!
لمن… أهلك هم الحرب. حبك هو البندقية. الموت حياتك. لا تجد مفراً من الهروب. تهرب إلى الحرب… حربك أنت، حرب تمتلك قوانينك، وتختار أنت الجهة التي تقف إلى جانبها، أنت من يأمر نفسك الهجوم أو الانسحاب. وفوق هذا لا أحد يكتب تاريخ حربك، لا أحد يزيفك أو يزيف أعمالك. ولا يوجد من يستمع إلى حكايات بطولاتك. تقاتل عندما تريد. تختار الجهة التي تقف إلى جوارها، وتستطيع اختيار الجهتين معاً، فتقتل واحدا من تلك الجهة، ثم تنتقم وتقتل واحدا من الجهة الأخرى، تقتل ثم تثأر لمن قتلته. إنها لعبة فريدة لا تتمكن من لعبها إلا إذا عشت في خطوط التماس. هنا تتعلم الأشياء المثيرة والسيئة أيضاً، الموت يجعل كل شيء عادياً. القتل بحد ذاته يصبح دعابة ومزاحا. تراهن على مقدرتك على قنص الرأس أو أصبع لأي شيء يتحرك. وعندما يسقط الجسد مضجراً بالدماء تبتسم، وتقول لمن راهنته أرأيت؟! قد يكون الصيد حيوانا بريا أو إنسانا، لا يفرق الأمر كثيراً المهم أنك كسبت الرهان. ثم تهرع إلى صيدك لتعرف اسمه، وتأسف فقط إذا لم تعثر ورقة تحمل اسم صيدك. يحزنك عدم قدرتك على معرفة اسمه، لقد انتهت مرحلة جمع الأرقام بالنسبة لك وأصبح الاسم أهم من الحياة نفسها. ثم تحمل صيدك فوق ظهرك وتبحث عن شخص تحمله جريمتك. لا تستطيع دفن من قتلت حتى تجد من تحمله مسؤولية القتل. تشعر أن روح المقتول تطاردك فتبحث لها عن جثة أخرى تمتصها. هناك ثمن عليك دفعه، حتى ولو كان عملك لمجرد الدعابة والمزاح.
(يرفع العصا) «بووم..بوم. بوم» تتعب فتلجأ إلى أقرب مغارة أو كهف وتتابع من بعيد تحول الحرب إلى رحلة صيد.
لن تعود، هذا هو القرار الحقيقي الذي تتخذه منذ مجيئك إلى هنا. لقد قاتلت طويلاً هنا وتعرف أشياء كثيرة تعينك على الحياة فيها. لذا تقرر البقاء هنا، وليضعوك كرقم في خانة المفقودين، وليرسلوا رقماً عوضاً عنك.
إذا أردت الحياة ابق هنا. الحرب ليست موتا فقط، ليست أغنية باردة تعزفها الأشلاء…
(الإضاءة تزداد وتغمر المسرح كله)
لقد طلع النهار ولم يظهر قاتله. نهار آخر سأحمله فيه. لكن إلى متى سأحمله، جثته تزداد ثقلاً؟!
(يفك كيس القماش مع على ظهره ويضعه على الأرض بعيداً عن اللافتات) (يتأمل  الكيس على الأرض)
ما هذا لم انتبه مسبقاً إلى هذا؟! (يحرك الكيس بالعصا) هذا أكيد. كيف لم أنتبه إلى هذا؟! لقد مر بقربي، مسافة صغيرة فصلته عني، لكنني لم ألاحظ هذا… (يفكر) رغم أن الضوء لم يكن ساطعاً، لكنني قادر على التميز، فكيف لم أميزه جيداً؟! مازال صغيراً، ربما لم يصل للعشرين من عمره.
(يجلس بجوار الكيس ويحركها بالعصا) لماذا يرسلون مثل هذه الـ… المكان لا يحتمل إضافة جديدة  وهم يـ…؟! 
(يقطع حديثه ويحدق بقوة في كيس القماش) كيف لم انتبه إلى هذا.. راقبته طويلاً، لكني لم ألحظ هذا؟! كيف لم انتبه؟! ربما الظلام أو تركيزي في محاولة قنصه. ركزت أكثر على منطقة القلب ولم أهتم بتأمل ملامحه. نظرة خاطفة بعد ذلك للوجه كانت كافية لإصابته في مقتل. أنا لا أحب التحديق في الوجوه التي أقنصها، فهي تطاردني. الوجوه تتحول إلى كوابيس لا تهدأ، لكن الأجساد تتحول إلى مجرد أرقام. نقاط تريها لمنافسيك.
لكن هذه الندبة السوداء في وجهه. ماذا يعني هذا. هل يكون…؟!
(يتحسس الندبة التي على وجهه، ثم ينهض ويتجه إلى لافتة «منطقة حرب كونية»، وينحني على الأرض)
هنا، في مكان ما هنا. لقد رأيته يحفر الأرض ويخفي ذاك الشيء الذي أخرجه مراراً من حقيبته.
(يتناول أوراقا صفراء مطوية من على الأرض)
هذه الأوراق هي ما كان ينظر إليه بين الحين والآخر، إنها رسالة…!
(يتأمل الورقة)
هذا الخط… هذا خطي… هذه هي آخر رسالة كتبتها هنا لعائلتي !
ما هذا؟!
(يتناول صورة صغيرة من على الأرض)
هذه صورتي قبل عشرين عاماً. ماذا يعني هذا؟!
الندبة السوداء على وجهه والرسالة وصورتي؟!
أيكون هو فعلاً. لم أره من قبل. كانت زوجتي حاملا في شهرها الخامس عندما أحضروني هنا.
هل مرت كل هذه السنين، لقد كبر فعلاً وأصبح شاباً يافعاً. هل هو….
(إظــــــلام)

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …